Skip to content Skip to footer

هل الحرب فرصة للتحرُّر من الأوهام؟ | د. عقيل سعيد محفوض

الحرب هي “أم الأشياء كلها”، على ما يقول هيراقليطس، وهي “قابلة التاريخ”، على ما يقول ماركس، وصانعة للأمم والدول والمجتمعات والسياسات. انظر إلى خرائط العالم في أعقاب الحروب الكبرى بين الدول، وخرائط القوة والسيطرة في أعقاب النزاعات والحروب الداخلية، والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية والثقافية وغيرها، تجد أن الحربَ تكاد تمثل حقيقة أو بداهة مُؤسسة في التاريخ.


 

وقد يكون من الصعب تصوُّر العالم من دون حرب، ولو أن السرديات واليوتوبيات والعقائد الكبرى تهجس في ذلك وتتخيله وتَعِدُ به. وعلى الرغم ممّا في الحرب من شرور؛ فإنها ليست شراً كلها. وإذا كانت الحربُ فعلَ تدمير، فإنها فعلُ بناء بالقدر نفسه، إذا أُمكنت قراءة الأمور بشكل مناسب، وأُمكن تحويل التهديد إلى فرصة، ولو أن ذلك لا يحدث كثيراً؛ خصوصاً في المنطقة العربية التي تشهد صرعاتٍ وحروباً ممتدةً ولا أفق لنهايتها في الأمد المنظور. وإذْ يتناول النص فضيلةَ الحرب، ويحاول تقصي جوانب الفرصة أو الإمكان الحسن أو الفضيلة فيها على خلافية ذلك، إلا أنه لا يمجِّدها بالتمام ولا يدعو لها، ولو أن الحربَ يمكن أن تكون مفروضةً ومطلوبةً لمواجهة مصادر التهديد ورد الاعتداء. هنا يجري الحديثُ مثلاً عن “الحرب العادلة” و”حرب التحرير” و”الثورة”. وثمة كلام كثير في هذا الباب. 

وعادة ما يُنظر إلى الحروب بوصفها ضرورةً أو حتميةً تاريخية أو وجودية، بل ومفخرة للأمم والشعوب التي تقدم سرديات تقع الحروب والبطولات فيها في مقام الصدارة. ولعل أكثر القصص حماساً لدى الجماعات والشعوب هي قصص الحروب التي انتصرت فيها؛ سواء أكانت القصص عن هذه البطولات حقيقية أم متخيلة. وثمة كلام كثير عن “الغزو” و”الفتوح” و”القوة” و”الغلبة” بوصفها المسارَ الطبيعيَّ في التاريخ وسُنَّةً من سُننه. وكانت تواريخُ الأممِ حتى وقت قريب هي تواريخ المعارك والمواجهات والملاحم أكثر منها تواريخ العمل والإنتاج والاتصال والفنون والصحة والاستهلاك وغيرها. لقد تحدث فرويد مثلاً عن الحرب بوصفها “ضرورة بيولوجية وسيكولوجية في اقتصاديات الحياة البشرية”، وأنها سوف تستمر طالما وجد تباين بين الشعوب في أنماط الوعي والعمل والتطلعات، ذلك “أن الأخطار التي تباعد بين الأمم ليست إلا انعكاساً للطبائع المتمكنة في العقول”. (فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت). 

وتحدث ميشيل فوكو عن الحرب بوصفها ظاهرةً طبيعةً وملازمةً للوجود البشري، لدرجة عدّ معها السياسة استمراراً للحرب، وليس العكس، في معاكسة لكلام كلاوزفيتز عن أن الحرب هي استمرار للسياسة إنما بوسائل أخرى. (فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع). تكشف الحروب -والحديث هنا عن الحروب الداخلية أساساً- عمَّا في المجتمعات والدول من قوة وحيوية وضعف واختلال قوة الانتماءات الجهوية القبلية والدينية والعرقية وغيرها من روابط ووشائج ما دون الدولة وعلى حساب الأخيرة، وضعف واختلال الهوية والانتماء واختلال أو تهتك وتمزيق العقد الاجتماعي والشرعية في أفق وطن ومجتمع ودولة. 

ويمكن الحديث عن مستويَين أو منظورَين رئيسَين بهذا الخصوص: 

الأول:

 يحيل إلى أن الحرب والصراع هو تعبير عن اختلال في البنى والتفاعلات الاجتماعية والسياسية والقيميّة، وديناميات التوازن والتراسل والاتصال، وتوزيع الموارد، والضبط داخل المجتمع والدولة، قبل أن تكون مع الخارج أو بتأثير منه. 

الثاني:

أن الحرب والصراع يُفترض أن يُحفِّزا المجتمعَ لخلق استجابة مناسبة لتصحيح ما كان من اختلال، واحتواء ما يمثل تهديداً وانتهازاً وتعظيماً لما يمثل فرصة، بكل ما يعنيه ذلك من تغيير في منظور السياسة والاجتماع والسلطة والدولة. 

ما يحدث في الواقع، هو الآتي: لو أن المستوى الثاني كان شغَّالاً لما وقعت الحرب بالأساس؛ خصوصاً إذا كانت في الداخل، ولأمكن للمجتمع أن يضبط عوامل الصراع فيه ويحوِّلها من العنف والسلاح والموت والتدمير والتهجير إلى السياسة وبالسياسة، ولأمكن للمجتمع أن يخلق استجابات أسرع وأنجع حيال مصادر التهديد الداخلية، وأن يدفع بالتوصل إلى حل/ تسوية في أفق المجتمع والدولة. يمكن النظر للحرب، بوصفها صانعة للأمم أو مدمرة لها، كما سبقت الإشارة، وذلك في مستويَين أو خطَّين رئيسَين أيضاً:

 أ: هو خط الإنجاز، ذلك أن الحرب تدفع للمراجعة والتصحيح، وتخلق قيماً واستجابات جديدة. وقد تبعث لـ”نشأة مُستأنَفَة”، بتعبير ابن خلدون، وتعيد إنتاج فكرة مجتمع ودولة. حدث ذلك مثلاً في روسيا وألمانيا واليابان وغيرها؛ إذْ أعادت الحرب إنتاج تلك المجتمعات والدول بشكل جديد مختلف عما كان، وأضحى أكثر قوة وحيوية، سواء أكانت منتصرة مثل الروس، أم مهزومة مثل الألمان واليابانيين، والحديث عن الحرب العالمية الثانية (1939- 1945).

ب: هو خط الإخفاق أو الهزيمة؛ إذْ إن الحرب يمكن أن تُعمِّق الاختلال الموجود، وتعطل ديناميات الاستجابة المناسبة، وتخلق ديناميات فعل ورد فعلٍ سلبياً أو خاطئاً، بالمعنى الجماعي أو المجتمعي، إن أمكن التعبير. 

وهذا ما حدث بالنسبة إلى المجتمعات والأمم والإمبراطوريات التي أخفقت في تدبير الصراع في الداخل أو الحرب مع الخارج، وخسرت وانكسرت وتفككت، ومنها ما أصبح من الماضي. ومن ذلك مثلاً الإمبراطورية العثمانية التي انهارت وانتهت رسمياً في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، ومثلها الإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية الروسية/ القيصرية. ويمكن أن ينسحب ذلك على عدد من البلدان التي غرقت في حروب داخلية وأهلية، ولم تتمكن لأسباب عديدة، من الخروج من حالة الصراع والحرب إلى حالة السياسة. وما يشهده عدد من البلدان العربية اليوم مثال واضح على ذلك. أما لماذا تنجح أممٌ في مواجهة التحديات وتخفق أخرى في مواجهة الأزمات والصراعات والحروب؟ فهذا محل تقديرات واجتهادات كثيرة. وتجد في علوم التاريخ والفلسفة والحضارة والسياسة والاجتماع والأنثروبولوجيا، إسهامات مهمة في هذا الباب. ولعل أهم المشتركات بينها، في حالة الإخفاق أو الهزيمة، هو:

– إخفاق فواعل الفكر والسياسة في قراءة اللحظة وتقييم الواقع وتقدير الاستجابة المناسبة. وقد يكون ثمة سوء في قراءة وتقدير التحولات، وقد تحدث تحولات غير موعى بها أو غير موعى بأهميتها واتجاهاتها وتأثيراتها.

– الافتقار إلى “الهمّة” و”تقدير الذات”، بتعبير هيغل، الأمر الذي يفسر ويبرر -في جانب منه- الفتوح والغزوات الأوروبية للعالم. ولهيغل كلام عن أن “ضعف الهمّة”، و”الافتقار إلى الإرادة”، يؤدي إلى هلاك أو دمار الأمم أمام القوى الغازية، وهذا ما حدث مثلاً لشعوب كثيرة حول العالم؛ وخصوصاً الهنود الحمر. 

– الافتقار إلى الإجماع الوطني والتماسك الداخلي؛ بل بروز انقسامية وقابلية للصراع والحرب. وثمة تزايد في عدد الصراعات الداخلية والحروب الأهلية والتوترات والعنف على مستوى العالم.  

– ضعف المرونة في التوصل إلى تسويات في المنافسات الداخلية والخارجية؛ الأمر الذي يجعل الكثير من المجتمعات والدول مفخخة بالعنف أو في حالة عنف وصراع وعدم استقرار مستمر.  

– والأهم هو ضعف الاستجابة للتغيرات التي تحصل في موازين المعنى والقوة في الداخل والخارج. 

وأما في حالة النجاح أو الانتصار، فيتعلق الأمر بعكس ما ورد أعلاه، بمعنى: النجاح في قراءة اللحظة، وتقييم الواقع وتقدير الاستجابات، وحشد الموارد المادية والمعنوية، والتحلي بـ”الهمّة” و”تقدير الذات”، وإدارة التفاعلات (التحالفات- الخصومات) والقدرة على تحقيق التسويات في الداخل والتسويات وإدارة التفاعلات مع الخارج.  

النجاح والإخفاق، قل: الانتصار والهزيمة، هما سيرورات وديناميات كبرى، وليسا نتيجة معركة أو مواجهة فاصلة ونهائية، بل غالباً ما تكون الحروب والصراعات نفسها تظهيراً ونتيجةً أو حصيلةً لأمور كثيرة، ذلك أن الأمم التي تحسن “الإمساك باللحظة”، وتقرأ واقعها وعالمها جيداً، عادة ما تستطيع تحويل التهديد إلى فرصة، والخسارة إلى ربح أو فوز. ومن ذلك مثلاً ما قامت به ألمانيا واليابان في أعقاب خسارتهما في الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) كما سبقت الإشارة، وما فعلته ألمانيا في أعقاب خسارتها في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918). يمكن للهزيمة أو الخسارة في الحرب أن تكون مقدمة لـ”انتصار تاريخي”. 

قد تكون هذه العبارة غريبة بعض الشيء، إلا أنها صحيحة، وهي صحة مشروطة بما بعدها، وليست صحيحة بذاتها. وهكذا، خسرت ألمانيا الحرب أمام الحلفاء في الحرب العالمية الثانية؛ ولكنها ربحت الدولة ذات الموقع المتقدم في ميزان المعنى والقوة في العالم. ومثل ذلك اليابان، التي قُصفت بالقنابل الذرية، وهزمت في الحرب نفسها، إلا أنها ربحت موقعاً ومكانة متقدمَين في مؤشرات وموازين المعنى والقوة في العالم ما بعد الحرب. ما حدث بالنسبة إلى الألمان واليابانيين هو تحويل النمط وتغيير بارادايم السياسة والقوة والمعنى. وهذا باب فيه كلام كثير. وحتى لا تكون الأمثلة بعيدة في المكان والزمان، فإن في حاضر العرب لحظات يمكن التدقيق فيها، على قلتها وخلافيتها بنظر البعض، وتضاؤل وزنها النسبي في مدارك واتجاهات القيم في المجتمعات والدول العربية اليوم؛ مثل: حركات التحرر الوطني إبان الاستعمار، ومقاومة الاحتلال ومشروعات الهيمنة الإقليمية والعالمية، ورفض التنازل عن الحقوق ورفض الاستسلام. 

قد لا يبدو السجل حافلاً أو حاسماً، إلا أنه كبير الأهمية باعتبار ظروف الانقسام والضعف والاختراق والتأخر التاريخي والتنموي والحضاري للمجتمعات والدول في الإقليم. يقول دركهايم إن المجمعات تمرض كما يمرض الأفراد. وقد تدمر بالخطأ وسوء التقدير عوامل قوتها وأساس وجودها، كما يقول الأنثروبولوجي جارد دايموند. والواقع أن المجتمعات العربية “مريضة” بالفقر والتأخر والاستبداد والفساد والانقسام الداخلي والأيديولوجيات والذهنيات المهزومة والسياسات الفاشلة، وبالطبع الاختراق الخارجي. ويشهد بعض المجتمعات العربية حالات صراع وعنف ممتد لسنوات طويلة. 

تمثل حالات الحرب والصراع فرصة تاريخية لـ”التحرر من الأوهام”، بتعبير مستعار من فرويد، وحشد الموارد المادية والمعنوية، لمواجهة ما يمثل تهديداً واغتنام ما يمثل فرصة، كما تتكرر الإشارة، وبالطبع طرح الأسئلة حول الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة، وتلك التي جعلتها واقعاً، ولماذا لم يمكن تجاوز ذلك وحل الأمور بالسياسة؟ وبالنسبة إلى العرب، فإن الحرب والصراع في عدد من المجتمعات والدول، أعادا طرح أسئلة حول العرب والسياسة، ولماذا تغيب السياسة عن العالم العربي أو لماذا يتكرر إخفاق العرب في السياسة؟ بينما يحضر العنف والموت، وما السبل الممكنة لـ”تدبير السياسة”، بما هي فضاء للعيش والمشاركة والتنمية والحريات، وبالطبع الدفاع عن الحقوق والتطلعات؟ يتطلب الأمر مراجعة للظاهرة العربية، بكل ما يتصل بها، من: اجتماع، وهل لا يزال بالإمكان الحديث عن مجتمع في عدد من البلدان العربية؟ وثقافة وقيم، وهل لا يزال بالإمكان الحديث عن نظم قيم مشتركة ورأسمال اجتماعي ورمزي في أفق مجتمع ودولة أو أفق أمة عربية؟ ومثل ذلك في الاقتصاد والسياسة وغيرهما.

لا بد من الإفلات من براديغم أو ذهنية الهزيمة والحرب. والمهم للمجتمعات والشعوب هو التمسك بالبداهات الأساسية لمعناها ووجودها، وبالطبع مصالحها وأمنها، بداهة أنها على حق، وأن الانكسار أمام القوة، قوة الأعداء والخصوم، لا يغير حقها في أن تعمل لاستعادة أمنها واستقرارها وتحقيق مكانة مهمة بين الأمم. وإذا أمكن لمجتمعات ودول الصراع والحرب في المنطقة العربية أن تخلق توافقاً حول هوية وطنية، وحول مجتمعات ودول قابلة للاستمرار والاستقرار، وما يجب أن يقوموا به حيال التحديات في الداخل والخارج، فلن تكون الحرب لديهم محض عنف وقتل وتدمير؛ بل هي حدث له فضائل كبيرة.