مَن لم يرَ القاهرة لا يعرف عز الإسلام.. “ابن خلدون” في وصف القاهرة
حاضرة الدنيا، وبستان العالم ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك. تلوح القصور والأواوين في حجره، وتزهر الخوانك والمدارس آفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه. قد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء، يسقيه النهل والعلل سيمه، ويُجبى إليهم الثمرات والخيرات ثجّة. ومررت في سكك المدينة تغصُّ بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. وما زلنا نحدث عن هذا البلد وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال. وقد اختلقت عبارات مَن لقيناه من شيوخنا وأصحابنا؛ حاجهم وتاجرهم، بالحديث عنه”، هكذا تحدث ابن خلدون عن عمارة القاهرة.
قبل عشرة قرون تأسست القاهرة وتجسَّد فيها أثير زمن مرّ عبر نسيج كتلتها المعمارية، وتخطيطها العمراني، وهي لا تزال تحتفظ بهذه العناوين؛ فهي مزيج من مؤسسها المُعز لدين الله الفاطمي، واليوناني جوهر الصقلي، وتمر عبر الأسبلة لترتوي في الخنقاوات، تتهجد كعرائس السماء، تسبح في تجاويف المقرنص؛ تتأمل في شارع المعز، وفي ساحات الأزهر، وإيواناته، ومآذنه، وفي مدخل الإمام الحسين تنزل إلى العتبات، وفي جامع الأقمر، ثم تتمهل لتأخذك قاهرة نجيب محفوظ إلى مصر الحديثة؛ بين سردية الجرنال ومانشيت الراوية، تقرأ في باب الخلق عند عطفة الأولياء، وقصص دراويش المحروسة، ثم يمر الوقت كشريط سينمائي أبيض وأسود، ثم تثبت الصورة فتراها بالألوان الطبيعية، كجزء من التراث العالمي المسجل لـ(منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، اليونيسكو). القاهرة بكلمة موجزة جغرافياً متحركة. في عام 969م، وصلت الدولة الفاطمية التي كان مقرها إفريقية (تونس) إلى مصر، في عهد الخليفة المعز، بقيادة الجنرال جوهر الصقلي. وفي عام 970م، وبتعليمات من المعز، قام جوهر بتخطيط وإنشاء وبناء مدينة جديدة لتكون بمثابة مقر إقامة، ومركز قوة للخلفاء الفاطميين. سُميت المدينة بـ«المعزية القاهرة»، «مدينة نصر المعز»، في ما بعد سُميت بـ«القاهرة». كانت المدينة تقع شمال شرق الفسطاط؛ وهي من العواصم الإدارية السابقة التي بناها ابن طولون والعباسيون. نظم جوهر المدينة الجديدة بحيث كانت في وسطها القصور الكبرى التي ضمت الخلفاء وأُسرهم ومؤسسات الدولة. تم الانتهاء من بناء قصرَين رئيسيَّين: شرقية (الأكبر بين القصرين) وغربية، وبينهما ساحة مهمة تُعرف باسم «بين القصرين».
تأسس مسجد المدينة الرئيسي، جامع الأزهر في عام 972م؛ باعتباره مسجد الجمعة وكمركز للتعلم والتعليم، ويعتبر اليوم من أقدم الجامعات في العالم. الشارع الرئيسي في المدينة المعروف اليوم بشارع المعز لدين الله (شارع المعز) ويشار إليه تاريخيّاً باسم «القصبة» أو القصبة، ويمتد من إحدى بوابات المدينة الشمالية (باب الفتوح) إلى البوابة الجنوبية (باب زويلة)، ومرت بين القصور عبر بين القصرين. لكن في عهد الفاطميين، كانت القاهرة مدينة ملكية مغلقة أمام عامة الناس، ولا يسكنها سوى عائلة الخليفة ومسؤولي الدولة وأفواج الجيش، وغيرهم من الأشخاص الضروريين لعمليات النظام ومدينته. ظلت الفسطاط لبعض الوقت المركز الاقتصادي والحضري الرئيسي لمصر. وفي وقت لاحق فقط، نمت القاهرة لاستيعاب المدن المحلية الأخرى؛ بما في ذلك الفسطاط، لكن عام 969م يعتبر «عام التأسيس» للمدينة الحالية.
غادر المعز ومعه الجهاز الإداري للخلافة الفاطمية، عاصمته السابقة المهدية تونس عام 972م ووصل إلى القاهرة في يونيو 973م. وأعاد الوزير الأرمني بدر الجمالي (في منصبه من 1073-1094) بناء أسوار القاهرة بالحجر، وبوابات ضخمة، وقد تم توسيعها في ظل حكم الأيوبيين لاحقاً. في القرن الثاني عشر، أصبح حكم الفاطميين ضعيفاً إلى درجة شديدة حتى تلاشت الدولة الفاطمية عام 1171م، ومعها تلاشت العمارة الفاطمية كنمط من العمارة الإسلامية الذي نشأ خلال فترة حكم الدولة الفاطمية في مصر وشمال إفريقيا (في الفترة من القرن الرابع عشر حتى القرن الحادي عشر الميلادي). تتميز العمارة الفاطمية بالتفاصيل الزخرفية الغنية والألوان الزاهية والأشكال الهندسية المعقدة، وتعكس ثقافة الدولة الفاطمية والتأثيرات الثقافية للعديد من الحضارات المختلفة التي تفاعلت معها. من أبرز المباني الفاطمية التي تعكس هذا النمط الفني؛ مسجد الأزهر الكبير، ومسجد الحسين في القاهرة، ومسجد النوري في الجزائر، ومسجد القيروان في تونس. كما تشتهر العمارة الفاطمية بالقباب المعدنية المرصعة بالفسيفساء والمعروفة باسم “مقبب”، والتي كانت تستخدم كتاج للقباب في المساجد والقصور. تشتهر العمارة الفاطمية في القاهرة بالعديد من المباني والمنشآت الأثرية المميزة، والتي تتميز بأسلوب فنيٍّ مميز يجمع بين الفن الإسلامي والفنون الإقليمية المحلية، ومن أشهر هذه العمائر:
مسجد الحسين بالقاهرة
كما يُطلق عليه المشهد الحسيني وكعبة مصر. وهو أحد أشهر المساجد في العالم الإسلامي ويُعد من أهم المعالم الأثرية في مصر.
باب زويلة
وهو باب قديم يرجع تاريخ بنائه إلى القرن العاشر الميلادي، ويعد من أهم الأبواب التي كانت تعبرها القوافل التجارية في العصور الوسطى.
مسجد الملك الحاكم بالقاهرة
ويُعد هذا المسجد أحد أهم معالم العمارة الفاطمية في مصر، ويتميز بتصميمه الهندسي المعقد.
قصر الجبلية
وهو قصر أثري يقع في محافظة القليوبية بمصر، ويتميز بتصميمه الأثري الرائع والفني الجميل.
تطورت العمائر في العصر الفاطمي تطوراً كبيراً؛ فقد طور تخطيط المساجد، فبعد أن كانت المساجد تتكون من صحن واحد، أصبحت المساجد في العصر الفاطمي متعددة الصحون؛ مثل جامع الحاكم المكون من صحن وأربعة ظلال، وأصبح جامع الأزهر مكوناً من صحن وثلاثة أروقة، كما ظهرت في الطراز الفاطمي فكرة تغطية المحراب والصحون، أو الأماكن الأخرى داخل المسجد بالقباب. أما من حيث مواد البناء؛ فقد تميَّز الطراز الفاطمي باستخدام الحجارة بشكل أساسي، لهذا تميزت العمائر والأبنية الفاطمية بالقوة والمتانة والفخامة، هذا إلى جانب استعمال الآجر (الطوب المصنوع من الطين المعروف بالطوب الأحمر) في البناء؛ خصوصاً بناء القباب والعقود والجوانب الداخلية للحوائط. كما استخدمت العوارض الخشبية في تدعيم الجدران، كما استخدم الفاطميون الأعمدة في تثبيت الجدران في الأسوار الحربية، كما أولى الفاطميون عناية كبيرة بصقل الأحجار ونحتها وتنسيقها في البناء، وقد ساعد ذلك في الاستغناء عن الجص (مادة كانت تستخدم في البناء قبل وجود الأسمنت وهي تشبهه إلى حد كبير) في بعض جوانب البناء، كذلك سهل وجود الأحجار عملية النحت والحفر عليها. وشاع في الطراز الفاطمي استخدام قطع الأحجار الصغيرة في إطارات الأبواب والعتبات والعقود، وتطور استخدامها لتتخذ مظهراً مزخرفاً، كما ظهر في العصر الفاطمي لأول مرة صناعة الأعمدة خصيصاً للمساجد، كما طور الفاطميون في العقود وظهرت أنواع كثيرة منها؛ مثل العقود المدببة والمحدبة ونصف الدائرية. في هذا السياق؛ ظهرت في العصر الفاطمي فكرة تعدُّد المحاريب، كما شاع استخدام المقرنصات، وهي شكل من أشكال الحُلِيَّات المعمارية، كما طوَّروا في هذه المقرنصات، وتمكن الفاطميون من ابتداع شكل مميز للمآذن يختلف عن الأشكال التقليدية. وتميزت العمارة الفاطمية بالاستخدام الواسع للطوب والجص والخشب في البناء، وقد تم استخدام الحجر في بعض المباني الكبيرة. كما تم استخدام الفسيفساء والزجاج الملون في هندسة التصميم الداخلي والواجهات الخارجية لبعض المباني الأثرية؛ مثل مسجد الحاكم بأمر الله ومسجد الأزهر في القاهرة. لقد استخدم الفنانون الفاطميون تقنيات متقدمة في صنع الخزف والسيراميك والمعادن؛ لإنتاج قطع فنية، مثل ما تم استخدامه في قصر الزربة في القاهرة.
الزخارف الإسلامية: تضم العمارة الفاطمية الكثير من الزخارف الإسلامية؛ بما في ذلك الكتابة بالخط الكوفي والعربي، والنقوش والتعقيدات الهندسية، واستخدام الطوب: يعتبر الطوب المصنوع من الطين المحروق إحدى المواد الأساسية في العمارة الفاطمية.
القباب: يمثل استخدام القباب جزءاً كبيراً من العمارة الفاطمية، ويمكن رؤية القباب المميزة في العديد من المباني؛ مثل مسجد الحسين ومسجد الأزهر.
الأقواس: يتميز الفن الفاطمي بالأقواس الخاصة، والتي تتميز بطريقة تفاصيلها، وتصميمها المعقد.
الكشوف: يتميز الفن الفاطمي بالكشوف الخاصة، والتي تعد منطقة مفتوحة محاطة بأروقة وغرف.
الخرسانة: يتم استخدام الخرسانة في بعض المباني الفاطمية؛ لإنشاء الجدران والأعمدة والقباب.
الفسيفساء: تتميز العمارة الفاطمية بالفسيفساء الملونة المستخدمة في الأرضيات والجدران.
على هذا النحو تجمع العمارة الفاطمية بين التصميم الجمالي والوظيفي، وتعد هذه المميزات الفنية المهمة جزءاً أساسياً من الفن الإسلامي المتطور في القرون الوسطى.
عندما أنتجت الأرضُ خليتها الحيَّةَ الأولى، لم تكن تدرك أن بعض هذه الخلايا ستشكل الإنسانَ العاقلَ، وأنه بعد مرور مليون و800 ألف عام ستتمكن هذه الخلايا من الانتشار السرطاني في كامل جسد الأرض على حساب بقية كائناتها الحية.
وأن هذا الكائن الهجين سيكون سبباً في تغيير طبيعة الكوكب قبل تدميره وموت كائناته الجميلة، ذلك أن كل ما يلد ويولد يحمل بذرة فنائه بداخله؛ بما فيه كوكب الأرض الذي خرجنا من طحالبه. يقول شكسبير في إحدى سونيتاته: “فضيُّ الينابيع لها وحل، وفي أكمام الزهر يغذي نفسَهُ الدُّودُ الكريه”؛ إذ كل شيء يحمل نقيضه بداخله، سوى الله الذي لم يلد أو يولد.
فالعقل البشري الذي ينوس بين الهمجية والتحضر، ضغط على زر العداد التنازلي لفناء الحياة فوق هذا الكوكب الجميل منذ لحظة اكتشافه أسرارَ الذرة؛ إذ راحت الهمجية تتنامى طرداً مع تقدم التكنولوجيا العسكرية، بينما الحضارة الإنسانية تتراجع أمامها، حيث يأكل الإنسانُ لحمَ أخيه بالشوكة والسكين على أنغام سيمفونية شهرزاد لريمسكي كورساكوف، بعدما كان أسلافه ينهشون كبده طازجاً قبل أن يبرد جسد الضحية على وقع قرع الطبول…
فعلى الرغم من التحضر الذي شهدته الإنسانية؛ فإن الهمجية لم تتغير وإنما القدرة على التدمير الشامل هي ما تغيَّر، ففي نهاية كتابها “أزمة الثقافة” تبدي الفيلسوفة حنة أرندت، شكَّها في “صوابية مسار البشرية نحو اكتساح الفضاء”، وفي أن “التقدُّمَ العلميَّ الذي أحرزته الشعوب المتحضرة، سوف يفضي إلى تدمير البعد الإنساني المأمول منه”، ذلك أن الثقافة الإنسانية المعاصرة تتراجع لصالح الهمجية العلمية، إن صح التعبير، حيث تحولت الحروب، بفضل التقدم العلمي، من استخدام السيف والرمح إلى السلاح النووي والبيولوجي والسيبراني الذي لا يعطي للمحارب فرصة أن يموت كبطل تبكيه النساء وتنظم فيه الأشعار وتمجده القصص والروايات، فمن يذكر اليوم آلاف الجنود العراقيين الذين حولهم السلاح الأمريكي إلى رماد في معركة مطار بغداد قبل عشرين عاماً؟ لم يتوفر لهؤلاء المقاتلين أن يدفنوا في قبر يزوره أقاربهم صبيحة العيد..
فهمجية التقدم العلمي سوف تمحو الوجود الإنساني، وقد لا يتوفر لنا وقت لشرح التفاصيل فيما لو تدحرجت الحرب الروسية مع الناتو في هذه اللحظة إلى رعب نووي يعيدنا إلى الوحل الذي خرجنا منه كعلق بائس لنمكث في طيننا مليون عام أخرى قبل أن تتشكل خلية جديدة وتثمر كائنات مختلفة، تعمر العالمَ مجدداً وتبني متاحف للعلوم الطبيعية تضع فيها هياكل بشرية ويشرح فيها الأدلاء للزوار أسبابَ انقراض البشر.
كان البشر همجاً رعاعاً يقلدون الحيوانات البرية والبحرية، اللاحمة والعاشبة؛ فلم تكن لهم برمجة أو سمة مميزة كما لبقية فصائل الثدييات، وكانوا أقرب في تكوينهم التشريحي إلى الخنازير منهم إلى القرود، وكانت الأنثى مشاعاً للذكور؛ هذا إذا لم يئدوها غبّ ولادتها. ويمكننا رصد تطور المجموعات البشرية في سلم التحضر حسب المكانة التي كانت تحوزها الإناث في المجموعة؛ حيث بدأ الذكور ينتبهون إلى أهمية حماية ورعاية إناثهم اللواتي أسهمن في أنسنة الوحش الذي يسكنهم كما في أسطورة جلجامش وأنكيدو، عندما يرسل جلجامش، ملك مدينة الورقاء، امرأة لاصطياد أنكيدو، الرجل البري (الهمجي) الذي يخرب المصائد ويفك الحيوانات من شباك الصيادين.
وبالطبع فإن جمال المرأة وسحرها وعذوبة كلماتها أسرت قلب أنكيدو فنام معها أربعة أيام بلياليها، وفي اليوم الرابع روضته المرأة وتأنسن أنكيدو، فنام الوحش بداخله، وجاءت به المرأة إلى المدينة كي يتحضر..
إذن؛ فالمرأة هي مصدر الأنسنة والمدنية، والرجال مصدر الحروب والهمجية، ويمكننا اليوم أن نفاضل في رقي الأمم حسب مكانة المرأة فيها، ويمكننا القول مع ابن عربي: “كل ما لا يؤنثُ لايعوَّلُ عليه”….
الفكرة الإبراهيمية عن حياة ما بعد الموت جعلت غالبية المتدينين لا يعبؤون بخراب العالم ما دام هناك مكان آخر خارج كوكب الأرض سيستضيفهم بعد موتهم ككائنات خالدة، في النعيم أو الجحيم. فالملاحظ أن غالبية المنخرطين في مجموعات دينية لا يأبهون لتغير المناخ، ولا بثقب الأوزون أو التلوث وانقراض بعض الكائنات الحية، ولا يناهضون انتشار السلاح النووي.. ونحن لم نسمع واعظاً أو خطيبا ًيحضُّ على حماية (دار الفناء) من الفناء ما دامت (دار البقاء) بانتظار أتباعه.
ففعلياً كل مُتشدِّد لديه وطن افتراضي متخيل يحجب عنه الإخلاص الكامل لوطنه الحقيقي ودستور دولته في ما يخالف مذهبه الذي ينتمي غالباً إلى امتداداته خارج حدود الوطن! وهذا لا يساعد كثيراً على الأنسنة والمواطنة والحفاظ على مصادر الحياة الأرضية، بالتالي فإنه لا يساعد على الحد من الأفعال الهمجية التي تدمر الكوكب، هذا إذا لم يفاقمه؛ حيث نرى اليوم كيف أن عتاة المسيحيين الصهاينة يحضون على سباق التسلح والعسكرة بانتظار تحقق أسطورة (هرمجدون) التوراتية؛ حيث يفترض أن تجتمع الجيوش في منطقة بين النيل والفرات، ويظهر الماشيح ليقودهم في مواجهة ضد المسيح الدجال وجيشه الذي يتحالف مع يأجوج ومأجوج (الصيني)؛ في سيناريو يحاكي نهاية العالم، بينما عتاة المتدينين المسلمين ينتظرون ظهور الشمس من مغربها والدابة التي تكلم الناس وعودة المهدي يؤازره النبي عيسى؛ ليقودوهم في مواجهة الأعور الدجال في معركة البشر الأخيرة؛ حيث ينفخ الرب في الصور ثلاث نفخات بالتمام والكمال، فتقوم القيامة وتكون النهاية، ويعود المؤمنون إلى مملكة السماء، وطنهم الذي أخرجهم إبليس منه! لهذا لم تكن الثقافات الإبراهيمية يوماً مصدرَ سلام بين الأمم، ولا بين الرجل والمرأة؛ إذ كل المقاتلين المنتمين إلى أديانهم كانوا يقتبسون ما يناسبهم من نصوص الكتب المقدسة لتبرير همجيتهم في الحروب، منذ قيام الأوروبيين بإبادة الهنود الحمر، مروراً بإبادة الفلسطينيين على يد اليهود الإسرائيليين، وصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية الذي قتل كل شيء حتى أتباعه السلفيين!
الكم الأكبر من الأفعال الهمجية يأتي غالباً من الأحقاد التاريخية المتوارثة بين البشر؛ ففي بلدان الخوف المتوضعة شرقي المتوسط التي مر عليها كل أنواع الغزاة والثقافات والأديان والأيديولوجيات التي غرست قدراً كبيراً من بذار الفرقة والكراهية في أرضها: كراهية إثنية وقبلية وعشائرية ودينية ومذهبية وطبقية ومناطقية وسياسية وحزبية ومهنية وجنسانية..
كلهم اليوم بحاجة إلى تبريد أحقادهم في جسد الآخر المختلف، لهذا لم تكتمل دولة المواطنة في هذه البلدان، وتعرضت خلال العقود الأربعة الأخيرة إلى ثلاث حروب أهلية: في لبنان والعراق وسوريا؛ حيث عجز حكامها عن تفكيك عصبياتها، فعمدوا إلى إدارتها واستثمارها على مبدأ ميكيافيللي والسياسات الاستعمارية التي كانت تعمل على مبدأ “فرق تسد”، إلى أن جاء مَن أيقظ هذه الأحقاد وموَّلها ونظَّمها وسلَّحها ودعَّمها لوجستياً وإعلامياً واستخبارياً وفقهياً، فمكنوا الهمجي من أن يقتل جاره ويسبي امرأته ويغنم ماله ويدخل الجنة بعدما يطوب ثائراً، إلى أن تشكل لدينا أكبر تجمع همجي وبربري في التاريخ الحديث كتتويج ونتاج لهذه الأحقاد المتوارثة!
أخيراً عزيزي القارئ: هل تظن أن الهمجية التي نتحدث عنها تخصّ الآخر من دونك؟ انظر إلى أوهامك وظنونك وسلوكك تجاه الآخر الذي لا يشبهك؛ لكي تعرف نسبة الهمجية عندك.. فيا أيها السيد في أُسرتك والمحسوب على تعداد سكان مدينتك، اجعل من نفسك رجلاً مسالماً منفتحاً وغير عدائي، واعلم أن كمية العنف في العالم سوف تنقص، وأنك غدوت شريكاً حقيقياً في صنع سلام العالم.