Skip to content Skip to footer

تهافت مقولة التواتر العملي في الصلاة | د. زهير جمعة المالكي

التواتر لغة: التتابع على فترات، مأخوذ من مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، ومن ذلك قوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترى ) ؛ أي: واحداً بعد واحد بفترة بينهما. فإذا لم توجد فترة بين الأشياء المتتابعة، فإنها تسمى: “مداركة ومواصلة”..

قال في مختار الصحاح: “والمواترة: المتابعة، ولا تكون بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة، وإلا فهي مداركة ومواصلة” . وقال في لسان العرب: “.. والتواتر: التتابع، وقيل: هو تتابع الأشياء وبينها فجوات وفترات” . وقال في القاموس المحيط: “… ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة، وإلا فهي مداركة ومواصلة، ومواترة الصوم: أن تصوم يوماً وتفطر يوماً أو يومَين، وتأتي به وتراً وتراً، ولا يراد به المواصلة” . ولهذا عدّ العلماء من غلط العامة، قولهم: “تواترت كتبك إليّ”؛ أي: اتصلت من غير انقطاع، وإنما التواتر: الشيء بعد الشيء بينهما انقطاع، وهو تفاعل  من الوتر، أي العود  .

أما اصطلاحياً فالمتواتر “ما يحكم العقل فيها بالصدق بواسطة السماع من جمع يؤمن كذبهم، كقولنا: (سيدنا محمد ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يديه)” وهكذا. إذن فالمتواترات: هي قضايا تحصل للنفس بالأخبار تواتراً، أي: كثرة متوالية موجبة لسكون النفس سكوناً تاماً يزول معه الشك؛ بسبب كثرة الشهادات؛ بحيث يحيل العقل تواطؤ الشهداء على الكذب. ومثَّل الغزالي للمتواترات بقوله: “كعلمنا بوجود مكة، ووجود الشافعي، وبعدد الصلوات الخمس، بل كعلمنا بأن من مذهب الشافعي أن المسلم لا يُقتل بالذميّ، فإن هذا أمر وراء المحسوس، إذ ليس للحسّ إلا أن يسمع صوت المخبر بوجود مكة، وأما الحكم بصدقه، فهو للعقل وآلته السمع…”[6]. ويُعد ابن الصلاح (ت 643هـ) من العلماء الذين اعتنوا بضبط حد التواتر؛ حيث عرفه بأنه: “عبارة عن الخبر الذي ينقله مَنْ يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه”[7]. وعرَّف النووي (ت 676هـ) خبر التواتر بأنه: ما نقله مَنْ يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم من أوله إلى آخره[8].. وهو قريب من تعريف ابن الصلاح السابق. وعرَّفه ابن جماعة بأنه (خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه؛ لاستحالة توافقهم على الكذب، كالمخبرين عن وجود مكة، وغزوة بدر[9]). ويمكن من خلال هذه التعريفات المتعددة أن نعرِّف المتواتر عند المحدثين بأنه: ما رواه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان خبراً عما يدرك بالحس من سماع أو مشاهدة أو نحو ذلك[10].

‎ونتيجة لعجز التراثيين عن إثبات التواتر اللفظي للصلاة المفروضة؛ فقد لجؤوا إلى القول بالتواتر العملي. لذلك فقد عملوا عبر التاريخ على تسويق مقولة إن الصلاة الحالية وصلتنا عبر التواتر العملي عن الرسول محمد عليه السلام، وبما أن نظرة بسيطة إلى أي مسجد وما تم نقله فعلياً بصورة حركية عملية عن الرسول محمد بلا أي خلاف أو تبديل أو تغيير جيل بعد جيل حتى وصل إلينا أباً عن جد خلال القرون صورة طبق الأصل؛ أي أن أفعال الرسول محمد في الصلاة قد وصلتنا في سنة 2023 بالضبط كما بدأت في حياة الرسول. فهل المسلمون اليوم يصلون صلاة واحدة يفترض أنها وصلتهم بالتواتر العملي كما كان يصليها رسول الله؟ الجواب هو كلا طبعاً، وسوف ننظر في هذه الخلافات.

قبل الدخول إلى الاختلافات بين المذاهب، نقول هل كان العرب يعرفون الصلاة قبل الإسلام من كتاب الله؟ نعم؛ فقد أوحى الله كيفية الصلاة إلى خليله إبراهيم (وَجَعَلۡنَـٰهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ یَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَیۡرَ ٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِیتَاۤءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِینَ)‎؛ وجعله إماماً للناس… (وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتࣲ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّی جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامࣰاۖ). أما إذا رجعنا إلى المسيحية واليهودية، فسنجد أن الصلاة مذكورة بحركات متشابهة في الكتب الثلاثة؛ ابتداء من النداء للصلاة والركوع والسجود، لا أدعي أن الصلوات متطابقة؛ ولكن هذه أدلة على أن الصلوات كانت معروفة من الكتب السماوية حتى قبل الإسلام، وأضاف إليها القرآن تفاصيل أكثر سنتناولها لاحقاً، ولو دققنا أكثر قد نجد تشابهاً أكثر.

مثلاً في النداء للصلاة، لدى اليهود ”البارخو”؛ وهي دعوة المؤمنين للصلاة في اليهودية، وتتم وقوفاً، ويقوم الشخص الذي يقود جماعة المصلين ”الحكيم” أو ”الربي” بترديد السطر الأول، ثمّ تردد الجموع وراءه السطر الثاني، ويعود الحاخام لترديده مرة أخرى، تقول كلمات البارخو: “عظموا أدوناي (من أسماء الربّ عند اليهود)، فتعظيمنا له واجب الآن وإلى الأبد”. كذلك في الاستعداد للصلاة (الوضوء) نقرأ في سفر الخروج 40- 30: “ووضع المرحضة بين خيمة الاجتماع والمذبح وجعل فيها ماء للاغتسال،31 ؛ ليغسل منها موسى وهارون وبنوه، أيديهم وأرجلهم، 32؛ عند دخولهم إلى خيمة الاجتماع وعند اقترابهم إلى المذبح يغسلون كما أمر الرب موسى”. يقول الحاخام سعيد الفيومي في كتابه (جامع الصلوات والتسابيح صفحة 29) ”وينبغي أن نُثبت شروط الصلاة التي لا بد منها. أما قبل كل صلاة لا بد من غسل اليدين وحدّ ذلك إلى الزندين والرجلين إلى الكعبين من أي صنعة عملية بعد الاستنجاء وغُسل الوجه على هذا الترتيب”. وجاء في كتاب (قول حكماء أرض إسرائيل في التلمود البابلي) ”وإذا تعذر ذلك ولم يجد الماء فهو يستطيع أن يستعمل التراب أو الصخر أو نشارة الخشب لتنقية اليدين”. أما في القرآن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا). ﴿يا أَيهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيكُمْ إلى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَين﴾.

في موضوع الاتجاه إلى القبلة نجد في سفر دانيال 9-3 “فوجهت وجهي إلى الله السيد طالباً بالصلاة والتضرعات بالصوم والمسح والرماد، 4. وصليت إلى الرب إلهي واعترفت وقلت أيها الرب الإله العظيم المهوب حافظ العهد والرحمة لمحبيه وحافظي وصاياه”. يقول الحاخام سعيد الفيومي، في كتابه الذي كتبه بالعربية: “وأي راكب بحر أو نهر أو سفينة أو مركب ليس يعرف القبلة فليقصد ربه ويصلّي أمام وجهه أينما كان، فإن عرف بيت المقدس منه فليستقبله من جميع آفاق العالم”. في القرآن (قدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ).

الوقوف لأداء الصلاة وعدم رفع الصوت، يقول الحاخام سعيد الفيومي ”يجب أن يصف قدميه ولا يفرقهما. ويجب أن تعتقد أنه قائم بين يدي ملك الملوك وسيد السادة، ومِن أدب الصلاة أن يخفض المصلي طرفه إلى الأرض، وأن يشير بقلبه إلى السماء قاصداً ولا يرفع صوته؛ لأن الله عالم كل خفيّ” وفي القرآن (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) سورة آل عمران- سورة 3- آية 39.

الركوع والسجود سفر يهوديت 16-22. “وكان بعد هذا أن جميع الشعب بعد غلبتهم جاؤوا إلى أورشليم ليسجدوا للرب، ولما تطهروا قدموا جميعهم محرقاتهم ونذورهم وأوعادهم”. وقال أيضاً: “الرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد” (مت 4: 10) في القرآن قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة الحج- سورة 22- آية 77. في (سفر دانيال) أن دانيال كان يصلي ويركع ويشكر الله تعالى ثلاث مرات كل يوم (دانيال 6:10)، وأحياناً مرتَين كل يوم (مزمور 55:17)، وهي واجبة عندهم. في سفر نحميا 9: 6 (أنْتَ هُوَ الرَّبُّ وَحْدَكَ وَجُنْدُ السَّمَاءِ لَكَ يَسْجُدُ)، بيَّن بعد ذلك أن كل مَن في الأرض هم المعنيون بالسجود؛ فقال في سفر طوبيا 13: 13 (جميع شعوب الأرض لك يسجدون)، وقال في سفر المزامير 72: 11 (وَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ الْمُلُوكِ. كُلُّ الأُمَمِ تَتَعَبَّدُ لَهُ)، ثم بيَّن أن السجود لا يكون إلا بوضع الوجوه على الأرض؛ فقال في سفر إشعياء 49: 7 (بِالْوُجُوهِ إلى الأَرْضِ يَسْجُدُونَ لَكِ) سفر يشوع بن سيراخ 50: 19 (ويخرون على وجوههم إلى الأرض ساجدين لربهم القدير لله العلي)، وهذا النص نفسه موجود في القرآن المقدس في سورة الإسراء. وفي الإنجيل أيضاً قال في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 14: 25 (وَهكَذَا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْجُدُ للهِ)، ثم بيَّن أن السجود يكون على التراب، فقال في سفر المزامير 22: 29 (وَسَجَدَ كُلُّ سَمِينِي الأَرْضِ. قُدَّامَهُ يَنْحَدِرُ إلى التُّرَابِ). في رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس 2: 19 (وَلكِنَّ أَسَاسَ اللهِ الرَّاسِخَ قَدْ ثَبَتَ، إِذْ لَهُ هذَا الْخَتْمُ يَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ)، وفي القرآن (تراهم ركعاً سجداً… سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل).

وهنا يجب أن نوضح حقيقة حاول أهل التراث تزويرها؛ وهي هل كان الرسول يتجه إلى بيت المقدس؟ الجواب هو بنص القرآن كلا؛ فالرسول كان مأموراً باتباع ملة إبراهيم ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فإلى أين كان يتجه إبراهيم في الصلاة؟ يقول الله في القرآن ”وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ”؛ فالرسول كان يرى أهل الكتاب يتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس ويرى الأحناف يتجهون إلى المسجد الحرام؛ لذلك قال له (قدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)، والدليل هو آخر الآية (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)؛ فأهل الكتاب كانوا يعلمون أن الاتجاه إلى المسجد الحرام هو الحق، والله يعلم أنهم يعلمون. أما القول إن الرسول كان يتجه إلى بيت المقدس فهو من مدسوسات كعب الأحبار ووهب بن منبه؛ الذين كانوا يريدون أن يجعلوا الاتجاه إلى بيت المقدس هو القبلة الأولى.

ويجدر ذكره أن لفظة بيت المقدس بفتح الميم وكسر القاف هي لفظة خاطئة. والأدق هي”البيت المُقَدَس” بضم الميم وفتح القاف، وهذا ما يتطابق مع نفس اللفظة باللهجة العبرية الصنعانية ”بيت همقداش”، وهنا أيضاً يجدر الإشارة إلى أن القدس الحالية ليست هي أورشليم التي ذكرتها الأسفار اليهودية؛ والتي وَفق بعض الدراسات التاريخية الحديثة تشير إلى أنها كانت في اليمن وليس في فلسطين.

لو رجعنا إلى كتب التراثيين لوجدنا أن تلك الكتب قد نصت على إضاعة الصلاة؛ ففي البخاري بالرقم 530 ”دَخَلْتُ علَى أنَسِ بنِ مالِكٍ بدِمَشْقَ وهو يَبْكِي، فَقُلتُ: ما يُبْكِيكَ؟ فقالَ: لا أعْرِفُ شيئًا ممَّا أدْرَكْتُ إلَّا هذِه الصَّلاةَ وهذِه الصَّلاةُ قدْ ضُيِّعَتْ وقالَ بَكْرُ بنُ خَلَفٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ البُرْسانِيُّ، أخْبَرَنا عُثْمانُ بنُ أبِي رَوّادٍ نَحْوَهُ”. (خلاصة حكم المحدث: [صحيح]). وفي موضع آخر يروي البخاري عن أنس ”ما أعْرِفُ شيئًا ممَّا كانَ علَى عَهْدِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قيلَ: الصَّلاةُ؟ قالَ: أليسَ ضَيَّعْتُمْ ما ضَيَّعْتُمْ فيها؟!”. (خلاصة حكم المحدث صحيح). وإن كان أهل التراث قد أقنعوا أتباعهم أن الموضوع خاص بتأخير الصلاة زمن عمر بن عبد العزيز، فحديث أبي موسى الأشعري الذي يرويه أحمد بن حنبل، يثبت إضاعة الصلاة نفسها، فيروي ابن حنبل، كما جاء في المسند بالرقم 19494، وكذلك أخرجه ابن ماجة بالرقم 917 ”قال أبو موسى: لقد ذَكَّرَنا علِيُّ بن أبي طالبٍ صَلاةً كنَّا نُصلِّيها مع رسولِ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ إمَّا نَسيناها، وإمَّا تَرَكْناها عَمدًا، يُكبِّرُ كلَّما رَكَعَ، وكلَّما رَفَعَ، وكلَّما سَجَدَ”. (خلاصة حكم المحدث: صحيح). كذلك حديث عمران بن حصين، الذي رواه البخاري بالرقم 784 “صَلَّى مع عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنْه بالبَصْرَةِ، فَقالَ: ذَكَّرَنَا هذا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مع رَسولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَذَكَرَ أنَّه كانَ يُكَبِّرُ كُلَّما رَفَعَ وكُلَّما وضَعَ”. (خلاصة حكم المحدث صحيح).

أول الخلافات كان تقسيم الأفعال؛ فقد قسم المالكية والحنفية والشافعية أفعال الصلاة إلى واجبات وسُنن، أما الحنابلة فقد خالفوهم وقسموا أفعال الصلاة إلى ثلاثة أقسام، أركان وواجبات وسُنن، والأركان عندهم هي ما يُسميه الآخرون بالواجبات، وهي ما لا يسقط عمداً ولا سهواً، وأما الواجبات عندهم فتسقط بالنسيان والجهل ويجبرها سجود السهو، وما عدوه من أركانها قد عده الشافعية والمالكية من واجباتها في الجملة، وأما ما عدوه من واجباتها وهي عندهم ثمانية، فهو سُنة عند البقية لا يؤثر تركه ولو عمداً في صحة الصلاة. أضاف أتباع أبي حنيفة فرقاً آخر بين الفرض والواجب، فالفرض أو الركن عندهم هو ما ثبت الأمر به بدليل قطعي، ولذلك فأركان الصلاة عندهم ستة فقط، وهي القيام والركوع والسجود والقراءة، ولا تعين الفاتحة بل قراءتها واجبة لا فرض، والقعدة الأخيرة للتشهد والانتقال من ركن لآخر، ولم يعدوا تكبيرة الإحرام من الأركان؛ بل عدوها من الشروط، أما الواجبات وهي التي مَن تركها عمداً كان مسيئاً ولم تبطل صلاته؛ فإن تركها سهواً سجد للسهو، فهي ستة أيضاً، ومنها قراءة الفاتحة. والسُّورَة والجهر في موضع الجهر والمخافتة في موضع المخافتة، والطمأنينة في الركوع والسجود. والقعدة الأولى للتشهد، والتشهد في القعدة الأخيرة؛ ومنها مراعاة الترتيب في ما شرع مكرراً، وما عدا ذلك سُنة، أما المالكية فقسموا الأفعال في الصلاة إلى واجبات وسُنن، والواجبات في الصلاة خمسة عشر، والشافعية جعلوا أركان الصلاة ثلاثة عشر؛ هي: النية وتكبيرة الإحرام والقيام في فرض القادر والقراءة وتتعين الفاتحة والبسملة؛ منها والركوع والاعتدال قائماً والسجود والجلوس بين سجدتَيه مطمئناً في ذلك كله، والتشهد وقعوده والصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، والسلام وترتيب الأركان، وقطعوا برد مذهب الحنفية في عدم ركنية الطمأنينة في الأركان.

قد اختلف الفقهاء في أوقات الصلاة؛ فقال أبو حنیفة أول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني وهو المعترض في الأفق، وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس وآخر وقتها إذا صار ظل کل شي‏ء مثلیه سوى الزوال، وقال أبو حنیفة وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس، وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وآخر وقتها ما لم یغب الشفق؛ وهو البیاض الذي في الأفق بعد الحمرة. وقال الشافعي أول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني ولا یزال وقتها المختار باقیاً إلى أن یسفر، ثم یبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس. وقال الشافعي وآخر وقت الظهر إذا صار ظل کل شي‏ء مثله. وأما العصر فإن الشافعي یقول إذا زاد على المثل أدنى زیادة، فقد دخل وقت. وقال الشافعي وللمغرب وقت واحد. وقال الشافعي وآخر وقتها المختار إلى ثلث اللیل.

بالنسبة إلى مواقيت الصلاة؛ العصر والعشاء، فهناك الخلاف في وقت بداية العصر ووقت بداية العشاء، بين الحنفية والمالكية والحنبلية والشافعية؛ ففي المذهب المالكي والشافعي والحنبلي يكون وقت بداية العصر إذا انتهى وقت الظهر، وذلك عند مصير ظل كل شيء مثله، سوى في الزوال، ودليلهم حديث إمامة جبريل بالنبي، صلى الله عليه وسلم، وفيه: “أَنَّه صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ العَصرَ حينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثلَهُ”رواه أبو داود (393) والترمذي (149، 150). وقال حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في ”صحيح أبي داود”. وحديث أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم “كَانَ يُصَلِّي العَصرَ وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذهَبُ الذَّاهِبُ إلى العَوَالِي، فَيَأتِي العَوَالِي وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ”رواه البخاري (550)، ومسلم (621). أما الحنفية فدليلهم حديث ابن عمر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ”إِنَّمَا بَقَاءُكُم فِيمَا سَلَفَ قَبلَكُم مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَينَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، أُوتِيَ أَهلُ التَّورَاةِ التَّورَاةَ فَعَمِلُوا، حَتّى إِذَا انتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهلُ الإِنجِيلِ الإِنجِيلَ فَعَمِلُوا إلى صَلاةِ العَصرِ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا القُرآنَ فَعَمِلنَا إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، فَأُعطِينَا قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ، فَقَالَ أَهلُ الكِتَابَينِ: أَيْ رَبَّنَا! أَعطَيتَ هَؤُلاءِ قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ، وَأَعطَيتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحنُ كُنَّا أَكثَرَ عَمَلًا؟! قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَل ظَلَمتُكُم مِن أَجرِكُم مِن شَيْءٍ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَهُوَ فَضلِي أُوتِيهِ مَن أَشَاءُ” رواه البخاري (557). وحديث أبي هريرة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ”إِذَا اشتَدَّ الحَرُّ فَأَبرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ” رواه البخاري (536)، ومسلم (615). وبهذا يتبين الخلاف في المسألة، وأن مذهب الحنفية يؤخر صلاة العصر عن صلاة بقية المذاهب على الرغم من أن كلا الفريقَين يدعيان أن مرجعيتهما حديث منسوب إلى رسول الله.

بالنسبة إلى وقت بداية العشاء؛ فقد اختلف الحنفية وبقية المذاهب في هذه المسألة أيضاً، يقول أبو حنيفة إن بداية العشاء هو غروب الشفق الأبيض وليس الأحمر، والأبيض يتأخر بنحو من اثنتي عشرة دقيقة عن الشفق الأحمر، وقد استدل على ذلك بحديث محمد بن الفضيل، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ”وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الْأُفُقُ” رواه أحمد في ”المسند” (12/94)، والترمذي في ”السنن” (151).
ونقل عن أبي بكر، ومعاذ بن جبل، وعائشة، وابن عباس في رواية، وأبي هريرة، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والمزني، وابن المنذر، والخطابي، واختاره المبرد وثعلب ”انتهى من فتح القدير” (1/223).
أي أن أذان العشاء يتأخر عند الحنفية، عنه لدى بقية المذاهب بنحو اثنتي عشرة دقيقة كما في ”الموسوعة الفقهية الكويتية” (7/175)، وأذان العصر يتأخر عند الحنفية بنصف ساعة وأكثر، حسب اختلاف البلدان والفصول. جاء في الموسوعة الفقهية ”يَبْدَأُ وَقْتُ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الشَّفَقِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ بَعْدَ ذَهَابِ الْحُمْرَةِ الَّتِي تَعْقُبُ غُرُوبَ الشَّمْسِ، وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إلى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْحُمْرَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّفَقَيْنِ يُقَدَّرُ بِثَلاَثِ دَرَجَاتٍ”.

كذلك اختلفوا في الجمع بين الصلاتَين، جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) ما نصه: “قال الحنفية: لا يجوز الجمع بين صلاتَين في وقت واحد لا في السفر ولا في الحضر وبأي عذر من الأعذار إلا في الجمع بعرفة والمزدلفة للحجاج”. أما عند المالكية فقالوا ”أسباب الجمع هي السفر، والمرض، والمطر، والطين مع الظلمة في آخر الشهر، ووجود الحاج بعرفة أو مزدلفة”. وقال الشافعية: “يجوز الجمع بين الصلاتَين المذكورتَين جمع تقديم أو تأخير للمسافر مسافة القصر المتقدمة بشرط السفر، ويجوز جمعها جمع تقديم فقط بسبب نزول المطر، ولم يرَ الشافعي جواز الجمع بين الصلاتَين للمريض. أما عند الحنبلية: “يجوز الجمع بين الصلاتَين للمسافر، وللخائف على نفسه أو ماله أو عرضه، ولمَن يخاف ضرراً يلحقه بتركه في معيشته، ويباح الجمع بين المغرب والعشاء؛ خاصة بسبب الثلج والبرد والجليد والوحل والريح الشديدة الباردة والمطر الذي يُبل الثوب ويترتب عليه حصول مشقة، وفي هذه الموارد عندهم جمع التأخير أفضل من جمع التقديم[11]“.

بالنسبة إلى الوضوء؛ فقد اختلفوا في ما يجوز الوضوء به، فإذا كان وضوؤك بالنبيذ فصلاتك صحيحة عند أبي حنيفة، ودليله في ذلك ما رواه أحمد، قال ”حدثنا يحيى بن زكريا، عن إسرائيل، عن أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن ابن مسعود، قال: كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة لقي الجن، فقال: أمعك ماء؟ فقلت: لا. فقال: ما هذه الإداوة؟ قلت: نبيذ. قال: أرنيها تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منها، ثم صلى بنا”. وكذلك ما رواه الدارقطني من طريق أبي القاسم يحيى بن عبد الباقي، عن المسيب بن واضح، عن مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء”. والوضوء بالنبيذ باطل عند الباقية. ودليلهم قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وكذلك ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أجنب، فدعا النبي -صلى الله عليه وسلم- بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بَشَرتَه، فإن ذلك هو خير”. كما اختلفوا في الترتيب في الوضوء هل يجب أم لا؟ فمذهب الحنابلة والشافعية الوجوب بينما يرى المالكية والحنفية عدم الوجوب. قال ابن تيمية ”الترتيب في الوضوء وغيره من العبادات والعقود النزاع فيه مشهور، فمذهب الشافعي وأحمد يجب، ومذهب مالك وأبي حنيفة لا يجب”.

كذلك اختلفوا في ما يجوز الصلاة عليه، فقال ابن تيمية ”أما الصلاة على السجادة بحيث يتحرى المصلي ذلك، فلم تكن هذه سُنة السلف من المهاجرين والأنصار، ومَنْ بعدهم من التابعين لهم بإحسان على عهد رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، بل كانوا يصلون في مسجده على الأرض، لا يتخذ أحدهم سجادة يختص بالصلاة عليها‏.‏ وقد روي أن عبد الرحمن بن مهدي، لما قدم المدينة بسط سجادة فأمر مالك بحبسه، فقيل له‏:‏ إنه عبد الرحمن بن مهدي، فقال‏:‏ أما علمت أن بسط السجادة في مسجدنا بدعة‏.‏ وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري في حديث اعتكاف النبي، صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ اعتكفنا مع رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم‏.‏.‏ فذكر الحديث، وفيه قال‏:‏ ‏(‏من اعتكف فليرجع إلى معتكفه فإني رأيت هذه الليلة ورأيتني أسجد في ماء وطين‏)‏‏.‏ وفي آخره‏:‏ فلقد رأيت -يعني صبيحة إحدى وعشرين- على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين‏.‏ فهذا بين أن سجوده كان على الطين‏.‏ وكان مسجده مسقوفاً بجريد النخل ينزل منه المطر، فكان مسجده من جنس الأرض‏. ‏وربما وضعوا فيه الحصي كما في سنن أبي داود عن عبد اللّه بن الحارث، قال‏:‏ سألت ابن عمر -رضي اللّه عنهما- عن الحصي الذي كان في المسجد، فقال‏:‏ مطرنا ذات ليلة، فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يأتي بالحصي في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضي رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ما أحسن هذا‏؟‏‏)‏‏.‏ ثم يستطرد ابن تيمية قائلاً: “فهذا بَيَّن أنهم كانوا يسجدون على التراب والحصي، فكان أحدهم يسوي بيده موضع سجوده[12]“. قال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني، في كتابه الذي سماه (مغيث الخلق في ترجيح القول الحق) الصفحة 55، إن أبي حنيفة جوز الصلاة في جلد الكلب[13].

بالنسبة إلى اللسان المستخدم في الصلاة، فقد قال ابن الهمام الحنفي في كتابه (شرح فتح القدير على الهداية) الجزء الأول الصفحة 284 ”فَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ قَرَأَ فِيهَا بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ ذَبَحَ وَسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ”[14]. قال ابن قدامة في المغني ”ولا تجزئه القراءة بغير العربية ولا إبدال لفظها بلفظ عربي، سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن”، وبه قال الشافعي “أما المالكية فقد أوجبوا عليه الائتمام بغيره ممن يحسنها”.

بالنسبة إلى النية في الصلاة؛ فقد أفتى ابن تيمية بأن الذي يجهر بالنية في الصلاة (يستتاب أو يقتل) فقال في مجموع الفتاوى ”الجهر بلفظ النية ليس مشروعاً عند أحد من علماء المسلمين ولا فعله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب، فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل”[15]. في حين يعتبر الجهر في النية في الصلاة سُنة عند الشافعية.

بالنسبة إلى الوقوف للصلاة، فقد اختلفوا في كيفية وضع اليدَين، فيحتج المالكية بحديث أبي حميد الساعدي في السنن والمسند، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام إلى الصلاة كبر ثم رفع يدَيه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويقر كل عضو منه في موضعه…). فقالوا إذا كان كل عضو يقر في موضعه فالأصل أن موضع اليدَين إرسالهما على الفخذين. ومن أدلتهم حديث المسيء صلاته، فالنبي صلى الله عليه وسلم، في تعليمه صفة الصلاة لخلاد بن رافع، لم يعلمه القبض. ثم إن السدل كان عمل أهل المدينة، وهذا أصل رئيس عند المالكية. كما أن السدل هو رواية ابن القاسم، رحمه الله، في المدونة عن الإمام مالك، ورواية ابن القاسم في المدونة مقدمة في المذهب. قال صاحب دليل السالك لمذهب الإمام مالك وهو يتحدث عن مندوبات الصلاة: رفع اليدَين حين تكبيرة الإحرام فقط وإرسالهما بوقار. كما يحتج المالكية بالحديث الذي أخرجه مالك في الموطأ عن سهل بن سعد واقتصر عليه البخاري ومسلم، من قوله: “كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة”، ووجه دلالته أن أمرهم بالوضع المذكور دليل نص على أنهم كانوا يسدلون وإلا كان أمراً بتحصيل الحاصل وهو عبث محال. الأحناف: قالوا بوضع يديه اليمنى على اليسرى بالنسبة للرّجُل تحت السرة، وبالنسبة للمرأة  فوق الصدر. الشافعية: قالوا بوضع اليد اليمنى على اليسرى فوق السرة وتحت الصدر، مندوب لا سنة. أما الحنابلة: فقالوا بوضع اليمنى على اليسرى بالنسبة للرجل، وأما بالنسبة للمرأة فتضعهما تحت السرة.

عند الحنفية تكون القراءة بسورة من القرآن وليس الفاتحة بالذات؛ يمكن قراءة غيرها واجبة في الركعتَين الأوليين فقط، أما عند الشافعية والمالكية والحنابلة فقراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وتبطل الصلاة عند عدم القراءة بالفاتحة، تحديداً في كل ركعة، أما قراءة البسملة قبل الفاتحة فلا يجب قراءتها عند المالكية، وعند الشافعية مَن لم يقرأها بطلت صلاته بسقوط ركن القراءة، وعند الحنفية هي سُنة، والتشهد الأول يكره بعده الصلاة على النبي عند المالكية، وغير مشروع عند الحنابلة والحنفية، وسُنة عند الشافعية. أما التشهد الأخير ففرض عند الشافعية تبطل الصلاة بتركه، الحنفية قالوا: التشهد الأخير واجب لا فرض، يجزئ بسجدة السهو، المالكية قالوا: إنه سنة ويكفي الجلوس مع عدم قول أي شيء. كذلك اختلفوا في صيغة التشهد على تسع صيغ، والتكبير والتشهد وأذكار الصلاة، فلو كبر المصلي بغير العربية ذهب أبو حنيفة إلى جواز فعله مطلقاً، واشترط الشافعية والحنابلة للتكبير بغير العربية العجز عن العربية بعد تعلمها. أما المالكية فقالوا بعدم الجواز.

بالنسبة إلى حركات الصلاة؛ فالمالكية والشافعية والحنابلة متفقون على أن الخروج من الصلاة لا يكون إلا بالتسليم، فمن خرج من الصلاة قبل التسليم بطلت صلاته، وهذا بناء على أن التسليم ركن من أركان الصلاة، والركن يتأتى بتسليمة واحدة، والثانية سُنة. ولكن الأحناف يرون أن السلام في آخر الصلاة واجب وليس فرضاً ولا تبطل الصلاة عند الأحناف بترك السلام، فيمكن الخروج من الصلاة بمجرد الانصراف بعد التشهد؛ أي التحيات، فمن فعل ذلك ناسياً فلا إثم عليه ويسجد للسهو، وإن تعمد ترك التسليم صحت صلاته مع الإساءة. ‎الاتجاه نحو القبلة لا خلاف فيه بين المذاهب الإسلامية؛ ولكن  رفع اليدَين حذْوَ المنكبين: مختلف فيه فليس متواتراً عن الرسول محمد كذلك  وضع اليد اليمنى فوق اليسرى مع وضع كلتيهما فوق السرة: مختلف فيه؛ فليس متواتراً عن الرسول محمد. رفع اليدين قبل الركوع: مختلف فيه؛ فليس متواتراً عن الرسول محمد. ‎رفع اليدين بعد الرفع من الركوع: مختلف فيه؛ فليس متواتراً عن الرسول محمد، النزول للسجود مختلف عليه في تقديم الكفَّين أو الركبتَين. الجلسة بين السجدتَين: مختلف فيه؛ فليس متواتراً عن الرسول محمد. وضع وحركة إصبع السبابة: مختلف فيه؛ فليس متواتراً عن الرسول محمد. حركة السلام أو التسليم نهاية الصلاة: مختلف فيه؛ فليس متواتراً عن الرسول محمد. ‎‎نخلص أن الأفعال المتفق عليها في الصلوات المقامة لم تخرج عن أربعة أفعال:

‎١- القيام

‎٢- القبلة

‎٣- الركوع

‎٤- السجود

فهل وصلت بالتواتر العملي؟ الجواب كلا؛ فقد وصلت تلك الحركات من القرآن؛ فالقيام ورد في (حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَ ٰ⁠تِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِینَ) ‎(قُلۡ إِنَّمَاۤ أَعِظُكُم بِوَ ٰ⁠حِدَةٍۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَ ٰ⁠دَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟) وأما الاتجاه إلى المسجد الحرام فقد ورد بالقرآن ‎(وَمِنۡ حَیۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَیۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُ). وذكر الركوع (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱرۡكَعُوا۟ وَٱسۡجُدُوا۟ وَٱعۡبُدُوا۟ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُوا۟ ٱلۡخَیۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ). والسجود (ٱسۡجُدُوا۟ لِلَّهِ وَٱعۡبُدُوا۟).

مما تقدم نرى أن حركات الصلاة المتفق عليها إنما مصدرها القرآن وليس ما سموه التواتر العملي، وأن من بين حركات الصلاة التي يؤديها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها؛ لم يتفقوا سوى على أربع ذكرت كيفيتها في كتاب الله، أما بقية الحركات فاختلفوا فيها؛ بحيث تكون صلاة إحدى المجموعات باطلة عن المجموعة الأخرى.

المصادر

  1.  سورة المؤمنون من الآية: 44.
  2.  مختار الصحاح  708، مادة ”وتر”.
  3.  لسان العرب (6/ 4758)، مادة ”وتر”.
  4.  القاموس المحيط (2/ 157) ”وتر”.
  5.  شرح تنقيح الفصول: 349، شرح الكوكب المنير ((2 /323 324.
  6.  المستصفى (1 / 46).
  7.  علوم الحديث 241، وانظر الكفاية للخطيب البغدادي 50.
  8.  تدريب الراوي(2 / 176) .
  9.  المنهل الروي (1 / 31).
  10. الوجيز في مصطلح الحديث: 12، 13.
  11.    الفقه على المذاهب الأربعة؛ عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤٢٤هـ – ٢٠٠٣م.
  12.  كتاب مجموع الفتاوى لابن تيمية (المجلد الثاني والعشرون).
  13.  مغيث الخلق في ترجيح القول الحق، إمام الحرمين الجويني، الطبعة الأولى، الصفحة 55، المطبعة المصرية، 1934.
  14.  شرح فتح القدير على الهداية، المؤلف: كمال الدين، محمد بن عبد الواحد السيواسي ثم السكندري، المعروف بابن الهمام الحنفي الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الأولى، ١٣٨٩هـ- ١٩٧٠م، وصَوّرتْها: دار الفكر، بيروت.
  15. مجموع فتاوى ابن تيمية، الفقه، الصلاة، باب شروط الصلاة، مسألة محل النية، وحكم الجهر بها، مسألة الجهر بالنية، وقراءة القرآن خلف الإمام، الجزء 22 الصفحة 236.

[1]    سورة المؤمنون من الآية : 44.

[2]  )  مختار الصحاح  708، مادة “وتر”.

[3]  لسان العرب (6/ 4758)، مادة “وتر”.

[4]  القاموس المحيط (2 / 157) “وتر”.

[5]  شرح تنقيح الفصول: 349، شرح الكوكب المنير (2 / 323، 324).

[6]  المستصفى (1/ 46).

[7] علوم الحديث  241، وانظر الكفاية للخطيب البغدادي 50.

[8]  تدريب الراوي (2/ 176).

[9]  المنهل الروي (1 / 31).

[10]  الوجيز في مصطلح الحديث: 12، 13.

[11]  الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت-  لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤٢٤هـ- ٢٠٠٣م.

[12]  كتاب مجموع الفتاوى لابن تيمية (المجلد الثاني والعشرون).

[13]  مغيث الخلق في ترجيح القول الحق، إمام الحرمين الجويني، الطبعة الأولى، الصفحة 55، المطبعة المصرية، 1934.

[14]  شرح فتح القدير على الهداية، المؤلف: كمال الدين، محمد بن عبد الواحد السيواسي ثم السكندري، المعروف بابن الهمام الحنفي الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الأولى، ١٣٨٩ هـ- ١٩٧٠م، وصَوّرتْها: دار الفكر، بيروت.

[15]  مجموع فتاوى ابن تيمية، الفقه، الصلاة، باب شروط الصلاة، مسألة محل النية، وحكم الجهر بها، مسألة الجهر بالنية، وقراءة القرآن خلف الإمام، الجزء 22 الصفحة 236. 

انتشر في الآونة الأخيرة، مصطلح رواية الواقعية الرقمية والشعر الرقمي الذي لا يخلو من جاذبية محفوفة بمختلف الوجهات الجديدة، وسرعان ما اتضحت المواقف؛ فهناك مَن قال: إن الأدب الرقمي بدعة، فلا هو موجود ولا معدوم، ولا هو معلوم ولا مجهول، ولا منفيّ ولا مثبت، وهناك مَن قال إنه مغامرة في ظل العصر الرقمي الآخذ بالتشُّكل، بينما تبناه البعض كونه جديداً في موضوعه وفي طرحه وأفكاره وأدواته، بتأكيدهم أنه لبنة جديدة في صرح الثقافة العربية بعامة وفي صرح الأدب العربي بخاصة. لقد اشتد الجدل واتخذ صيغاً متعددة، ويبدو من المخالف للصواب، محاولة تقرير نجاح ومستقبل الأدب الرقمي قبل معرفته، والتعرف عليه بعلامات واضحة ومحددة.


في نفس الوقت؛ لا بد من توصيفه، وهذا أمر ضروري؛ فهو يعبر عن مرحلة تجعل منه موضوع تجارب دائمة على الرغم من أن هناك الكثير من التعقيد الذي يحيط به باستخدامه تقنيات رقمية، فالتجربة الأدبية هنا من صميم المعرفة التقنية والعلمية، وهذا ما يستعصى إدراكه، فهو لا يركز على أحداث وإنما على حداثة، ليشكل منها كاتبه وقارئه وناقده؛ الذين يتشاركون لتحقيق التفاعل النصي وإنتاج المعنى، وبذلك هم صنَّاع. والكتابة هنا صناعة؛ لأن المسألة ذات طبيعة تقنية، تتوقف على احتراف التكنولوجيا بما يجعل الواقع المرئي ملموساً ينطوي على رؤياه الخاصة، فتطور الوسائط التقنية، يشجع على اختزال اللغة وتحويلها إلى صوت وصورة للتعبير عن الوجود الافتراضي الجديد. وعلى غرار ذلك، نرى أن الصانع هو الذي يضع الشكل السردي للحكاية بما يكفل لها الاستمرار. وهذا يتطلب وجوداً فنياً؛ له بعد تقني، وتنظيمي وقيمي، إلى جانب التكنولوجيا، وعقلية متفتحة لتدخل بقوة إلى عالم تحقيق الأحلام، حسب توصيف أتباع الأدب الرقمي. 

بذلك يؤسِّس الأدب الرقمي تركيباً فنياً جديداً، ولغة مصوغة من كلمات، إضافة إلى المؤثرات سمع البصرية وفن المحاكاة.. وغيرها من التقنيات الرقمية، الموظفة من أجل أن تمثلَ عتباتٍ نصيِّة تخفي وراءها نصوصاً، أو مشهداً سينمائياً، أو لقطة فيديو تجسِّد محتوى الجملة، موزعاً أعرافه وقوانينه ومقاديره، محلقاً بالخيال، مزاوجاً بين الأدب والتكنولوجيا، مجنداً من تقنيات شبكة الإنترنت في إنتاج أدبي عربي جديد، مستفيداً من ثورة الوسائط المتعددة ومن تقنيات النص المرجعي الفائق “هيبر تكست” (Hyper text). غير أن إضاءة هذا المفهوم الجديد تبقى ناقصة إذا لم نتحدث عن اللغة المستخدمة في الأدب الرقمي؛ فهي لغة مشهدية، يتداخل الشعري فيها بالسردي، وتكتب الكلمة بالصورة والصوت والمشهد السينمائي. فهنا صانع النص يتحرَّر من اللغة الطقوسية التي تملك صيغها المجربة، ويعطينا الكلمات بإبعادها، وتتلاشى هي نفسها في هذا الاستعمال التقني الخفيّ، فتعود من جديد خلفية المشهد اللا متناهي، لتصبح اللغة وسطاً أكثر مما هي وسيط محايد. نحن هنا لا نتحدث عن تجربة عابرة؛ بل عن عملية يتوالد منها العمل الأدبي، وتتجسد فيها ضرورات ثابتة لصناعة محتوى أدبي غير مألوف.

لكنَّ التجديد الفعلي يتعين بآفاقه اللاحقة، فنقض الأصل ليس كافياً للتحول، وتفتُّت الكليِّ لا يكثِّف روحَ العصر؛ فالتركيز هنا على فكرة الحداثة وآثارها، والعصر الرقمي التصفوي، لا يلبث أن يتخلى عن أسماء موروثة، ويخلق أسماء أخرى تغاير ما سبقها ولا تقبل بها، ومن ثمَّ تصبح العناصر المتعددة أدباً بما يضاف إليها في زمن رقمي لا يسائل الأصول، متطلعة إلى مستقبل تعبِّر فيه عن ذاتها في سياق مغاير، معلنةً عن جدل الحضور والغياب والتداعي والتجدد في آن، لا بمعنى صراع الأجيال؛ بل بمعنى الخروج من المعقول إلى اللا معقول. هكذا اتفقت الرواية الرقمية والشعر الرقمي مع التكنولوجيا؛ لتخلق فضاءاتها المتعاقبة، محددة ببدايات يستهلها السديم، ونهايات مجهولة قيد الاكتشاف. قد شبه فلوبير الأشكالَ الأدبية بالدورق الممتلئ بالماء أو النبيذ، فكسر تلك الأشكال لا يحرِّر الماء المنسكب من الدورق فحسب، وإنما قد ينتج عنه أيضاً شظايا لا بد أن تجرح أصابعنا بواسطتها.

هذا لا يعني أن علينا أن نخشى الانتقال من قالب إلى آخر، رغم أن طبيعة الأدب تستند إلى التقاليد، بينما تفصح طبيعة الأدب الرقمي عن نص يختفي فيه مفهوم الكاتب، ليحلّ بدلاً منه صانع النص، كما يختفي فيه مفهوم القارئ، ليحل محله مفهوم المستعمل، وتستدعي حضوراً لخبير في البرمجة المعلوماتية، ومبدعاً خاصاً بالموسيقى والصورة؛ فثمة خطابٌ ثلاثي الأبعاد، لذا لا يمكننا أن نتحدث عن المتخيّل في الرواية الرقمية أو الشعر الرقمي، ولا عن الأسلوب والأفكار، فتطور الأدب الرقمي ما زال منحصراً في الأدوات لا في المفاهيم والنظريات، بما يندرج تحت ظاهرة العولمة، عولمة المعلومات والمعرفة؛ فهو (ديزاين) تكنولوجي نابض بالصوت والصورة، وكل هذا يندرج في بلاغة مضادة للبلاغة التقليدية؛ قوامها حوار الخطابات، وعقد نصية، ومقاطع فيديو وأغان. فهي المتخيل الخالص، المبرأ من خارجه، بتعددية العناصر في فضاء مفتوح لا يكف عن التغيُّر بتركيبات لا متناهية. صحيح أن تلك المزايا التي يتحلى بها الأدب الرقمي، ليست إلا مزايا تقنية لا يمكنها أن تصل إلى الجميع، أعني المبحر أو المستعمل، حسب توصيف الأدب الرقمي للقارئ، إذا ما كان جاهلاً باستخدام روابط تصويرية مشهدية وروابط ناقلة إلى نصوص حركية، وروابط تجاور نص المتن. وهناك مركز يشدّ هذه الروابط جميعاً. 

وهنا ندخل مستوى آخر من الاعتبارات في جعل الأدب الرقمي متاحاً لمن يملك المعرفة التقنية، أما مَن يصنف جاهلاً في التكنولوجيا فلا حاجة له لأن يقرأ أو لأن يبحر، وهذا التخصص سيشكل عقبةً وحاجزاً في انتشار هذا النوع من الأدب. لكنها التكنولوجيا التي تخلق الزمن وتطويه، وتلغي التكرار، لتفصح عن مقولات معينة ترتبط بالفعل المتزامن، الذي يحيل تلك التركيبة الذهنية لزوماً إلى قالب، وفكرة، دون أن يتعين فيها المجاز الأدبي بلغة معينة، أو التجريد الفني الدال بلغة أخرى. إذن ليس هو القبول وليس هو الرفض الذي يجعلنا نطرح الكثير من الأسئلة حول ماهية الأدب الرقمي ومستقبله باعتباره ناشئاً، وخاضعاً لمنطق الخطأ والتجريب، عدا أن الأعمال الرقمية ما زالت قليلة في العالم العربي؛ لكن ما قيمة هذه الأسئلة؟ وماذا تعني؟ هذه أيضاً أسئلة أخرى تحتاج إلى دورة من الزمن، حتى يتقصى الزمان نفسه ويختبرها. إذ إن الأدب الرقمي لن يتوقف عند شكل معين؛ لأن ما يميزه قدرته الدائمة على اتخاذ أشكال مختلفة باستخدام الصيغ المختلفة للتقنيات الرقمية التي لم تستخدم بعد، وهي في تطور مستمر، مشكلة هوية فكرية يتماهى فيها العلم والأدب في عصر جديد، هو العصر الرقمي، وفي مجتمع جديد هو المجتمع الرقمي.