يَصيرُ الفرد حرًّا حينما يمتلك ناصيته ويكون سيّدًا على نفسه لا سيدَ غيره عليها؛ تلك “حرّيّةُ الأوّلين” أو حرّية القدامى. ويكون الفرد، كذلك، حرًّا حين يستقلُّ بشأنِه الخاصّ: بتجارته ومعامَلاته مع أقرانه في المُجتمع وحياته الخاصّة؛ وهذه “حرّيّة المحدثين” أو الحُرّيَّة الخاصّة، وهي درجةٌ أعلى من “حرّيّة القدامى”؛ أي من مجرّد الانعتاق من ربقة استعباد لشخصٍ أو جماعةٍ. غير أنّ مدارج الحرّيّة تجاوزت صعيدها القديم والحديث مُتطلعةً إلى تمكين الفرد من استقلاله وسيادته العامّة بما يمَكِّنه من المشاركة في صناعة ما يسري عليه من تشريعات، وتقرير مصيره الخاصّ والعامّ، وتلك حرّيّةٌ عامّةٌ تحمل الفرد على الفاعليّة السياسيّة والمواطنة.
هكذا، وبعد أن حقَّق الفرد -إلى حدٍّ بعيد- سيادته على ذاته، وتجسَّدت فيه الحرية بمعناها الكلاسيكيّ؛ أي بحُسبانها مقابلًا للعبودية، أدرك أن حريته هذه تظل منقوصةً إذا ما أعوَزتها سيادته على ملكيّته وعلاقاته داخل المجتمع. لذلك توسّع مجال الحرّيّة ليشمل، فضلًا عن السّيادةِ على الذّات، السّيادةَ على المجال الخاصّ. لكن الفرد ليس في مُكنه العيش في استقلالٍ خارجَ كيانٍ اجتماعيٍّ سياسيٍّ؛ هو الدولة بلغة عصرنا -إلّا إذا كان إلهًا أو حيوانًا كما ذكر أرسطو- ولهذا الكيان العامّ حاجاته ومصالحه، التي قد تَقضِمُ من المجالِ الخاصِّ للفرد ومصلحته. لذلك كان على الفرد، في مسعاه إلى استكمال سيادته، إدراك لحظةٍ ثالثةٍ من الحرّيّة؛ لأنَّ طريقَ تأمين سيادته الخاصَّة تمرّ -حُكمًا- من حيازة حرّيّة عامّة؛ أي الحق في تقرير معنى الصالح العامّ والمشاركة في صناعته. إذا ما سلمنا بأنَّ الفردَ، في لحظته الحديثة، قد قطع أشواطًا في طريق القضاء على العبودية بمعناها الكلاسيكيِّ، فإنّ للعبودية تجلّيَاتها الحديثة، وأظهرها العبوديّة للمال والسلطة. على الرغم من حيازة الفرد نصيبًا من الحرِّيَّاتِ الخاصَّة والعامَّة إلّا أنّ سيادتَي الفردِ الخاصَّة والعامَّة لا تزالان مَوضع توتُّرٍ وتخضعان لامتحان سُلطتَين بارزتَين: سُلطة المال وسُلطة السياسة. وبين السلطتَين جدليّةٌ قديمةٌ قِدَمَ تاريخ الممارسة السّياسِيّة، ما انقطعت إلى أيّامِ النّاس هاته. لطالما كانت صِلَةُ المُلك (=الثروة) بالمُلك (=الحكم) وطيدةً بالأمسِ، تمامًا كما هي صلة الاقتصاد بالسّياسة اليومَ.
ولعلّ أظهرَ التّهديدات على الحُرّيَّة كامنٌ في اختلالِ الصّلة تلك بين المجالَين: مجالُ السّوق والبيع والشّراء والرّبح والخسارة والمصلحة الجزئيّة؛ ومجالُ الدّولَة والقانون والحقّ والواجب والصّالح العامّ. ما من شكٍّ في أن فكرة الحرّيّة كامنةٌ في المجالَين: الاقتصاد والسياسة؛ إذْ من غير المُمكن تصوّر سوقٍ تنتفي فيها حرّيّة التّعاقد والتّبادل والعرض والطّلب. تبدو الحُرّيَّة الخاصّة ضرورةً لاقتصادٍ سليمٍ، غير أنّ انفلاتَ السّوق من كلِّ عقالٍ يُهدِّد الحُرّيَّة الخاصّة نفسها. ماذا يُمكن أن ينجُمَ من حالٍ كهاته غير تركُّز الثّروة في يد قلّةٍ وخضوع الفرد والمُجتمع للقلّة تلك؟ لا بدّ، إذن، من سُلطانٍ يكبح جماح السّوق من ابتلاع الحيّز الخاصّ والعامّ على السّواء. ولن يُضاهي سُلطة المال ويُقارِعها غير سُلطان السياسة. والسّياسة ما كانت، هي الأخرى، في غَناءٍ عن قيمة الحُرّيَّة. السياسةُ من دون حرّيّة عُنفٌ غيرُ شرعيٍّ، إذا ما عرّفناها على نحو ما فعلت حنّة آرندت. غير أنّ الحُرّيَّةَ المعنيّة، هنا، حُرّيَّةٌ عامّةٌ تحمل الفرد على الصّيرورة مواطنًا فاعلًا؛ حُرّيَّة تُوجِّه أشرعة الفردِ باتجاه رياح الدّولَة وصالحها العامّ، وتُلجمُ أنانيّته الخاصّة. على ذلك يتمايز في الحُرّيَّة الفرديّة نِصَابان على درجة عالية من التوتّر: خاصٌّ تُمَثّلُهُ الحُرّيَّة الخاصّة، ومجالها الواسع السّوق، وعامٌّ يتجسّد في الحُرّيَّة العامّة، وميدانها السّياسة. وتبدو الحاجة إلى الحُرّيَّة، في كلّ من الاقتصادِ والسّياسةِ، جدليّةً وعكسيّةً: إذا ما طفح منسوبُ الحرّيّة الاقتصاديّة يقع الانحراف من خدمة المصلحة الخاصة إلى الضرر بها، إلى فُحشِ الثّروة وتركُّزها واتّساع الفوارق الاجتِماعِيّة. يمكن أن يأتي نِصَابُ الحرّيّة في الاقتصاد على حساب نصيبها في السياسة، إذا ما استحالتِ الثروة نفوذًا مُضمرًا ضاغطًا على القرار السياسيّ أو مُتحكّمًا فيه صراحةً. حينها تسري في الدولة شريعةُ البقاء للأغنى وتخضعُ السياسة لقانون العرض والطلب. وأوّل ما تطلُبه “السوق السّياسِيّة” قيمة الحُرّيَّة نفسها، تحديدًا الحُرّيَّة السّياسِيّة أو العامّة؛ فلكي تُحكِم السّوق قبضتها على القرار السّياسِيّ لا بدّ لها من تحييد الحُرّيَّة السّياسِيّة؛ لأن الأخيرة تُغلِّبُ سُلطة السّياسي على الاقتصاديّ. أمّا السياسة، فينجمُ الاحتكارُ والاستبدادُ فيها من “داء” فقْر الحُرّيَّة في الميدان العامّ؛ أي من ضَعفِ منسوبِ الحُرّيَّات العامّة: حرّيّة المُشاركة والتّمثيل والاختيار والمعارضة… إلخ.
ولهذا عقابيل على السوق وعلى الدولة على السواء. حين تُحشَرُ السياسة في تفاصيل السّوق وجزئيَّاتِ الحياة الخاصّة للأفراد يؤول الأمر -كما آل بالفعل في بعض التجارب- إلى نفيِ الدّولَة للفرد والسوق والمُجتمع. على هذا النحو، إذن، يقودُ اختلال منسوب الحُرّيَّة بين ميدان السياسة وميدان الاقتصاد إلى تسخير أحدهما خدمةً للآخر: استثمار الثَّروة للتحكم في السياسة وإضعاف الدّولَة، أو توظيف للسّلطة السّياسِيّة في السيطرة على الاقتصاد وتوجيه للسّوق إلى إعادة إنتاج السُّلطَة القائمة. نخلصُ، ممّا سلف، إلى أن الحُرّيَّة الفرديّة تتمظهر في وجهَين بارزَين، وعلى نحوٍ يبدو عليه التَّعارض. تُفصح الحُرّيَّة عن ذاتها في المجال الخاصّ بغرض تحقيق درجة قصوى من المصلحة الخاصة وإشباع حاجاتها. لذلك جَسَّدَتِ السُّوق ميدانَ العرض الأنسب لإشباع الطّلبِ على الحاجات والخدمات الخاصّة، واتّصلت الحُرّيَّة الخاصّة بالاقتصاد. غير أن الفرد أدرك، منذ بواكير الحداثة، أن نيلَ مطلب الحُرّيَّة الخاصّة مُتعذِّرٌ من دون حرّيّات عامّة يحتازها الأفراد على نحوٍ من المساواة، حرّيّات تكفل لهم تأمين مصالحهم الجُزئية، لكن أيضًا -وخاصَّة- كبحُ المصالح تلك من أن تنال من الحرّيّات العامّة. ليس صحيحًا أنّ عائداتِ الحُرّيَّة الخاصّة أو الحُرّيَّة الاقتصاديّة تؤول، جُلُّها، إلى الفرد وحيّزه الخاصّ، وأنّ فوائد الحرّيّة العامّة أو السّياسِيّة تصُبُّ في خزائن المُجتمع والدولة لا الفرد. خلفَ التّمايز الظّاهر في معنى الحرّيّة، بين صعيدَيْها الخاصّ والعامّ، تكاملٌ بل ارتهانٌ متبادلٌ. هل في الإمكان للمصلحة العامّة لدولةٍ أن تجد سبيلها إلى التحقّق وأفرادها تُعوزهم الاستقلاليّة، ومسلوبةٌ حرّيّاتهم الخاصّة؟ كيف يصنع هؤلاء إرادةً عامّة وهم من دون إرادة؟! الحرّيّة الخاصّة، إذن، ضرورة للحرّيّة العامّة. في المقابل، هل يمكن للمصالح الخاصّة الجزئيّة، شديدة التّعدُّد والتّعارض، الانتظامَ من تلقاء نفسها وتحصين ذاتها من الفوضى والاحتراب؟ ألن تقودَ سوقٌ منفلتةٌ من كلّ وازعٍ إلى تمزيق وحدة المُجتمع وتماسك الدّولة؟ الحرّيّة العامّة، بالتالي، شرطٌ للحرّيّة الخاصّة. يعثر هذا الطّرح التّوفيقيّ بين وجهَي الحرّيّة على إمكان تحقّقه في فكرة المواطنة. الارتقاء بالفرد إلى منزلة المُواطن ارتفاعٌ به من أنانيّته الضيقة إلى رحاب مصلحةٍ تَعُمّ عموم المُجتمع. على ذلك، يكون في مُكْنِ المُواطن المُشاركة في صناعة إرادةٍ عامّة، من دون الضّرر بمصالحه الجزئيّة، فيُصيبُ هدفَي الحرّيّة (العام والخاصّ) بسهمٍ واحدٍ: سهْم المواطنة. غير أن الأطروحة التّوفيقيّة هذه، التي تجعل من المُواطنَة مفتاحًا لمعضلة المصلحة بين الفرد والدّولة، تبدو على درجةٍ من المِثاليّة؛ إذْ لا مفرَّ من لحْظاتٍ تتعارضُ فيها المَصلحتان الفرديّة والجماعيّة، وتتنابذ فيهما الحُرّيّتان الخاصّة والعامّة. ما العمل إذن؟
عندَ التّعارضِ يصيرُ التّرجيحُ ضرورةً ليس في المُكن تلافيها. يقوم الترجيح هذا على خيارَين، فحسب، لا ثالثَ لهما: تغليبُ الحرّيّة الخاصّة على العامّة أو العكس. وقد أوْمأنا أعلاهُ إلى نتائج كلٍّ من الخيارَين. إذا كان ثمنُ الحرّيّة الخاصّة الضّرر بالمصلحة العامّة للدّولة، بينما كُلفة المصلحة العامّة قَضْمٌ من حُرّيّة الأفراد الخاصّة؛ فإنّ أيلولة التَّرجيح ينبغي أن تنحازَ إلى العامّ لا إلى الخاصّ، لا بدّ من تغليب الجماعة على الفرد والدّولة على السّوق؛ لأنّ جبْرَ ضَرَرِ المصلحة الجُزئيّة مُمكِنٌ وآثاره على الحيّز الخاصّ محصورةٌ، بينما الضّرر بالصّالح العامّ أَكْلافُ جَبْرِه باهظةٌ وعواقبه تطول صَعِيدَي الحرّيّة العامّ والخاصّ، وتنال من استقلاليّة الفرد وسيادته.