تحوَّل بيير بورديو، الباحث المبرّز في الفلسفة، إلى الدراسات الاجتماعية، بعد مرحلة أولى اهتم فيها بالنظر الفلسفي. وقد ساعده تكوينه الفلسفي الرصين في قراءة الواقع الاجتماعي، وتوظيف مفاهيم تشكَّلت وتطورت في جزْءٍ منها داخل التاريخ الفلسفي. دفعته الحاجة إلى دراسة الواقع الاجتماعي كما هو معطى في التجربة إلى الانفتاح على ميدان العلوم الاجتماعية الذي يسمح بالعودة إلى الظواهر ذاتها، ويجنِّب الباحث الانحسار في الميتافيزيقا.
لقد فجَّر بورديو القوة المفهومية الفلسفية في قراءة الواقع الاجتماعي، واستعمل المفاهيم الفلسفية الخالصة في قراءة تجربة الواقع الاجتماعي، واستخلص أخرى من دراسة هذا الواقع، وبنى معارفه النظرية الخاصة لتفسير وفهم ما يحدث في المجتمعات كإثنولوجي وكعالم اجتماع في الآن نفسه. وهذا يعني أن الفصل الجذري بين الفلسفة والعلوم الإنسانية ليس جذريّاً كما قد يُعتقد. تسبح هذه العلوم في فضاء لم ينفصل تماماً عن تاريخه، حتى وإن زعمت العكس. بل تستعين في تأويلها وتفسيرها للظواهر بمباحث فلسفية تدعمها في أبنيتها النظرية، سواء بشكلٍ ضمنيّ أو صريح. هكذا دَرَسَ بورديو تجربة التدّين في شمال إفريقيا، وكتب مونوغرافيات تصف بالتدقيق ما يحدث في المجتمع القبايلي الجزائري. وتميَّزت دراساته للحياة الاجتماعية بالنفس التفهمي الملحوظ لدى كل علماء العلوم الاجتماعية الذين أدخلوا الفينومينولوجيا والهيرمينوطيقا في محاولة فهمهم لما يحدث في المجتمع المدروس. في ما يلي أحد وجوه هذا التناول.
يلاحظ بورديو أن الإسلام يهيمن على كل مناحي حياة الأفراد والجماعات، وينظِّم إيقاعها في المجتمعات المسلمة من الولادة إلى الموت. كل شيء في حياة المجتمع المسلم يمتزج فيه الديني بالاجتماعي، بحيث تحدّد طقوس بعينها العبادة وعادات المأكل والمشرب والزواج والمرض، وتتحكم الأعياد والمناسبات الدينية في حياة الأسر والمجتمع، وينتظم زمن المسلم وَفق أذان الصلوات، وتتعيَّن روابط الزواج وقوانين الشريعة والعلاقات داخل الأسرة والمؤسسات القانونية في شاكلة دينية واجتماعية في الآن نفسه. وعليه، يكون الإسلام هو الفلك الذي “تسبح فيه كل الحياة، ليس فقط الدينية أو الثقافية، بل حتى الحياة الخاصة والحياة الاجتماعية والحياة المهنية”. لكن اعتباره السبب الحتمي للظواهر الثقافية، لا يقل ادّعاء عن اعتبار الدين المعيش مجرد انعكاس للبنى الاقتصادية والاجتماعية؛ ذلك أن العلاقة بين المجتمع والدين الإسلامي ليست علاقة سبب ونتيجة؛ بل علاقة يحكمها المراوحة بين عالمٍ معلنٍ وعالمٍ موازٍ له متخفٍّ وراء مظاهر الحياة، على نحو ما هو عليه في المجتمع الجزائري. إن الإسلام بوصفه رسالة دينية لا يرتبط بنظام اقتصادي أو اجتماعي خاص من خلاله يمكن الاعتماد على وحدة العقيدة وردّ النظم السياسية والاقتصادية المتناقضة إليها.
إن “ثمة تماثلاتٍ واضحةً بين الإسلام المعيش (كما يحياه المجتمع) وأديان المجتمعات التي لم تعرف ثورةً صناعيةً، تمس بشكلٍ خاص السلوك الاقتصادي”. وعلى هذا الأساس يتساءل بورديو إذا ما كان الذين نظروا إلى الإسلام كدين مهيمن بشكلٍ مطلق على الحياة، أي الذين لم يميِّزوا في تحليلاتهم بين العقيدة والقانون، وبين القانون والأخلاق، وبين الروحي والزمني، قد أسقطوا على الإسلام موقفاً ليس هو موقف المسلم كما يحيا تديُّنه؛ أي أنهم نسبوا إلى تجربة المسلم خصائص تتعلق بروح الإسلام كما تشكلت لدى رجال اللاهوت. خلطوا بين “الحالة اللاهوتية” للمجتمع الإسلامي وثيولوجيا الدين الإسلامي. ومعنى ذلك أن ثمة إسلاماً معيشاً لا يتطابق بالضرورة مع الخطاب اللاهوتي حول الإسلام. يرتبط نمط التفكير في الحالة اللاهوتية، بشكل تلقائي، بالحياة الوجدانية، حيث لا يزال العقل المنطقي ضعيفاً لكي يقيِّد المخيلة والشعور. ولكنها مجرد مرحلة في تطور المجتمعات؛ فما أنْ يتقدم العقل حتى يتجاوزها إلى حالٍ معرفية أسمى منها. تحدث تجربة التديُّن الشعبي داخل هذا الإطار، بينما يمثِّل اللاهوت شكل معرفة وتعقُّل من الصعب أن يتعقَّله التديُّن الشعبي؛ لأنه يقع في درجة أسمى من المعرفة. وفي كلا الحالَين تبقى العاطفة والشعور الديني مشتركاً بينهما؛ غير أن الشعور في التديُّن الشعبي عفويٌّ وتلقائيٌّ، بينما بالنسبة إلى اللاهوتي يجري التحكم فيه وتوجيهه باستعمال العقل. هكذا يكون تجييش الجماهير وجدانياً ممكناً في مجال الدين، وربما في غاية اليسر، لاجتماع الاستعداد والدافع معاً. جليٌّ، إذن، أن ثمة تماسفاً بين التديُّن الشعبي والخطاب اللاهوتي، ولكن كيف يحدث أن تُستدخل أفكار وتصورات متقدمة من ناحية عقلية إلى تمثلات الجماعات الدينية؟
يقدِّم بورديو مثال القدرية (le fatalisme) التي يُنعث بها الإسلام بوصفها حتميةً ومؤسسةً ثيولوجياً، أو، على وجه الدقة، خاصيةً فكريةً ملازمةً للإسلام؛ فهذه القدرية الملازمة للفكر التقليدي، والمتمثّلة في الخضوع للطبيعة والدهر، والتي تتجلى في اللغة اليومية للمتديّن، توجد في كل المجتمعات التي لم تعرف ثورةً صناعيةً، وليست خاصية يمكن إضفاؤها على الدين الإسلامي وحده. لذلك ينبغي البحث عن أسباب تغلغلها في المجتمع واللغة اليومية، وهي التي كان من الممكن أن تبقى محصورةً بين الفقهاء والمتكلمين، وعن أسباب تحوُّلها إلى اعتقاد شعبي ونمط حياة يعيشه المجتمع بعمق. لا يمكن بحسب بورديو تفسير هيمنة هذه النزعة القدرية على حياة المسلم بواسطة الدين وحده؛ فالنص الديني المؤسس مفتوحٌ ولا يقيّد المؤمن بأمر مطلقٍ في هذا الصدد. إن “الرسالة الدينية، كما يقول بورديو، تعتمد الإشارة والقطع (ellipse)، إنها توحي ولا تعيّن، وتتميّز بفيض المعنى وتعدّد المناحي. ومن ثمّ فهي لا تقدّم نفسها إلا في شكل تلميحات ولا تبسط نفسها بشكلٍ كاملٍ في تلميحاتها”. وهذا دأب الخطاب القرآني الذي يعبّر بالآيات والإشارات، رغم أن الفقهاء يصورونه في صورة القطع. وأكثر من ذلك، فالأوامر وقواعد السلوك المأمور بها في النصّ لا يعمل بها المسلم بشكلٍ صارمٍ؛ إذ تجد المسلم يخضع للقواعد التي يضغط الرأي الجمعي للقيام بها، وإن كانت في درجةٍ ثانية، هي التي يعمل بها الأفراد، لا تلك التي يُشدّد عليها النص القرآني.
على سبيل المثال، يحترم الأفراد المحرمات في المأكل والمشرب والختان والحجاب ويعظمونها، وتلعب دوراً أساسياً في تديّنهم، ولكن، في مقابل الأغلبية، القلة فقط من المسلمين يحافظون على الصلوات الخمس. وهذا يعني أن التجربة الدينية التاريخية للمجتمعات تفرض نفسها أكثر من الخطابات اللاهوتية المتعالية عن المجتمع. من هنا يخلص بورديو إلى أن الإسلام التاريخي لا يمثل واقعاً متجانساً؛ بل يمكن التمييز فيه بين نزعات متعدّدة ومتناقضة (= حداثية وتقليدية ولائكية وإصلاحية). إن ثمة تفاعلاً بين الرسالة الدينية في الإسلام وواقع المجتمعات المسلمة؛ فليس الدين وحده هو ما يفسر حياة المجتمع، وليست حياة المجتمع وحدها هي ما يتدخل في فهم الدين.