مثَّلت فكرة الجزر الثقافية المنفصلة، محوراً مهماً في تناول الدكتور محمد عابد الجابري، للعقل والثقافة العربيَّين في كتابه (تكوين العقل العربي)؛ فهي بمنظوره ثلاث جزر منعزلة، وهي جزيرة العصر الجاهلي وبعدها جزيرة العصر الإسلامي وأخيراً جزيرة العصر الحديث.
وما نتطرق إليه حصراً هو الجزيرة الأولى؛ لما في شأنها من مادة عالية الأهمية في استيضاح البناء الثقافي العربي في تمرحلاته المتوالية. للثقافة عند الجابري فهمٌ مكثفٌ؛ هو أنها (كيان مستقل تنظمه وتنظم العالم حوله جملة من المفاهيم والأدوات الفكرية والرؤى الاستشرافية والقيم الجمالية والأخلاقية التي تشكَّلت في فترة أو فترات)، فلتلك المفاهيم والأدوات وما إليها، مما نضج عبر التجربة التاريخية الفعل الكلي لبناء الكيان الثقافي المستقل، وثقافة العصر الجاهلي الذي هو الحيز الزماني والمكاني المحدد بما قبل البعثة المحمدية، زماناً، وفي جزيرة العرب مكاناً، والذي احتوى تجمعات ومجتمعات بشرية لها وجودها المتفرّد، هي الكيان الذي تشكَّل من مفاهيم وقيم جمالية وأخلاقية وأدوات معرفية محددة، والذي ترافق مع أنماط من العيش، واسعة المدى؛ تراوحت بين البداوة البحتة وبين التحضر في مدن وحضارات، وكل ذلك دار حول مضمون ثقافي واحد، وهو ما يمكن وصفه بالعروبة، القائمة على أركان وجودها المتميزة وأعلاها شأناً اللغة. وللحقيقة؛ فإن هذا العصر لم يعرِّف نفسه بآثارٍ ونقوشٍ، وكتابات تبين التفاصيل المجتمعية والثقافية والحدثية فيه، وبقي كل شيء منقول شفاهة وورد عن الرواة والحفظة كما نقلها لنا من كتب عن ذلك العصر؛ بينما نجد حضارات أخرى أقدم أو معاصرة تركت إرثاً كبيراً من المنتجات الثقافية المكتوبة، وبما رسم صورة واضحة لهيكلها الاقتصادي الاجتماعي الثقافي؛ مثل الحضارة الآشورية والبابلية والقبطية والفارسية واليونانية.. وغيرها. إن المشكلة تبدأ من هذه النقطة: الثقافة الشفاهية للعصر الجاهلي. ولا تتوقف امتدادات هذه المشكلة عند حدود هذه الماهية، إنما تنتقل إلى ما دوِّن من تلك الثقافة، ومَن دوَّنها وكتبها نقلاً عن الرواة في عصر آخر، وهو العصر التالي والمعنون بالعصر الإسلامي؛ وهو عصر أيديولوجي تبشيري، ففي ذلك تكمن مشكلات جديدة وخطيرة للغاية؛ تتمثل في البنية الثقافية لمَن دوَّن، وتأثير تشكله الأيديولوجي على ما دوَّن مضموناً وشكلاً، ناهيك بمستوى الأمانة والموثوقية التي يتمتع بها من نقل ومن دون. إن العصر الجاهلي لم يعلن نفسه بنفسه؛ إنما المدونون هم الذين أعلنوه ولونوا منظوره وَفق واقعهم الاقتصادي وثقافتهم وأيديولوجيتهم وصراعاتهم وقيمهم الجمالية والأخلاقية، واختصاراً يحدد المؤرخون بدء زمن التدوين في عام 134 هجرية (زمن أبي جعفر المنصور العباسي)، كما ذهب إلى ذلك بعض الإخباريين الإسلاميين؛ بينما نلاحظ أن زمن التدوين الفعلي ابتدأ منذ تعريب الدواوين على عهد عبد الملك بن مروان، ويشير الدكتور الجابري إلى أن (صورة العصر الجاهلي وصورة صدر الإسلام والقسم الأعظم من العصر الأموي؛ إنما نسجتها خيوط منبعثة من عصر التدوين).
ويؤكد (لقد تشكلت بنية العقل العربي إذن في ترابط مع العصر الجاهلي؛ لكن ليس العصر الجاهلي كما عاشه عرب ما قبل البعثة، بل العصر الجاهلي الذي عاشه في وعيهم عرب ما بعد البعثة؛ أي كما تم استعادته وترتيبه في عصر التدوين). وهنا تكمن المفارقة وتبدأ الأسئلة الصعبة؛ فإذا كان الجابري قد أشار إلى اللا شعور المعرفي على مستوى الشعوب، بعد أن استعاره من جان بياجيه الذي استخدمه في مستوى الأفراد؛ حيث لا بد من إرجاع المعرفة وطريقة التفكير إلى جهاز خفي من الخوارزميات والآليات والقواعد التفكرية الأساسية، وخزين من الأفكار الراسخة في البنية العقلية اللا واعية؛ فمن الضروري التوجه إلى ذلك اللا شعور، وتفحصه بدقة؛ كي نصل إلى نتائج صحيحة وواضحة، لحقيقة العصر الجاهلي ومنظوماته الثقافية التي أدت إلى ولادة العصر الإسلامي وتطور بناه الثقافية الواعية. إن ما يواجه التحليل العلمي في سعيه لفهم سطوة العصر الجاهلي وهيمنته على الثقافة العربية اللاحقة؛ سواء في العصر الإسلامي، أم في العصر الحديث؛ هو الواقع الملغز الذي يفصح عن أن هناك صدمة تاريخية كبرى، حصلت في تطور سياقات وبنى المجتمعات الجاهلية، لتبقى بلا تفسير وتتمثل في ذلك الانقلاب العظيم من بنية فكرية جاهلية بمواصفات رسمها المدونون؛ كونها مجتمعات قبلية مشتتة متعادية وبعقائد بدائية بسيطة، تبرز فيها آلهة ضعيفة متفرقة؛ مثل هبل واللات والعزى وسواع ويغوث.. وغيرها من دون تعلق جارف بها ولا توفر كتاب ديني موَّجه ومرشد، انقلاب ذلك إلى مجتمع متماسك شديد الإيمان وببناء شعوري ولا شعوري إسلامي طاغي التأثير، يدعمه كتابٌ سماويٌّ مقدس شد إليه العقل العربي بقوة، حتى كثر الحفظة وراحوا يكتبونه على الصدور وعلى ما متاح من وسائل الكتابة ويرددونه ليل نهار.
إن هذه الصدمة التاريخية ظلت عصية وعجزت عن تفسيرها المناهج التاريخية كافة، ما دامت تنطلق كلها من مسلمات عصر التدوين. ولا شك في دقة استنتاجات الدكتور الجابري بأن هناك عصراً جاهلياً آخر غير الذي رسمه عصر التدوين، فما حقيقته؟ ولماذا يهيمن على العقل العربي عبر العصر الإسلامي والمعاصر؟ إن المجتمعات العربية تفاعلية إلى حد بعيد مع بعضها أفقياً وعمودياً؛ وهي امتداد واقعي للحضارات اليمنية، وبناها العقلية وأيديولوجياتها؛ حتى إن معظم القبائل كان أصلها يمنياً، ولأسباب مختلفة تركت مناطقها وانتقلت إلى مناطق وحواضر جديدة ناقلة معها معتقداتها وثقافاتها ومعارفها الشعورية واللا شعورية. ومن تلك القبائل قبيلة طيء التي كانت مسيحية (نصرانية) على العموم، بينما قبائل عربية أخرى؛ مثل “الأوس والخزرج وبنو النضير وبنو قريظة.. وغيرهم”، كانت يهودية وفي كل الأحوال كانت تلك القبائل تخضع للسلطة الروحية المهيمنة لرجال الدين من أحبار وكهنة وقساوسة، وهم المتحكمون بقوة بوعيها من خلال إتقانهم اللغة العبرية وانفرادهم بقراءة الكتب الدينية اليهودية والمسيحية، فالبنية اللا شعورية لثقافة تلك القبائل هي بنية كتابية راسخة معبأة بالكامل بما تعرضه الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية من منظومات فكرية معرفية وأخلاقية وحقوقية، وحتى القبائل التي تدين بأديان وثنية فهي واقعة فعلياً تحت التأثير الشديد للديانتَين السماويتَين. ومن مراجعة بسيطة للشعر الجاهلي نكتشف الانتشار الواسع للمفاهيم والروايات التوراتية، ولا بد من التنويه إلى الافتراق الكبير الذي عصف بالقبائل العربية نتيجة انشقاق الفرع الإسماعيلي عن هيمنة رجال الدين اليهوي، وانتقالهم بإلههم الجديد (المكة) من اليمن إلى مناطق الجزيرة العربية الأخرى، حيث كان من نتيجة ذلك (ولعله من أسبابه أيضاً) احتكار عبدة (يهوه) النصوصَ الدينية المقدسة، واعتكافهم على لغتها الأصلية العبرية الآيلة إلى الاندثار، بينما راحت لغة المنشقين تنتشر بسرعة وتهيمن وبنفس الوقت تبتعد عن العبرية؛ لكنها عانت بشدة من افتقادها كتاباً مقدساً يقرأ بمفرداتها.
إن الدكتور فاضل الربيعي في كتابه “إسماعيل وهاجر”؛ يشير بدقة إلى أن (افتراق اللغة هو أساس الافتراق التاريخي بين جماعتَين دينيتَين؛ إحداهما اعتنقت دين القبيلة الصغيرة بني إسرائيل وآمنت بالإله يهوه، وأخرى أصبحت شعبا ًعظيماً وآمنت بإله أعظم لأمة أكبر؛ هو إله العقل “المقة/ المكة”، وهي أصبحت جزءاً من شعب سبأ، وهذا هو ذاته أساس الافتراق بين شعب إسماعيل وشعب إسرائيل). لقد كان الأنبياء اليهود والمسيحيون ورجال الدين من الكهنة والأحبار، يتمسكون باللغة العبرية؛ كونها لغة مقدسة. وقد صنَّف كتبة التوراة أسفاراً بهذه اللغة بأسمائهم، وكان ذلك تقليداً مارسه الأنبياء وأدعياء النبوة على مر زمن طويل، فوُجدت كتبٌ كثيرة عُدَّت منحولة ومزيفة، بينما أضاف الكهنة والأحبار أسفاراً أخرى كانت بمثابة شروحات وتوضيحات وتضمنت بالتأكيد إضافات في مجال التشريع والحكايات والقصص؛ لكن كل ذلك لم يمنع من أن تنحسر العبرية فتكون لغة دور العبادة وحسب. أما عموم الناس فقد اندمجوا باللغة العربية الصاعدة بقوة كونها لغة الأكثرية. والفرع الإسماعيلي على مستوى العقيدة والبناء اللا شعوري، ظل تابعاً للبيوت الدينية اليهودية والنصرانية، وراحت عبادته للإله (المكة- المقة) تضمحل وتتلاشى أمام سيل الآلهة الجدد التي تطورت بحكم البيئة والتحرك الاجتماعي، بينما ظلت بنية العقل العربي اللا شعورية توراتية صرف، رغم أنها لم تكن زاخرة بالمعارف العبرية كما هي عليه ثقافة رجال الدين اليهود والنصارى. إن ما ذكر يبيِّن أن العصر الجاهلي كان عصراً توراتياً تماماً وليس شيئاً غير ذلك، وكل أفكار التوحيد وَفق المنهج التوراتي كان لها دور ساحق في البنية العقلية الدينية اللا واعية، وكل ما كان تحتاج إليه لأن تعلن يهوديتها ونصرانيتها؛ هو ترجمة موثوقة للكتاب المقدس من العبرية إلى العربية، مع تعليم ديني يستجيب لواقع القبائل العربية، وذلك سينجز المهمة التاريخية بالصعود اليهودي الجديد. لكن أحداً من كهنة اليهود وأحبارهم لم يكن مهتماً لهذا الأمر الخطير؛ حتى باغتتهم الدعوة المحمدية المنبعثة من صلب الفرع الإسماعيلي بكتابها السماوي الذي صدق وثبت وطوَّر الشرائع وذكَّر بالقصص والعبر والأحكام التي تضمنتها كتب التوراة والإنجيل، وكان محل استقطاب شديد للوعي الشعبي القبلي ببنيته التوراتية اللا شعورية، وهكذا حصل التغيير. إن هذا الفهم هو الذي يفسر السبب الحقيقي لتلك الصدمة التاريخية المتمثلة في الانتقال المفاجئ إلى العصر الإسلامي المتماسك بيسر وسهولة.