Skip to content Skip to footer

الهُوية سؤال عالمي| د. عقيل سعيد محفوض

يتحدث المفكر الفرنسي آلان تورين، عن أن الثقافة أخذت تمثل مدخلاً مهماً لفهم العالم، (تورين، براديغما جديدة لفهم العالم، 2011). وأن توسل مفاهيم الهوية والقيم أمرٌ لازمٌ للنظر في ما نحن فيه من أحوال وأهوال، وقراءة وتقدير التجاذبات والرهانات والمنافسات والصراعات والحروب في العالم؛ خصوصاً في زمن ما بعد الحداثة أو الحداثة الفائقة التي تتسم بالتداخل والتنوع والسيولة في التفاعلات والتدفقات في كل شيء تقريباً، وحيث أشد صور الوعي الإنساني تأخراً إلى جانب أشدها حداثة وتقنية، ذلك أن “كل الأشياء حاضرة في زمن واحد”، على ما يقول داريوش شايغان. (شايغان، هوية بأربعين وجهاً، ص 35).


 

يتحدث المفكر الفرنسي آلان تورين، عن أن الثقافة أخذت تمثل مدخلاً مهماً لفهم العالم، (تورين، براديغما جديدة لفهم العالم، 2011). وأن توسل مفاهيم الهوية والقيم أمرٌ لازمٌ للنظر في ما نحن فيه من أحوال وأهوال، وقراءة وتقدير التجاذبات والرهانات والمنافسات والصراعات والحروب في العالم؛ خصوصاً في زمن ما بعد الحداثة أو الحداثة الفائقة التي تتسم بالتداخل والتنوع والسيولة في التفاعلات والتدفقات في كل شيء تقريباً، وحيث أشد صور الوعي الإنساني تأخراً إلى جانب أشدها حداثة وتقنية، ذلك أن “كل الأشياء حاضرة في زمن واحد”، على ما يقول داريوش شايغان. (شايغان، هوية بأربعين وجهاً، ص 35). 

يبرز سؤال الهوية، ليس بوصفه سؤالاً ثقافياً أو فكرياً فحسب، وهذا أمر طبيعي في ظروف العالم اليوم، وإنما بوصفه تحدياً وجودياً، ومسألة أمن وطني وعالمي أيضاً. ظهرت الهوية “كما لو كانت معياراً للتفسير مُهيمناً على كل تحليل تاريخي وسياسي، سوسيولوجي”. (عزيز العظمة، الهوية، ص 14). ويمكن الإشارة إلى سؤال الهوية بما هو سؤال أو تحدٍّ “فوق” الدول والكيانات والتحالفات أو هو “عابر لها”، انظر مثلاً تمزقات القوة والمعنى وسيولة التدفقات وتحولات القيم التي عصفت بالعالم. ثمة حديث عن ازدياد عدد النزاعات والصراعات والكوارث والأوبئة والعنف والهجرة حول العالم. وثمة بالطبع أسئلة الحضارة الإنسانية والأمن الإنساني والسلام والتنمية، وتأثيرات التقانة والتقانة الحيوية والذكاء الصناعي على معنى ووجود الإنسان ومستقبل الظاهرة البشرية. (فرانسيس فوكوياما، مستقبلنا بعد البشري، 2006). 

   

يبدو مفهوم الهوية، وطيف المفاهيم المُلازمة له مثل الثقافة والقيم، مفهوماً لازماً لفهم وتفكيك الصراع بين الشرق والغرب، وأوضاع أوروبا وجانب من سياساتها حيال نفسها، وحيال روسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، والموقف بين روسيا وأمريكا، والجهاديات الإسلاموية، والشعبوية، والعلمنة والحداثة في مجتمعات ودول في آسيا وإفريقيا، والحركات الدينية المسيحية والهندوسية وغيرها، وبالطبع الصراعات الداخلية في عدد من المجتمعات والدول مثل أفغانستان والصومال ولبنان والعراق وسوريا وتركيا وإيران وأرمينيا وأذربيجان وباكستان وأوكرانيا وليبيا واليمن والسودان.. إلخ. وإذا كان حضور الهوية وأسئلتها يختلف بين منطقة وأخرى، لحظة زمنية وأخرى، تبعاً لظروف وعوامل كثيرة، إلا أنه يكاد يسم التفكير العالمي، إذا ما أخذنا بالاعتبار اتجاهات التحليل الراهنة لأوضاع العالم؛ خصوصاً ما انطلق منها من منظور معرفي وسوسيولوجي وبالطبع ثقافي وسياسي واقتصادي، وبالأخص “الدراسات الثقافية”، و”النظرية الثقافية” أو “التحليل الثقافي”، و”دراسات ما بعد الكولونيالية” و”سوسيولوجيا العولمة” وما يُعرف بـ”دراسات التابع”.. إلخ. يَدُولُ سؤال الهوية -مثل “بندول فوكو”- في الظاهرة البشرية اليوم، ليس بين حدَّين، ليس بين هذه وتلك، وإنما في حقول وفضاءات التفكير والفعل، متداخلة ومفتوحة على تأثيرات وفواعل كثيرة: التهديد- الفرصة، الحل- الترحال، القوة- الضعف، القبول- الرفض، الكوني- المحلي، الداخل- الخارج، الأنا- الآخر.. إلخ. ويشهد العالم تحولاً أو انتقالاً في “تمركزات” القوة والمعنى، من الدولة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الجماعة، ومن الجماعة إلى الفرد، وحتى دواخل الأفراد أنفسهم، ومعنى الإنسان نفسه، وبيولوجيا الإنسان وهويته، وتجاذبات المعنى والولاء والانتماء لديه، ولم يعد يقتصر على الدول والمنظمات الدولية، كما كانت تعرفها دراسات القانون والسياسة مثلاً؛ بل أخذت تضم الشبكات العابرة للدول، وأصبح النظام العالمي يشهد عدداً لا نهائياً تقريباً من الفواعل.

 

يتحدث المفكر الأمريكي من أصل إسباني إيمانويل كاستلز، مثلاً عن أن الظاهرة العالمية؛ بما فيها من تدفقات فائقة في الفكر والاقتصاد والسياسة وغيرها، تتحرك على وقع التجاذب بين قطبَي “الذات- الشبكة”، وسلطات “غير مكتملة”؛ بسبب سرعة أو سيولة الزمن والتدفقات، وبالتالي صعوبة الإمساك بالمعنى والقوة. (كاستلز، سلطة الاتصال، 2014). يتعلق الأمر بنوع من التحول في فضاء تجاذبات المعنى والقوة، وليس قطعية أو انفصالاً بالتمام؛ إذ إن الدول والمجتمعات والمنظمات.. إلخ، لا تزال تحتفظ بوجودها ودورها، إنما بقدرٍ متفاوتٍ من حيث القوة والتأثير والاستمرارية؛ بل ثمة بروز متزايد أيضاً لمعنى الدولة والمجتمع والعصبية الوطنية والعصبية الطائفية والاتجاهات الرافضة للعولمة، والتمركز حول “الذات” أو “الأنا”، على اختلاف المعاني والتجليات. وتمثل ظاهرة الشعبوية والنزعات اليمينية والهوية المحافظة في عدد من المجتمعات والدول حول العالم، مؤشراً على اتجاهات تطور “متعاكس” و”ملتبس” في الظاهرة البشرية اليوم؛ إذ إن تلك التيارات والفواعل تنهض ضد العولمة، وتتكئ عليها في آن. يشهد العالم سهولة أو سيولة في التدفقات وانتقال الناس والبضائع والأفكار والمعلومات والصور.. إلخ، وبروز نوع من الهوية الإنسانية والفكرة الكونية والمواطنة العالمية، هي فوق السياسات وفوق الأمم والدول. ويتحدث إيمانويل كاستلز مثلاً عن “عالم الشبكات”، ودارن بارني عن “مجتمع الشبكات”، وليس عن المجتمع بالمعنى الذي كنا نعرفه. وإذا انطوى ذلك على معنى أو بُعد الفرصة، فإنه ينطوي أيضاً على معنى أو بُعد التهديد. ويدل على ذلك بروز تمزقات واختلالات في طبيعة واتجاهات المعنى والقوة، يمكن تقصيها في كل العالم تقريباً: قويِّهِ وضعيفهِ، غَنِيِّهِ وفقيرهِ، شمالِهِ وجنوبِهِ، غربهِ وشرقهِ، وفي قلب المجتمعات والجماعات والدول والشبكات نفسها. كما لو أن سؤال الهوية تحول -مع عوامل أخرى- إلى قوة كبرى يطول وجودها وتأثيرها العالمَ كله تقريباً؛ بل يخرقه كسَهمٍ من الماضي إلى المستقبل. 

تمثل الهوية عاملاً ثابتاً أو بُعداً أساسياً في مجتمعات ودول المركز؛ خصوصاً أوروبا والولايات المتحدة. يتحدث عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل والرشتين برصانة وعمق عن “نهاية العالم كما نعرفه”، مؤكداً تراجع الوزن النسبي للولايات المتحدة في ميزان المعنى والقوة في العالم، وغير معروف بالتمام لحظة ولادة نظام عالمي جديد. (والرشتين، نهاية العالم كما نعرفه، 2017). ويقول فرانسيس فوكوياما إن “أمريكا على مفترق طرق”، بينما يتساءل صموئيل هنتغتون “مَن نحن؟”، بكل ما يعنيه ذلك من مدارك وشواغل متزايدة؛ ليس على موقع أمريكا في ميزان المعنى والقوة في النظام العالمي فحسب، وإنما على هوية أمريكا نفسها، وطبيعة المجتمع والدولة والسياسات فيها. وتجد سؤال أو هاجس الهوية أيضاً لدى دول أوروبا وروسيا والهند والصين والبرازيل.. وغيرها، التي أخذت تؤسس رؤيتها للعالم ولدورها فيه، وتتطلع لانخراط متزايد في منافساته، ولا يخفى موقع الهوية والثقافة والمعنى في ذلك. يتحدث ألكسندر دوغين مثلاً عن رؤية أوراسية وأفق أوراسي لهوية روسيا كقوة عالمية؛ بينما تؤسس الصين رؤيتها لنفسها والعالم على “أُسس كونفوشية”. وتفعل الهند شيئاً مشابهاً، وثمة اتجاه لتغيير اسم الدولة من “الهند” إلى “بهارات”. وتؤسس تركيا سياستها على “سردية هجينة” بين المعطى القومي والديني. وتفعل إيران مثل ذلك أيضاً. وهذا باب فيه كلام كثير.

وتؤسس إسرائيل سرديتها على فكرة ثقافية دينية مُتخيَّلة أو مختلقة، على ما يبين المفكر والمؤرخ فاضل الربيعي في دراسات عديدة. وتحاول إسرائيل أن تجعل من الفكرة أو السردية المتخيلة أو المختلقة أساساً لواقع سياسي. والواقع أنها أقامت كياناً دولتياً، وتريد أن “تغطيه” ثقافياً وتاريخياً. (انظر مثلاً: الربيعي، القدس ليست أورشليم، 2010). وهذا مؤشر على دور الثقافة والهوية والتاريخ في سياسات العالم اليوم. وينسحب جانب من ذلك على الخطاب الثقافي والسياسي العربي؛ إذ غالباً ما يركز خطاب الهوية على بُعدَين رئيسَين، هما: العرق والدين، أو العروبة والإسلام، وإلى حد ما التاريخ والجغرافية التاريخية. ولو أن الهوية القومية، في بُعدها الأيديولوجي، شهدت تراجعاً أمام نمطَين رئيسَين من الأدلجة: الأول ديني إسلاموي في أفق مفاهيم مثل “الأمة الإسلامية”، والثاني كياني دولتي أو ما يُعرف بـ”الهوية الوطنية”.

وهذا باب فيه كلام كثير أيضاً. لكن الهوية، بوصفها مقولةً ومنطلقاً للنظر والفعل، تتجاوز -كما تتكرر الإشارة- الدولَ إلى الفواعل من غير الدول والفواعل العابرة للدول، وتجد مجتمعات وحركات اجتماعية وشبكات ومؤسسات عالمية النشاط والتأثير؛ خصوصاً ما ينطلق من منظور عولمي ليبرالي أو مناهض للعولمة والليبرالية، مثل: حركات ومنظمات حقوق الإنسان، والحركات الدينية والدعوية والتبشيرية. وثمة كلام كثير عن الظاهرة الإسلاموية العابرة للدول، والتي أخذت تمثل واحدة من القضايا النشطة في العالم؛ خصوصاً في بُعدها الجهادي والتكفيري. وعودة إلى داريوش شايغان، يقول في نهاية كتابه “هوية بأربعين وجهاً”: “إن استشراف مستقبل البشرية ينذر بالخطر”، والعالم يرزح “تحت وطأة الكوارث والويلات؛ إذ كل شيء في هذا العالم يبدو مقلوباً ومعكوساً وعرضة لشتى المتناقضات التي تربك الاتزان، فلا شيء محدداً ومعلوماً في هذا العالم على الإطلاق، ولا شيء يتموضع في مكانه الحاسم”. (شايغان، هوية بأربعين وجهاً، ص 197).

 

تمثل الهوية ورهاناتها، أحد أبرز النداءات التي تخلق استجابات كثيرة، وأحياناً متعاكسة، ومن الصعب التنبؤ بوزنها النسبي وتأثيرها في حاضر ومستقبل العالم، ولو أن القراءات والتقديرات ترشحها لشغل موقع متقدم في أجندته.