Skip to content Skip to footer

هل نحن في زمن أُفول الثقافة؟ | د.رامز أحمد

بدأ منذ النصف الثاني من القرن العشرين اهتمام خاص لدى الغرب، كتاباً وباحثين وقراء، بالعلوم التقنية وبالقضايا الفكرية والأخلاقية التي تَوَلدت عنها ولا تزال (وبصورة خاصة القضايا ذات الصلة بالتقنيات الحيوية المُطبَّقة على الإنسان خارج الأغراض العلاجية). وقد نتج عن هذا الاهتمام موقفان فكريان متعارضان: شكك الأول في حياد التقنية واستقلالها وحذَّر من الأخطار الناجمة عنها ورأى إليها تهديداً لا لتصوراتنا الراسخة عن الإنسان، وحسب إنما أيضاً للثقافة- الكلمة بوصفها “هبة إلهية” (التصوّر الديني) أو من حيث هي الحامل الأساس لنظام القيم، وأداة بناء الكينونة وطريق خلاصها الوحيد، بينما دعا أنصار الموقف الثاني إلى ضرورة الخروج من “الانغلاق الأنثروبولوجي” (جلبير هوتوا)، الذي انتهت إليه الفلسفة المعاصرة تحت التأثير المحتمل للاهوت “الكلمة- اللوغوس” والتصورات التي كرَّسها عن الإنسان “الجوهر اللا مادي” أو “الطبيعة” التي لا ينبغي المساس بها.


 

وبتنا نقرأ في هذا السياق كتباً ومقالات كثيرة تتحدث عن عجز “اللغة” عن ترميز الفضاء التقني والتعبير عنه، وعن إذلال تتعرض له اللغة الفلسفية بصورة خاصة، وعن وجوب أن تُسهم، هذه الأخيرة، في التنظير لمجيء عصر “الحضارة التقنية العلمية” عوض الاستثمار، والهوس المبالغ فيه في اللغة وفي النصوص وتأويلها (كما هي الحال مع الفلسفة التحليلية والفينومينولوجيا والتأويلية وغيرها من التيارات).  

في التأسيس لهذه الرؤية، يرى دعاة “الثقافة العلمية التقنية”، أن تطور الإنسان سار جنباً إلى جنب مع تطوُّر قدراته وإمكاناته على تخطي الحدود، التي فرضتها عليه الطبيعة أو العالم المادي، وإبدالها بحدود أوسع وأرحب. وهكذا انتقلنا من الأسطورة إلى الفلسفة والدين، ومن هذا الأخير إلى العلم المعاصر، ومن الأساس المتعالي للأخلاق إلى الأساس العقلي أو النفعي. بيد أن هذا الانتقال لم يكن، في الواقع، ثمرة عملٍ في اللغة، تأويلاً وشرحاً وتفسيراً، بقدر ما كان ثمرة تطور في الأدوات التقنية التي مكَّنت الإنسان من السيطرة على ظروف حياته الصعبة. وعليه ينبغي إخراج الفكر من انغلاقه على اللغة التي تحولت اليوم إلى حدٍّ جديدٍ وعائق ينبغي تجاوزه؛ لنُحسِن الدخول في عصر التقانة، الذي يتوجب على الفكر أن يُهيئ الأرض لمجيئه.

وهذا لا يتم دون الخروج من الثنائيات المتعارضة التي كرستها اللغة: ثنائية الروحي والمادي، التقني والرمزي…، وسيما أننا نعيش في عصر أصبح فيه من الصعوبة بمكان الدفاع عن الإيمان بواقع لا مادي (النفس، الروح، الجوهر، الطبيعة… إلخ). وعليه، ينبغي تحرير “ثقافة التقنية”، من النظرة الميتافيزيقية الأخلاقية بغية تأسيسها على فلسفة معينة للإرادة وحرية الاختيار: حرية الإنسان في التصرف في جسده وإخضاع نفسه لتجارب لا تخلو من المخاطر على سلامته أملاً في زيادة قدراته وكفاءته، أو تغيير تكوينه البيولوجي ومساره لو أراد. على أن هذه الطروحات جُوبهت بشدة من قِبل تيارات فلسفية وفكرية عديدة شككت في إمكانية أن توجد ثقافة للتقنية أصلاً، وذلك لسببَين: أولاً، لأن التقانة، بخلاف الثقافة- اللغة، تنتمي إلى عالم الأشياء وعالم الأدوات التي تتيح للإنسان السيطرة على بيئته المحيطة؛ كما أن المعرفة التقنية، تبعاً لذلك، تقوم على امتلاك الخبرات والمعلومات التي تكفل هذه السيطرة. وثانياً لأن المعارف العلمية هي معارف لصيقة بالماديّ المحسوس ولا تتعدى القدرة على تشغيله؛ إضافة إلى كونها تستعمل لغة جبريّة/ رياضية عالمية يَعرفها أهل الاختصاص وحسب أينما وجدوا، وهذا ما يضعها في تعارض تام مع اللغة- الثقافة التي تتسم بالخصوصية والمحلية وإمكانية أن تُصاغ في خطاب يُعبِّر عنها. 

وهذا ما انتبه إليه جاك إيِلِيل J. Ellul إذ كتب: […] لا يمكن للثقافة أن تكون عالمية […] إن حقيقة عالمية التقنية تستبعد إمكانية الثقافة […] ولا يمكن للمعرفة العلمية أن تنتج ثقافة، لأنها تتشوه وتفقد طبيعتها ما أن تصاغ في خطاب. أما بخصوص تأسيس ثقافة للتقانة استناداً إلى فلسفة معينة للحرية والإرادة، فهي لا تقل إشكالاً عن سابقتها: إذ كيف لنا أن نؤسس مثل هذه الفلسفة؟ ألا تطرح هذه الرؤية مسألة الأساس الذي ينبغي أن تنهض عليه؟  ألا تتضمن فكرة الحق في تعديل الجسد أو استنساخ البشر، تمثيلاً لا حصراً، إعلاناً صريحاً عن عدم الرضا عن الإنسان من حيث هو كيان معطى ينبغي تغييره؟ وهذا يقودنا بدوره إلى سؤال آخر: كيف لنا أن نضمن ألا يتحول هذا الحق الفرديّ، بصورة خاصة إذا ما أثبت نجاعته، إلى خيار مُلزِم في ما بعد (كمثل الإلزام الذي فرض على الجميع في أخذ لقاح كورونا مؤخراً)؟ وحين ذاك، استناداً إلى ماذا سيتأسس هذا المعيار المُلزِم الجديد؟ ألا نكون بذلك قد استبدلنا معياراً ميتافيزيقياً بآخر، أعني معياراً يستند إلى فكرة “الطبيعة- الجوهر”، بمعيار آخر ينهض على فكرة الحرية والإرادة؟ وحينها سنكون أمام معيار لا يملك نقطة ارتكاز أو مرجعية ثابتة. فإذا ما أصبحت تقنيات “التحسين البشري”، كما تُسمى اليوم، هي المرشد والمعيار الأساس للتنظيم البشري في المستقبل القريب، أفلا نكون قد وضعنا المسمار الأخير في نعش السياسة والحق والأخلاق على حدٍّ سواء؟ ألا نخاطر بتحويل التقنية إلى مصدر للقيم والتشريع، مُحطمين بذلك كل المرجعيات الأخرى؟

تضعنا هذه الأسئلة أمام معضلات فلسفية وأخلاقية تَحدَّث عنها هيدغر ومدرسة فرانكفورت في ما مضى، إذ أثاروا العديد من الشكوك حيال مبدأ استقلال التقنية والعلم، ورأوا إليهما توجها لجزء من المجتمع يجد فيهما مصلحته الاقتصادية والسياسية وحسب، وأنهما مجرد صورة عن ضَلال الروح الغربية وانحلالها. إذ كيف يحق لمجموعة بشرية، ترى مصلحتها في هذا التوجه، أن تُقرّر مستقبل الإنسانية برمته، ناهيك بتقرير مستقبل الأجيال القادمة؟ وهذا ما تنبَّه إليه هبرماس حين تساءل: “كيف يحق لنا أن نقرر ما سوف تكون عليه أجيال المستقبل؟ وكيف يحق لأهل الحاضر أن يمارسوا سلطتهم على أهل المستقبل، الذين سيكونون مجرد موضوعات لا دفاع عندهم، موضوعات لقرارات يتخذها مسبقاً مخططو اليوم؟ إن الوجه الآخر لسلطة اليوم، هو العبودية اللاحقة للأحياء تجاه الأموات”. ومن هنا أهمية أخلاقيات النقاش والحوار الكوني (هذا إذا سلمنا بإمكان تنفيذها أصلاً) التي دعا إليها هبرماس ذاته، في وعي منه لخطورة الدعوة إلى ثقافة تقنية، ستفضي بالضرورة إلى وجوب قيام تنظيمات جديدة وتهيئة نُظمٍ معياريّة وقانونيّة وأخلاقيّة تتوافق مع الوضع الجديد. ولسنا نملك بعد إمكانية تبيّن محتواها وشكلها، سيما أنها تفرض نفسها دون الخضوع لنقاش معمم بخصوص الجهات التي تنتجها وتملك مصلحة في فرضها بما يتجاوز قدرات الهيئات والدول. وفي ضوء ذلك كله نفهم الاتهام الحاد الذي وجهه جورج برنانوس في خمسينيات القرن الماضي ضد الحضارة الحديثة، حين قال: “إننا لن نفهم إطلاقاً الحضارة الحديثة إن لم نُسلِّم بدايةً وقبل كل شيء بأنها مؤامرة كونية ضد جميع أشكال الحياة الداخلية”. وهو اتهام دافع عنه ميشيل هنري بقوة عندما تحدث عن انتصار “إمبراطورية الموت” أو الفضاء التقني الاقتصادي على “عالم الحياة”، “عالم الحياة الداخلية”… وهو موقف نَظّرَ له ودافع عنه في “الهمجيّة” إذ كتب قائلاً: (إن استبدال “المعرفة العلمية بـ”معرفة الحياة” هي “الثورة الراديكالية” التي جاءت لتقويض إنسانية الإنسان… وهي أخطر تهديد تَعرّض له الإنسان منذ بداية الأزمنة).  تُرى، إلى أين تسير السفينة ومن ربّانها، يسأل المسافرون إلى غدهم المجهول؟