لم يظهر جدل القومي/ الوطني في تاريخ الفكر السياسي الحديث كما ظهر في العالم العربي؛ لأن الوطني والقومي في الدولة الأوروبية الحديثة (دولة ويستفاليا) كانا يعنيان شيئاً واحداً، فبعد صلح ويستفاليا تشكَّلت الدول على أساس قومي، وحصلت الأمم المتشكلة في ذلك الوقت على دولة معترف بها.
كان المَعلم الأساسي للدولة الحديثة التي تشكلت في القرن السابع عشر، يتمثل في كونها دولة أمة. وفي بداية القرن العشرين اتفقت دول الانتداب على مصادرة فكرة دولة الأمة من العالم العربي، وعلى الرغم من أن سكان الوطن العربي تنطبق عليهم كل العناصر التي تجعل منهم أمة واحدة؛ فإن ما تمخضت عنها اتفاقية سايكس- بيكو هو دولة من شكل جديد؛ هو شكل الدولة القطرية. كان هذا الإجراء بمثابة نقضٍ للعهود التي قطعتها بريطانيا للشريف الحسين بن علي، بإقامة دولة واحدة تشمل الأمة العربية، ويكون الحسين ملكاً عليها، والذي كان قد لقب نفسه سلفاً بملك العرب. هكذا نشأ هذا الصدع الكبير في الوطن العربي بين تطلعات وحدوية عروبية للعرب، وبين واقع دولة قطرية وطنية لا تكاد تمتلك أبسط مقومات الوجود والاستمرار في عالم تتسيد فيه الدولة الأمة. حصل العراق بعد الحرب العالمية الأولى على دولة تم تجميعها من تركة الدولة العثمانية والمكونة من ولايات بغداد والبصرة والموصل.
ظلت بريطانيا طوال هيمنتها على العراق تدعم التوجهات التي تعتبر أن العراقيين يشكلون أمة. وعلى الرغم من الصراعات العرقية والطائفية والإثنية التي فتَّتت كثيراً في عضد الدولة الوليدة؛ فإن ذلك لم يغيِّر قيد أنملة من خطط الإنكليز تجاه العراق، لأن المصالح البريطانية كانت هي التي تتحكم برسم خريطة المنطقة. ويبدو أن السنوات الأولى من حكم فيصل الأول واجهت تحديات مفصلية في ما يتعلق بفكرة تبلور أمة عراقية بالمعنى الحديث للأمة، والدليل على ذلك أن الملك فيصل الأول كتب مذكرة للإنكليز، يبدي فيها يأسه التام من بناء دولة أمة في العراق، بسبب عدم تبلور شعور وطني عراقي جامع بين العراقيين، وأنهم ما زالوا مجاميع بولاءات عشائرية وطائفية وإثنية.
وعلى الرغم من ذلك، فلم تتراجع بريطانيا عن خطتها في تكريس العراقيين بوصفهم أمة، والمضي قدماً في تكريس الشعور الوطني العراقي الذي التزم به فيصل الأول إرضاء لبريطانيا. ولم تختفِ الطموحات الوحدوية العروبية من الحياة السياسية في الوطن العربي؛ حيث ظهرت هذه التوجهات في أغلب البلدان العربية مع وجود تباين واضح في شدة هذه التوجهات بين قطر عربي وآخر. لنقل إن هذه التوجهات كانت أكثر قوة في العراق نظراً لوجود دعاة ذوي فكر متماسك لفكرة العروبة بوصفها نظرية سياسية مكتملة. كان للقومي العروبي ساطع الحصري والتربويين الذين تم استقدامهم من سوريا ولبنان وفلسطين، أثر كبير في بلورة تيار قومي عربي في العراق. مكث هؤلاء التربويون القوميون العروبيون طوال حقبة العشرينيات والثلاثينيات وبداية الأربعينيات. ولكن فشل ثورة مايس ذات التوجه القومي أجبر الحصري على مغادرة العراق. وبالمجمل لم يكن الإنكليز راضين عن نشاط القوميين الشاميين في العراق. على صعيد متصل، بادرت بريطانيا إلى تطهير الجيش من القوميين العروبيين الذين تعاظم نفوذهم إبان حكم الملك غازي، الذي توسع في منح الضباط ذوي النزعة العربية مناصب قيادية، وقد أغضب ذلك بريطانيا التي يُعتقد أنها وراء اغتياله. وعلى الرغم من مغادرة هؤلاء القوميين الشاميين العراق؛ فإن التيار القومي كان قد ترسخ في العراق وأصبحت له دعاة من العراقيين لا يقلون حماساً من الرواد الشاميين. ويمكن القول إن عبد العزيز الدوري كان أهم الشخصيات الفكرية ذات النزعة القومية العروبية. تفجر الصراع بين التوجه القومي العروبي والتوجه الوطني العراقوي في أوضح صوره إبان الحقبة القاسمية. وعلى الرغم من أن كليهما لم يواجه أية عوائق إبان هذه الحقبة نظراً للديمقراطية والمرونة التي أبداها قاسم ونظامه تجاه حرية الرأي؛ فإنه بدا واضحاً أن قاسم كان يدعم التوجه الوطني العراقوي، والذي حدا به لإعطاء الشيوعيين دوراً متعاظماً في إدارة الدولة والمجتمع. ثمة فترة في الحقبة القاسمية أطلق عليها البعض بالفترة الحمراء، نظراً لهيمنة الشيوعيين على مفاصل الدولة والمجتمع. ومن غير الجلي لماذا كان الشيوعيون العراقيون يحاربون التوجه العروبي، مع أن جلهم كانوا يؤمنون بالفكر القومي، ولكن تبعيتهم للمركز السوفييتي ربما جعلتهم ينزعون نزوعاً وطنياً عراقياً ويهملون القضايا القومية. في سياق الصراع المتنامي بين التيارَين السابقَين ظهر كتاب مهم للمفكر القومي العراقي عبد العزيز الدوري (والذي كان من ألد أعداء نظام قاسم) تحت عنوان مثير للجدل هو “الجذور التاريخية للشعوبية”، والذي بدا واضحاً أنه نقد وتفنيد للأسس التي يقوم عليها التيار الوطني العراقوي الذي بدا أن قاسم يدعمه في العراق.
وعلى الرغم من أن الدوري في هذا الكتاب يشخص أسباب انهيار الدولة العباسية، والتي يرى أن الشعوبيين من ذوي الولاء الإيراني هم الذين تآمروا على هذه الدولة وأسقطوها، مهملاً عوامل الوهن والضعف الداخلي؛ فإن الإسقاطات السياسية المعاصرة لم تكن غائبةً في سياق الترويج لهذا الكتاب. والدليل على ما سبق أن هذا الكتاب قد تمت إعادة طباعته في مطلع الثمانينيات كنشاط إعلامي دعائي مضاد لثورة الخميني، ولفت الانتباه إلى أطماع إيران وأعوانها من الشعوبيين في جغرافيا الوطن العربي. كان الهدف الأساسي من تأليف هذا الكتاب هو الطعن في شرعية نظام عبد الكريم قاسم، واعتبار أن نظامه هو نظام لا يدين بالولاء للعروبة، وهو غريب ثقافياً على المجتمع العراقي، أو أنه بصورة من الصور نظام شعوبي. وقد التصقت تهمة الشعوبية بشخص عبد الكريم قاسم ونظامه وتبناها البعث لاحقاً. على الضد من كتاب الدوري، ظهر في نفس الفترة كتاب مؤيد لنظام قاسم هو كتاب ذنون أيوب المعنون “للحقيقة والتاريخ: جمهورية 14 تموز في العراق ومفجر ثورتها ابن الشعب البار الزعيم عبد الكريم قاسم”. الميزة الأساسية لكتاب ذنون أيوب، والتي افتقدها كتاب الدوري هي الراهنية؛ حيث إن أيوب لم يتحدث عن تاريخ سابق كما فعل الدوري، بل إنه تحدث عن الإنجازات التي تحققت إبان الحقية القاسمية، مثل الإصلاح الزراعي والتوسع في التعليم والتطوير الحضري والقوانين الجديدة الخاصة بحقوق المرأة. وبسبب نزعته العراقوية الواضحة، لجأ ذنون أيوب إلى التاريخ العراقي القديم السومري والبابلي. ويبدو واضحاً أن ذنون أيوب يروج لتاريخ مختلف للعراق عن أقرانه العرب، محاولاً بذلك دعم التوجه الفيدرالي الذي كان قاسم يتبناه في مواجهة مشروع عبد الناصر الوحدوي. ولعل هذه المسألة هي التي باعدت بين نظام عبد الناصر ونظام قاسم وصولاً إلى القطيعة والنزاع. حاول أيوب في كتابه التركيز على التاريخ الزراعي للعراقي، ما يترتب عليه تأكيد دور الفلاحين المركزي باعتبارهم الفئة الأقل حظاً في المجتمع. وهنا يبرز إيحاء في غاية الأهمية وهو ارتكاز دعاة القومية العربية على فئة العشائريين ذوي العرق العربي الصافي كالهاشميين. وهنا يصبح الفلاحون من منظور أيوب بوصفهم الكتلة التاريخية التي ستقود التحولات القادمة في المجتمع العراقي.
يمكن النظر إلى عبد العزيز الدوري وذنون أيوب، بوصفهما مثالَين للمثقف العضوي، حسب التعبير الغرامشي، حيث ساق كل منهما حججه وشواهده، وبراهينه وتحليلاته لإقناع الشعب العراقي بصوابية النموذج السياسي الذي يطرحه. ومن اللافت أن هذا الصراع بين هاتين النزعتَين لم يتوقف؛ حيث نلحظ امتداده إبان العقد الذي حكم فيه أحمد حسن البكر. تبنى حزب البعث بعد تسلمه السلطة عام 1968 مشروعاً مثيراً للجدل ظهر تحت عنوان إعادة كتابة التاريخ، والذي يعني بالضرورة إعادة تشكيل الهوية السياسية العراقية، وإعادة إنتاج لمفهوم الشرعية والمواطنة والعلاقة الإشكالية بين الدولة والمجتمع. ويبدو أن هذا الحراك المتصل بإعادة تأويل التاريخ قد حقَّقَ نجاحاً في بناء أكثر الأنظمة استمراراً في الوطن العربي. ربما يكون النظام البعثي الذي نشأ بعد 1968 قد نجح في خلق موازنة بين الهوية القومية والهوية العراقوية. وقد بدا واضحاً أن نظام البعث كان يبحث عن دور ريادي في الإطار القومي العربي؛ خصوصاً بعد الفراغ الذي تركه رحيل عبد الناصر. كان صدام حسين قد عبر عن هذا التوجه المزدوج (القومي/ العراقوي) حينما كتب أنه ليس من الصواب مواصلة النظر إلى حقبة ما قبل الإسلام، نظرة سلبية أو أنها حقبة مخجلة من حقب التاريخ العربي، كما أنه ليس من الصائب إسقاط مقولات الصراع الطبقي على التاريخ العراقي (كما فعل الشيوعيون)؛ بل إن تحليل التاريخ يجب أن يخضع، حسب رأيه، للرؤية البعثية في بناء الأمة. والحقيقة أن هذا التوازن بين القومي والعراقوي ظل قائماً في الحقبة الصدامية التي استمرت قرابة ربع القرن. لقد أبدى نظام صدام اهتماماً متعاظماً بالتنقيب الآثاري؛ الكشف عن الحياة الثقافية لشعوب وحضارات بلاد الرافدين. لقد كان الهدف من كل هذا الجهد الاستثنائي هو سحب البساط من تحت الأنظمة السياسية في مصر وسوريا، والاستئثار بالريادة في قيادة المشروعات الوحدوية.