قدَّمَ الدكتور علي محمد اسبر، الباحث والأكاديمي السوري، ورقة بحثية خلال حلقة نقاش “نقد السردية التوراتية” في عمان- الأردن، نظَّمها مركز “مجتمع” للدراسات الثقافية والتاريخية، تعقيباً على ورقة فاضل الربيعي، المفكر والمؤرخ العراقي، والتي جاءت بعنوان (ضد ثقافة “إعادة إنتاج الرواية التوراتيَّة اللاهوتيَّة الأوروبيَّة”).
وننشر نص الورقة البحثية للدكتور علي محمد اسبر، في ما يلي:
أدرك فاضل الرُّبيعيّ بوعي عميق أنَّ علماء الآثار الأوروبيين يحفرون حاملين التَّوراة في يد والفأس في اليد الأخرى؛ لذلك ابتكر منهجاً تقويضيّاً-نقديّاً في علم التَّاريخ تجاوز فيه السَّرد التقليديّ-المُكَرَّس للأحداث التاريخيّة المُستنبطة من السَّرديّة التوراتية، من أجلِ الوصول إلى فهمٍ أعمقَ وأكثرَ دقَّةٍ لماضي “فلسطين” لإعادة كتابته في ضوءٍ جديد. ولقد عوَّل ببراعة على الشَّك المنهجي كأداة أساسيّة. فكان شُجاعاً في مواجهة المُسلّمات التَّوراتيّة وحتى الإسلاميّة المُستمدَّة منها على أنَّها حقائق لا جدال فيها، ولذلك وجّه عنايته إلى التَّحليل المصدريّ، أي إلى التَّحليل الدقيق للمصادر التاريخيّة مُتسائلاً عن صدقيتها، ومُظهِراً تحيُّزاتها المحتملة، وموضِّحاً السِّياق التَّاريخيَّ والثقافيَّ الذي كُتبت فيه، تحديداً التَّوراة وتفاسيرها وكتب التّاريخ المؤلَّفة في أُفقها، فأرجع التّوراة بأشخاصها وأحداثها وجغرافيتها إلى اليمن بناءً على أدلةٍ حاسمةٍ استقاها من خطّ المُسْنَد اليمنيّ القديم والسِّجلات الآشوريّة وتحليل النُّصوص التَّوراتيّة المكتوبة باللغة العبريّة، علاوة على رحلاته إلى المناطق الجغرافيّة المخصوصة في اليمن التي تتطابق-وفق نظريته- أحداث التَّوراة مع تضاريسها. كما كشفَ الدَّوافع وراء ربط الأحداث الواردة في التَّوراة بجغرافيَّةِ فلسطين؛ ولذلك أولى اهتمامًا كبيرًا بالسِّياق التاريخيّ-الجغرافيّ، كاشفاً عوامل مختلفة تقف وراء كتابة أسفار التَّوراة، ونظراً إلى أنَّ الإشكاليّة التي يعالجها مركّبة إلى أقصى حدّ لم يبنِ رؤيته النَّقديّة على تحليل أُحاديٍّ، بل اتّبع التَّحليلَ النَّقديَّ المُتَعدِّد التخصُّصات، فوظّف مناهج علوم عديدة، مثل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسيّة وعلم النقوش وعلم أصول اللغة وعلم اللغات المقارن، لفهم ماضويّة أحداث التّوراة بشكل أكثر شمولاً. فهو يُدْرك أنَّ التَّاريخ لا يحدث في فراغ، بل هو نتاج تفاعل تركيبيّ بين العوامل الجغرافيّة واللغويّة والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة. ولذلك أستطيع أن أقول إنَّ الرُّبيعيَّ رائدٌ من روّاد ما يُعرف بالتَّفسيرات البديلة في علم التّاريخ، لأنَّه لم يقبل سرداً واحديًّا ونهائيًّا للأحداث التاريخيّة التّوراتيّة، بل نبّهنا إلى أنَّ فهم ماضويّة التّوراة هو عمليّة مستمرة ومتطورة، وأن هناك دائمًا مجالًا لمزيد من البحث والتَّحليل.
سرديّات لاهوتيّة استشراقيّة وأسفار محرفة
وعليه، أرادَ الرُّبيعيّ إيجاد حلٍّ لإشكاليّة ذات أبعاد خطيرة من جهة تأثيرها في الثقافة العالميّة بوجهٍ عامّ؛ ذلك أنَّ هناك وفقاً لتحديدهِ “سرديّاتٍ لاهوتيّةً استشراقيّةً” ترجعُ ينابيعُها الأصليّةُ إلى أسفارٍ محرّفة تخرَّصها كهنةٌ ولاويونُ وحاخاماتٍ يهودٌ عِبْر الزَّمن، ثم كرَّستها في الأوساطِ الأكاديميّةِ والثقافيّةِ في مُخَتَلِف أنحاء العَالَم أجيالٌ من المؤرِّخين واللاهوتيين والمستشرقين وعلماء الآثار الغربيين منذ مطلع القرن التّاسع عشر إلى أن وَجَدَت هذه السّرديات في جامعات الكِيان الصهيونيّ بعد عام 1948 م جماعاتٍ من الباحثين من اختصاصاتٍ متنوِّعة جدًا يعملون مثل خلايا النَّحل لتحويل ما تُمليه هذه السَّرديات من معارف وقيم ومعايير إلى مسلّمات. وهنا لا بدّ من إيضاح قضيّة ذات أهميّة بالغة وهي ظهور تياراتٍ نقديّةً أوروبيّةً للرواية التوراتيّة بدأت منذ عصر التنوير الأوروبيّ وتطوّرت مع ما يُعرف بمدرسة النَّقد الأعلى الَّتي تزعمها المستشرق الألمانيّ يوليوس فلهاوزن واستمرت مع مدرسة الحدّ الأدنى للدِّراسات الكتابيّة Biblical minimalism التي جاءت كردّ فعل على علم الآثار المسيحيّ وعلم الآثار الصهيونيّ الذي يُعرف بعلم آثار الحدّ الأقصى، لأنه يقوم على قبول السَّرد التوراتي كمصدر تاريخي موثوق يجب تعديل جميع الأدلة الأخرى وفقًا له. وتحدَّى هذا النهج المتشدِّد صعود نموذج جديد في أوروبا للعلماء الكتابيين المعروفين باسم “أتباع مدرسة الحدّ الأدنى”. وكان ردُّ فعل مدرسة الحدّ الأدنى موجهًا ضد مؤرخين وعلماء آثار راديكاليين، مثل عالِمَي اللاهوت الألمانيين (ألبرشت ألت) و(مارتن نوت). وكان ممثلو الحدّ الأدنى التوراتي، (نيلز بيتر ليمشي) و(توماس طومسون) من جامعة كوبنهاغن، إلى جانب (فيليب ديفيز) و(كيث) و(ايتلام) من جامعة شيفيلد، متشككين للغاية في السَّرد التوراتي وينتقدون التزام اللاهوتيين والمؤرِّخين وعلماء الآثار بالإيمان اليهوديّ المسيحيّ وبالهُويّة الصهيونية. وتفصل مدرسة الحدّ الأدنى بين إسرائيل الأسطورية كما هي محدّدة في التوراة وإسرائيل التاريخية. ويحتجون بأنَّ السَّرد التوراتيّ تَشَكَّل فقط بعد تدمير الهيكل الأول والنفي البابليّ (القرن السَّادس قبل الميلاد)، أي في الحقبة الفارسية (في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد) وحتى في الحقبة الهلنستية (في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد).” ويتفق أتباع هذه المدرسة على موقفين رئيسين هما: أولاً-لا تقدِّم أسفار التوراة بوجه عامّ أدلة موثوقة عمَّا حدث في “إسرائيل القديمة”؛ ثانياً-تُعَدُّ “إسرائيل” موضوعاً مُلتبسَاً للدراسة التاريخية.
أرض فلسطين وأسفار التوراة
ولقد دفعت هذه التياراتُ النّقديّةُ الأوروبيّة مؤرخين وعلماء آثار “إسرائيليين” من ذوي الاتِّجاهات العلمانيّة من أمثال (شلومو ساند) و(زئيف هرتزوغ) و(إسرائيل فينكلشتاين) وغيرهم إلى وضعِ حدٍّ للأخذ بالرِّوايات التوراتيّة والاقتصار –وفق زعمهم-على إسقاط الاكتشافات الأركيولوجيّة الموثوقة في أرض “فلسطين” على ما يتناسب معها من وقائع مذكورة في أسفار التوراة، إذ عارضوا فكرة شعب الله المُختار، ورفضوا وجود ما يُسمَّى في الأدبيات التوراتيَّة عصر الآباء” (=إبراهيم وإسحق ويعقوب)، ولم يقبلوا أيضاً برواية استعباد بني إسرائيل في مِصْر أو خروجهم منها، وأنكروا أن يشوع وصيّ النبيّ موسى قاد بني إسرائيل في القرن الثالث عشر قبل الميلاد لغزو بلاد كنعان بعد الخروج من مصر، إلخ.. لذلك يختلف منهج هؤلاء عن منهج المتشدِّدين من علماء الآثار الصَّهاينة من أمثال (بنيامين مزار) و(آدم زيرتال) و(إبراهام بيران) وغيرهم، الذين ينطلقون من القصص المذكورة في أسفار التَّوراة ليلفقوا لها أدلة أركيولوجية على أرض فلسطين.
لكن المؤسِف في نظر الربيعيّ أن يتجرَّأ مثقفون يهود على رفض مسلّمات رئيسة في التوراة حتّى لا يتناقضوا مع معايير البحث العلميّ، وفي المقابل تتحوَّل هذه المُسَلّمات إلى مقدَّسات لا يُقْبَلُ المسّ أو الطعن بها في أوساط المثقفين والأكاديميين العرب، حتى إنّها أصبحت أساساً لمناهج التدريس في مراحل التَّعليم العامِّ ما قبل الجامعيّ وحتى التَّعليم الجامعيّ والدِّراسات العليا، تحديداً في حقل علم التَّاريخ في عالمنا العربيّ. ومن هنا اكتشف الرُّبيعيّ ضرباً من الوعي التوليديّ للرواية التوراتية عند كثير من المؤرِّخين العرب الذين قاموا وفقاً لقوله بـ” إعادة إنتاج الرِّواية التَّوراتيَّة اللاهوتيَّة الأوروبيّة، وتقديمها بوصفها سرديّةً تاريخيّةً صحيحةً”.
غزو بني إسرائيل للمدن الكنعانية
وكما ذكرنا سابقاً إذا كان مؤرِّخون وعلماء آثار “إسرائيليون” قد رفضوا الرواية التَّوراتيّة الواردة في سِفْر يشوع عن غزو بني إسرائيل للمدن الكنعانيّة، إلا أنَّ هؤلاء كافةً لم يُنكروا الوجود التَّاريخيّ للكنعانيين من أجل المحافظة على الحدّ الأدنى من صدقيّة الرواية التّوراتيّة وعدم تدميرها على نحو نهائيّ؛ لكنَّ الرُّبيعيّ وقف عند هذه القضيّةِ واتّخذ موقفاً غير مسبوق رافضاً وجود أيّ شعب كنعانيّ بأرض “فلسطين”.
ينطلق الرُّبيعي من قناعة راسخة بالنسبة إليه وهي أنّ الكنعانيين –كما قال-“لقبٌ أطلق حديثاً على الفلسطينيين مع بدايات الاستيطان الأوروبيّ، ولا أصل له في التَّاريخ.” ودليله على ذلك كما قال: “ليس هناك أيّ رواية عربيَّة إسلاميَّة سابقة على هذا العصر، تزعم أنَّ الفلسطينيين كانوا يُعرفون باسم (الكنعانيين). كما لا توجد روايةٌ توراتيَّة أو من الأناجيل المسيحيَّة الأربعةِ تقول ذلك.” ويُرْجِعُ إطلاقَ لقبِ الكنعانيين على الفلسطينيين إلى “علماء آثار” من “خرِّيجي معاهد اللاهوت اليهوديّ في أوروبا”، ويأسف لأنَّ هذا اللقبَ سادَ بين الفلسطينيين أنفسهم الذين لم يقتنعوا بهذا اللقب فقط، بل أصبحوا يتفاخرون به، وهذا ما أسماه الرُّبيعيّ وفقاً لاصطلاحه “عبوديّة السَّرد”، ويقصد من ذلك ” أنَّ أيّ أمّةٍ في التَّاريخ البشريّ قديماً وحديثاً، يمكن أن تصبح أمّةَ عبيدٍ، حين تتقبّل سرديّة العدوّ الذي يحتل أرضها”. وينبِّه إلى أنَّ ما أسماه “الاستشراق العربيّ” –ويعني به الرواية التاريخيّة العربيّة المعاصرة-أعاد “تكريس السَّرديّة الأوروبيّة”، لأنَّه ليس إلا “الوجه الآخر لسرديّة “صندوق استكشاف فلسطين” اللندنيّ.”
يرفض الرُّبيعيّ من هذا المنطلق أيّ وجودٍ للكنعانيين ويتساءل متشكِّكاً عن إمكانيّة “تخيّل وجود حضارة كنعانية تمتد من مصر حتى بلاد الشَّام والعراق”، ويُطالب في تحدٍّ إظهار أيّ دليل يتعلّق بكنعانيي فلسطين. ويُفَسِّر قبول وجود الكنعانيين في “فلسطين وسائر المنطقة الممتدة من مِصْر حتى الشَّام وتخوم العراق” بأنّه ناتج عن “خداع أركيولوجي كانت وظيفته الكبرى تسهيل السَّبيل أمام هيمنة السَّرد، أي تمهيد الطريق أمام “عبودية السَّرد”. علاوة على “خلق هُويات” متعارضة، منفصلة ومتصارعة: آرامية، فينيقية، كنعانية، أمازيغية، إلخ..”.
مصادر ابتكار فكرة “الشَّعب الكنعاني”
والحقيقة أنَّ هذا الطَّرح القائم على رفض وجود الكنعانيين في بلاد الشَّام يستحقّ كلّ اهتمام، ويُعَدُّ ثورة حقيقيّة في علم التَّاريخ، قد تؤدي إلى إعادة كتابة تاريخ المنطقة على نحو مغاير لما هو سائد ومتداول ومُكرَّس في الأوساط الثقافيّة والأكاديميّة العالميّة.
ولا بدّ في هذا الاتّجاه من التمييز بين مصدرين رئيسين من مصادر ابتكار فكرة “الشَّعب الكنعانيّ” من أجل الفحص عن موقف الرُّبيعي من هذين المصدرين، واستقصاء طبيعة المنهجيّة النقديّة التي توخَّاها من أجل تقويضهما:
المصدر الأوَّل: الرواية التّوراتيّة: “وَكَانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْفُلْكِ سَامًا وَحَامًا وَيَافَثَ. وَحَامٌ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ.” (تكوين: 9 :18)؛ “وَكَنْعَانُ وَلَدَ: صِيْدُونَ بِكْرَهُ، (…). وَبَعْدَ ذلِكَ تَفَرَّقَتْ قَبَائِلُ الْكَنْعَانِيِّ. وَكَانَتْ تُخُومُ الْكَنْعَانِيِّ مِنْ صَيْدُونَ، حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ جَرَارَ إِلَى غَزَّةَ، وَحِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَأَدْمَةَ وَصَبُويِيمَ إِلَى لاَشَعَ.” (تكوين: 10 : 15-19)
يظهر هنا على نحوٍ واضح الرَّبط بين كنعان الأب وصيدون الابن، على نحو سيُستفاد منه في الربط بين الكنعانيين والصيدونيين أي الفينيقيين، بمعنى أنَّ الفينيقيين سيُطرحون بصفتهم من نسل الكنعانيين، وأنهّم كانوا قد سمُّوا أنفسهم كنعانيين (Canaanites) وسمّوا أرضهم كنعان (Canaan).
وهنا موقف الرُّبيعيّ واضح فهو لا يرفض وجود شعبٍ كنعانيٍّ على نحوٍ مطلق؛ لكنه يرفض أن يكون هذا الشَّعب قد وُجِدَ، تاريخيّاً، في بلاد الشَّام بعامّة وفي فلسطين بخاصّة، إلا أنّه يُسَلِّم بوجود شعب كنعانيّ في اليمن، مؤكِّداً-وفق قوله-أنّه: “ليس ثمة أي صلة للفلسطينيين بالشَّعب الكنعانيِّ القديم الذي عاش في اليمن، وهو شعب عظيم ساهم مع قبائل معين في الجوف بتأسيس مملكتين جنوبيتين هما، مملكة “أوسان” ومملكة “قتبان” في وادي بيحان.”؛ لكن قد يُواجه الرُّبيعيّ باعتراض وهو أنّه إذا كان يرفض مقولات السَّرديّة التوراتيّة في ما يتعلّق بوجود شعب كنعانيٍّ في فلسطين، فلماذا يؤكِّد وجود هذا الشَّعب في اليمن؟ هل هذا يعني أنّه يُسلِّم بصحة الرواية التَّوراتيّة شريطة نقل جغرافيتها من فلسطين إلى اليمن؟
لا شك في أنَّ هذا الاعتراضَ مبنيٌّ على فهمٍ مغلوطٍ لموقف الرُّبيعيّ فهو لا يستنبط من التَّوراة أيّ معلومات على الإطلاق ولا يتعامل معها بصفتها وثيقة تاريخيّة؛ وإنّما يُحلِّل ما يرد في التّوراة في ضوء الأدلة الأركيولوجيّة، فالرواية التّوراتيّة التي طَرحت الكنعانيين بصفتهم أُناساً مُحْتَقَرين ومَطرودين ومَغضوباً عليهم من يهوه ترجع إلى أُصول تاريخيّة مختلفة، استطاع الرُّبيعيّ تحديدها على نحوٍ لافت، ففي رأيه أنَّ “فكرة طرد كنعان كقبيلة نجسة/ مُدنسة سوف تتبدّى لنا كتصوّرٍ يهوديٍّ سقيم، قام بتأسيس صُوره الأولى يهودُ الجنوب الحِمْيريّ، الذين كانوا يكنّون كراهية غير محدودة لقبائل كنعان في وادي بيحان.” واستقى الرُّبيعيّ رأيه هذا من أنَّ “النقوش البابلية-الآشورية ومنذ 950 ق.م لا تسجل اسم كنعان في فلسطين أو في بلاد الشَّام القديمة قط، وهي تجهله تماماً؛ وعلى العكس من ذلك يرد في السِّجلات الآشورية اسم “كنعان” و”كنعانيين” ضمن جغرافيّة اليمن، وهم اصطدموا بالآشوريين سوية مع قبائل حِمْير وسبأ.” وعليه، يمكن أن نستنبط أنَّ الرُّبيعيّ يميّز بين كنعانيي اليمن؛ وهم شعب حقيقيّ موجود فعلاً على المستوى التَّاريخيّ، وبين كنعانيي فلسطين؛ وهم شعب غير موجود تاريخيّاً، وإنما اخترعه الاستشراق اللاهوتيّ الأوروبيّ، واستأنف هذا الاختراع-وفق تعبيره- “الاستشراق العربيّ”. إذن، ليست المشكلة في وجود الشَّعب الكنعانيّ، وإنَّما في جغرافيّة وجوده وأصوله الأنثروبولوجيّة وخصوصيته الحضاريّة. وما استنتجه الرُّبيعي في هذا الاتجاه متناقض تماماً مع الطِّرح اللاهوتيِّ التوراتيّ ولواحقه الاستشراقيّة واستئنافاته الأكاديميّة العربيّة.
المصدر الثاني: اكتشافات علماء الآثار الذين يزعمون أنّهم توصَّلوا إلى أدلة أركيولوجيّة تُثبت وجود شعب كنعانيّ كان موجوداً في بلاد الشَّام، تحديداً في فلسطين، وهذا ما يرفضه الرُّبيعي رفضاً قاطعاً، ويَعُدُّه من مُخرجات السَّرديّة اللاهوتيّة الاستشراقيّة، ويقدّم طرحاً مناقضاً؛ فهو يتحدّى أيَّ عالم آثار أو مؤرِّخ أن يقدِّم أيَّ دليل أركيولوجي على وجود الكنعانيين في بلاد الشَّام أو فلسطين بدءاً –على حدِّ قوله-بـ”لوحاتهم الرخامية العملاقة”، أو “نقودهم”، أو “سجلات ملوكهم وسنوات حكمهم”، أو “قائمة بأسماء ملوك كنعان في فلسطين ومصر وبلاد الشام”.
والحقيقة أنَّ الرُّبيعيّ بطرحه المناقض هذا يضعنا بإزاء تحدٍّ كبير، إذ كيف يمكن لنا أن نُفنِّد صحة كلّ الدلائل الأركيولوجيّة التي جمعها علماء الآثار بوجه عامّ عن وجود الشَّعب الكنعانيّ في فلسطين وبلاد الشَّام -وهم يؤلِّفون تياراً هائلاً، غرباً وشرقاً- من منطلق أنّهم-وفق قوله- “هُواة” غير محترفين ويرجعون في غالبيتهم إلى مدرسة “الاستشراق اللاهوتي الأوروبيّ”؟ لذلك تقتضي الموضوعيّة العلميّة التركيز على مدى صحة هذه الدلائل الأركيولوجيّة، –وهنا نفترض مع الرُّبيعيّ أنَّ هذا الموضوع مهمل على نحوٍ تامٍّ من قِبَل الباحثين العرب المتخصِّصين- ولكن، إن كانَ من الصَّعب بالنسبةِ إلى الرُّبيعيّ وتياره أن يُوَاجهَ هذا التّحدي كلُّهُ، فلا يجب أن يُتَرك كلَّه؛ لأنَّ غالبيّة نقَّاد الرُّبيعيّ، تحديداً من العرب، يُعوِّلون على هذه الدَّلائل الأركيولوجيّة أنفسها لمهاجمة أطروحاته التجديديّة.
إنَّ المثير للريبة في هذه الدلائل الأركيولوجية التي جمعها مستشرقون ومؤرخون وعلماء مصريات وآشوريات، وتشكل نواة السردية اللاهوتية-الاستشراقية، هو أنّها، رغم كونها مستمدة من مناهج البحث في علم الآثار، تتوافق مع الرواية التوراتية بنسب متفاوتة. وهذا ما يجعل نقدها مهمة ملحة من أجل كشف طرق تلفيقها، وإلا سيكون أي طرح مناقض لها غير مكتمل. والحقيقة أنَّ هذه المهمة ليست مهمة الرُّبيعي وحده – وإن كان معنيًا بها شخصيًّا بالدرجة الأولى – إذ يكون من الظلم مطالبته وحده بمتابعة هذه الأدلة المزعومة، التي تثبت وجود شعب كنعاني في بلاد الشام أو فلسطين، من أجل تفنيدها دليلاً بعد آخر. لكن هذا، في المقابل، لا يعني تجاوز هذه الإشكالية؛ لأنَّ في تجاوزها محافظةً عليها بطريقة أو أخرى. صحيح أنَّ الرُّبيعي حاول إبطال هذه الدلائل عن طريق تحليل النصوص العبرية الأصلية، واستحضار النقوش اليمنية، وفحص السجلات الآشورية؛ لكن هذا كله ينبغي أن يُتوج بما يمكن أن أسميه تقويض العناصر الأركيولوجية المكونة للسردية الاستشراقية، بتفكيكها عنصرًا عنصرًا وإثبات بطلانها، وإلا ستبقى حاضرة بقوة في الوعي الجمعي، لأنَّها مكرسة على جميع المستويات، وتقف صروح أكاديمية وثقافية وإعلامية عالمية وحتى عربية وراء ترويجها.
الرِّواية التَّوراتيّة وجغرافيا بلاد الشَّام
ويمكن هنا أن أقدِّم نماذجَ عن هذه العناصر، تحديداً في يتعلّق بمنهجيات تكوين تعالُق بين الرِّواية التَّوراتيّة وجغرافيا بلاد الشَّام بما فيها فلسطين؛ ذلك وفق الآتي:
اكتشف عالم الآثار الإيطالي باولو ماثيا وفريقه ألواحاً في مدينة إيبلا في سوريا في عامي 1974-1975 م، وتوفر هذه الألواح –وفق زعم عالم الآثار الإيطاليّ جيوفاني بيتيناتو الذي فكّ رموزها لأوَّل مرَّة -ثروة من المعلومات عن سوريا وبلاد كنعان في العصر البرونزيّ المبكِّر، وتتضمن أوَّل إشارات معروفة إلى “الكنعانيين” بصفتهم سكان بلاد الشَّام، فاسم كنعان الوارد في هذه الألواح دالّ على مكان كا-نع-نع-نوم ca-na-na-num و كا-نع-نع ca-na-na -ربما أصبح متداولاً في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد. وقام مركز أبحاث إيبلا، بجامعة نيويورك، بنشر أربعة مجلدات من المقالات عن لغة إيبلا والأرشيفات، ضمن سلسلة Eblaitica التي بدأت في عام 1988.
كما ذُكِر اسم “الكنعانيين”-وفق زعم السَّرديّة الاستشراقيّة-في الوثائق الأكادية من مدينة ماري، وكان عالم الآثار الفرنسي أندريه بارو قد قاد عمليات التنقيب في ماري من عام 1933 إلى عام 1975. وتمثيلاً لا حصراً في رسالة موت بيشير mut-biśir إلى شمشي أدد الأوَّل (1776-1808 قبل الميلاد)، كان قائداَ عسكريًا رفيع المستوى لدى الملك شمشي أدد الأول. عاش في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ويظهر اسمه بشكل متكرِّر في رسائل ماري. وفي إحدى هذه الرَّسائل، من موت بيشير إلى شمشي أدد الذي كان قد احتل مدينة ماري، أشار إلى الكنعانيين بالاسم بالأكاديةki-na-aḫ-nu(m) : وفي هذه الرسالة، يصف موت بيشير جنوده وقوات الكنعانيين المحتشدة بأنهم يراقبون بعضهم بعضاً عن كثب، إذ إنَّ ماري تقع غرب مدينة البوكمال السورية ويمكن أن تكون جيوش الكنعانيين القادِمة من السَّاحل قد اقتربت من تخومها .
وتستمرّ المزاعم عن ورد اسم الكنعانيين على النحو الآتي: كي-إن-ع-نيم ki-in-a-nim في نصوص اكتُشفت في مدينة آلالاخ Alalakh، في نقش إدريمي ملك آلالاخ (نحو 1460-1400 ق.م) الذي ذُكِرَ في النقش أنه دخل أرض كنعان.
وهناك ادّعاء مفاده كشف رسائل تل العمارنة التي كُتبت بلغة أكاديّة-كنعانيّة مختلطة وترجع إلى النصف الأوَّل من القرن الرَّابع عشر قبل الميلاد للمراسلات الدبلوماسيّة بين الإدارة المصرية وممثليها في كنعان –وظهر فيها اسم كنعان، وسُمِّيَ سكان أرض كنعان في هذه الرسائل أنفسها كينعهاي kinahhi أو كينعانا kinahana. وظهرت هكذا: kn’ nw في نقوش أمنحتب الثاني.
ونجد-وفق المزاعم الاستشراقيّة-أنَّ اسم بلاد كنعان قد ذًكِر منذ منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد باسم كنا ني kn’ ny في نصوص من أوغاريت. وفي رسالة أكاديّة وجدت في أوغاريت، تم ذكر الشَّعب الكنعانيّ.
والحقيقة أنَّ هناك ظاهرة غريبة بدأت بالسيطرة على الدراسات الكنعانيّة في أوروبا وهي أنَّ الربط بين الكنعانيين والصيدونيين الوارد-كما مرَّ معنا- في سِفْر التَّكوين سيتكرَّر في السَّرديّة الاستشراقيّة، على أساس الرَّبط بين الكنعانيين والفينيقيين، إذ توجد مزاعم مفادها أنَّ اللفظة اليونانية (فوينيكس phoenix=اللون الأرجوانيّ) التي اشتق منها اسم الفينيقيين Phoenician ليست أكثر من ترجمة بسيطة للفظة الأكاديّة كيناعاو kinahhu وهي لفظة ظهرت في نصوص من القرن الخامس عشر إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد في مدينة نوزيNuzi . في هذه الوثيقة يشير المصطلح إلى بلاد كنعان وإلى اكتشافها الأكثر أهمية، وهو الصُّوف المدبوغ باللون الأحمر أو كيناعو kinahhu. دلت نصوص نوزي أنَّه على الأقل منذ منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، كان لاسم كنعان معنى مزدوج: المعنى الإثني والجغرافي هذا من ناحية، ومعنى دال على اللون الأحمر أو الأرجواني من ناحية أخرى. لذلك تم إنشاء تشابه واضح مع أصل الكلمة اليونانية phoinix. في كلتا الحالتين تأخذ صناعة القماش الأرجواني والصباغة اسم بلد المنشأ. إنَّ اليونانيين في الحقبة الميسينية أو في بداية الألفية الأولى قبل الميلاد يمكن أن يكونوا قد صادفوا اسم مكان يدل على اللون الأحمر أو ما يعادله في لغة الفينيقيين الخاصة بهم، وكل ما فعلوه هو أن قاموا بترجمة هذا الاسم.
إشكالية إثبات وجود شعب كنعاني في بلاد الشام
واستمرت السَّرديّة اللاهوتيّة-الاستشراقيّة بتوكيد مزاعمها في هذا الخصوص فخرجوا بزعم مفاده أنَّ هيكاتيوس الملطي Hecateus of Miletus في القرن السادس قبل الميلاد ذكر أنَّ الفينيقيين كانوا يُسمّون في السابق كنع Chna وأنَّه تَمَّ النَّسخ إلى اليونانيَّة من السَّاميَّة “كنعان Chanaan “.
والحقيقة أنَّ الرُّبيعي يردّ على هذه المزاعم السابقة التي تُعَدّ دلائل أركيولوجيّة قاطعة –في دوائر علم الآثار في مختلف أنحاء العالم-على إثبات وجود شعب كنعانيّ في بلاد الشام بما فيها فلسطين، عن طريق منهج مخصوص، -كما ظهر في ورقته- هو تحليل نقوش آشوريّة تشير إلى كنعان في حملات شلمانصر الثالث. يقول الربيعي في ورقته: “إن النقوش البابلية الآشورية ومنذ 950 ق.م لا تسجل اسم كنعان كشعب أو حضارة كبيرة قط، وهي تجهله تماماً، لكن هذه النقوش تسجل الاسم كنعان/ كنعانيون كقبيلة في وقت متأخر من هذا التاريخ، وذلك حين اصطدم شلمانصر الثالث بالإسرائيليين والكنعانيين وقبيلة خولان وقبائل أوسان والعمونيين وقبائل جندب في اليمن. وفي النقش التالي يسجل الإمبراطور الآشوري اسم هذه الجماعة هكذا (جبل الكنعانيين/ عرّ الكنعانيين). وكلمة (عرّ Ir) تعني (عر/جبل) بلهجات اليمن (مثل عرّ عدن، عر خولان الخ.). إن نص شلمانصر الثالث، ينهي كل وأيّ نقاش حول شعب وهمي يدعى شعب كنعان في فلسطين، فهم هنا قبيلة من القبائل التي تصدّت للغزو الآشوري لليمن، وكانوا يقاتلون كتفاً لكتف: الأوسانيون (قبائل مملكة أوسان) والعمونيون (القتبانيون) ومعهم أخاب الإسرائيلي.”
غير أنَّ هذا الرأي أيضاً كان مثاراً لإشكاليّة عند بعض المتأوِّلين الآخرين الذين استنتجوا من نظريّة الرُّبيعيّ عن وقوع أحداث التَّوراة في اليمن القديم أنّه يُعطي الحقّ لليهود للمطالبة باليمن عوضاً عن فلسطين، بيد أنَّ ردّ الرُّبيعيّ كان مُفْحِماً أيضاً، فقد ميّز بين قبيلة بني إسرائيل وهي –في رأيه- قبيلة عربيّة قديمة ظهرت فيها مجموعة من الأنبياء، ومنهم النبيّ موسى، وبين اليهود، وهم أُناس من أصول قبليّة وعرقيّة مختلفة اعتنقوا ديانة أنبياء بني إسرائيل، مثلما هو الحال في الإسلام تماماً، فالنبيّ محمد (ص) ينتمي إلى قبيلة قريش، لكنَّ المسلمين ينتمون إلى قبائل وأعراق مختلفة، وكما لا يحقّ للمسلم الإندونيسي مثلاً-وفق رؤية الربيعيّ-أن يطالب بمكة المكرّمة بصفتها ميراثاً له لأنّه مُسلم، لا يحقّ كذلك للأوروبيّ مثلاً أن يُطالب بأرض اليمن بصفتها ميراثاً له لأنّه يعتنق اليهوديّة.
إذن، هذه هي المزاعم الرئيسة التي استندت إليها السَّرديّة اللاهوتيّة الاستشراقيّة الصهيونيّة لإثبات وجود شعب كنعانيّ في فلسطين، وهذا هو ردّ الرُّبيعيّ عليها؛ لكن رغم عمق ردّ الرُّبيعي وأهميته، لا بدّ من إعادة النَّظر في الألواح والنقوش والإشارات التي تمَّ الاستناد إليها في السرديّة الاستشراقيّة الآثاريّة من أجل تفنيدها، وهذا عمل يفتح أفقاً واسعاً لإعادة كتابة تاريخ منطقتنا. ولا شك في أنَّ ما بذله الرُّبيعيّ من جهود، كمّاً وكيفاً، في هذا الاتّجاه يعادل عمل فريق باحثين، لكن تبقى الحاجة قائمة لإعادة تحليل هذه الأدلة الأركيولوجيّة المزعومة دليلاً دليلاً، من أجل تحقيق أكبر قدْر من المواجهة المعرفيّة مع استعمار العقل العربيّ.
والحقيقة أنَّ غالبية علماء الآثار من الأوروبيين والصهاينة واليهود يستندون إلى هذه الأدلة في إثبات وجود شعب كنعانيّ في فلسطين، ولم يختلفوا إلا في تحديد العلاقة بين الكنعانيين وبني إسرائيل؛ غير أنّهم لا يخرجون في نظرياتهم عن هذه النماذج الأربعة التي أجمَلَها ويليام جي ديفر أستاذ فخري لعلم الآثار والأنثروبولوجيا في الشرق الأدنى بجامعة أريزونا:
النموذج الأول-الغزو:
إنَّ نموذج غزو بني إسرائيل للمُدن الكنعانية والاستيلاء عليها لا يؤيده أغلب العلماء الكِتابيين اليوم. فضلاً عن ذلك، لا يوجد عالم آثار محترف واحد مرموق في العالم يتبنى نموذج غزو بني إسرائيل للمدن الكنعانيّة سواء أكان في أوروبا أم أميركا.
النموذج الثاني-نموذج التَّسلل السِّلمي للبدو الرُّحل إلى المدن الكنعانيّة:
يقوم على تأكيد تحرُّكات للبدو من شرق الأردن، إلى غرب فلسطين عبر نهر الأردن؛ وتأسست عليه مجموعة من النَّظريات حول ظهور “إسرائيل” بصفتها مستمدّة من أصول بدوية رعويّة.
النموذج الثالث-الثورة الفلاحية:
يقوم على افتراض أنَّ الفلاحين الذين كانوا يعيشون في الأرياف المحيطة بدول المدن الكنعانيّة في فلسطين قاموا بثورة أدت إلى نشوء “إسرائيل”، هذا النموذج يؤكد على الأصول الأصليّة الكنعانيّة لمعظم بني إسرائيل الأوائل.
النموذج الرابع-نموذج التكافل:
تفرَّد بطرحه عالم الآثار الألمانيّ فولكمار فريتز. وهو يشير إلى أن الأشخاص الذين يُسمَّون بـ”الإسرائيليين الأوائل”، عاشوا أمداً طويلاً إلى حدٍّ ما جنباً إلى جنب مع الكنعانيين ـ ربما ليس كلّ “الإسرائيليين”، ولكن أغلبهم. وقد نشأوا بطريقة ما من المجتمع الكنعاني الحضري في أواخر العصر البرونزي. |
يُلاحَظ أنَّ هذه النماذج الأربعة التي تُعَدّ نظريّات معياريّة عن إثبات وجود الشَّعب الكنعانيّ عند علماء الآثار الكتابيين تُجمع كافةً على أنَّ الكنعانيين يُعَدُّون السُّكان الأصليين للبلاد قبل بني إسرائيل أنفسهم.
النموذج الأكثر حضوراً الآن
إنَّ النموذج الأكثر حضوراً الآن في الأوساط العلميّة هو النموذج الثَّاني، أي التَّسلل السِّلمي للبدو الرُّحل إلى المدن الكنعانيّة، وقد أخذ به فينكلشتاين الذي يزعم أنَّ البدو الرُّحل القدامى أو “الإسرائيليين” استوعبوا التقاليد الخزفية الكنعانية على مدى مدّة من الزمن، تماماً كما يفعل البدو عندما يستقرّون ويصبحون مزارعين. وهو لا يزعم أن الوافدين الجدد جاءوا من شرق الأردن، ناهيك عن مصر. فهو يعتقد أنهم كانوا موجودين في فلسطين منذ أقدم العصور. وبالتاليَّ فإن “الإسرائيليين” بدو رحل محليون في طور الاستقرار. ولكن يختلف معه ويليام جي ديفر نفسه، إذ يزعم بدوره أنَّ “هؤلاء الإسرائيليين” الأوائل لم يكونوا في أغلب الأحوال بدواً رعويين على الإطلاق، ولم يكونوا أجانبَ على الإطلاق؛ كانوا كنعانيين نازحين كما يتبيّن من رسائل تل العمارنة، إذ إنَّ مدن- الدُّول الكنعانية كانت تنهار منذ عام 1400 قبل الميلاد. كان هناك نزوح جماعي من هذه المدن الكنعانية، لذا كان هناك بالفعل عدد كبير من السُّكان الريفيين، وكانوا في حالة تغيُّر دائم. وكانت المناطق الجبلية ملاذاً مثالياً لهم.
والحقيقة أنَّ الرُّبيعيّ رغم معرفته بكلّ ما سبق من هذه الدلائل الأركيولوجيّة المزعومة لم يتراجع عن أطروحاته النافية لوجود شعب كنعاني في بلاد الشَّام، فضرب بسهم وافر في الدِّفاعِ عن نفيه لكنعانيي فلسطين، وأكّد أنّه لا يمكن لأيّ عالم آثار أن يثبت وجود الكنعانيين إلا إذا استطاع تقديم نموذج حقيقيّ عن نقودهم.
لكن يقول روبرت كول، رئيس قسم العملات المعدنية في هيئة الآثار الإسرائيلية: “لم يتم حتى الآن العثور إلا على نحو اثنتي عشرة عملة معدنية مبكرة تعود إلى قرنين من الزمن بعد اختراع العملات المعدنية في عمليات التنقيب الإسرائيلية”. ويقول كول: “إذا نظرنا إلى التَّسلسل الزَّمني، بدأ الناس في استخدام الفضة كوسيلة لشراء السِّلع منذ نحو 4400 عام في بلاد ما بين النهرين. وتم اختراع العملات المعدنية في أواخر القرن السَّابع قبل الميلاد، أي منذ 2700 عام، واستغرق الأمر 500 عام أخرى قبل أن تنتشر العملات المعدنية على نطاق واسع. وبحلول نحو 250-300 قبل الميلاد، كان الجميع يستخدمون العملات المعدنيّة”. وفي هذه العملية المطولة لاعتماد العملات المعدنية، استمر الناس في استخدام قِطَع الفضة. ولذلك كان الكنعانيون انسجاماً مع هذه التواريخ يستخدمون الفضة المقطوعة .
لكن يبدو أنَّ علماء الآثار الصهاينة كانوا متنبهين إلى خطورة هذه القضيّة، فزعموا أنّه في عام 2014 تمَّ اكتشاف عملة كنعانيّة يُرجَّح أنه ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد في كهف بالقرب من كيبوتس لاهف Kibbutz Lahav في جنوب “إسرائيل”، وتم عرضه مؤخرًا في متحف روكفلر في القدس.
ويزعم جيتزيل م. كوهين هو أستاذ في الدراسات الكلاسيكية أنّه في القرن الثاني قبل الميلاد، في الحقبة السلوقيّة أصدرت لاوديكيا (=اللاذقيّة) عدداً قليلاً من العملات البرونزيّة، حملت إحداها نقشاً فينيقيّاً تمت قراءته على أنه “من لاوديكيا التي هي في كنعان” أو “من لاوديكيا الأم في كنعان”.
مجرد مزاعم
لكن تبقى هذه الاكتشافات مجرد مزاعم لا يمكن القطع في صحتها، ويوجد تشكيك كبير فيها، ولهذا ينبّهنا الرُّبيعيّ في الحقيقة إلى مدى عمق المشكلة التي نواجهها، فكلّ ما نعرفه عن أنفسنا يرجع إلى هؤلاء الأوروبيين المستعمرين الذين دمّروا عالمنا العربيّ ومزّقوه وما نزال خاضعين لقراءتهم لتاريخنا.
وتضافُ إلى ذلك الحجّة الَّتي طرحها الرُّبيعيّ التي تتعلّق برفضه رفضاً قاطعاً إمكانيّة تقديم قائمة بسجلات الملوك الكنعانيين وأزمنة حكمهم، علماً أنَّ اسم “كنعان” –وفق الزَّعم الاستشراقيّ-يشير إلى منطقة تضم كلَّ فلسطين وسوريا، وأحيانًا إلى الأرض الواقعة غرب نهر الأردن فقط؛ لكن هنا توجد نظريّة مقابلة تبنتها السَّرديّة الأوروبيّة الاستشراقيّة وهي أنَّ الكنعانيين لم يخضعوا لحكم إمبراطوريّ واحد وإنما انتشروا في ما يُعرف بدول المُدن مثل أوغاريت وصور وأرواد، إلخ.. وانطلاقاً من نظريّة الحكم الفيدراليّ كانت كلُّ مدينة تُعَدّ مملكة، وكانت المملكة الأم هي مملكة أوغاريت.
هذا، وعند التنقيب في مدينة أوغاريت، عُثر بالمصادفة في 1928-1929 في رأس شمرا بسوريا، على عدة طبقات من ألواح طينيَّة مسماريّة؛ جميعها تعود إلى المرحلة الأخيرة من أوغاريت، نحو 1200 قبل الميلاد. ووُجِدَ أنَّ النَّصوص مكتوبة-وفق التصنيف الاستشراقيّ-بلغة ساميّة شماليّة غربيّة غير معروفة (الكنعانيّة). وعُثر على ألواح أخرى في الموقع نفسه مكتوبة بلغات مسماريّة أخرى (السومريّة والحوريّة والأكاديّة)، بالإضافة إلى الهيروغليفية المصريّة واللوويّة، والسيريلية القبرصيّة. وعُثر على الألواح في مكتبة القصر الخاصة بأحد رجال السياسة الأوغاريتيين واسمه رابانو Rapanu، وفي مكتبة المعبد الخاصَّة به. وتضمّنت الألواح معلومات تتعلق بشؤون دينيّة وسياسيّة وقانونيّة واقتصاديّة .
وبعد اكتشاف ألواح أوغاريت تبيّن وجود سجلات تاريخية مختلفة تحتوي على معلومات عن ملوك كنعانيين مختلفين. وكان آخر ثمانية ملوك لأوغاريت، تم توثيقهم جميعًا-وفق الزَّعم الاستشراقيّ- استناداً إلى ألواح أوغاريت وغيرها من المصادر الأركيولوجيّة، وتم إدراج مراحل حكمهم التقريبية على النحو الآتي: أميتامرو الأول Ammittamru حكم إلى 1349 ق.م -نيقامدو الثاني Niqmaddu II 349-1315 ق.م -أرقلبا الثانيArḫalba II 1315–1313 ق.م-نيقمبا السادس Niqmepa VI 1315 ق.م (السنة التاسعة من حكم مورشيلي الثاني الملك الحثيّ) – على الأقل إلى 1265 ق.م.-أميستامرو الثاني Ammistamru II من 1265 إلى 1235 ق.م -إيبيرانو السادس Ibiranu VI1235–1225 ق.م-نقمدو الثالث Niqmaddu III1225–1215 ق.م-أمورابي Ammurapi 1215 – 1194 ق.م.
ولكن وإن كان هناك مزاعم كرَّسها ما يمكن أن أسمّيه علم الآثار الاستشراقيّ استناداً إلى أدلة غير مستمدّة من الرواية التوراتيّة تؤكد وجود سجلات ومراحل زمنيّة محدّدة لملوك كنعانيين في أوغاريت، فهل يمكن بحكم الامتداد الجغرافيّ لـ”بلاد كنعان” أن يكون هناك ملوك كنعانيين في جنوب بلاد الشَّام أو في فلسطين؟
وجود مدن كنعانية في “فلسطين” منذ أقدم العصور
ركّز علماء الآثار الأوروبيون على وجود مدن كنعانيّة في “فلسطين” منذ أقدم العصور، وزعموا أنَّ أسماءها تظهر في الكتابات المسمارية والمصرية والفينيقية منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد على نحو يتفق مع الرواية التَّوراتيّة. هذا، وفق ادعاءاتهم، كشفت الحفريات التي جرت بشكل رئيس في القرن العشرين، عن بقايا العديد من المدن الكنعانية المهمة، بما في ذلك بيت شان، وجازر، وحاصور، وأريحا، والقدس، ولخيش، ومجدو، وشكيم. وأهم مصادر تاريخ هذه المنطقة هي ألواح اوغاريت، ورسائل تل العمارنة، وهي مجموعة من الرسائل التي أرسلها حكام المدن الفلسطينية والمدن السورية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد إلى ملوك مصر.
في حقبة تل العمارنة في عهد الملك أخناتون، الذي خلفه الملك-الصَّبيّ توت عنخ آمون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد تمَّ كشف عدد من أسماء ملوك مدن الدُّول الكنعانيين في “فلسطين” عن طريق رسائل تل العمارنة من قبيل: لابايا Labaya كان لابايا حاكم شكيم في منطقة التلال الوسطى في جنوب كنعان. وذُكِرَ في هذه الرسائل عبدي هبة Abdi-Heba ملك القدس المحلّي في الحقبة نفسها. كما كان ملكي -إيلو ملك أرض جازرو (جازر=تل الجزريّ) نحو عام 1350 قبل الميلاد. وكان بريديا Biridiya حاكمًا ملكاً لمجدو (تل مجيدو)، الجزء الشَّمالي من بلاد الشام الجنوبية، في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وإلى ما هنالك من أسماء وردت في رسائل تلّ العمارنة.
والحقيقة أنّه للتأكّد من أسماء هؤلاء الملوك لا يكفي التعويل على رسائل تلّ العمارنة؛ لأنَّ مرحلة العمارنة كلّها مشكوك فيها.
يقول مؤرِّخ الفنون جيسي واوج: “لنتأمل هنا لحظة واحدة أنَّ تل العمارنة/ وأخناتون، ونفرتيتي، وتوت عنخ آمون، كانوا جميعاً “مفقودين في الزَّمن” حتى تسعينيات القرن التاسع عشر تقريباً، وفقاً للرواية الرسمية. وإليكم ما أحدْسه: كان مبدعو الثقافة (معهد تافيستوك، وسيغموند فرويد، وآخرون) ــ فضلاً عن رغبتهم في إزاحة الكلاسيكية اليونانية الرومانية بأيديولوجية ثقافية تاريخية أكثر “تقدمية” (اقرأ: ماركسية) ــ يريدون إدخال سلالة فرعونية يهودية بدائية (هكسوس) في التاريخ المصري، وقد وجدوا ثغرة في السجل بعد أمنحتب الثالث، وهو المكان المثالي لوضعها (ناهيك عن أنه يمكن وضعها بشكل مثالي في نحو عام 1333 قبل الميلاد ــ وهو رقم ميمون بشكل لا يصدق في علم الأعداد). وكان الغرض الرئيس هو المطالبة بالتوحيد. ولكن هذا من شأنه أن يبرر أيضًا مجيء المسيح الجديد في المستقبل في هيئة ما أسميه الخنثى المقدسة-أي صهيون (إيزيسوسيريس). وأشير إلى تصوير أخناتون بفخذين وثديين أنثويين.”
الحلم بأرض الميعاد
نعود إلى الرُّييعيّ الذي ينبِّه إلى ما أطلقه المستشرقون الأوروبيون من اتّهامات وتابعهم فيها من أسماهم “المستشرقين العرب” في ما يتعلّق بـ “أنَّ الفلسطينيين تسللوا عبر البحر من “جزيرة كريت اليونانية “، وأنهم دخلوا أرض فلسطين ليزاحموا ” بني إسرائيل” الذين كانوا يحلمون بأرض ميعادهم. هذا عينه ما حدث في فلسطين حين استولى المستوطنون الأوروبيون أنفسهم-وهذه المرة بصفتهم يهوداً-على أرضها وطرد شعبها؛ ولينشئوا سردية جديدة للسكان على غرار سردية ” الهنود الحمر”، تزعم أنهم ليسوا من” العِرْق العربي”؛ بل هم “كنعانيون” غرباء تسللوا من البحر. وهذه أكذوبة لا أساس لها.”
والحقيقة أنَّ الإشكاليّة هنا أنّه وإن كان هناك-وفق رأي الرُّبيعيّ- من يُماهي بين الكنعانيين والفلسطينيين على أساس أنَّهم شعوب متسلِّلة من البحر ودخلاء على المنطقة؛ إلا أنَّ هناك كثيراً من المستشرقين يميزون بين الكنعانيين بصفتهم السُّكان الأصليين للمنطقة وبين الفلسطينيين بصفتهم دخلاء على أرض كنعان جاءوا من بحر إيجة واستقروا في كنعان نحو عام 1175 قبل الميلاد أثناء انهيار العصر البرونزيّ المتأخِّر. وبمرور الوقت، استوعبوا تدريجيًا عناصر دينيّة ولغويّة وتنظيميّة من المجتمعات الكنعانية الأصلية، مع الحفاظ على ثقافتهم الخاصّة .
بيدَ أنَّ القضيّة المركزيّة في هذا المنحى هي كيفيّة انتقال مصطلح فلسطين إلى المجال التداوليّ، إلى حدّ أنّه أصبح مُسلّمة من مسلّمات العقل العربيّ والإسلاميّ، بل انتشر عالميّاً وأصبح حقيقة واقعة، إلى حدّ أنَّ التشكيك فيه غير مُستساغ في الحسّ العامّ أو في إجماع الرأي ولمواجهة هذه الإشكالية لا بدّ من بناء سياق كرونولوجيّ يكشف ظهور اسم فلسطين في أقدم المصادر التَّاريخيّة، فهل هو اسم يرجع إلى أحد شعوب البحر وفقاً للنظريّة التوراتيّة- الاستشراقيّة أو إلى جماعة دينيّة وثنيّة عاشت في اليمن هي الفيلشتيم كما أكد الرُّبيعيّ؟ والأهم من ذلك أنّه إذا كان اسم الفِلِشْتِيم يرجع فعلاً إلى جماعة وثنيّة عاشت في اليمن كيف يمكن تبرير انتقاله ليَسِمَ منطقةً جنوبَ بلاد الشَّام ليصبح اسمها فلسطين ويصبح اسمُ سكانها الفلسطينيين؟ تثير هذه الأسئلة إشكاليات حقيقيّة لا بدّ من مقاربتها بمنهج علميّ موضوعيّ على أساس استقصاء كرونولوجيّ لأقدم المصادر التي يرد فيها اسم فلسطين.
يرجع نسب الفلسطينيين وفق مزاعم النصّ التوراتيّ إلى مِصْرَايِم بن حَام، حفيد نُوح (تكوين 10: 6) ويُصَوَّر أنَّ مصرايم كان الابن الثاني لحام بن نوح، وأنَّه “وَلَدَ لوديم وعناميم ولهابيم ونفتوحيم وفتروسيم وكسلوحيم، ونجد اسم كلٍّ من الفِلِشْتِيم (=الفلسطينيون) والكَفْتُورِيم (=الكريتيون)” يَرِد في هذا السِّياق: “وَفَتْرُوسِيمَ وَكَسْلُوحِيمَ. الَّذِينَ خَرَجَ مِنْهُمْ فِلِشْتِيمُ وَكَفْتُورِيمُ.” (تكوين 10: 14). هذا، ووفقاً للتفسيرات المهيمنة للتوراة فإنَّ فتروسيم هو الابن الخامس لمصرايم بن حام بن نوح. وهو اسم يُطلق على أحد الشُّعوب وقد سكن هذا الشَّعب في أرض فتروس، أي مصر العليا. وكسلوحيم هو الابن السَّادس لمصرايم بن حام بن نوح وهو اسم شعب مصري قديم أيضاً، وهذا يدلُّ على أنَّ الفلشتيم والكفتوريم استُخدما في التَّوراة كاسمين لشعبين مُختلفين. وواضح أنَّ هذه الأسماء هي أسماء شعوب من نسل حام وليست أسماء أفراد، فهي كلّها في العبريّة تَرِد بصيغة الجمع. لكن يظهر اضطراب واضح في النصّ التوراتيّ، فقد وردَ في سفر إرميا الآتي: “بِسَبَبِ الْيَوْمِ الآتِي لِهَلاَكِ كُلِّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، لِيَنْقَرِضَ مِنْ صُورَ وَصَيْدُونَ كُلُّ بَقِيَّةٍ تُعِينُ، لأَنَّ الرَّبَّ يُهْلِكُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، بَقِيَّةَ جَزِيرَةِ كَفْتُورَ.” (إرميا: 47: 4). وورد في سِفر عاموس: “أَلَسْتُمْ لِي كَبَنِي الْكُوشِيِّينَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَلَمْ أُصْعِدْ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ مِنْ كَفْتُورَ، وَالأَرَامِيِّينَ مِنْ قِيرٍ؟” (عاموس 9: 7) وهذا يعني وجود خلط في النص التوراتيّ بين الكفتوريم كاسم لشعب مختلف عن الفلشتيم وكفتور كاسمٍ لمكانٍ هو -وفق زعم مفسِّري التَّوراة-جزيرة كريت التي جاء منها الفلشتيم أو الفلسطينيون مع شعوب البحر، ويُضاف إلى ذلك أنّه لا يوجد تحديد لنسب الفلسطينيين على نحو دقيق، إذ إنَّ العبارة السابقة الواردة في سفر التكوين “وَفَتْرُوسِيمَ وَكَسْلُوحِيمَ. الَّذِينَ خَرَجَ مِنْهُمْ فِلِشْتِيمُ وَكَفْتُورِيمُ.” لا توضِّح إن كان نسب الفلشتيم يرجع إلى الفَتْرُوسِيمَ أو الكَسْلُوحِيم، لكن الحاخام شلومو يتسحاقي المعروف بلَقَبِ راشي 1040-1105 م الذي يُعَدّ أحد مؤسسي اليهودية الفرنسية في العصور الوسطى افترى فِرْية ليحلّ الإشكاليّة فقال في تعليقه على سِفْر التكوين الإصحاح 10 عبارة 14 إنَّ الفَتْرُوسِيمَ والكَسْلُوحِيمَ كانوا يتبادلون الزوجات، ونتيجة لهذه التبادلات نشأ الشَّعب الفلسطينيّ. وتوجد عبارة في سفر التثنية وظَّفها المفسِّرون للدلالة على وجود غزو قام به الْكَفْتُورِيُّونَ: “وَالْعُوِّيُّونَ السَّاكِنُونَ فِي الْقُرَى إِلَى غَزَّةَ، أَبَادَهُمُ الْكَفْتُورِيُّونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ كَفْتُورَ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ.” (تثنية 2: 23). ويمكن أن نفهم تبعاً للسِّياق التفسيريّ التَّوراتيّ أنَّ الْكَفْتُورِيُّينَ تحولوا إلى الكريتيين الذين يظهر اسمهم في مواضع مختلفة من أسفار التوراة “فَلِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَمُدُّ يَدِي عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَأَسْتَأْصِلُ الْكَرِيتِيِّينَ، وَأُهْلِكُ بَقِيَّةَ سَاحِلِ الْبَحْرِ.” (حزقيال 25: 16). “وَيْلٌ لِسُكَّانِ سَاحِلِ الْبَحْرِ أُمَّةِ الْكِرِيتِيِّينَ! كَلِمَةُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ: «يَا كَنْعَانُ أَرْضَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، إِنِّي أَخْرِبُكِ بِلاَ سَاكِنٍ».” (صفنيا 2: 5). “فَإِنَّنَا قَدْ غَزَوْنَا عَلَى جَنُوبِيِّ الْكَرِيتِيِّينَ، وَعَلَى مَا لِيَهُوذَا وَعَلَى جَنُوبِيِّ كَالِبَ وَأَحْرَقْنَا صِقْلَغَ بِالنَّارِ”. (صموئيل 1: 30: 14)
اضطراب في تفسير النص التوراتي
أصبح اسم “الكريتيين” مرادفاً لاسم “الفلسطينيين” وورد في الترجمة السبعينية “أهل كريت” (صموئيل 1: 30: 14). وعليه، يمكن استنتاج اضطراب في تفسير النصّ التوراتيّ سببه عدم التمييز بين الفلشتيم والكفتوريم، لكن يبدو أنَّ المفسِّرين انتهوا إلى المساواة بين هذين الشَّعبين المزعومين، فأصبحت النتيجة هي أنَّ الفلسطينيين هم أهل جزيرة كريت وأحد شعوب البحر، رغم أنَّ النصَّ التوراتيَّ نفسَهُ مضطربٌ ولا يمكن استنباط هذه النتيجة منه إلا بإقحام واضح للأفكار المسبقة.
لكن كيف اتّجه المستشرقون الغربيون نحو الاهتمام بمزاعم السَّرديّة التوراتيّة عن الفلسطينيين ذوي الأصول الكريتيّة الغزاة والدُّخلاء؟
كان نابليون بونابرت (1769-1821 م) مهتماً بالقضيّة اليهوديّة، وتحسّنت أوضاع اليهود في فرنسا في عهده منذ عام 1806 م، وجاءت حملته على مِصْر و”فلسطين” بفائدة كبيرة لهم، وكان من نتائجها تنبيهُ الغربيين إلى أرض الميعاد بعد نسيانها في أوروبا مع انتهاء الحملات الأوروبيّة المعروفة بـ”الصليبيّة” ، ورسمُ مجموعة من الخرائط التي تصوِّر أجزاءً من أرض “إسرائيل” المزعومة، تحديداً تلك المناطق التي مرَّ عبرها جيش نابليون في جنوب بلاد الشام (=فلسطين)، وكانت هذه الخرائط هي الخرائط الوحيدة للمنطقة حتى رسم البريطانيون خرائط جديدة.
لكن كان الأهم من ذلك أنَّ نابليون جَلَبَ معه في حملته عدداً من العلماء من أشهرهم جان فرانسوا شامبليون (1790-1832 م) الذي أبدى اهتماماً كبيراً بالمعبد الجنائزي أو معبد مدينة هابو الذي شيَّده رمسيس الثالث لإقامة الطقوس الجنائزية له بعد موته. تتكوَّن زخرفة المعبد من سلسلة من النقوش الهيروغليفيّة والرسوم التي تعود إلى العام الثامن من حكم رمسيس الثالث، نحو 1190 قبل الميلاد والغاية منها تخليد أمجاد هذا الملك المصريّ، ومن بين هذه الأمجاد حروبه ضد أعدائه. ولقد صُوِّرَ هؤلاء الأعداء بأشكال مختلفة بعد انتصاره عليهم في هيئات المهزومين والأسرى.
وكان شامبليون أول من قدّم وصفاً لهؤلاء المهزومين والأسرى، وعُني بهذا الموضوع بعد شامبليون عالم مصريات فرنسيّ آخر هو إيمانويل دي روجيه (1811-1872)؛ لكن كان أوَّل من كرَّس مصطلح شعوب البحر peuples de la mer لوصف هؤلاء السجناء الظاهرين في النقوش والرسوم في معبد رمسيس الثالث عالم المصريات الفرنسيّ غاستون كاميل تشارلز ماسبيرو (1846-1916 م)، ودخل إلى التداول مصطلح شعوب البحر ومن بين هذه الشعوب شعب البيليسيت Peleset، ومن ثَمَّ تواضعت دوائر الاستشراق على إرجاع أصل البيليسيت إلى جزيرة كريت على أساس أنّهم أبحروا وزحفوا براً مع بقيّة شعوب البحر للاستيطان وغزو مصر.
صُوِّرَ مقاتل البيليسيت في رسوم معبد رمسيس الثالث مرتدياً شريطًا يُستخدم كعُصابة رأس، تبرز منه ريشة متدلية وقطعة واقية أسفل مؤخرة العنق. وكان تسليح مقاتلي البيليسيت يشمل السيوف الطويلة والرماح والدروع الدَّائرية، كما يظهرون أحيانًا وهم يرتدون دروعًا واقية. وزعمت أستاذة الدراسات اليهوديّة والأنثروبولوجيا في جامعة بارك- بنسلفانيا آن إي. كيليبرو أنَّ هناك نقشاً لرجل من البيليسيت يرتدي غطاءَ رأسٍ مختلفاً عن الجنود، يمكن أن يُشار إليه صراحةً باسم “زعيم الفلسطينيين” الذي يتميّز بقبعته المدببة ولحيته القصيرة، وهاتان السمتان وفق زعمها من سمات القادة الفلسطينيين.
تابع عالم الآثار الكتابيّ الصهيونيّ آدم زيرتال تكريس فكرة وجود شعوب البحر، في بحث له عنوانه: “العثور على أسلاف الفلسطينيين في بداية إسرائيل، 2002.” وعوَّل على ذكر المصادر المصرية لما لا يقل عن تسعة شعوب بحريّة مختلفة من بينها البيليسيت (الفلسطينيون). وزعم أنه جاء بعض هذه الشعوب على الأقل من منطقة بحر إيجه، التي تشمل اليونان المينوسيّة وكذلك غرب الأناضول. واستحضر زيرتال الرواية التوراتيّة التي تؤكّد أنَّ الفلسطينيين جاءوا من كفتور، أي جزيرة كريت.
لكن أكد عالم الآثار الإسرائيليّ إسرائيل فينكلشتاين في بحث له بعنوان: “هل لا يزال نموذج الفلسطينيين قابلاً للتطبيق؟” نُشر في كتاب بعنوان “تزامن الحضارات في شرق البحر المتوسط في الألفية الثانية قبل الميلاد، المجلد الثالث. وقائع الندوة التي عقدت في فيينا من 27 نيسان إلى 1 أيار 2004”. أنَّه توجد فعلاً هجرة لشعوب البحر، لكنه رجّح أن تكون هجرة بحريّة عاديّة، وليست غزواً بحريّاً ضخماً، ورفض فكرة استقرار الفلسطينيين على نطاق واسع في “فلسطين” في أيام رمسيس الثالث. وفي رأيه لا يتطابق الفلسطينيون من العصر الحديدي الأول مع الفلسطينيين الموصوفين في أسفار التوراة. وانتهى إلى نهاية النموذج الفلسطيني، الذي يستند -بشكل مباشر أو غير مباشر-إلى قراءة غير نقدية للنصّ التوراتي، والذي هيمن على الأبحاث في القرن الماضي.
انهيار الهيمنة المصرية في كنعان
أكّد فينكلشتاين أنّه في 1140 أو 1130 قبل الميلاد، انهارت الهيمنة المصرية في “كنعان” وتم تدمير العديد من المدن هناك، أو تدميرها جزئيّاً، على الأرجح على يد مجموعات مهاجرة من شعوب البحر وعناصر محلية غير مستقرة. تعافت مدن رئيسة بعد مدّة من الزمن وأعيد توطينها من قبل مجموعة مختلطة من الكنعانيين المحليين والمهاجرين الإيجيين. كانت حصة المستوطنين الجدد من سكان “فلسطين” محدودة -ربما بضعة آلاف. لكنهم يشكلون مجموعة نخبة، تطورت ثقافتهم الماديّة لتهيمن على المشهد. لم تمارس مدن العصر الحديدي الأول في “فلسطين” تجارة بحرية نشطة؛ لم تكن متساوية في الحجم والقوة والازدهار ولم تكن محصنة. يمكن تتبع التغييرات الدراماتيكية في حجم وقوة هذه المدن من القرن التاسع والقرن الثامن قبل الميلاد بشكل رئيس. وصلت “فلسطين” إلى ذروة قوتها وازدهارها فقط مع الاحتلال الآشوري وتحويل مدنها إلى مراكز للمصالح الاقتصادية والسياسية الآشورية. ثُمَّ، وفقط عندئذ، يصبح الفلسطينيون في علم الآثار هم الفلسطينيون في التوراة.
هذا هو الرأي الحرفي لإسرائيل فينكلشتاين، وهو رأي ما كر إلى أقصى حدّ فهو يقول بهجرة شعوب البحر، ومن بينها الشعب الفلسطينيّ، الذي يتطابق تاريخه مع التوراة ليس قبل الغزو الآشوريّ بل معه وبعده وهنا تتفق نتائج علم الآثار مع أسفار التّوراة في رأيه. وهذا يدلّ أن فينكلشتاين يؤيد نظرية هجرة وليس غزو شعوب البحر للمنطقة، بمعنى أنَّ الفلسطينيين في رأيه شعب مهاجر من شعوب البحر استطاع أن يعقد تحالفات مع شعوب أخرى لبسط سيطرته!
والحقيقة أنّه لأمر عُجاب أن تتطابق الرواية الأثرية الإسرائيلية والرواية الاستشراقيّة مع الرواية التوراتيّة على هذا النحو المثير للريبة.
الرُّبيعي يتصدى للرواية الكاذبة عن شعوب البحر
تصدَّى الرُّبيعي للرواية الكاذبة عن شعوب البحر وفنَّدها وأظهرَ شعورَه بالأسى لتدريسها في أقسام التاريخ في الجامعات العربيّة وكأنها حقيقة لا تقبل الشَّك، وأكّد أنّه لا يوجد أيُّ دليل على هذه السَّرديّة اليهوديّة-اللاهوتيّة المدعومة بذرائع استشراقيّة غربيّة زائفة إلا ما وردَ في التَّوراة من إشارات متناثرة مثل: “وَيْلٌ لِسُكَّانِ سَاحِلِ الْبَحْرِ أُمَّةِ الْكِرِيتِيِّينَ! (…)” (صفنيا 2: 5). ونبّه الرُّبيعيّ إلى أنّه لا يتضمن تاريخ “فلسطين” القديم أيَّ دلائل أركيولوجيّة إغريقيّة على وجود هجرة من كريت، إذ لم يجدْ أحدٌ من علماء الآثار كتاباتٍ أو نقوشاً أو تماثيلَ تؤكِّد وجود هجرة من هذا القبيل، وتركيز الربيعيّ على عدم وجود دلائل أركيولوجيّة إغريقيّة تُثبت هذه الهجرة يرجعُ إلى أنَّ كريت كانت مركز الحضارة المينوسيّة وهي حضارة يونانيّة قديمة، فهل يُعَدّ معقولاً بأدنى المعايير العلميّة-في رأي الرُّبيعيّ- أنَّ شعباً كريتيّاً أو إغريقيّاً قديماً كان قد هاجر من كريت إلى جنوب بلاد الشام دون أن يترك أيّ دليل أثريّ على أصله في الأرض التي هاجر إليها؟
حلَّ الرُّبيعيّ هذه الإشكاليّة بتأكيده أنَّ ذِكْرَ شعوب البحر تحديداً شعب الفِلِشْتِيم على أساس ما ورد في التوراة جاء في سياق قصائد هجائيّة نَظَمَها مؤلِّفو التوراة للقدح في جماعات وثنيّة قديمة كانت قد ظهرت في اليمن، وترجعُ هذه القصائد إلى تقاليد شعريّة بائدة لا تقدّم أيّ توصيف جغرافيّ أو تاريخيّ، بل تدور في إطار ثقافيّ-دينيّ، وأثبت رأيه بإيضاح أنَّ اسم البيليسيت الوارد في الرواية الاستشراقيّة يقابله اسم الفِلِشْتِيم الوارد في الرواية التَّوراتيّة وهو اسم الجمع من المفرد “فلس” بإضافة التاء اليمنيّة اللاصقة وحرف السين الذي يتحول إلى شين بالعبريّة، ذلك أنَّ بني إسرائيل جماعة موحِّدة اصطدمت بجماعة وثنيّة يمنيّة قديمة كانت تتعبّد لإله وثني هو فلس، وهذه الجماعة أخذت اسمها العبري “الفلشتيم” من اسم إلهها فلس، لذلك قام شعراء بني إسرائيل من المشاركين في تأليف أسفار التَّوراة بهجاء هؤلاء الوثنيين الذين يعبدون الإله الوثنيّ فلس في بعض الأسفار، ويسوق الرُّبيعيّ دليلاً حاسماً على وجود طقوس عبادة للإله فلس في اليمن، إذ إنَّ الرحَّالة ابن المجاور (1205 م-1291 م) في كتابه “تاريخ المستبصر” تجوَّل في جبال تَعِز وعثر على الصَّنم فلس وقدّم وصفاً له. كما يمكن أن نعطِف على كلام الربيعيّ أنَّ ابن الكلبيّ في كتابه الأصنام أخبرَ-كما هو معروف-أنَّ النبيَّ مُحَمَّدَاً (ص) أرسل الإمامَ عليّاً بن أبي طالب لهدم صنم لقبيلة طيء اسمه الفَلْس، ومن المعروف أنَّ طيء قبيلةٌ عربية كبرى، نصبت مضاربها الأولى في اليمن ثم هاجرت إلى أماكن مختلفة، ويذكر المؤرخون أنَّ مجموعة من طيء استقرت في حائل وأقامت صنمها الفَلْس شرقي جبل أجا عند مُجْتَمَعِ طرق القوافل. ويستنبط الرُّبيعيّ من تحليلاته أنّه لا يوجد شعب تسلل من جزيرة كريت إلى “أرض الميعاد” المزعومة أو “فلسطين”، ومعنى ذلك أنَّ الجغرافيا اليمنيّة كانت الحيّز الوحيد الحقيقيّ للسَّرديّة التَّوراتيّة.
لم يكن الرُّبيعيّ وحدَه من كذَّب فرضيّة شعوب البحر، فقد قام المؤرِّخ الأمريكيّ روبرت دروز في كتابه “نهاية العصر البرونزيّ: التغيُّرات في الحرب والكارثة 1200 قبل الميلاد-1993 م” بتفنيد أكذوبة عالم المصريات الفرنسيّ ماسبيرو عن هجرة شعوب البحر بحراً ثم برَّاً، هذه الأكذوبة التي نُسجت بناء على نقوش معبد رمسيس الثالث، فنفى خرافة هجرة عظيمة، إذ من غير المعقول إبحار البيليسيت أو الفلسطينيين أولاً من جزيرة كريت إلى كاريا -وهي منطقة قديمة في جنوب غرب آسيا الصغرى-فتركوا سفنهم ومعدّاتهم البحرية هناك، ثم سافروا رجالاً ونساءً وأطفالاً في عربات تجرُّها الثيران عبر سبعمئة ميل = 1126.54 كم من الأراضي الوعرة والمعادية حتى وصلوا إلى جنوب “كنعان”؛ وفي تلك المرحلة نفسها، متجاوزين الإرهاق الشديد بسبب رحلتهم، لم يكتفِ الفلسطينيون بغزو الأرض ومنحها اسمهم فحسب، بل كادوا يهزمون الملكَ المصريَّ رمسيس الثالث نفسَهُ. وليس من المستغرب في رأي روبرت دروز بالنسبة للهجرة الموهومة من كاريا إلى جنوب بلاد الشام أنّه لا يوجد أيّ دليل، سواء أكان في النقوش المصريّة أم في السجلات الأثريّة أم في التّراث الوثائقيّ.
المستشرقون الغربيون ومطابقة النقوش مع الرواية التوراتيّة
لم يكتفِ هؤلاء المستشرقون الغربيون بمطابقة النقوش المصريّة مع الرواية التوراتيّة، بل أرادوا تكريس هذه المطابقة مع النقوش الآشوريّة لتحويل فرضيّة شعوب البحر إلى حقيقة يقينيّة. ولقد زعمَ عالم الآثار البريطاني ويليام لوفتوس (1820-1850 م) بعد اكتشافه للوحة نمرود التي تتحدث عن انتصارات الملك الآشوريّ أداد نيراري الثالث حكم من 811 إلى 783 قبل الميلاد أنَّ الآشوريين أطلقوا على منطقة جنوب بلاد الشام اسم “بالاشتو Palashtu أو: بالاستوPalastu ، أو: “بيليستو”Pilistu.
وقد ورد في هذا اللوح:
([لقد أخضعتُ] من ضفة الفرات، أرضَ حاتي the land of Hatti، وأرض عمورو بأكملها، وأرض صور، وأرض صيدا، وأرض العُمْريينthe land of Humri ، وأرض أدوم، وأرض بلاستو the land of Palastu، حتى البحر العظيم لغروب الشَّمس. فرضتُ ضريبةً وخِرَاجاً عليهم.)
وهنا فُسِّرت كلمة بلاستو Palastu على أنَّها فلسطين. لكن في الحقيقة تشير المصادر إلى أنَّ لوحةَ نمرود الأصليّةَ تعرَّضت للضياع، وزعم إدوين نوريس (1795-1872 م) عالم اللغات القديمة البريطانيّ أنّه أخذ نسخة من نقش هذه اللوحة بطريقة ضغط الورق، ومن ثَمَّ نَشَرَ النصّ السِّير البريطانيّ هنري رولينسون (1810-1895 م) الذي يوصف بأنه أبو علم الآشوريات؛ لكن إذا تعمّقنا في شخصيّة لوفتوس لوجدنا أنّه كان موظفاً مدنيّاً عَمِلَ مع الجيش البريطانيّ، وبالنسبة لـ “نوريس” فقد عَمِلَ كاتباً في دار الهند الشرقيّة وسكرتيراً مساعداً في الجمعيّة الآسيويّة الملكيّة، أما رولينسون فكان جنرالاً في الجيش البريطانيّ. وهذا كلّه يدلّ على إمكانية وجود نوايا خبيئة عندهم لتحريف الدلالات الحقيقيّة لنصّ اللوحة.
النقوش الآشورية
وإذا فهمنا هذا الكلام في ضوء تأكيد الرُّبيعيّ بأنَّ النقوش الآشوريّة أشارت إلى الفلشتيم بصفتهم مجموعة وثنيّة قديمة عاشت في اليمن اكتشفنا مباشرةً إمكانيّة وجود عملية التزوير في تفسير نقوش لوحة نمرود وغيرها. وآية ذلك أنَّ الرُّبيعيّ تابع بدقّة النقوش الآشورية منذ نحو عام 1100 قبل الميلاد وصولاً إلى عام 727 ق.م، أي منذ عهد تغلث نصر الأول وخلفائه وصولاً إلى عهد سرجون الثاني، فاستيقنَ من أنَّ هذه النقوش لا تتضمن اسم الفلشتيم فقط بل تتضمن أسماء من قبيل الكنعانيين والأوسانيين والسبأيين والحِميريين، وهذا دليل على أنَّ الفلشتيم قبيلة تُعَدّ جزءاً من تحالف قبائل ضم الكنعانيين والأوسانيين والسبأيين والحميريين، وكان هذا التحالف القبليّ في مواجهة الآشوريين، لكن استطاع الآشوريون الانتصار على هذه القبائل والسيطرة على أراضيها، وهذا ما ورد في النقوش الآشورية وفق الرُّبيعيّ، ما يعني أنَّ الفلشتيم لم يكونوا شعباً قادِماً من جزيرة كريت، بل ينتمون إلى قبيلة يمنيّة وثنيّة قديمة؛ لكن الحقيقة أنَّ هناك أمراً لافتاً جدّاً في هذا الاتّجاه يمكن أن يُعدّ نواةً لبحث متعمِّق وهو أنَّ هناك قرية شبه مهجورة في اليمن اسمها “كريت” إحدى قرى مديرية حات التابعة لمحافظة المهرة، التي تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من اليمن. غير أنّه لا يمكن الجزم بسبب عدم توافر الأدلة الأركيولوجيّة إن كانت قرية كريت هذه في سالف العصور موطناً لشعب دخل في صِدام مع بني إسرائيل، فنسبه مؤلَّفو التوراة إليها؟! لكن الغريب في الأمر هو اسم هذه القرية: “كريت”. ذلك أنَّ اسم كَرِيت ليس غريباً عن التُّراث الجغرافيّ العربيّ، فقد قال ياقوت في معجم البلدان تحت الاسم نفسه: “كَرِيت (…) اسم موضع في شِعر عدي بن زيد.” ويرجع تاريخ وفاة عدي بن زيد-الذي كان من سُكّان الحيرة-إلى نحو 587 م، ولئن لم يحدّد ياقوت موضع كريت، إلا أنَّ هذه الإشارة تكفي لإثبات أنَّ كريت اسم لمكان كان موجوداً فعلاً. والحقيقة أنَّ هذه المعلومة تعزِّز نظريّة الرُّبيعيّ عن الأهميّة القصوى لجغرافيا اليمن في كشف خبايا تاريخ اليهود، وتستدعي ضرورة التوجُّه البحثيّ الجادّ. تعترضنا إشكاليّة جديدة هنا سببها أنَّ المؤرِّخ اليونانيّ هيرودوت (484-425 ق.م) استخدم مصطلح “فلسطين” حينما تحدَّث عن اسم منطقة في سوريا تُسمَّى باليونانية Παλαιστίνη وينطق هذا الاسم باليونانيّة بَالاسْتِيني=فلسطين. (انظر مثلاً: هيرودوت، التواريخ، الكتاب الثالث، الفصل 91، القسم 1)، وسَمَّى هيرودوت هذه المنطقة “منطقة فلسطين بسوريا” (التواريخ، الكتاب 2، الفصل 106، القسم 1)، وسمّى أيضاً الشَّعب الذي يسكن هذه المنطقة بـ”سوريي فلسطين” (انظر: التواريخ، 3، الفصل 5، القسم 1)”، ولا نجد عند هيرودوت أيّ ذكر على الإطلاق لاسم الفلسطينيين تبعاً للنصّ اليونانيّ، فهو تحدّث عن فلسطين كمنطقة في سوريا، ولم يتحدّث عن الفلسطينيين كشعب يسكن هذه المنطقة، بل ذكرَ أنَّ السُّوريين يسكنون فلسطين؛ لكن تظهر قضيّة ملتبِسَة في هذا السِّياق وهي كيف انتقل اسم فلسطين نفسه إلى كتابات هيرودوت ليدلّ على منطقة في جنوب سوريا وهذا الاسم نفسه مشتق من اسم شعب من شعوب البحر-وفق الزَّعم الاستشراقيّ- فهل من المعقول أن يذكر فلسطين دون ذِكر الفلسطينيين؟ هذا، إلى أنَّ ذِكر هيرودوت لـ”فلسطين” يمكن أن يثير إشكاليّة بصدد طرح الرُّبيعي عن الفلشتيم، إذ كيف وصلت معلومات لهيرودوت عن منطقة في جنوب سوريا اسمها فلسطين في القرن الخامس قبل الميلاد ليحدِّدها على هذا النحو الدقيق؟
مصطلح “الفلسطينيين”
يمكن تقديم إجابة عن هذا السؤال عن طريق علم أصول الكلمات، إذ إنَّ مصطلح “الفلسطينيين” يُترجم في اللغة الإنكليزيّة إلى Philistines=فِلَسْتِيْنْزْ، لكنه مأخوذ من اللغة الفرنسيّة القديمة Philistin=فيليستَا، ودخلَ إلى الفرنسيّة من اللاتينيّة Philistinus=فيليستينوس بتأثير من اللغة اليونانيّة المتأخرة Φιλισταίοι=فيليستِي. ويرجع المصطلح في النِّهاية إلى الكلمة العبرية פלשתינאי وتنطق بالعبريّة فلستينيّ بصيغة المفرد، وإلى الكلمة פלסטינים وتنطق بالعبريّة فَلَسْتِينين بصيغة الجمع. وهذا كلّه يدلّ على أنَّ مصطلح Φιλισταίοι=فيليستِي الوارد في اللغة اليونانية المتأخرة مأخوذ عن اللغة العبريّة، ولا يمكن العثور على أصل للمصطلح في اليونانية القديمة، لكن يُعَدّ مهماً الانتباه إلى أنَّ اسم الفلسطينيين ورد في التَّرجمة السَّبعينيّة للتَّوراة هكذا: φυλιστιείμ (انظر مثلاً: الإصحاح الثالث عشر من الترجمة السَّبعينيّة لسفر يشوع: عبارة 2) ويُنطق فيليستيم، وهذا دليل لا يقبل الشَّك على أنَّ مصطلح الفلسطينيين الوارد في اليونانيّة مأخوذ من العبريّة. وفي اليونانية القديمة نجد أنَّ معنى كلمة παλαιστής (=بَالَستيس) هي المصارع وليس الفلسطينيّ. وهذا التحليل نفسه ينطبق على مصطلح (فلسطين Παλαιστίνη = بَالاسْتِيني) الوارد عند هيرودوت إذ يثير الكثير من الريبة من حيث معناه. وإذا عرفنا أنَّ اللغة اليونانيّة المتأخرة استُخدمت من أواخر القرن الثاني الميلادي حتّى أواخر القرن السابع الميلادي تقريباً، تحديداً في الإسكندريّة في مصر اتَّضحتْ مباشرةً إمكانيّة وجود تزييف في النصّ الأصلي لهيرودوت الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. هذا إلى أنَّ الترجمة السبعينيّة للتوراة تمت بعد موت هيرودوت بنحو مئتي عام ولم تَدْرُج اللغة اليونانية البيزنطية-الدينيّة أيضاً إلا بعد نحو تسعة قرون من موته، وهذا كلّه يدلّ على وجود تحريف في تاريخ هيرودوت سببه أنَّ المرجعيّة اللغويّة العبريّة لمصطلحي فلسطين والفلسطينيين تقف وراء ظهورهما في اليونانيّة.
ولا شك في أنَّ هناك إمكانية كبيرة لتعرُّض مؤلفات هيرودوت للتزوير والتحريف منذ أزمنة قديمة. ويوجد دليل حاسم على ذلك ليس بعيداً، وهو أنَّ الخطَّاط البارع وتاجر الأيقونات اليونانيّ كونستانتينوس سيمونيديس Constantine Simonides (1820-1890 م) استطاع خداع المكتبة الوطنيّة في أثينا ببيعها مخطوطاً مزوّراً لتاريخ هيرودوت إلى جانب مؤلفات أخرى. كان سيمونيدس خطاطًا ماهراً بشكل استثنائي إلى حدّ أنه باع وثائق مزورة في إنكلترا في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر. وكان من بين عملائه السير فريدريك مادن في المتحف البريطانيّ، وهذا وحدَه يكفي لإثبات إمكانية وجود تلاعب وتغيير في المخطوطات ليس من قِبَلِ سيمونيديس وحده، بل من قِبَل غيره منذ زمن سابق!
انتقل الاسم نفسه إلى اللغة اللاتينيّة فذكر الشَّاعر الروماني أوفيد (43 ق.ه-17 م)، تمثيلاً لا حصراً، في مقطع من مؤلَّفه “فنّ الحبّ” “عيد اليوم السَّابع الذي يحتفل به السُّوريون في فلسطين”، وتابعه كثير من الكتّاب الرومان، وزعم لويس هاري فيلدمان (1926 – 2017) وهو مؤرِّخ أمريكيّ، أنّه تَمَّ استخدام هذا المصطلح لأوَّل مرة للدلالة على مقاطعة رسمية في عام 135 م، عندما أعادت السُّلطات الرومانية، بعد قمع الثورة المزعومة التي قام بها بار كوخبا، تسمية مقاطعة في جنوب بلاد الشام باسم فلسطين Palaistínē كجزء من سوريا.
إسقاط جغرافيا التوراة على جنوب بلاد الشام.. نظرية الرُّبيعي الأرجح
لكن تبقى النظريّة الأرجح التي تُفسِّر إسقاط جغرافيا التَّوراة على جنوب بلاد الشَّام هي نظريّة الرُّبيعيّ الذي ارتأى أنّه بعد اعتناق الإمبراطور قسطنطين العظيم (272-337 م) للمسيحيّة، أبدى اهتماماً بالتُّراث الكتابيّ بما في ذلك التَّوراة من حيث صلتها بصفتها العهد القديم بالعهد الجديد أو الأناجيل.
هذا، وبعد أن سيطرت بيزنطة على جنوب بلاد الشَّام أصبح السُّكان العرب وهم مسيحيون من الغساسنة رعايا للإمبراطورية البيزنطيّة، وانتقلت من هؤلاء الرعايا إلى البيزنطيين أسطورة العثور على مِذْوَد المسيح وكان المِذْود عادة عبارة عن حوض محفور في قطعة من الصَّخر أو صندوق من الخشب، إلخ..، وفي عام 326 م، زارت الملكة هيلانة أم قسطنطين جنوب بلاد الشَّام من أجل مشاهدة الجغرافيا التي عاش فيها السيد المسيح، ومن ضمن ما شاهدته الكهف الذي يوجد فيه المذود على مشارف بيت لحم حيث ولِدَ المسيح وفق ما انتشر بين الجماعات المسيحية القاطنة هناك التي كانت أصلاً من العرب الغساسنة. لذلك قرر الإمبراطور قسطنطين تجاوباً مع رغبة أمه هيلانة تشييد صرح كنيسة المهد في مكان العثور على المِذْود في بيت لحم، وبما أنه تم تحديد الموقع المُفتَرض لولادة السيد المسيح هو “بيت لحم” بدأت خريطة الكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد بالارتسام، فأصبحت “النَّاصرة” هي النَّاصرة التي خرج منها المسيح، وتحوَّلت القُدس إلى “أورشليم”، وأُطلِقَ على بعض سكان تلك المنطقة اسم الفليشتيم أو الفلسطينيين وفق الرواية التوراتيّة، وفي رأي الرُّبيعيّ هذه هي المطابقة الأولى بين جغرافيا التَّوراة وجغرافيا جنوب بلاد الشام؛ أما المطابقة الثانية فكانت مع غزو الصليبيين لجنوب بلاد الشام عام 1164 م أو على حدّ تعبير الرُّبيعيّ الإقطاع الأوروبيّ، إذ استردّ الغزاة الصليبيون الرواية البيزنطيّة للاستيلاء على أرض جنوب بلاد الشَّام بصفتها الأرض المقدَّسة أو أرض الميعاد. وأعادوا من جديد إسقاط جغرافيا الكتاب المقدَّس على الأراضي المحتلة.
ويُعَدُّ مهما ًفي هذا الاتِّجاه الإنباه إلى أنَّ العرب المسلمين أخذوا مصطلح “فلسطين” عن البيزنطيين بعد فتح بلاد الشَّام، ويمكن تفسير ذلك على أساس أنّه بعد دخول جيوش الفتح الإسلاميّ بقيادة خالد بن الوليد إلى الشَّام، تفاوض خالد مع منصور بن سرجون الذي كان مسؤولاً بيزنطيّاً عن الضرائب في سوريا من أجل استسلام القوات البيزنطيّة للمسلمين عام 635 م. لكن يُرَجَّح أنَّ يزيد بن أبي سفيان (مات عام 639) الذي تولّى الإمارة على دمشق استعان بمنصور بن سرجون نفسه لإدارة الشؤون الماليّة على الطريقة البيزنطيّة، ويدعم هذا الترجيح أنَّ ابن منصور هذا وهو سرجون بن منصور أصبح في أوائل الحكم الأمويّ رئيس الديوان، وكان المُفضَّل لدى الحكّام الأمويين الأوائل: معاوية وابنه يزيد، وبذلك انتقلت التَّسميات البيزنطية للمدن والمقاطعات في بلاد الشَّام عن طريق المستشارين البيزنطيين إلى العرب المسلمين ومن بين هذه التَّسميات فلسطين ثم درجت في الحقل التداوليّ عند المؤرخين والجغرافيين من العرب المسلمين، فنجد المسعودي، مثلاً، الذي عاشَ في القرن العاشر الميلادي، في كتابه “مُرُوج الذَّهب ومعادن الجوهر”، يذكر فلسطين عدَّة مرات، في القسم الذي يصف فيه المناطق الجغرافية المختلفة في مؤلَّفاته، ما يشير إلى استمرارية استخدام مصطلح “فلسطين” من الإمبراطورية البيزنطية إلى العالم الإسلامي المبكر، ثم ترسيخ هذا المصطلح في الأدب الجغرافيّ والتاريخيّ الإسلاميّ. وما زال هذا الترسيخ سارياً إلى يوما النّاس هذا. وللإنصاف يجب تأكيد أن ما يقوم به الرُّبيعيّ يحتاج إلى تضافر جهود جماعات من الباحثين إلى جانبه من أجل تحرير العقول من هذه السَّرديّة اللاهوتيّة الاستشراقيّة، لأنّه من دون تحرير العقول لا يمكن تحرير الأرض-كما أكّد الرُّبيعيّ مراراً.
والحقيقة أنَّ ما يحاول الرُّبيعيّ إقناع أبناء جلدته من العرب به من تهافت السَّرديّة التّوراتيّة التي تكتنف جغرافيا فلسطين سلّم به تسليماً كاملاً كِبار الاختصاصيين في دولة الكِيان، إذ عندما سُئل عالم الآثار الإسرائيليّ إسرائيل فينكلشتاين عن القلق من أنَّ نظريته التي ينكر فيها “الشَّعب المختار” ستخدم أولئك الذين ينكرون الحجة الصهيونية، فقال على نحوٍ لافت: إن النِّقاش حول حقِّنا في الأرض سخيف. كما لو أنَّ هناك لجنة دولية في جنيف تنظر في تاريخ الشعوب. حينما يأتي شعبان ويقول أحدهما لها، “لقد كنتُ هنا منذ القرن العاشر قبل الميلاد”، ويقول الآخر، “لا، إنه يكذب، فهو هنا منذ القرن التاسع قبل الميلاد فقط”. ماذا ستفعل هذه اللجنة – هل ستأمر بتهجير الشَّعب الأحدث؟ أو أن تخبر أفراده بأن يحزموا أمتعتهم؟ على أي حال، يعود تراثنا الثقافي إلى هذه الحُقب، لذا فإن هذه القصة بأكملها هراء… ولنفترض أنه لم يكن هناك خروج من مصر وأنه لم تكن هناك مملكة عظيمة وموحَّدة، وأننا في الواقع كنعانيون. إذن من حيث الحقوق، ألسنا بخير؟
لجنة تكوين الشبيبة العبرية
ويمكن في الواقع عدّ فينكلشتاين استمراراً لحركة إيديولوجيّة ثقافيّة في دولة الكِيان الصهيوني عُرِفت بحركة الكنعانيين واسمها الأصلي “لجنة تكوين الشبيبة العبرية”. دعت إلى إقامة علاقة بين الشُّعوب التي عاشت في أرض (كنعان) في الألف الثاني قبل الميلاد ومن بينها ما أسموه “الشَّعب العبريّ”، كما دعت هذه الحركة إلى الابتعاد عن التقاليد اليهودية الشتاتية. تأسست الحركة عام 1939، وبلغت أوجها في أرض إسرائيل في أربعينيات القرن العشرين، وأثرت في الفكر السياسي والفن والأدب والحياة الروحية في اليهود في دولة الكِيان. وكان من كِبار مؤسِّسي هذه الحركة المفكر اليهودي الأوكراني آديا حورون والشَّاعر اليهودي البولندي يوناتان راتوش. ويظهر واضحاً أنَّ غاية هذه الحركة هي استئصال الفلسطينيين من جذورهم العربيّة وإقناعهم بأنّهم شعب من الشعوب الكنعانيّة (نسبةً إلى أرض كنعان) مثلهم مثل ما يُسمَّى (الشعب الإسرائيليّ)
والحقيقة أنَّ عالم الآثار الإسرائيليّ إسرائيل فينكلشتاين رغم نزعته العلمانيّة استفاد ممَّا ورد في الإصحاح التَّاسع من سِفْر التكوين من أنَّ كنعان هو ابن حام وحفيد نوح، فزعم أنَّ الفرق بين الإسرائيليين والكنعانيين لا يرجع إلى الانتماء إلى شعبين مختلفين، بل يرجع إلى تفاوت أنماط الحياة المختلفة، من المناطق الحضريّة المركزية التي تعتمد على الزراعة في السَّهل إلى أسلوب الحياة القرويّ-الرُّعويّ في التلّ. وهذا يتوافق مع العلاقة اللغوية الوثيقة التي لوحظت سابقًا بين النقوش الكنعانيّة والعبريّة المبكِّرة. ويؤكِّد فينكلشتاين أيضًا وجود دليل على هذا الفصل الصارم إلى شعبين مختلفين، كما هو مفترض في الكتابات اللاحقة في أسفار التوراة، حيث يتم نعت الكنعانيين -وفقًا ليهوه- بأقبح النُّعوت، وتوجَّه “أوامر يهويّة” للقضاء عليهم أو طردهم من أرضهم، ولكن هناك شعباً واحداً له في الأصل طريقتان مختلفتان للحياة بشكل واضح.
إشكالية وجود شعب كنعاني في فلسطين
وعليه، يظهر على نحوٍ واضح تماماً أنَّ هناك إجماعاً كبيراً بين علماء الآثار الاختصاصيين على وجود شعب كنعاني في فلسطين، وتنطلق النظريات الرَّاهنة كافّةً من هذه المسلّمة، والحقيقة بما أنَّ الباحثين العرب لا يمتلكون على الإطلاق إمكانيّة التأكّد من موثوقيّة أو صدقيّة الدلائل الاستشراقيّة-الآثاريّة المُستكملة بجهود علماء الآثار الصهاينة واليهود -التي قدّمنا نماذج منها-في ما يتعلّق بإثبات وجود شعب كنعانيّ في بلاد الشام بعامّة وفلسطين بخاصّة يبقى طرح الرُّبيعيّ هو الطَّرح الأكثر مدعاةً للاهتمام، بمعنى أننا نخضع لسرديّة لاهوتيّة استشراقيّة صهيونيّة لا نستطيع الخلاص منها ما لم نفكِّر على طريقة الرُّبيعيّ، فالربيعيّ يضعنا في كما يُقال في المنطق بين قِرْني الإحراج: إما أن تتركوا وعيكم التّاريخيّ رهينَ علمَ الاستشراق الآثاريّ الكِتابيّ الذي كتب تاريخ منطقتنا من دون أن يكون لنا أي دور فيه، وكرَّس احتلال فلسطين، أو أن نُعيد كتابة تاريخنا بأنفسنا، والرُّبيعي هنا –كما صرّح مراراً- سعيد، سواء أاتفقنا معه أم اختلفنا، شريطة الخروج من العوالم الأكاديميّة المزيَّفة للسَّرد التّوراتيّ.
الحواشي:
– Maria Eugenia Aubet, The Phoenicians And The West: Politics, colonies and trade. Translated From The Spanish By Mary Turton, Cambridge University Press, 1993, pp 4-16.
– Se: Alfonso Archi, Ebla and Its Archives Texts, History, and Society, volume 7 in the series Studies in Ancient Near Eastern Records (SANER), De Gruyter, 2015.
– See: Jean-Claude Margueron. “The 1979–1982 Excavations at Mari: New Perspectives and Results”. In Young, Gordon Douglas (ed.). Mari in Retrospect: Fifty Years of Mari and Mari Studies. Eisenbrauns, 1992.
– See: Abraham Malamat, Mari and the Early Israelite Experience (Schweich Lectures on Biblical Archaeology), British Academy, 1992.
– Edward L. Greenstein, David Marcus, The Akkadian Inscription of Idrimi, Journal of the Ancient Near Eastern Society 8, 1976, p.64-67.
– Shmuel Ahituv (1984). Canaanite Toponyms in Ancient Egyptian Documents. The Magnes Press, Hebrew University of Jerusalem. pp. 83–84.
– Maria Eugenia Aubet, The Phoenicians And The West: Politics, colonies and trade. Translated From The Spanish By Mary Turton, Cambridge University Press, 1993, pp 4-16.
-Nadav Naaman, Canaan in the Second Millennium B.C.E., Collected Essays, Volume 2, Eisenbrauns, U.S.A, 2005, P.117.
Ibid, p.117.
– Maria Eugenia Aubet, The Phoenicians And The West: Politics, colonies and trade. Translated From The Spanish By Mary Turton, Cambridge University Press, 1993, pp 4-16.
– William G. Dever, How to Tell a Canaanite from an Israelite, https://library.biblicalarchaeology.org/book/rise-ancient-israel/how-to-tell-a-canaanite-from-an-israelite/
-See: Ruth Schuster, Israeli Archaeologists Find Half of Very Early Coin Near Jerusalem, Haaretz | Archaeology, Haaretz, https://www.haaretz.com/archaeology/2024-01-17/ty-article/israeli-archaeologists-find-half-of-very-early-coin-near-jerusalem/0000018d-174a-d7c2-a1cd-37ce9be60000
– Steve Lipman, Ancient Coin Of The Canaanite Realm, N Y Jewish Week https://www.jta.org/2015/06/17/ny/ancient-coin-of-the-canaanite-realm
– Getzel M Cohen, (2006). The Hellenistic Settlements in Syria, the Red Sea Basin, and North Africa. University of California Press. p. 205. –
– Aaron Demsky, “A Proto-Canaanite Abecedary dating from the period of the Judges and its implications for the history of the Alphabet”, Tel Aviv, 1977,4:47ff.
– William L. Moran, The Amarna Letters (Baltimore: Johns Hopkins, 1992), p. 307. EA 244-245.
– Donald B. Redford, Egypt, Canaan, and Israel in Ancient Times, Princeton University Press, 1992 p. 270.
– William L. Moran, The Amarna Letters, EA 242-248.
-See: jesse Waugh, Akhenaten, Nefertiti and King Tut – All A Fake Hoax? https://www.jessewaugh.com/blog/2016/6/10/are-akhenaten-nefertiti-and-amarna-all-a-fake-hoax
– Aaron J. Brody; Roy J. King (2013). “Genetics and the Archaeology of Ancient Israel”. Human Biology. 85 (6): 925.
-See: I, Finkelstein, 2007. Is the Philistine Paradigm Still Viable? In: Bietak, M. and Czerny, E. (eds.), The Synchronization of Civilizations in the Eastern Mediterranean in the Second Millennium B.C. III, Vienna: 517-523.
-See: Robert Drews, The End of the Bronze Age: Changes in Warfare and the Catastrophe Ca. 1200 B.C.: Changes in Warfare and the Catastrophe ca. 1200 B.C., Princeton University Press, 1993.
– Lori, Aviva (2005) ‘The Greatest Spin in History,’ Haaretz.co.il (26 February). English version [‘Grounds for Disbelief’] available at http://www.haaretz.com/grounds-for-disbelief-1.10757
-See: Israel Finkelstein and Neil Asher Silberman, No trumpets before Jericho, CH Beck Verlag, Munich, 2003.