Skip to content Skip to footer

الانشقاق اللغوي والعقائدي العبري العربي | عباس يونس العيدي

مختصر في نظرية فاضل الربيعي


 

يتحدث النص التوراتي في سفر التكوين، عن طرد إسماعيل وأُمِّه وضياعهما في البرية بناءً على خلاف مع سارة، زوجة إبراهيم. وكان السبب في ذلك الخلاف أن إسماعيل كان (يمزح) يومَ صنع إبراهيم وليمة عظيمة لمناسبة فطام إسحاق ابن سارة، التي رفضت أن يشارك إسماعيل ابن هاجر المصرية، ابنها إسحاق في إرث إبراهيم. وهذه هي نقطة الانفصال التي دفعت العائلة إلى الانشطار واتخاذ مسارات تطورية مختلفة ومتباعدة في شأنَين خطيرَين؛ هما الدين واللغة، رغم الأصل الواحد. ومن الواضح أنه قد سبق الصراعات العنيفة في التجمع العائلي الموسع بين الآباء والأبناء في سعيهم للاستحواذ على الأرض والنساء، صراع الأمهات في ما بينهن في مجتمع أمومي تمتلك فيه الأم السلطة والزعامة والنسب، ولأن النسل يعود إلى الأم ويرتبط بها من دون منح أي معنى لوجود الرجل؛ فقد نشأت سلالات أمومية متصارعة على الثروات والرجال ومناطق الزراعة والصيد، وتمكنت الأم الأقوى وصاحبة النفوذ والثروة الأكبر من إزاحة غريماتها وإجبارهن على الخضوع أو النفي خارج مجتمع العشيرة. ولنلاحظ أن هذه الصراعات نشبت بعد الاستقرار وترك حياة البداوة والترحال، ويبدو أن ذلك ترافق أو سبق بقليل الانقلاب الاجتماعي الكبير المتمثل بالتحول إلى مجتمع أبوي أُقصيت فيه الأم عن سلطتها وأُعيد بناء المنظومة الاجتماعية الأخلاقية، بما يعزز سطوة الأب ويمعن في إقصاء الأم، فحرم على المرأة الزواج المتعدد كما حرم عليها امتلاك الثروات، ونقلت تلك الحقوق إلى الرجل؛ حيث سُميت العشيرة الجديدة باسمه وارتبط النسل به. إن القصة التوراتية عن هاجر وإسماعيل تعبِّر عن هذه المرحلة من التطور الاجتماعي. وفي تحليل أنثروبولوجي، ذكر الدكتور فاضل الربيعي، في كتابه “إسماعيل وهاجر” (أن التوراة تروي فكرة هزيمة العصر الأمومي “طرده” وحلول العصر الأبوي البطريركي، وكل ذلك من خلال قصة رمزية لا ينبغي المبالغة في قيمة مضمونها. وبهذا المعنى يكون عصر الآلهة الأم/ الابن قد أصبح فعلياً أمام لحظة الزوال النهائي مع الطرد الرمزي، وبالتالي بزوغ عصر الإله الأب/ الابن وتدشين العصر الأبوي “الإبراهيمي” الذي سوف يهيمن على التاريخ البشري حتى اليوم). لكن هذا الانشقاق انعكس بقوة في مسألتَي الدين واللغة، ولعلهما كانا عاملَين فعالَين ضمن عوامل وأسباب ذلك الانشقاق؛ مما دفع الطرفَين إلى التطور بمعزل عن الطرف الآخر من دون التنكر للأصول الواحدة التي ظلت مستمرة في خلفياتهما العميقة. لقد كانت هاجر أم إسماعيل مصرية، أي من مصريم التوراتية اليمنية، وليست من الإمبراطورية القبطية، ومن المحتمل للغاية أن تكون ديانتها تختلف عن ديانة سارة وزوجها إبراهيم التي هي عبادة إله البراكين (يهوه) ذلك الإله الغضوب العنيف المدمر، فإله هاجر هو إله أهل الجوف المدعو (المقة/ المكة)؛ وهو إله العقل المتسامح والمستمع لعباده والقابل لنذورهم والمستجيب لدعواتهم، وهو إله مناقض تماماً لإله إبراهيم وسارة، ولا شك أن إسماعيل تأثَّر بإله أُمِّه أكثر من تأثُّره بإله أبيه، وهذا أساس منطقي يعلل الافتراق الذي حصل بينه وبين عائلة أبيه. إن هذه الصورة الأسطورية تخفي صراعاً وتنابذاً دينيَّين بين فرعَين من عشيرة أبوية واحدة في نهايات عصر الأمومة؛ حيث لعبت الجارية المنافسة للأم سارة (أو الأخوال بتوسيع المصطلح) دوراً مهماً في الخروج من سطوتها مدعومة بعائلتها الإسماعيلية وبدينها المختلف. لقد طرح الدكتور الربيعي مسألة التناقض الديني بين إلهَين متضادَّين بالخصائص كأساس مهم من أُسس الافتراق الإسماعيلي عن عائتله الأصل وديانتها؛ لكن ذلك الأساس اقترن حتماً بخلاف شديد على الثروات والممتلكات والأرض في مقدمتها، يقول الربيعي (قد تفسر لنا قصة طرد هاجر وجهاً مخفياً من أوجه الصراع على أرض الميعاد، ذلك أن الأب حرم ابنه من الميراث وطرده من الأرض؛ لكنها تخفي كذلك، صراعاً عنيفاً من نوع آخر يدور لا حول الأرض بل حول الإله نفسه؛ الذي يجب أن يعبد في هذه الأرض. وهكذا أيضاً، يتلازم الطرد من الأرض مع الطرد من دين الأب؛ أي من العقيدة التي ارتبطت بأسرة إبراهيم، وهذا كاف تماماً كسبب للهجرة، فحين يُطرد الإنسان من أرضه بسبب عقيدته المغايرة، المخالفة؛ تصبح الهجرة حلاً وحيداً). لم يُفنَ إسماعيل بسبب طرده من اليهوية (ومن أرض كنعان اليمنية) إنما انتمى إلى أخواله (جرهم)، ونما هناك وتطورت عبادته للإله المقة، ويكون من المهم أن ننتبه إلى وصف سفر التكوين هاجر بالمصرية )וַּתֵרֶא שָרָה אֶתּ-בֶן-הָגָר הַּמִצְרִית, אֲשֶר-יָלְדָ ה לְאַבְרָ הָם—מְצַחֵק) أي (ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يضحك “يسخر”) وحرص التأويل الاستشراقي اللاهوتي على نسبتها إلى الإمبراطورية القبطية عسفاً، وقد تصدى الدكتور فاضل الربيعي لهذا التلفيق في الكثير من كتاباته ومقابلاته، فمصريم المقصودة تقع في اليمن، ومن هنا نستطيع أن نفهم كيف ذهب إسماعيل إلى أخواله جرهم، وهي قبيلة يمنية (قبل أن تهاجر إلى الحجاز حسب الرواية الإسلامية)، كانت ترتاد معبد الإله المقة في مأرب (صرواح)، وقدم الربيعي نقشاً يبرهن ذلك في كتابه المشار إليه آنفاً، لا يتسع المقال لاستعراضه.

وليس هناك من شك أن الدين يرتبط باللغة ارتباطاً وثيقاً، ومن خلال جدلية الارتباط تطور الدين واللغة معاً عبر تطور الطقوس والتراتيل والأشعار والكلمات المرافقة والمعبرة عن تلك الممارسات الدينية، وبافتراق الدين راحت تفترق اللغة وبات للفرعَين لغتان مختلفتان رغم أنهما ترتبطان بجذور واحدة، فالإسماعيليون لم يتخلوا كلياً عن كامل المفردات القديمة وتراثهم اللغوي الذي عرفوه سابقاً إنما تحورت تلك المفردات وتغيرت صيغ اللغة الجديدة استجابة للواقع والبيئة الجديدَين. يقول الربيعي “إن نقطة الانطلاق الحقيقية في تفكيك أسطورة (إسماعيل وهاجر) التوراتية تبدأ هنا: افتراق اللغة هو أساس الافتراق التاريخي بين جماعتَين دينيتَين، إحداهما اعتنقت (دين القبيلة الصغيرة بني إسرائيل) وآمنت بالإله يهوه، وأخرى أصبحت شعباً عظيماً وآمنت بإله أعظم لأمة أكبر هو إله العقل (المقة/ المكة)، وهي أصبحت جزءاً من شعب سبأ، وهذا هو ذاته أساس الافتراق بين شعب إسماعيل وشعب (إسرائيل)”.

 لقد تخيَّل ماسينيون الفرنسي، أن اللغة العربية هي لغة دموع، وعزا ذلك إلى أسطورة الطرد التوراتية وإلى بكاء هاجر، وقد فكك الدكتور الربيعي هذا التصور المتكون بفعل التأثير اللاهوتي التوراتي؛ فاللغة التي تبناها المجتمع الإسماعيلي هي لغة جرهم، أخوال إسماعيل، الذي انتقل للعيش معهم، والعربية بحساب ماسينيون هي لغة جرهم التي كانت تتعامل فعلاً مع بكائيات واسعة النطاق تعد جزءاً من ثقافة الشعب اليمني؛ حيث إنهم كانوا ينوحون على الميت لمدة عام كامل برثائيات متواصلة، ولا علاقة للقصة التوراتية بالأمر، أما اللغة العبرية الشقيقة للعربية فقد ظلت حبيسة دور العبادة ولمدونات الكهنة اليهود في أورشليم اليمنية، فتراجع دورها عبر التاريخ، ولولا الترجمة السبعينية التي جرت في الإسكندرية لانقرضت منذ زمن بعيد. يقول الربيعي بالتفاتة متميزة (وبهذا المعنى يكون إسماعيل قد تعلم لغة عربية للتواصل مع الآخرين بعد أن تعلمها كلغة دينية مقدسة، انفصلت عن العبرية التي تكلم بها إبراهيم. وهذا هو معنى الافتراق بين العبرية والعربية؛ أي بين لغة الكهنة ولغة الناس. لقد تعلَّم إسماعيل لغةَ الناس (العربية) وهجر لغة الكهنة (العبرية)، ولذا ارتبط اسمه بها).