كان إبراهيم، حسب رواية التوراة، من رعاة الجنوب، وهو هاجر صوب (أرض كنعان) في الإطار الجغرافي نفسه لمنطقة الجنوب؛ بحثاً عن أرض استقرار. بيد أن هذا التوصيف التوراتي لا يتطابق مع توصيف حالة سكان الإمبراطورية الآشورية التي قيل لنا إن إبراهيم هاجر منها؛ أي مما يُزعم أنها “أور الكلدانيين”، فهي لم تكن مجتمع رعاة، وبحيث إننا نشاهد رعاة يهاجرون منها بحثاً عن أرض استقرار. هذا تصوُّر فيه الكثير من التلاعب بالتاريخ. وهل يُعقل أن الكلدانيين كانوا يهاجرون من أرض إمبراطورية عظمى صوب مصر كرعاة؟ ثمة خطأ تاريخي في الرواية؛ فالشعب الكلداني لم يظهر أصلاً في المسرح التاريخي إلا نحو 700-650 ق.م، أي بفارق نحو 1000عام على الأقل من عصر إبراهيم. إن مجرد القبول بفكرة وجود رعاة يهاجرون من أرض آشور صوب حاران على حدود الأناضول، يعني القبول بتصوُّر كاذب، فلا وجود “لرعاة” مهاجرين من أرض إمبراطورية عظيمة، صوب هضبة جرداء في الأناضول. والتاريخ لا يعرف أي وجود لشعب كلداني في عصر إبراهيم. كما أن بلاد آشور لا تعرف أي شيء عن هذه الهجرة صوب “أرض كنعان”. ولذا، يستحيل تصديق خرافة (الشعب الكلداني) الذي يذهب رعاته إلى أرض في هضبة الأناضول. ثمة خرافة أخرى يتوجب تحطيمها: إذا كان إبراهيم ينتسب إلى شعب يُدعى كلداني ضمن إمبراطورية آشورية-كلدانية، فهل يُعقل أنه يهاجر كراعٍ نحو مكان لا وجود له يُدعى أرض كنعان؟ ومع ذلك، وللجواب عن هذا السؤال المُحْرج، يمكن أن نحصل على جغرافية واقعية أخرى تسمح لنا بفهم المحمولات الرمزية للقصة التوراتية؛ إذا ما وضعنا إطاراً تاريخياً- جغرافياً مختلفاً، وسوف نلاحظ أنه هاجر من الضالع في الجنوب، ثم اتجه صوب إب شمالاً ومنها إلى تعز ولحج. وهذه كلها كانت قديماً أراضي الكنعانيين المصريين الذين عاشوا ضمن “مملكة مصرن” في الجوف. وفي هذه الحالة سوف تصبح جغرافية “أرض كنعان” قبل عصر تأسيس الملكية في اليمن مقبولة وصحيحة تماماً، وهذا ما تؤكده الآية التالية من سفر التكوين:
13: 12
أَبْرَامُ سَكَنَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَلُوطٌ سَكَنَ فِي مُدُنِ الدَّائِرَةِ، وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ.
אַבְרָם, יָשַׁב בְּאֶרֶץ-כְּנָעַן; וְלוֹט, יָשַׁב בְּעָרֵי הַכִּכָּר, וַיֶּאֱהַל, עַד-סְדֹם
أريد هنا القيام بمهمة تصحيح الترجمة الخاطئة لهذه الآية. ليس هناك “ب- عير ها- ككر: مدن الدائرة בְּעָרֵי הַכִּכָּר”. ليس ثمة مكان على وجه الأرض يُدعى “مدن الدائرة/ ها ككر”. هناك فقط مكان وحيد يُدعى” قرى الكور הַכִּכָּר “، وهذه هي الترجمة الصحيحة للآية، وهو مكان يجمع قرى كثيرة ضمن محافظة أبين اليوم (قرب جبل كسديم/ كساد) ويُدعى: قرى “الكورַכִּכָּר” ضمن عزلة القارة بمديرية رصد التابعة لمحافظة أبين. بكلام آخر، ذهب إبراهيم صوب جبل ” كسديم” في الضالع (جبل الكساد)؛ بينما ابن أخيه لوط فضَّل البقاء في مكان يُدعى “الكور” في أبين، وهذه جغرافية واقعية تنسف كل تصوُّر خيالي لاهوتي، يزعم أن إبراهيم ترك بلاد ما بين النهرَين، ليعيش في هضبة جرداء داخل الأناضول. هذه قصة بدوية بسيطة لا يتطلبُ فهمها كل هذا الخيال الجامح، فثمة “رعاة” مهاجرون من أسرة واحدة اختصموا في ما بينهم. ومع ذلك ثمة سؤال حيوي: أين عاش “الكنعانيون” أصحاب الحضارة المزعومة؟ هل كانوا لوحدهم يسيطرون على “أرضهم”؟ هذا سؤال جوهري وفي صُلب فكرة حدود كنعان. نقرأ في سفر التكوين 15: 21 أن الكنعانيين كانوا “جماعة” من جماعات أخرى تعيش في أرض مشتركة، وأنها ليست إمبراطورية أو حضارة مستقلة بذاتها. هاكم ما يقوله السفر التوراتي إن “الكنعانيين كانوا يعيشون سويَّةً مع جماعات أخرى: وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ واليبوستين”.
וְאֶת-הָאֱמֹרִי, וְאֶת-הַכְּנַעֲנִי, וְאֶת-הַגִּרְגָּשִׁי, וְאֶת-הַיְבוּסִי
هذا النص الواضح يؤكد لنا، أن “أرض كنعان” هي أرض جماعات قبلية كثيرة، تضم الأموريين (הָאֱמֹרִי) أبناء وادي أمور/ مور الشهير في اليمن، والكنعانيين والجرشيين (بنو جرشהַגִּרְגָּשִׁי) واليبوستين (اليابسהַיְבוּסִי). أما جرش فالمقصود بها قبائل مخلاف جرش التاريخي في اليمن الذي يعرفه المؤرخون والجغرافيون العرب واليمنيون. وهذه “المدينة/ المخلاف” بكل يقين ليست حضارة مستقلة قائمة بذاتها تمتد من مصر إلى كل بلاد الشام؛ بل هي قطاع جغرافي صغير من اليمن. وإلى هذه الأرض وصل إبراهيم مع زوجته ورعاته ومواشيه، وكان رجلاً مُسنّاً عاقراً. والآن: بصدد الجماعة المُسمَّاة “أموري/ المورية/ من الاسم مور”. هاكم بعض التفاصيل الضرورية لفهم جغرافية الأرض التي وجد إبراهيم نفسه وهو يعيش فيها مع جماعات قبلية قوية. يعتبر وادي مور أحد أكبر وديان تهامة اليمن من حيث المساحة، وهو يغمر بمياهه وأوقات جريانه الموسمية مساحات واسعة (كما توجد قرية بنفس الاسم: مور في محافظة حجة: عزلة العبيثة/ العبادلة بمديرية كشر). وعلى امتداد هذا الوادي العظيم عاش الأموريون. هذه الجماعة جرى “اختراعها” كجماعة غامضة تُدعى “الأمورو/ الأموريون”، وهذا نمط آخر من التلفيق؛ يتطلب تفكيك وهم الحضارة الكنعانية في فلسطين الذي يُهيمن على عقول ملايين البشر، وبشكل أخص في الأوساط الأكاديمية، القيام بفحصٍ علميٍّ متأّنٍ لمسألة وجود الكنعانيين سويةً مع “الأمورو/ الأموريين”، الذين يتكرر ذكرهم في نصوص التوراة والسجلات الآشورية. ومن أجل تعميق التحليل، وإعادة بناء الرواية التاريخية الصحيحة عن هذا “الشعب الغامض”؛ ولذا سوف أتوقف عند مسألة الأمورو، وكيف جرت عملية “تصنيع” هوية جديدة لجماعة قبلية صغيرة من قبائل اليمن، وبحيث أصبحت “حضارة” كبرى إلى جانب “حضارة كنعان”. لقد حيَّرت مسألة “الشعب الأموري” علماء الآثار من التيار التوراتي، رغم أن هذا التيار هو مَن أشاع هذه الخرافة. لكن، ما من باحثٍ أو مؤرخٍ إلا واستعان بالسرديات اللاهوتية عن هذا الشعب الغريب، ومع ذلك لم يجرؤ أي منهم على تقديم رواية علمية أو تقديم توصيف صحيح للأرض التي أقام فيها، أو أن يقدم قائمة بأسماء ملوك هذا الشعب الذي اصطدم به الآشوريون.
كل ما يتردد في المصادر الغربية الأوروبية والعربية المعاصرة، هو استنساخ سقيم لمعلومات سبق وأن وضعها علماء الآثار من التيار التوراتي في القرن قبل الماضي. هذا المقطع من الفصل، سوف يكشف العلاقة بين “حدود أرض كنعان” ووجود “شعب غامض”.
نعرفُ الكثيرَ عن الأندلس. عن هندستِها المعمارية، وعن تاريخها الطويلِ والمليء بالصراعات، وعن مآثِرها الحربية وثورتها العلمية. وكذلك عن هندستها الهيدروليكية الاستثنائية، وعن أسماء خلفائها، وحكَّامها، وطوائفها، وأطبائها، ورجالها، وشعرائها، ومقاتليها، وفلاسفتها. هذا كلّه معروفٌ إلى حدٍّ ما. لكن، ماذا عن نسائها؟ من كنَّ؟ وما دورهن؟ وكيف كنّ يفكرن؟ وهل أسهمن حقّاً في بناء الأندلس؟ لطالما كانت سردية الأندلس ذكوريّةً بامتياز. سواء من الجانب العربي أو الإسباني.
وفي حال تضمَّنت أيّة إشارة إلى النساء، فقد كانت في غالبيتها تدور في فلك الرجال، أو في أحسن حالٍ، تقتصرُ على الطّبقات المسيطرة والحاكمة، متجاهلةً بشكلٍ كامل ثراءَ المجتمع الأندلسي، وتعقيداته، وتعدديّته. اليوم، في ظلِّ التطوّرات الاجتماعية والثقافية، ينبغي إعادة قراءة تاريخ الأندلس، أو بالأحرى إعادة بناء سرديته، على أساس الأثر أو الدور الذي لعبته النساء في نسج ثوب هذا التاريخ. ولن نستغرب، في هذا الإطار، حضور المرأة بشكلٍ مستمر في الخطاب التاريخي، الذي يتشابك، أحياناً، بشكلٍ وثيقٍ، مع الأسطورة، على مدى ثمانية قرون.
وقد لا يكون من باب الصدفة أنَّ علم التأريخ العربي الإسلامي قد ذكر، على وجه التحديد، شخصيَّتَين نسائيَّتَين لـ”فتح” تاريخ الأندلس و”إغلاقه”. أمّا عن الفتح، فقد كان عند فلوريندا، ابنة يوليان حاكم سبتة. المرأة التي لعبت دوراً مركزيّاً في سقوط مملكة القوط الغربيين في إسبانيا عام 711. تقول القصَّة إنَّ الملك القوطي الغربي رودريغو، شاهد فلوريندا تستحم في نهر تاجة (خارج طليطلة)، وبعد ذلك اغتصبها، وتركها حاملاً. ما دفع والدها يوليان، حاكم سبتة، للانتقام، طالباً مساعدة جيوش المسلمين بقيادة طارق وموسى. وفي نهاية المطاف هزيمة رودريغو وبداية التاريخ الأندلسي. لقد كانت فلوريندا – المرأة؛ سبب سقوط مملكة القوط ووقوعها في يد العرب المسلمين! وعلى غرار البداية، كانت النهاية أيضاً مرتبطةً بثريا الرومية. كما يُذكر اسمها في المصادر العربية. وهي إيزابيلا دي سوليس. المرأة التي أُخذت أسيرةً في إحدى المعارك. سُمِّيت ثريا وألحقت وصيفةً داخل قصر الحمراء. سحرت بجمالها الآسر أبا الحسن، ملك غرناطة، فتزوَّجها واصطفاها على زوجته. بعد ذلك لعبت دور البطولة في مؤامرات كبيرة؛ لإنهاء حياة أبي عبد الله وحكمه، وكانت مسؤولة عن إنهاء مملكة غرناطة ووضع نقطة النهاية على قصة تاريخ الأندلس.
هاتان الأسطورتان الأنثويتان ليستا سوى “الألفا” و”الأوميغا” في تاريخ الأندلس. أي سبب ونتيجة مسار اجتماعي غني ومعقَّد للغاية مثل المسار الأندلسي. لكنهما، لا تجسدان، في أفضل الأحوال، سوى قمة جبل الجليد الذي ظلَّ جسده الأنثوي مطموساً في ثنيات مصادر العصور الوسطى لعدة قرون؛ حيث حُجّبت نساء متنوّعات للغاية، صنعن التاريخ أيضاً، وكنّ فاعلات في جوانب الحياة المتعدّدة: الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والاقتصادية، والتجارية، والحربية، والفكرية، والعلمية، والثقافية والمعمارية.
من هنا كان لا بد من العودة إلى السرديات التاريخية الراسخة وإعادة قراءتها، والبحث فيها، وإعادة تفسيرها وكتابتها بما يتناسب مع تطوُّر المجتمعات، وتقدُّم العلوم، وانتشار التكنولوجيا. وقد كثرت في الآونة الأخيرة في إسبانيا الدراسات العلمية والتاريخية التي تعود إلى تاريخ الأندلس؛ من أجل قراءته وتفسيره بما يتناسب مع النوع الاجتماعي. وقد نستغرب عندما نقرأ في هذه الدراسات أن باحثيها وباحثاتها لا يتحدثون عن المرأة في الأندلس؛ بل عن النساء فيها. وهذا معناه أن ثمة حركات نسائية مهمة في صلب التاريخ الأندلسي، وأنَّ النساء كان لهن دورٌ بارزٌ على اختلاف الطبقات الاجتماعية التي ينتمين إليها أو المكان الريفي أو الحضري الذي عشن فيه. لفتتني في هذه الدراسات، وأهمُّها، في تقديري، كتاب “نساء الأندلس” للباحثة مانويلا مارين، مجموعة من الأفكار التي تُخرِجُ الأندلسَ من السرديات الذكورية، والتي ألخّصها كما يلي:
عند البحث في المصادر التاريخية سنلاحظ وجود حركة نسائية مهمة على مدى ثمانية قرون، ولا يمكن فهم تاريخ الأندلس دون الحضور النسائي فيها. وليست المسألة موضوعاً كميّاً. إنّه وجودٌ نوعيٌّ تجسَّد في أشكال مختلفة وأدوارٍ تأسيسية لتلك الفترة الزمنية.
ثمّة الكثير من المعلومات في المصادر الأندلسية عن النساء الحضريات من الطبقة الثرية، أكثر بكثير عن النساء في المناطق الريفية. ولا تشير المصادر التاريخية العربية أو غير العربية إليهن، إلا ما ندر.
غالبية المصادر التاريخية الأندلسية كتبها الرجال. وهذا طبيعي في المجتمعات التقليدية؛ لكنه يكشف سبب مرور النساء على مدى ثمانية قرون “كنسمة خاطفة” أو “كسبب خاص”.
نَسبت الثقافةُ السائدة في العصور الوسطى إلى المرأة دوراً منزليّاً بشكلٍ رئيسي. ولكن، يمكن الحديث عن نساء تمكَّن من كسرِ هذا المشدِّ الأبوي والاجتماعي، وعملن في حقول العلوم والثقافة في الأندلس. وقد مارسن دوراً سياسياً بارزاً، رغم استياء الرجال ومعارضتهم الأمر. مثال على ذلك، والدة هشام الثاني وزوجة الحكم الثاني، التي كان اسمها صبح، وحكمت الأندلس إلى جانب المنصور قرابة عشرين عاماً. حصل هذا الأمر أيضاً في الممالك المسيحية الشمالية، وخير مثال على ذلك الملكة كاثرين.
تميَّزت المرأة المسلمة على المرأة المسيحية في العصور الوسطى بأوروبا؛ حيث تمتَّعت بالاستقلال الاقتصادي في المجتمعات الإسلامية.
تفوَّقت المرأة الأندلسية في مجالات الشعر والفن والغناء والأدب والقانون والخط والسياسة والسلطة، رغم محاولات تحييدها وإخضاعها لسلطة الرجل.
تبيِّن هذه المُلاحظات ضرورة إعادة دراسة التاريخ الأندلسي، وإخراجه من السردية الذكورية المُسيطرة عليه. وهي سردية كتبها رجالٌ في مجتمعات، رغم تطوُّرها حضارياً وثقافياً، إلّا أنّها بقيت رهينة التقاليد، والأعراف، والدين، والعادات، والذكورية، والأبوية. وليس من باب الصدفة أن تُربط سردية الأندلس، بدايةً ونهاية، بخطيئة المرأة، تماماً كقصة الخلق نفسها، التي ارتبطت بخطيئة أُمِّنا حواء، التي أنزلتنا من الفردوس إلى الأرض. إنها المرأة، مرَّة أخرى، تطرد المسلمين من “الفردوس المفقود”: الأندلس. في التاريخ كما في الحياة، لا يتوقف الأمر على تصميم إرادتنا فحسب، وإنما يجب قبول مجريات ومقتضيات الحقب التاريخية. إذا كانت الحقبة الأندلسية ذكورية، وكتبت بريشة الرجال، فلماذا لا نقرأها اليوم من منظور نسوي؟