Skip to content Skip to footer

كيف برَّر أفلاطون فكرة اللا مساواة بين البشر؟ | د.ابتسام برّاج

من بين الأنظمة السياسية التي ابتدعها البشر، كلها، لم يحظَ نظامٌ سياسيٌّ بالجاذبية التي حظيَت بها الديمقراطية؛ فـ”اليوم، يعلن كل امرئٍ نفسه ديمقراطيّاً، ما لم يُرِد أن يُعدَّ، علناً، مجنوناً أو من آكلي لحوم البشر”. غير أن بريق الديمقراطية لم يَصُنها من النقد، حسب ما بيّنَ تاريخ الفلسفة؛ إذْ تعَرَّضَ المفهوم، منذ ظهوره عند اليونان إلى اليوم، لانتقاداتٍ كثيرةٍ. يُخبرنا روبرت دال، وهو من أهمّ مؤرخي مفهوم الديمقراطية، أن الانتقادات تلك لم تنبع من موقفٍ واحدٍ؛ انتقدها البعضُ من باب نُصرتها والغيرة عليها، كما انتقدها آخرون معاداةً لها، ورغبةً في القضاء عليها.


 

تنبثق مشكلات الديمقراطية، التي تثير النقد والاعتراض، في العمق، من الأسس التي ينبني عليها النظام الديمقراطي؛ غنيٌّ عن البيان أن الديمقراطية ليست إجراء، شكليّاً، تختزله صناديق الاقتراع. بل هي نظامٌ اجتماعيٌّ سياسيٌّ، يقوم على مبادئ ثلاثةٍ؛ أولها السيادة العامة، وثانيها الحرية، وثالثها المساواة. الفاعلُ في النظام الديمقراطي؛ مواطنٌ في دولةٍ وطنيةٍ ذات سيادةٍ، وهو حرٌّ، يتساوى مع غيره من المواطنين. وإن صحّ القول بأن كل دفاعٍ عن الديمقراطية هو، في عمقه، دفاعٌ عن مبادئها؛ يصحّ القول، أيضاً، بأن كل نقدٍ لها هو، بالضرورة، نقدٌ للمبادئ تلك. أقدمُ نقدٍ للديمقراطية، في تاريخ الفلسفة، هو ذلك الذي قدَّمه أفلاطون، في الجمهورية، وهو يتأسّسُ على نقده لمبدأ المساواة بين البشر.

منذ كتب أفلاطون محاوراته إلى اليوم، لحقت بالديمقراطية تغيراتٌ كثيرةٌ، نقلتها من حالٍ إلى حالٍ؛ إلى درجة أن روبرت دال يفترض، بحقٍّ، أنه “لو قُدِّر لأحد أبناء أثينا الظهور بيننا، فجأةً، لتفاجأ بما نُسميه نظاماً ديمقراطيّاً، ولاعتبره غير جذّابٍ وغير ديمقراطيٍّ…”! لأسباب كثيرة تعود إلى إعادة بناء مفهوم المُواطنة؛ بردّ الاعتبار إلى المرأة وتجريم العبودية، من جهةٍ، والانتقال من الدولة-المدينة إلى الدولة-الأمة، من جهةٍ أخرى. لكن الديمقراطية، كانت ولا تزال، تقوم على الاعتراف بالحرية والمساواة. وبموجب الاعتراف ذاك، يُسمحُ، لمن توفرت فيه شروط المواطنة، بالمشاركة في الحياة السياسية، على قدم المُساواة مع غيره من المواطنين. 

 كان صاحبُ الجمهورية ضدّ مشاركة المواطنين، جميعاً، في الحياة السياسية؛ ما ساند الرجل حكم الجمهور ولا اختار لمحاورته الاسم ذاك، من الأساس؛ بل سمى محاورته: السياسة POLITEIA. غير أن المترجم الروماني شيشرون CICERON ناقلُ المحاورة من اليونانية إلى اللاتينية، عنْونها الجمهورية RE PUBLICA. مُحدثاً بذلك خلطاً، تاريخيّاً، بين عنوان المحاورة ومضمونها. المُحاورة، من حيث مضمونها، هي أقدم مساءلةٍ للديمقراطية، كما أسلفنا؛ كتبها أفلاطون وهو يُشاهد أفول مجد أثينا وانهزامها أمام إسبرطة الأوليغارشية. 

لم يكن أفلاطون نصيراً للنظام الأوليغارشي، كما عرفته إسبرطة، وغيرها من أنظمة التاريخ؛ مَن يقرأ الجمهورية يعرف أن اللا مساواة، عنده، لا ترتكز على رفعةِ النسب أو وفرةِ الذهب، بل هي لا مساواةٌ فكريةٌ. فهل اللا مساواة تلك مكتسبةٌ أو فطريةٌ؟ 

بالنسبة إلى أفلاطون، اللا مُساواةُ بين البشرِ مكتسبةٌ وفطريةٌ في الآن، عينه؛ للناس استعداداتٌ فطريةٌ مختلفةٌ. تنهضُ عملية التعليم، عنده، بتطوير الاستعدادات تلك، من دون أن تغيِّرها. للمُؤهَّلِ على المشاركة في الشأنِ السياسيّ صفاتٌ فطريةٌ؛ هو “فلسفيُّ النزعةِ، عظيمُ الحماسةِ، سريعُ التنفيذِ، شديدُ المرأسِ”، على حدّ وصف أفلاطون. يخضع لتكوينٍ واختباراتٍ متتاليةٍ، تؤكد أنه أهلٌ للمنصبِ الكبيرِ؛ أهمّها، اختبارات تُبيّن حرصه على المصلحة العامة وتهميشه لمصلحته الخاصة. الحُكام، إذن، نخبةٌ مُختارةٌ بعنايةٍ لتخليص المدينةِ من الفسادِ، لا مُساواة بينهم وبين البقيّة؛ هم الأجلّ والأكرمُ والأعلى مرتبةً؛ يُكرّم الواحد منهم “في حياته وفي مماته، ويُخوّلُ أعظم الامتيازات”.  

ليست الامتيازات التي يحظى بها الحكام، عند أفلاطون، مادية الطابع. وآيُ ذلك، وضعُ هؤلاء في جمهوريته؛ هم أعلى الناس مكانةً، ومع ذلك، لا يمتلك الواحد، منهم، حتى منزلاً. يعيشون في الخيام على أُعطياتِ أهل المدينة. وإن طلبوا مالاً أو ذهباً، لا يُعْطونَهُ، ويُردّ عليهم بأن “الآلهة ذخرت في نفوسهم ذهباً وفضةً سماوِيَّيْن… عيبٌ عليهم أن يُدنّسوا بضاعة الآلهة السامية بمزجها بالذهب الفاني”. 

فكّر أفلاطون، سلفاً، في احتمال اعتراض أفراد المدينة على إقصائهم من المشاركة في الحياة السياسية، وحصْرِ الحكم في نخبةٍ مُختارةٍ من الناس، دون غيرهم. فحضَّر لهم جواباً مُستمدّاً من قصةٍ فينيقيةٍ قديمةٍ. في هذا الجزء من محاورة الجمهورية، يتضح أن أفلاطون لا يُؤمن بصحة القصة التي ينوي استخدامها لإخماد الاعتراضات. هو يُدرك أن القصة وهمية؛ إذ يصفها ب”الأكذوبة المُفيدة”. ويُضيفُ “نحتاجُ إلى حيلةٍ نافذةٍ لإقناعهم بها”.  تقول الأكذوبةُ الوهميةُ المُفيدةُ، كما يصفها أفلاطون، بأن اللا مُساواة بين البشرِ طبيعيةٌ ليست من صنع أحدٍ؛ الناس غير متساوين لأن الله، عند خلقهم، مزج كلّاً منهم بمعدنٍ؛ مزج الحُكّام بالذهب، والحرّاس بالفضة، والمزارعين والحرفيّين بالحديد. الغريبُ أن أفلاطون، في موضعٍ سابقٍ، من المحاورة، نفسها؛ انتقد الشعراء لأنهم يرددون الأكاذيب. وها هو، بعد بضع صفحاتٍ، يردّد الأكاذيب، أيضاً، ليجعل كل دفاعٍ عن المساواة خرقاً لطبيعة البشر.

آمن أفلاطون ألّا مساواة في الاستعدادات العقلية بين البشر. لا تجد القرائن على إيمانه ذاك، في محاوراته، فحسب. بل تجدها حتى في حياته الأكاديمية؛ لم يَعْرضْ أفلاطون فلسفته في أسواق أثينا وأزقّتها، كما فعل أستاذه سقراط؛ بل حماها داخل أسوار أكاديميّته. لا طائل، عنده، من تدريس الفلسفة للعامة؛ الغوغاءُ التي أعدمت سقراط، بالتصويت، ليست أهلاً للمعرفة وغير جديرةٍ باتخاذ أي قرارٍ سياسيٍّ. لا بدّ من استبعاد هذه الفئة من دائرة السياسة وإن استدعى ذلك نسج الأوهام والأكاذيب. 

 كثيرةٌ هي الأكاذيب التي برَّرت القول باللا مساواة بين البشر؛ أشهرها، في العصر الوسيط، أكذوبة الحق الإلهي؛ القاضية بأن الحاكم لا يتساوى مع غيره لأنه وريث آدم الشرعي. ومعروفٌ أن جون لوك صَرَفَ نصف كتابه في الحكم المدني لنسف هذه الأطروحة، دفاعاً عن الحرية والمساواة. أردنا أن نبيِّن من خلال ما سبق، أن الأكاذيب تلك لم تنبع، دائماً، من أفواه الكهنة ورجال الدين، بل إنكَ لواجدها حتى في نصوصِ عددٍ من الفلاسفة. وسواءٌ وردت الأكذوبة تلك على لسان فيلسوفٍ أو رجلِ دينٍ، فالهدف منها ليس معرفيّاً ولا دينيّاً، بل سياسيٌّ في المقام الأول. لا نروم، في هذا المقام، التأكيد أن الاستعدادات العقلية الفطرية متساويةٌ، بين البشر، أو غير متساوية. بل نقول إن هذا نقاشٌ زائفٌ؛ استُخدم، غالباً، لتبرير قضيةٍ سياسيةٍ واضحةٍ: تتمثلُ في إقصاءِ الأفرادِ من المشاركةِ في الشأن السياسيِّ، بدعوى قصورهم العقليّ “الطبيعيّ”.