يُنسب قولٌ إلى عالم الاجتماع العراقي الراحل، علي الوردي: “سيأتي يوم ينتحر فيه العراقيون بكثرة”. في الغالب لا تناسب أقوالُ العلماء زمنَها ولا يمكن تداولها بين العامة كسردية نبوئية؛ لأنها قيلت في زمن سلطة كثيرة الحذر من هذه القراءات الكئيبة، كونها تحمل إشارة تنطوي على نقد لاذع لا يمكن التغاضي عن أهدافه السياسية.
مثل هذا القول أو غيره، وما تحفل به سرديات علماء وباحثين اجتماعيين على مر التاريخ، تقترب من النبوءة والاستقراء والاستشفاف المستقبلي، ولها ما يسوغها على صعيد التحليل الوظيفي الاجتماعي، حتى وصلنا إلى المستقبل؛ انطلاقاً من تلك المقولة لنشهد ما تنبَّأ به الوردي قبل أكثر من ثلاثين سنة مضت في تجربة العراق الصعبة. البحث في ظاهرة الانتحار في العراق، لا يُعزل عن مجمل حركية المجتمع في إطارها السياسي الجديد، الخاضع أولاً وأخيراً لعبودية الماورائيات التي يبثها رجال الدين أو مَن هم على شاكلتهم من الذين انتشروا في البلاد، مستغلين فسحة الحرية التي أعقبت سقوط النظام السابق، فرسموا مخططات ما يشبه التغييب العقلي والفكري والحسي، لمجموعات مُختارة بطريقة طائفية، لتكريس روح العبودية فيها. وبالتالي فإن الحرية المتاحة بعد 2003 تفاعلت معها آليات دينية متطرفة، ساقت الأغلبية من جوهر المجتمع وعمقه إلى ما تريده. الأغلبية هي الجماعات الموصوفة بأنها فقيرة، تلك التي تعتقد أن جوهر وجودها الميتافيزيقي ينظر إلى تسبيب الظواهر المحيطة بها، سواء أكانت حاضرة في المنطق الاجتماعي، أو التي تُستدعى من الماضي، لتكون أيقونة اجتماعية- جماعية في كينونتها وكيانها الشخصي، وبالتالي لا يمكن تفسير ظاهرة الانتحار إلا بموجب التحقيق في صحيفة المجتمع كله والبحث في خصائصه الجديدة التي ولدت مع التغيير السياسي، وهو يفرض نمطيته وخاصيته الدينية على وجه الخصوص، لتكون الأسئلة التقليدية: هل الانتحار مرض عقلي- نفسي، أم مرض مستقل لا علاقة له بمجموعة الأمراض الانتقالية والمقيمة؟ وهل هو اختيار قسري أم طوعي، أم هو ردة فعل على واقع مضطرب اجتماعياً، أم هو ضياع شخصي لوجود أسبابه الشخصية، أم له مسببات سياسية- دينية مشتركة؟ لا توجد في العراق مؤسسات بحثية مُحكمة ولا منظمات إنسانية متخصصة تُعنى بشؤون الإحصاء الإداري تشير إلى الأجوبة الممكنة، كما تشير إلى وقائع الانتحار وأسبابه وسبل الحد من انتشاره؛ بل تُركت مواجهته للشرطة المجتمعية التي تفتقر إلى الدراسات العميقة لهذه الموضوعات الخطيرة، وبعض الجامعات في أقسام علمَي النفس والاجتماع؛ لتحليل الظاهرة العراقية واسعة الانتشار بعد عام 2003.
وهذه الأطراف ليس لها برامج وأيديولوجيات علمية وطبية نفسية، تتحمل مثل هذا الضغط المنتشر في العاصمة بغداد والمحافظات العراقية. وهذا الاتساع للانتحار يظهر لأول مرة في العراق على مر تاريخه الطويل. يعاني العراق أزمات مصيرية داخلية وخارجية، فعدا الحالة الاقتصادية المتدهورة، وانتشار معدلات الفقر بشكل غير مألوف في بلاد نفطية غنية، وشيوع ظواهر الفساد المالي والإداري والأخلاقي، فإن تسلط الإسلام السياسي، له دور مباشر في قصم ظهر المجتمع من الطوائف كلها. وما يُسمَّى بالثيوقراطيين الجدد، فهؤلاء كانوا ولا يزالون أرضيةً للانهيار المجتمعي، وسبباً من أسباب تخلف البلاد وتدهورها السريع، وعلامة من علامات التقهقر للمجتمع العراقي الذي وجد فيها بعد الديكتاتورية، ما أوهم المجتمع برمته أنه أمام حرية مفتوحة، من دون وعي بأنها حرية ملغومة وعبودية جديدة، وطريقة معروفة للابتزاز الديني على حساب تحديث المجتمع وتطوره في المجالات كلها. وهذا ما ساعد المحتلين الجدد على تفكيك المجموعات الشعبية العامة والخاصة بالتدريج وضمان ولائها الأعمى، ومن ثم الإعلاء من شأنها على حساب المجموع العام، المتكون من ديانات وطوائف ومكونات صغيرة؛ رافده للنسق الاجتماعي العام. وبالتالي فإن التفتيت الاجتماعي والأخلاقي أعطى أضواء رمادية لتقزيم متطلبات الأغلبية وحصرها ضمن نطاق مذهبي، اتسع مع مرور عشرين عاماً على البلاء الديني الذي اجتاح العراق يميناً وشمالاً. وإذا كان المجتمع العراقي ذا منظومة عشائرية تاريخياً، فإن هذه المنظومة تضافرت مع المنظومة الدينية وتواطأت معها بشكل صارخ، بالوصف القائل إن الجنوب العشائري يتحمل أوزاراً كبيرة في ما آلت الأمور إليه. ويقيناً فإن التقاليد العشائرية المعروفة اصطدمت بالجديد من المتغير السياسي وحداثة المجتمع المغلق، وهو ينفتح فجأة على معطيات متفاوتة التأثير، مما أدى إلى نشوء اضطرابات علائقية في مجتمع رُسم له أن يتفكك تلقائياً، وأول هذه المعطيات هو التعاطي مع مفردات الحداثة الجديدة بتقنياتها الوافدة من دون التمهيد التدريجي لها. وهذا أعطى مؤشرات تالية في الهجرة الثانية والمتصاعدة من الريف إلى المدينة، مثلما كشف غلبة المصلحة الفردية على الجماعية، انسجاماً مع الفساد المالي الكبير الذي تمارسه النخب السياسية علناً، وهذا بدوره مزَّق لُحمة التضامن السابق، لينتمي إلى ولاءات خارجية أولاً، تعززها منابر الداخل الساعية إلى كسب ما هو ضامن لولاءات دينية جديدة على حساب العشيرة أساساً. وهذا أصلاً تسبب في هشاشة نفسية للأفراد، وأخرج العشيرة من أدوارها الوطنية المألوفة، وأبقى أفرادها متشبثين بفرص عمل أحلاها مُر، مما تتولَّد عنها آثار صحية ونفسية ومشكلات اجتماعية، تجعل المرء بعيداً عن دائرة الجماعة، أو ينضم إليها مُكرهاً تحت واجهات دينية معروفة. مع شعوره الذاتي بالفشل الذريع من أنه لم يتكوَّن بشكل اعتيادي في قوالب الدولة المعنية بإيجاد فرص العمل لجماعاتها الوطنية. يمكن أن نرصد بعضاً من العوامل الأساسية في مسألة الانتحار التي باتت مشكلة تهدد الأمن المجتمعي وتقوِّض وجوده النفسي والعصبي.
أولها: شيوع المخدرات بأنواعها ومسمياتها في العاصمة بغداد والمحافظات؛ لا سيما الجنوبية والفرات- أوسطية منها. وهذا النوع الفتَّاك الذي خلخل بنية المجتمع، وأضحى أحد أسباب الانتحار الفردي؛ لعدم القدرة على التمييز بين الواقع البائس والمستقبل المظلم. وقد أشارت وزارة الداخلية، منذ أيام، إلى أنها ألقت القبض (في عام 2003 فقط) على أربعة عشر ألفاً وثمانمئة وسبعة وخمسين متهماً؛ بينهم مئة وأربعون تاجراً دولياً. ويكفي هذا الرقم ليعطي صورة مخيفة عن تفسخ الحالة الاجتماعية ووصولها إلى مستويات دُنيا من العلاقة الهشَّة بين أفرادها.
ثانيها: خلقت الجرائم الإلكترونية معادلات مغلوطة في البناء الأسري؛ فالحرية المتاحة بعد 2003 لم تُقرأ بشكل صحيح في مجتمع أنهكته الحروب والمؤامرات الإقليمية، والفجوات السياسية التي أحدثها النظام السابق؛ مما خلق الكثير من الكبت النفسي والأيديولوجي الجماعي، والتوجس الاجتماعي من كل طارئ ومتغير، وبالتالي فإن المساحات المفتوحة في خريطة البلاد شابَها التباس أخلاقي وجندري، للتخلص من الضغوط اليومية المتراكبة، فجاء الإنترنت ومشتقاته من مواقع التواصل الاجتماعي ليستبيح البيوت، ويُخرج المكبوت من اجتماعيات العلاقات. وبسبب البطالة الطويلة، حدث ابتزاز النساء بطريقة إلكترونية وحشية ولا أخلاقية؛ بهدف الحصول على المال أو المبتغى الجنسي، فحدث الانتحار الشرفي من قِبل النساء؛ خوفاً من سلطة الأسرة والعشيرة وتوابعها المعروفة. لذلك تشكل نسبة الانتحار بين النساء الأعلى، حسب بيانات دوائر الشرطة في المحافظات.
ثالثها: أينما تحل دولة الدين الثيوقراطية، تحل معها الغيبيات والأفكار الميتافيزيقية، وتشيع فيها رمادية المستويات الدنيا من الوعي، بما يُسطِّح المستوى الذهني للعامة المتخبطين في هذه الغيبيات الشبحية ويسهل خداعهم، لإبقائهم رهائن ما يُسمى بالسادة أو الشيوخ الذين يتعاطون هذه الأفكار البالية، وبالتالي ففقدان الأمل مع الخسارات المادية، يؤدي إلى ردة فعل غير منضبطة، وهو ما يقود إلى التمرد التربوي والأخلاقي والوطني، عندها ينشأ التفكير بالقتل الذاتي، وما يُسمى بالانتحار.
رابعها: ترك انفتاح المواقع الإباحية من دون رقابة رسمية، الحياةَ الاجتماعية لتأخذ مناحي جنسية غير مباشرة، وأدى ذلك إلى تفسخ أخلاقي بين شرائح الشباب وحتى كبار السن؛ ما يعني إطلاق المكبوت الجنسي المحظور بطرق غير شرعية بين النساء والرجال، لذلك كثرت حالات الطلاق وما لازمها من عنف أُسري ليس من السهل إخفاؤه. وكذلك تورطت فتيات كثيرات في مثل هذا الانفتاح غير المألوف في الحياة الاجتماعية- العشائرية- المحافظة في زيجات وهمية، وأدى كل ذلك إلى اختصار الفضائح بالقتل الذاتي، فكان الانتحار وسيلةً من وسائل الهرب إلى الموت، بدلاً من الكوارث الاجتماعية المعروفة. إن الانتحار بالقرعة، وهو ظاهرة جديدة، منشؤها ديني- طائفي، وهي ظاهرة مخيفة في المجتمع العراقي. إنه الانتحار المقدس، وهو يوثِّق لمرحلة رمادية معتمة في التاريخ الوطني المعاصر بعد 2003، ففي العراق المفتَّت إلى طوائف ومقاطعات دينية، قامت بعض الحركات الدينية المتطرفة بتشريع منظومة خارجة عن العقل الجمعي، من خلال جماعة “القربان” المتطرفة، وهذه الجماعة تؤسس لسرديات موت طوعي، بعيدة حتى عن المنطق الديني المتعارف عليه.
وإذا ما كان في التاريخ القديم مثل هذه الظاهرة؛ فذلك له أسبابه آنذاك، ربما بسبب الهزائم في الغالب، ودرءاً للعار الذي تسببه النكسات والخسائر العسكرية، بما يُسمى بالانتحار الوطني عند الرومانيين، بوصفه ضماناً للحريات الفردية كما تبرره الفلسفة الرواقية، أو ما يصفه سقراط بالعمل الفضيل. ولو عُدنا إلى مسلسل “داعش” التخريبي الذي اخترق الأجزاء الغربية والشمالية من العراق، فسوف نجد أنه يستند -خارجياً- على تفويضات متأسلمة مشبوهة، بوصف الفرد يقوم بعمليات “استشهادية” لا “انتحارية”؛ لتختلط بذلك منظومة الدين بالسياسة، فالحكومة الدينية أو سواها من المسميات، لا بد أن تقوم على مرجعيات دينية، القرآن والسُّنة النبوية وأقوال الصحابة، لتقدم شرعيتها الوصفية والاعتقادية، باعتبارها تستمد شرعيتها من السماء، من دون أن تحتكم إلى معطيات الأرض وواقعها. وحينما يكون مصدرها ومرجعها “الله” تعالى عبر القرآن الكريم، تكون قد قطعت أشواطاً طويلة لاصطياد المغفلين من العامة، فالتفويض الإلهي، كنظرية قديمة منذ العصور الوسطى، لا تزال تعمل إلى هذا اليوم، والنظام الدوغمائي الذي يمثله الثيوقراطيون، بات من الفخاخ الصعبة التي تقتل الناس بالجوع والأمراض والقهر والإفلاس والفاقة والعوز والطاعة العمياء والموت، فجماعة القربان- العلاهية (الله العلي)؛ وهي من الحركات المهدوية؛ تفتدي أعضاءها قرباناً وأضحية إلى الإمام علي بن أبي طالب، كونها تؤمن بألوهيته وتغالي في عبادته، وهم من الشباب والمراهقين الذين لا يمتلكون تحصيلاً دراسياً، ومن الجهلة وسكنة العشوائيات ممن يعانون وضعاً اقتصادياً صفرياً، لذلك فإن جلد الذات في مواكب اللطم والعزاء هو أحد السبل التي يمارسونها على طريقة المتصوفين، تنتهي بالانتحار الطوعي عن طريق القرعة!
لا توجد إحصائية واضحة عن عدد المنتحرين في العراق ابتداءً من عام 2003 وحتى اليوم، لكن الكثير من المؤشرات الإعلامية الحرة، ومنافذ الشرطة في وزارة الداخلية، وتصريحات بعض المسؤولين فيها، تشير إلى اتساع حجم الكارثة المحلية، وإن كانت تعزوها إلى العوامل النفسية والاقتصادية والاجتماعية. لذلك كانت البيانات متضاربةً في تقدير أعداد المنتحرين.
في السنوات من 2003 إلى 2022 جاء الجدول الانتحاري التصاعدي كما يلي:
في عام 2003 بلغت 13 حالة.
في عام 2004 بلغت 31 حالة.
في عام 2005 بلغت 46 حالة.
في عام 2006 بلغت 51 حالة.
في عام 2007 بلغت64 حالة.
في عام 2008 بلغت 103 حالات.
في عام 2009 بلغت 95 حالة.
في عام 2010 بلغت 161 حالة.
في عام 2011 بلغت 253 حالة.
في عام 2012 بلغت 276 حالة.
في عام 2013 بلغت 439 حالة.
في عام 2015 بلغت 367 حالة..
في عام 2016 بلغت 383 حالة.
في عام 2017 بلغت 449 حالة.
في عام 2018 بلغت 519 حالة.
في عام 2019 بلغت 588 حالة.
في عام 2020 بلغت 644 حالة.
في عام 2021 بلغت 863 حالة.
في عام 2022 بلغت 1073 حالة.