الصحراء تتسع والحديقة تهجر المدينة
في نهاية القرن الثامن عشر، وبينما كان الغرب يتهيأ لدفع “الأنوار” خارج الحدود التاريخية لأوروبا، تساءل شيلر عن السبب الذي جعل من أبناء عصره برابرة على نحو دائم. وبعده بعقود ثلاثة، كرَّر غوته، في حديثه إلى إيكرمان، المخاوف ذاتها، عندما تحدث عن الفنانين الألمان الذين قدموا إلى روما وفاخروا بازدراء أعمال رافائيل وتيتيان: “لقد كان نيبور على حق عندما تنبأ بعودة البربرية، ها نحن في قلب البربرية؛ ما قوام البربرية إن لم يكن، على وجه التحديد، ازدراء كل ما هو سامٍ وعظيم؟”. ومضت أعوام قبل أن يؤكد نيتشه مخاوف أسلافه، يوم تحدث عن طوفان البربرية الكبير الذي يقترب من الحضارة الغربية، وعن أعراض انحطاط هذه الأخيرة وزوالها بالكامل، وهو انحطاطٌ اتخذ، في نظره، أشكالاً عديدة: تراجع الدين، ونشأة الصراعات القومية، والتعطش الدنيء للمال والمتع من قِبل الدوائر المثقفة، وافتقارهم إلى الحب والعظمة. إضافة إلى انخراط الدوائر العلمية في هذا التيار؛ إذ أصبحوا يوماً بعد يوم أكثر فقراً في الفكر والحب. “كلُّ شيءٍ يخدم البربرية الصاعدة، الفن والعلم على حد سواء”. هذه المخاوف والتحذيرات، من خطر احتواء الثقافة الغربية على عناصر تؤهلها دائماً لممارسة البربرية، ليست الوحيدة بطبيعة الحال؛ بل هي امتداد لأصوات وتحذيرات سابقة عرفتها الثقافة الغربية منذ شيشرون مروراً بمونتين ووصولاً إلى أدورنو وولتر بنجامين وهانس جوناس، الذي أسِفَ “لعدم قدرة الله” على مساعدة شعبه في أوشفيتز (لو عاش إلى يومنا لرأى كيف منح الله شعبه أحدث آلات القتل بعد أن أعطاهم أرضَ غيرهم)، دون نسيان كتابات فولتير عن أخوة البشر لجهة كونهم أبناء لأبٍ واحد. غير أن البربرية لا تقتصر، في الواقع، على ازدراء العظيم من الأعمال، أو على شهوة التملُّك أو أي صنف من الميول المَرضية الأخرى؛ بل هي في جوهرها رؤية وموقف وسلوك يُضمِرُ حكماً أخلاقياً إزاء الآخر. كما أنها خاصية تنطبق على سلوك الأفراد بقدر ما تنطبق على الدول والجماعات؛ فهي تخصُّ أساليب الحياة وطرائق التفكير بقدر ما تخصُّ أنماط الحكم (ديكتاتورية، فاشية، عرقية، عنصرية …) وهي، بهذا الاعتبار، خاصية أنثروبولوجية وليست صفة جوهرية ملازمة لشعب دون غيره أو فرد دون سواه.
وهي تصدر، سواء تعلق الأمر بالفرد أو الجماعة، عن حاجة الأنا أو الثقافة إلى إظهار تفوقها وتميُّزها عن غيرها. وهذا ما أشار إليه سيلفان أورو في البربرية والفلسفة، إذ قال: “لكل ثقافة ينابيعها التي تتغذى منها في خلقِ صورة الآخر البربري، الذي يؤسِّسها ويقدم لها، من خلال اختلافه عنها، إمكانية تشكيل هُويتها الخاصة”. لقد عرفت الثقافة الغربية قبل غيرها، منذ اليونان القديمة، أنها تحتاج دائماً إلى البربرية لكي تؤكد نفسها كثقافة. وفي هذا ما يتيح لنا أن نفهم كيف لازم مفهوم البربرية الثقافة الغربية كظلها، وما زال يلازمها منذ نشأتها إلى يومنا في صور لا حصر لها: في اليونان القديمة، البربريُّ هو مَن لا يعرف اللغة اليونانية ولا يعرف اللوغوس والقانون، وفي المسيحية، البربري هو مَن لم يدخل ملكوت المسيح، وفي عصر الغزو والكشوفات، البربري هو الهندي الأحمر آكل لحم البشر، وهو الزنجي الذي لا يملك روحاً أو نفساً عاقلة، والبربريُّ اليوم هو المسلم والمهاجر والجائع والفقير… أو، ربما، مَن لا يؤيِّد المثلية أو تغيير الجنس.. إلخ. كلُّها صورٌ سوغت وتسوّغِ، على نحو دائم، ممارسة العنف ضد الآخر المختلف. تحتاج الذات إلى الآخر البربري؛ لا لتظهر تفوقها وسموها وحسب، بل لتسوِّغ عنفها وتمارس نوعاً من الطهارة الداخلية بأن تنسب صفة البربرية إلى مَن يخالفها ولا يسير على هواها. وهذا ما أشار إليه مونتين عندما قال: “إننا نطلق صفة البربري على كل ما لا يتفق مع أعرافنا […] بوسعنا أن نسمي الآخرين برابرة بالنسبة إلى قواعد العقل؛ ولكن ليس بالنسبة لنا نحن الذين نفوقهم في كل أنواع الهمجية […] أكل لحوم البشر عند الأشخاص المتحضرين يفوق في وحشيته ما نجده عند الشعوب البدائية؛ ذلك أن أكَلَةَ لحوم البشر في الممالك المتحضرة متخصصون في الكذب والخيانة والطغيان والقسوة وعدم الأمانة، ويتهمون “البرابرة الآخرين” بمواقف، هي، في الواقع، أقل خطورة من مواقفهم. ما الذي تغيَّر بين الأمس واليوم؟ الجواب: لا شيء، سوى أننا انتقلنا من البربرية الوحشية إلى البربرية الناعمة؛ حسب تعبير فيكو. صحيح أن هذه الأخيرة أكثر لطفاً من البربرية القديمة؛ لكنها أكثر مكراً وخداعاً وأكثر دماراً ورعباً لجهة أنها لم تعد تهدِّد، من خلال حروبٍ وأزمات مفاجئة، إمبراطورية روما المحصنة خلف الأسوار؛ بل الكوكب بأسره الذي تحوَّلَ، بفعل العَولمة و”ثقافة” التقانة المُوَسَّعة، إلى سوق كبيرة كل شيء فيها قابل للبيع والشراء، البشر والأشياء والمعايير والثقافة والقيم على حد سواء.. سوق كونية تتلاشى فيها الاختلافات والتنوعات الثقافية، التي كنا نعتبرها، حتى وقت قريب، مصدر غنًى، لفائدة ثقافة واحدة، هي ثقافة التنافس التي تُنَظِّر لها وتدعمها تيارات فكرية واقتصادية تتغذى من التأويلات الجديدة لنظرية التطور وفكرة البقاء للأصلح والأكثر قدرة على المنافسة والتكيف.. إلخ، إذ يتحوَّل العقل إلى مجرد أداة وظيفية صرفة مكرِّسةٍ للقوة والربح والرفاه المادي وليس لاحتضان قيم المشاركة والتضامن الإنساني.
في الواقع، تَتَّخذ البربرية اليوم أشكالاً لا حصر لها يمكن إجمالها على النحو التالي: إجماع الطبقات الحاكمة، مدعومة بجيوش من الإعلاميين والمثقفين والاقتصاديين، على فكرة صراع الحضارات التي يمكن أن تضع الكوكب على شَفى حرب عالمية يمكن أن تشنها الحضارة الغربية ضد أعدائها. كما تبدو في إنتاج إنسانية (جماهير) زائدة عن الحاجة ينبغي التخلص منها؛ تتمثل في جيوش العاطلين عن العمل، والمشردين، وسكان الضواحي غير المعترف بها كمواطنين ينتمون إلى أرض، إضافة إلى جيوش أخرى من فقراء يعانون الجوعَ وسوءَ التغذية في كل مكان من العالم، علاوة عن اللاجئين الهاربين من الديكتاتوريات السياسية أو من الفقر، دون أن ننسى المشكلات المناخية وما يتصل بها، وسياسات عدم المساواة والاستغلال والتطرف. كل هذه المظاهر مجتمعةً تتضافر لترسم صورةَ كوكب البربرية، وَفق تعبير أندريه توسيل، الذي قاد إليه نمط الإنتاج الرأسمالي المُعولم. ومن هنا أهمية ألا نَقْصر تحليلنا للبربرية على تجلياتها الثقافية وحسب؛ بل ينبغي الذهاب أبعد من ذلك، من خلال التركيز على البربرية الداخلية الراسخة في الثقافة وفي النمط السائد للإنتاج والاستهلاك، وفي الخلل البنيوي الذي تعانيه المؤسسات السياسية والقانونية التي كان من المفترض أن تمثل ضماناً للحقوق والحريات. لكن ما يحصل اليوم يُبيِّن أن الغرب قد تخلَّى عن وعد الأنوار بمزيد من الحريات والحقوق والرفاه والتقدُّم للإنسانية جمعاء لفائدة توجهٍ آخر أفضى، في النهاية، إلى نشأة همجية داخلية غير مسبوقة تولَّدت بفعل تضخم الفردية وانغلاقها على ذاتها وتَخَليها عن الكوني وتحوُّلها إلى مجرد صورة لذات فارغة أو عقل عاقر منفصل عن عالم الأشياء وعالم المعنى على حد سواء.
إن النظام الذي يُمارس البربرية يسوغ أفعاله من خلال الادعاء بأنه يقود صراعاً مناهضاً للبربرية، أعني ضد أولئك الذين حولهم، بفعل ممارساته، إلى برابرة جُدد يهدِّدون المجتمع وأمنه واستقراره. بهذا المنطق يسير نفاق الديمقراطيات الحديثة التي أدركت باكراً حاجتها إلى إنتاج وحوش خارجة عنها كيما تُسَوِّق نفسها كديمقراطيات وكيما تخفي العنف المُؤَسِّس لها، وتبدو بمظهر الحامي للمجتمع والإنسانية جمعاء. فهي لا تتوقف عن إخافة الناس من البرابرة الذين لا تكف عن إنتاجهم على نحو دائم من خلال إنتاج ظروف معيشية بربرية كما أشارت حنة أرندت في كتابها “الحالة الإنسانية”.
إنهم يتظاهرون بالدفاع عن الحضارة من أجل إخفاء همجيتهم على نحو متقن. إن الاختبار الذي تواجهه الثقافة الغربية اليوم، يتمثل في قدرتها على خلق الشروط التي تتيح فهمَ ومواجهةَ مختلف صنوف البربرية الداخلية التي تختزنها، في الخطاب كما في الممارسة، والتحكُّمِ فيها عِوَض البحث عنها لدى الآخرين. إن المقاربة الفلسفية، المستندة إلى نظرة نقدية وأخلاقية، تعلمنا أن نرى إلى البربرية في صورة انتصار الصحراء على الواحة، كما تعلمنا النظر إلى الحضارة في صورة بناء تشيده الإنسانية بقرب الحدائق، حدائق المعنى؛ حيث تقيم إنسانية الإنسان وكرامته. ودون ذلك، سيبقى الغرب أسير بربريته السعيدة وَفق تعبير كامو.