الحلقة (2)
يرتبط أي سؤال عن (حضارة كنعان/ الحضارة الكنعانية) وتلقائياً بأسئلة مُحرجة، يمكن أن تبزغ أمامنا على النحو التالي:
أولاً:
إذا كانت فلسطين والأردن ولبنان وسوريا هي (أرض كنعان)، فأين كانت الإمبراطورية الآشورية (السورية القديمة)؟ هل يمكن تخيُّل وجود إمبراطورية آشورية، إذا ما كانت هناك حضارة كنعانية مزعومة تسيطر على بلاد الشام؟ هذا يعني أن ما يُسمى الإمبراطورية الآشورية سوف تغدو، حسب هذا التصوُّر المزيف، مجرد بلد صغير يمتد من البصرة في الجنوب العراقي حتى الأناضول في الشمال؛ وهذه بكل يقين صورة لـ”دويلة” وليست صورة إمبراطورية. وفي هذه الحالة أيضاً، يتوجب علينا أن نقبل بوجود دولة عظمى أخرى تُدعى كنعان، وكانت تلعب في التاريخ دور الجارة الكبرى، لجارة صغيرة لها تدعى إمبراطورية آشور. إن التاريخ في الشرق الأوسط القديم، لم يعرف قط مثل هذا التصوُّر الملفق للجغرافية.
ثانياً:
تستحق المزاعم القائلة إن الإمبراطورية الآشورية القديمة، هي فقط ما يُعرف اليوم باسم العراق -وهذا رأي شائع في الأوساط الأكاديمية- الكثير من النقد؛ لأنها مزاعم لا أساس لها، وهي تروِّج لفكرة لا تستند إلى أي معطيات جغرافية أو تاريخية، ومفادها أنها كانت “دويلة صغيرة” تمتد على مساحة العراق القديم وحسب، وهي جغرافياً، قياساً لمساحة أرض كنعان المزعومة، سوف تصبح جاراً صغيراً لا حول له ولا قوة. أما سوريا التاريخية، وحسب منطق هذه المزاعم، فسوف تختفي من الخريطة. وفي هذه الحالة أيضاً، تصبح كنعان هي الإمبراطورية التي نشأت عند شواطئ المتوسط. وهذا غير منطقي ولا أصل له في التاريخ. ولكن طبقاً لهذا التعريف اللاهوتي المُزيَّف والشائع، فسوف تصبح كنعان جارة عظمى لدويلات صغيرة أخرى كثيرة.
ثالثاً:
المشكلة في هذا التزييف للتاريخ، تكمن هنا: إن مصطلح “آشوري” هو مصطلح مُضلل، كرَّسه علماء الآثار من التيار التوراتي اللاهوتي؛ بديلاً عن المصطلح الحقيقي الذي يرد في نقوش الآشوريين-الآسوريين في الصورة التالية: آشوريا- آسوريا (Assyria)؛ أي ما يُعرف بـ”بلاد الشام”، وقد درج اللاهوتيون على نطق الاسم في صورة آشوريا.
إن العودة إلى طريقة رسم الاسم ونطقه بشكل صحيح (آسوريا) سوف يعيد الأمور إلى نصابها؛ فهذه الإمبراطورية هي خلاصة اندماج العراق وسوريا، أي كامل بلاد الشام القديمة الممتدة حتى البحر الأبيض المتوسط؛ لأن العراق بجغرافيته الصغيرة المحدودة لا يمكن أن يشكل إمبراطورية، إلا إذا أصبحت سوريا جزءاً منه، أو أصبح هو جزءاً منها، وبحيث يصبح البحر الأبيض المتوسط جزءاً من جغرافيتها.
رابعاً:
إذا تقبلنا حقيقة أن الإمبراطورية الآسورية، هي خلاصة اندماج سوريا القديمة مع العراق القديم، ففي هذه الحالة أيضاً، لن تكون كنعان على حدودها. سوف تصبح ببساطة جزءاً من الإمبراطورية. لكن التاريخ، وجغرافيا العالم القديم لا يعرفان “إمبراطورية كنعانية” تمتد على هذه المساحة الشاسعة. هذا تلفيق لاهوتي؛ بل إن تصديق هذا النوع من الترهات الاستشراقية، يستدعي تقديم أجوبة محددة؛ مثلاً: إذا كانت كنعان على حدود آشور، وكانت جارتها بما أنها تسيطر على لبنان وفلسطين وسوريا والأردن؛ فلماذا قام الآشوريون بحملاتهم الحربية ضدها ودون توقف؟ أي كيف يمكن تخيُّل دويلة صغيرة افتراضية مثل آشور -حسب المنطق الذي تؤدي إليه السردية اللاهوتية- وهي تهاجم دون توقف إمبراطورية مثل كنعان؛ هذا طبعاً إذا ما قبلنا التصوُّر المعكوس في علم الآثار التوراتي الذي يجعل من كنعان أرض إمبراطورية. وكيف نفسِّر ما تركه لنا الآشوريون (نحو خمسة مجلدات ضخمة من النقوش في المتحف البريطاني)، وهي تروي أخبار معاركهم وحملاتهم الحربية ضد قبائل “كنعانية” وآرامية وسبأية وحميرية احتشدت ضدها؟ هذا يعني، أحد أمرَين؛ إما أنها سجلات كاذبة وهي سجلات دويلة صغيرة قياساً لمساحة كنعان، وإما أن ثمة خطأً جغرافياً وقع فيه اللاهوتيون؟ القبول بترهات من قبيل “حضارة كنعانية” سوف يقلب حقائق التاريخ والجغرافيا.
خامساً:
لكن، وعلى الضد من كل هذا -وإذا ما تقبلنا الحقيقة التاريخية والجغرافية القائلة إن الإمبراطورية الآشورية/ الآسورية- تشكلت كخلاصة دمج وعملية توحيد جغرافية شاقة، أفضت في النهاية إلى ضم سوريا القديمة وبلاد ما بين النهرين، داخل إمبراطورية غير مسبوقة في التاريخ الأقدم للمنطقة، ففي هذه الحالة لن تكون كنعان كياناً جغرافياً حقيقياً. إنها ببساطة كيان جغرافي مُخْترع، مُلفق، استشراقي، لا وجود له إلا في مُخيلة اللاهوتيين، وهو إلى النهاية من مُختلقات التيار التوراتي في علم الآثار؛ أي أنه كيان لا وجود له في الواقع، وهو في خاتمة المطاف كيان من اختراع مخيلة تلاعبت بتاريخ الشرق الأوسط القديم بشكل مُمنهج. لقد أدَّى “اختراع” أرض/ شعب كنعان إلى خلق فوضى في تاريخ فلسطين وسوريا القديمة؛ فقد رسخ انطباع في الأوساط الأكاديمية العربية، ومنذ ما يقرب من 200 عام أو أكثر -وهو انطباع مُتشبّه بالعلم بشكل صادم- مفاده أن هذه الأرض المزعومة، أقام فيها “شعب فلسطيني قديم” كان يُعرف باسم “شعب كنعان”، تسلل في وقت ما من التاريخ من جزيرة كريت اليونانية، وأنه زاحم بني إسرائيل على “أرض ميعادهم”. بطبيعة الحال، فقد كان أمراً محتوماً، تحت تأثير وضغط السرديات الاستشراقية المُتتابعة من خلال نظام التعليم، أن يُردد الفلسطينيون حتى اليوم أنهم “عرق آخر” يُدعى” كنعان”، وأنهم جاؤوا بالفعل من جزيرة كريت اليونانية مُتسللين. وبذلك تمكنت السردية اللاهوتية الغربية من فرض عبوديتها وهيمنتها المُطلقة على العقل الفلسطيني، منذ وقت مبكر قبل الاستيلاء على أرض فلسطين..
وغدا من المفروغ منه، أن الاستيلاء على فلسطين ليس وحده مصدر هذه “العبودية”؛ بل ثمة مصدر آخر أكثر خطورة هو السردية التوراتية اللاهوتية التي اختلقتها المُخيلة الأوروبية والتي صدَّقها الفلسطينيون والعرب والمسلمون، والقائلة إن اليهود سكنوا فلسطين قبل ألفَي عام من الآن، وبات علينا منذئذٍ أن ننخرط في سجال لا يهدأ حول هذه الأكذوبة، ولتغدو مهمتنا الوحيدة والمُحددة، أكثر فأكثر، ودون كلل، وكأنها تنحصر في نطاق السعي إلى نسف هذه الأكذوبة بالأدلة العلمية. إن فضح هذا التزييف لن يكون مُمكناً دون ربط السردية التوراتية، بمسألة خلق هويات زائفة لسكان فلسطين وسوريا؛ ذلك أن الخداع المُمارس لم يكتفِ بخلق “عرق آخر” يُدعى كنعان؛ بل جرى استكماله بخداع آخر حين تم الترويج لتاريخ مُختلق، يتأسس على فكرة وجود “شعب آرامي” تمكن من احتلال سوريا. يكمن جوهر السردية اللاهوتية في المادة السَّامة التي تُخفيها، ولا يكاد يراها القراء والمُتلقون بسهولة؛ لأنها مدفونة بطريقة ماكرة. هذه “المادة” السَّامة هي توصيف شعوب المنطقة باستخدام أسماء قبائل وردت أسماؤها في التوراة، مثلاً: يوصف الفلسطيني بأنه “كنعاني”، والسوري بأنه “آرامي”، وهما توصيفان لا وجود لهما في أية وثيقة أركيولوجية تاريخية، تؤكد بشكل قاطع أن المقصود بهما شعب فلسطين أو شعب سوريا. واستناداً إلى هذا التوصيف المُخادع، فقد جرى خلق هويات لا أصل لها، حتى بات علينا اليوم، مثلاً، مواجهة مهمة شبه مستحيلة حين نحاول إقناع الفلسطيني أنه “ليس كنعانياً”، أو إقناع السوري أنه ليس من أصول “آرامية”؛ بينما الحقيقة التاريخية تقول إن الفلسطينيين هم سكان جنوب الشام، وكلهم تقريباً من قبائل طيء وتميم ومذحج وحاشد وبكيل؛ أي من قبائل همدان، ولا صلة لهم بـ”شعب كنعان” التوراتي الذي عاش في اليمن، وأن آراميي سوريا هم مواطنون عرب سوريون، يتكلمون لغة دينية هي لغة الأناجيل، وأنهم، مثلهم مثل الباكستاني المسلم الذي يتكلم العربية ويقرأ القرآن بالعربية؛ لكنه ليس عربياً، بل هو مواطن باكستاني يتكلم لغة دينية هي لغة القرآن. وهذا ما سوف أدلِّل عليه بالنقوش والأدلة العلمية. المثير للدهشة، أن الفلسطيني الذي يُردد دون أي تبصُّر كافٍ، أنه “كنعاني” ويشعر بالفخر لأنه كذلك، لا يريد مجرد إلقاء نظرة إلى ما تقوله التوراة عن هذا الوصف؛ فهو لقب “تحقير”، حتى إن إبراهيم النبي فرض على أبنائه أن لا يتزوجوا من بنات الكنعانيين؛ لماذا؟ لأنهم “أنجاس” لا يختنون. ولعل قصص سفر التكوين واضحة وصريحة؛ فكنعان الأسطوري كان ملعوناً منذ أن كان طفلاً في سفينة نوح، لأن والده شاهد “الغرلة” غير المختونة للجد نوح.
والآن: أين تقع (أرض كنعان) أو ما يُزعم (الحضارة الكنعانية)؟
استند اللاهوتيون من التيار التوراتي التقليدي في علم الآثار، ومنذ مطالع القرن الماضي إلى نصوص متفرقة من التوراة فقط، وليس إلى أية نتائج أركيولوجية حصيفة؛ وذلك لأجل رسم حدود ما يزعم أنها أرض كنعان (Kənáʻan). في الواقع لا توجد حتى اليوم أي تصورات علمية حصيفة يُعتد بها عن حدود هذه الأرض التي يُزعم أنها كانت تمتد من فلسطين والأردن حتى مصر وسوريا. كما لا توجد أي دلائل أركيولوجية تؤيد الحدود الخيالية المرسومة، كما أن نتائج البحث الأثري لم تقدِّم أي سند مهما كان بسيطاً، يمكن استخدامه لدعم المزاعم عن وجود شعب قديم يُدعى شعب كنعان عاش في فلسطين. وبطبيعة الحال، لم تكن في حوزة اللاهوتيين، سوى نصوص متفرقة من التوراة، ورد فيها تعبير “أرض كنعان، أو شعب- لسان كنعان.. إلخ”. وفي سائر هذه النصوص، لا وجود لأسماء البلدان التي أصبحت تشكِّل مساحةَ هذه الأرض الخيالية، فلا وجود لاسم مصر، أو سوريا أو لبنان أو الأردن أو فلسطين أو العراق (آشور، بابل.. إلخ). كما أن النقوش البابلية- الآشورية ومنذ 950 ق.م لم تسجل اسم كنعان في فلسطين قط، وهي تجهله تماماً هناك، لكنها في المقابل، تسجل اسم الكنعانيين سوية مع قبائل سبأ وحمير في اليمن -وهذا ما سوف أكشفه عند تحليل السجلات الآشورية-. لقد كان (اختراع) شَعبَي كنعان وآرام، حاجة مُلحَّة أشد تعقيداً مما يمكن تخيُّله من أجل “صناعة المادة السَّامة”؛ أي صناعة الهويات التاريخية الجديدة لشعوب المنطقة خلال العصر الاستعماري في الشرق العربي، منذ نهاية ما يُسمى “الحروب الصليبية”؛ ولكنها بطبيعة الحال هويات مزورة تم فرضها بقوة السرد التوراتي على سكان المنطقة العربية. وفي هذا النطاق من المعضلة التي خلقها اللاهوتيون؛ فإن الأمر الشيق سوف يتبدَّى لنا في الفكرة التالية: لقد كان هؤلاء وأثناء عملهم الشاق والمُضني من أجل تصنيع هويات بديلة لسكان المنطقة العربية، يخترعون من مواد توراتية مُبعثرة وتكاد تبدو متقطعة السياق السردي الناظم لها، مادة جذابة وجديدة يمكن نسبتها إلى علم الآثار، وبحيث يصبح الحديث عن “شعب كنعان” في فلسطين، لا مجرد توصيف توراتي لجماعة قبلية قديمة؛ بل حقيقة أركيولوجية تخصّ كل منطقة الشرق العربي القديم. ومن الجليِّ، أن وعي اللاهوتيين لوظائف علم الآثار في هذا النطاق، كان شديد التباين مع وعي علماء الآثار من المتخصصين والمُحترفين، فهؤلاء كانوا يرفضون كل الاستنتاجات التعسفية ولا يقبلون بالجموح التاريخي المُتستر بالعلم. ومع ذلك مضى هؤلاء قدماً في تلفيق سردية لا أساس لها، تزعم أن سكان فلسطين هم “كنعانيون”، وأن اسمهم ورد في التوراة، وأنهم تسللوا من جزيرة كريت اليونانية.