يقول ضابط الاحتياط في الجيش “الإسرائيلي” جاي جروسمان (طُلب منا تفتيش منزل، وتفتيشه يعني اقتحامه فجراً، وسحب الأطفال النائمين من أسرتهم، وحشر أفراد الأسرة في ركن ضيق من المنزل. يومها كان هناك طفل رضيع في السرير، بمجرد أن فتح عينَيه ونظر إليَّ مبتسماً، حتى صوبت فوهة البندقية إلى رأسه). ثم يضيف: (الناس لا يعرفون حقيقة ما يجري هناك، أننا نطارد الأطفال بالدبابات في الشوارع. يا له من عار. إنها الآلة الدعائية الإسرائيلية التي تعمل على مدار الساعة، لتصدر لنا الخوف من الفلسطينيين؛ لذا كان يجب أن نقتلهم لأنهم خطر على الأمن، ولأنهم حين يكبرون سوف يلقون بنا في البحر. اليوم أنظر في المرآة وأقول: مَن أنا وكيف كنت أفعل ذلك؟).
هذه إحدى الشهادات التي وردت في كتاب (التمرد.. الصادر مؤخراً في تل أبيب بقلم رونيت شاشام)؛ وهي واحدة من عدة شهادات أدلى بها ضباط رافضون ممارسات جيشهم، والذين استطاعوا أن يحرروا أنفسهم من تأثير أبشع أنواع العنصرية والإرهاب وجرائم الحرب؛ حيث وقعوا وثيقة أحدثت زلزالاً في إسرائيل، وقد أطلقوا على أنفسهم بالعبرية اسم (أوميتز ليسارف)؛ أي شجاعة الرفض، وفي لحظة صدق مع النفس، فضحوا مسؤوليهم، ليؤكدوا أن الخطر الحقيقي عليهم يكمن في الشائعات الهستيرية، أو على الأقل في الدعايات التي كان يقصد منها أن تسبب الهستيريا، فحكوماتهم خلقت في عقولهم انطباعاً بأن الشعب الفلسطيني وحش أسطوري، هذه الكراهية هي التي كانت تحرك فيهم طاقة بدائية غريزية؛ لذا لا بد من زيادة هاجس الخوف، واستخدامه من قِبل قياداتهم إلى أبعد مدى يتفق وهذه الغاية، إلى ذاك الحد الذي يجعلهم خاضعين أو مخدوعين بتشخيص مغلوط لمصادر الخطر الحقيقي، عملاً بالمثل الصيني: (مَن يرتعد يطيع). إنها عقيدة الخوف، وهي نهج تبتدعه العقلية الصهيونية؛ ليس فقط مع مستوطنيها وجنودها، وإنما لجذب اهتمام العالم بأسره، وهذا ما نوهت به الشاعرة فدوى طوقان، عندما كتبت قصيدتها (آهات أمام شباك التصاريح)، لتتفاجأ بنشرها في إحدى الصحف الإسرائيلية: بعنوان (شاعرة في القرن العشرين من أكلة لحوم البشر). فانتشر خبر القصيدة في إسرائيل كقصيدة سيئة السمعة، وتلقت بعد ذلك فدوى طوقان الكثير من رسائل التهديد بالقتل، ووصفوها بآكلة الأكباد. وتضيف الشاعرة: لعل أكبر نكتة تتصل بالقصيدة رديئة السمعة هي كما قيل لي: إن بعض المستوطنين حين كانوا يدخلون مطعماً في إسرائيل كانوا يطلبون قائمة طعام فدوى طوقان (يعني صحن الكبدة). وحين سُئلت الشاعرة من قِبل الصحافة الإسرائيلية عن قصيدتها تلك، فأجابت بسخرية: هذه قصيدتكم، هذه همجيتكم، فالمقطع الذي وصفتموه بالهمجي مأخوذ من قصيدة لشاعركم القومي الصهيوني (مناحيم ببالك): أناشيد (باركوخبا). لقد استغل الحكام الصهاينة فكرة الخوف، وزرعوها في مستوطنيهم، ليبقوا شعبهم في شبه “وحدة وطنية”.
إنه النهج البدائي للولاء للقبيلة الصغيرة، والطريقة الغريزية للتماسك الاجتماعي؛ وهي وحدة الإكراه، لأن الخوف في جوهره نفي للأساس القائم على التوازن النفسي، وبالتالي خلق مبرر للإفراط في استخدام القوة، ولقتل الفلسطينيين، وتشريدهم وهدم بيوتهم وتعذيبهم تعذيباً لا إنسانياً، ولا شرعياً، ولا قانونياً، لذا لا بد من تغذية هذا الشعور وتضخيمه كي لا تفقد القيادات الإسرائيلية زمام الموقف؛ لأن إثارة أي شعور آخر غير الكراهية والخوف سيؤدي إلى عواقب وخيمة .فالبشر جنس يخاف أعضاؤه بعضهم بعضاً، أكثر من خوفهم من بيئتهم الطبيعية ومن الحيوانات المفترسة، ومن الجوع والعطش، حسب دراسة عالم النفس الفرنسي (جاك لاكان): فالعدو في القطيع الحيواني يأتي من خارجه، أما في القطيع الإنساني فيكمن في داخله. يقول الضابط (شاماي ليبوفيتز)، وهو حفيد المفكر اليهودي الذي دعا إسرائيل إلى التخلي عن احتلال أراضي شعب آخر عقب انتهاء حرب (1967): إننا كنا نقتل الكثير من الفلسطينيين على سبيل الخطأ، ومثل هذه الأمور تحدث يومياً دون أي شعور بالأسف. لقد كانت غاية مؤسساتهم العسكرية هي صناعة الخوف لمستوطنيهم، وفعل كل ما يلزم من تشريعات لدفع جنودهم للقتل دون أوامر. ومن المؤكد أن التعليم المتطرف الذي تلقاه في المدارس، كان يعزز لديه مشاعر الخوف من أن يُباد من قِبل الفلسطينيين، فالنظام التعليمي في إسرائيل يغذي مشاعر الخوف المرضي من الجميع، ويردد أن العالم كله يقف ضدهم، ويصف الفلسطينيين بالغرباء، كما أنه تم استغلال التوراة في تعزيز العنصرية والتطرف الفكري، من خلال تشويه النصوص الدينية. والأمر لا يقتصر على النظام التعليمي، فكذلك هو النظام القضائي، حتى إن الضابط راح يقارن بين قضاة إسرائيل وبين قضاة (آخاب) في (مملكة الشر)؛ فالقضاة جزء من النظام يتعاونون مع المدعين لممارسة أبشع أنواع الظلم، حتى إنه شبه عناصر الجهاز القضائي بماكينات المياه الغازية، تضع فيها عملة وتخرج لك ما تريد.
لقد أصبح القتل فعلاً لطيفاً، والعذر هو الخوف الذي يستدعي فوران البهيمة البدائي، لكن هذه الأساطير الزائفة لا يمكن تبديدها إلا بالمواجهة الحقيقية، وهذا ما حدث في معركة طوفان الأقصى، حيث ظهر كيف تعامل كلا الطرفَين مع الرهائن والمعتقلين، ومَن يتابع الفيديو الأكثر انتشاراً على مواقع التواصل الاجتماعي للرهينة العجوز التي أطلق القسام سراحها مبكراً، لاعتبارات إنسانية، كيف كانت ملامح وجهها وهي تودع مقاتلي القسام، تنم بنظرة تقول: أنا لست خائفة منكم. لقد طفت على السطح كل الصور الوهمية التي غشت عقول المستوطنين. لقد رأيناهم يخرجون في الشوارع يواجهون حكومتهم. لقد ساعد طوفان الأقصى على التغيير النوعي في مفاهيم المجتمع الإسرائيلي، وقد توطدت المشاركة الوجدانية التي ربطت الناس بعضهم بالبعض الآخر. إنه تحدٍ صعب لحكومة الاحتلال، كل ذلك سيجعل مجرى الأحداث مختلفاً تماماً عما كان مخططاً له، ولهذه الأسباب كل النبوءات حول مستقبل الكيان الإسرائيلي ليست إلا خرقاً، سيصل إلى استخدام القوة المفرطة مع المستوطنين المشبعين بالتزمت الديني.
لا شك أن تصحيح التاريخ من سردياته الدينية والسياسية الزائفة هو بداية لتحقيق العدل الإنساني، وكذلك هو تصحيح الواقع من الوهم. لقد فُرض الخوف من الفلسطيني فرضاً، مثلما فرضت الحربُ الحصارَ والتجويعَ والتشريدَ على الفلسطينيين الذين يقاتلون ببسالة من أجل حريتهم.