تشكِّل الحكايات السلفية المتوارثة، مجمل هويات الجماعات والأفراد في بلداننا العربية، والمشكلة فيها أن ثقافة النقل الحفظية في المناهج المدرسية، ومواعظ رجال الدين الذين يملؤون المحطات والإذاعات، لا تحرض المتلقي على إعادة التفكير في هذه الحكايات وتخليصها من أبعادها الأسطورية وتلفيقاتها السياسية أو الدينية التي أُضيفت إليها عبر التاريخ؛ بل وقد تعاقبه بالحذف إن فعل.
وبالتالي فإنها تعمل على إعادة إنتاج الأنساق الثقافية السلفية التي أفرزت لنا كلَّ هذه الطوائف والإثنيات المتنافرة في ما بينها حتى ليمكن القول إننا ما زلنا نعيش تحت سقيفة بني ساعدة وعلى أرض معركة ذي قار وعين جالوت؛ حيث الحكايات ما زالت تجمعنا، ثم تفرقنا عن بعضنا، كما تقصينا عن العيش في زمننا الحاضر؛ فما زالت الحكايات والأساطير المؤسسة تشكِّل وسمَ العائلة والعشيرة والطائفة، حيث ينشأ الفرد في ظلها وتحت سطوتها، وهي في أغلبها حكايات فخر واعتزاز وألم وكراهية؛ بحيث يمكن القول إن الفردَ في بلداننا هو مجمل حكاياته النقلية التي توحده مع جماعته وتفرقه عن الجماعات الأخرى برواياتها المختلفة، ففي أوقات السلم والوفرة وسطوة السلطة/ تظهر حكايات المحبة والألفة بين المجموعات الدينية والعرقية والمناطقية، حيث يأخذ النفاق الاجتماعي طابعاً إيجابياً، وتغدو كما تغني فيروز (بلد الحكايات المبنية على المجد والألفة)، أما في حالات الخوف والشّح وضعف السلطات؛ فإنها تستدعي حكايات هولوكوستها التاريخي الخاص بها، حيث يلعب الرواة دوراً سلبياً في المجتمع؛ حتى ليمكن وصف سردياتهم المتلاعب بها، جيلاً بعد جيل، بالحكايات القاتلة التي تغذي ما تحتاج إليه الحروب الأهلية من شحنات عدوانية.
ويمكننا أن نتذكر ما كان يفعله معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية في دمشق، حين كانت تظهر قوة عشائر القيسية واليمانية على قوته، فيضربهما ببعضهما مستدعياً حكايات الثأر والحزازات القديمة بينهما قبل الإسلام؛ حيث قتل القيسية واليمانية من بعضهما في إحدى معاركهما بضاحية “المزة” الواقعة على تخوم دمشق، ثمانية آلاف مسلم في شهر واحد، وما زال الأمر يتكرر عبر العصور والأزمنة وصولاً إلى حروب لبنان وسوريا والعراق وليبيا واليمن الداخلية، فقد شكَّلت الحكايات لهيبَ الصراع الطائفي والإثني والطبقي لصالح السياسي، ذلك أن العرب يموتون؛ ولكن ألغام حكاياتهم تبقى راقدة في تراب الذاكرة إلى أن يتلقفها رجال السياسة في السلطة والمعارضة، وشرعيوهم المتصلون بالرب من دون أوراق اعتماد، فيعيدون صياغتها وتفجيرها بين الناس، فرواة السلطات ومعارضوها جاهزون دائماً للتلاعب بالسرديات وإعادة إطلاقها في إصدارات جديد، حتى ليمكننا أن نتخيل الحكايات وقد خرجت من أفواه الناس كرصاص قاتل بين الجماعات، أو كقُبل محبة بين أفراد الجماعة الواحدة المتحدة بسرديتها، ولطالما قرَّب الحكام العرب الرواة والشعراء والخطباء، وملؤوا فمهم بالدرِّ مثلما تفعل سلطاتنا العربية اليوم؛ حيث تقرب المثقفين والفنانين الذين يجمِّلون صورتهم، ويضخمون حكايات مجدهم في الصحف والمحطات وعلى الشاشات، وكذا تفعل قيادات المعارضة بالمثقفين والفنانين المناوئين، ولا تعدم أن تجد مَن يمولها خارجياً، فلكل حاكم عربي أعداء يرغبون في إزاحته، ويمولون أقلامَ معارضيه وألسنتهم للتلاعب بوعي الجماهير، حيث يكثر التلفيق وتنمو الأكاذيب المؤيدة والأكاذيب المعارضة إلى حدود اللا معقول، كما نرى في المحطات والمنصات العربية المأجورة، حيث تتراكم التلفيقات والأكاذيب مع الزمن إلى أن يغرق عموم الناس في لجتها وتقذفهم أمواجها المتلاطمة خارج حدود الأمان والأوطان، حاملين معهم حكاياتهم كقوقعة تمنعهم من الخروج والاندماج في مجتمعاتهم الجديدة التي تستقبلهم حكوماتها باسم الإنسانية، رغم معرفتها بعدم قدرتهم على التحرر من حكاياتهم وأصنامهم القديمة وفشلهم في التأقلم والاندماج، فهي تعمل على رعايتهم واحتضانهم للانتفاع بأولادهم الذين ستربيهم على ثقافة المواطنة، وتوفر تربة خصبة لنمو أشجارهم ونضوج ثمارهم، لتشكل بعضاً من قوة الدول الحاضنة التي تأخذ فيها المؤسسات الاجتماعية دورَ العشيرة والطائفة والجماعة؛ فلا يعود الناس بحاجة إلى قواقع تحميهم وتبطئ من تقدمهم نحو المستقبل، ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت شعوبنا مهيأة للحداثة ومنافسة مستعمريها السابقين، في ما تعلموه منهم في مجالات التعليم والإدارة والمواطنة، وكانوا جاهزين للتخلي عن حكاياتهم السلفية، الدينية والقومية، التي تعرقل تحقق دولة المواطنة.
فخرجت من بينهم موجات من الروائيين والمسرحيين والقصاصين وشعراء الحداثة، وكان جيل الستينيات مؤهلاً للدخول في واحة المواطنة، غير أن التحدي السياسي والعسكري الذي أوجده قيام الكيان الإسرائيلي المبني على الأساطير التوراتية، واستدعى وجود مقابل لها في الجانب المعتدى عليه، حيث تم استعادة حكايات الكراهية، واستدعى القوميون والإسلاميون العرب سردياتهم السلفية؛ لمواجهة روايات الصهاينة وأساطيرهم السلفية، وبات كلا الطرفَين يتغنى بحكايات الماضي المجيد والتليد؛ حيث نلاحظ كيف أن كلا الخصمَين، اليهودي والعربي، قد شكَّل أحدهما وجهَ الآخر خلال سبعة عقود من الصراع بين السرديات الإسرائيلية والسرديات العربية، وعرقل بذلك ثقافة الحداثة والمواطنة، وارتدت الحكايات السلفية على مجتمعاتها المستنجدة بها، حيث يعاني المجتمع الإسرائيلي بدوره كما تعاني مجتمعاتنا، مع فارق أن الكيان الإسرائيلي هو المجرم الذي شكَّل ردودَ فعل الضحية.
بالمقابل ننظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، المؤلفة من مجموعات عرقية كثيرة؛ نسيت لغاتها وحكاياتها القديمة، باستثناء فولكلورها التراثي، لتأتي هوليوود برواتها وكتابها وفنانيها ومخرجيها وتعمل على رواية وإنتاج حكاياتها الجديدة تحت شعار “الحلم الأمريكي”، حيث تمكنت من تسويق ثقافة أمريكية جديدة لتملأ فراغ مجتمعات متخففة من ذاكرتها العتيقة، ومن ثم في مرحلة لاحقة تعدت مرحلة تثقيف الشعب الأمريكي، وبرمجته على منطق أن القوة هي العدالة، لتروي حكايات الشعوب الأخرى من وجهة نظرها، حيث زيفت كل الروايات والتواريخ وصنعت للعالم تاريخاً افتراضياً سيغدو واقعياً مع مرور الزمن. وعلى أية حال ستبقى الحكايات السلفية للمجموعات العربية مهيمنةً على العلاقات الاجتماعية ومعرقلاً لتشكل ثقافة المواطنة، إلى أن يتمكن المؤرخون الجدد من تفكيك كل الروايات والأساطير وفرز الحقيقي منها عن المتخيل، ونزع الصواعق من ألغامها، وهذا ما يحصل منذ ثمانينيات القرن الماضي، لولا أن أعمالهم المتفاوتة في أهميتها لا تزال عملة تقتصر على المثقفين يتداولونها في ما بينهم ولم تنتشر بعد بين عموم الناس، لذلك لا تزال الحكايات تفرقنا أكثر مما تجمعنا، وتقتلنا بدل أن تحيينا. يقول هيغل: “إذا لم يناسب الواقع مفهومنا؛ فهذا أمر سيئ جداً بالنسبة إلى الواقع”. وبالنسبة إلينا نحن العرب؛ يمكننا استبدال كلمة (مفهومنا) بـ(حكاياتنا)، لكي يستقيم المعنى.