Skip to content Skip to footer

الفكر الإسلامي المعاصر.. من النهضة إلى الردة | منتصر حمادة

هناك واقعة حافلة بالدلالات جَرَت لأحد المفكرين المغاربة في الحرم الجامعي، عندما ارتأى إجراء اختبار غير متداول للطلبة، عبر طرح بعض النصوص التي صدرت عن بعض رموز الفكر السياسي الإسلامي، منذ حقبة النهضة، على عهد الثنائي رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، حتى الرموز المعاصرة. اقتضى هذا الاختبار الحسم في السبق الزمني لصاحب النص مع حذف الأسماء، من خلال المقارنة بين بعض النصوص التي حرَّرها محمد عبده، مقابل نصوص أخرى حرَّرها أحد رموز العمل الإسلامي في العقود الماضية، إن لم يكن أبرزهم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الأخير يُعتبر أكثر تقدمية ووسطية مقارنةً مع باقي رموز الساحة في المنظومة الإصلاحية نفسها، أو التي تزعم أنها إصلاحية.


 

من الناحية النظرية، كان المفترض أن تكون الأجوبة تصب في تصنيف نصوص محمد عبده (1849- 1905) باعتبارها أقدم زمنياً مقارنةً مع نصوص القيادي الإسلامي؛ خصوصاً أن هذا الأخير، إضافة إلى أنه ينتمي إلى حقبة معاصرة، أقلها إنه عاصر حقبة استقلال دول المنطقة، كما عاين أحداث نيويورك وواشنطن 2001 وأحداث 2011، وبالتالي، يعيش بشكل أو بآخر في حقبة ما بعد تأسيس الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة العربية. من مفاجآت المقارنات، أن غالبية الأجوبة اعتبرت نصوصَ محمد عبده أحدث زمنياً مقارنةً مع نصوص القيادي الإسلامي المعاصر، مع أن عبده توفي في سنة 1905، أي قبل أفول “الخلافة العثمانية” في سنة 1924. نأتي لمفارقة أخرى لا تقل أهمية في الدلالات، وتهم مضامين أحد نصوص رفاعة الطهطاوي (1801- 1873)، وجاءت في كتابه الشهير “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، على هامش انخراطه في ما يُشبه مقارنات نظرية بين مضامين الدستور الفرنسي حينها، وليس دستور الجمهورية الخامسة، ابتداء من تشرين الأول/ أكتوبر 1958، ونصوص الشريعة الإسلامية. خلُص الطهطاوي إلى أن “القانون الذي يمشي عليه الفرنساوية الآن ويتخذونه أساساً لسياساتهم هو القانون الذي ألفه لهم ملكهم المسمى لويز الثامن عشر، وما زال متبعاً عندهم ومرضياً لهم، وفيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل. والكتاب المذكور الذي فيه هذا القانون يُسمى الشرطة.. وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب لله تعالى، ولا في سُنة رسوله، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقاد الحكام والرعايا لذلك، حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم مَن يشكو ظلماً أبداً، والعدل أساس العمران”.

نزعم أنه إذا فتحنا باب المقارنات مع هذه الأمثلة، سوف نجد صعوبات جمة في إغلاق الباب نفسه، من فرط الوقائع الدالة والمؤرقة، ويمكن تلخيص أو اختزال المشهد في اعتبار أدبيات الفكر السياسي الإسلامي لحقبة النهضة على الخصوص، باعتبارها أكثر “تقدمية” مقارنةً مع أدبيات الفكر السياسي نفسه، التي صدرت خلال العقود الماضية، وبالعودة إلى الآفاق النظرية التي سَطرها ميشيل فوكو من خلال اشتغاله على مفهوم “الإبستيمي”، يمكن الجزم بيقين كبير أنه كان من المفترض أن نعاين عكس هذا المعطى. بتعبير آخر، كان من المفترض أن يكون إبستيمي الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، متقدماً على إبستيمي الفكر السياسي الإسلامي الخاص بحقبة النهضة، لاعتبارات عدة، ونجد في مقدمتها التبعات النظرية والتطبيقية لأفول “الخلافة العثمانية”، والتي جسَّدت صدمة مفاهيمية للعديد من التيارات الإصلاحية ومن عدة مرجعيات؛ بل كانت سبباً مباشراً من بين أسباب تأسيس أول جماعة إسلامية في المنطقة العربية، أي جماعة “الإخوان المسلمين” ابتداء من سنة 1928؛ لكن اتضح أننا نعاين خلاف هذه الفرضية. ليس هذا وحسب، لقد انتقلنا من الأفق النظري المتقدم الذي جسَّدته أعمال الطهطاوي وعبده، نحو أفق أكثر رجعية جسده خطاب “أبو بكر البغدادي” في مطلع الألفية الثالثة، ومن يدور في الإبستيم الإسلامي الحركي، مع مرحلة انتقالية لخصتها أدبيات الثنائي “أبو الأعلى المودودي” (1903- 1979) وسيد قطب (1906- 1966)، كأننا إزاء ردة فكرية؛ لأن الأصل أن نتقدم إلى الأمام في الفكر الإصلاحي وليس التقهقر للوراء. رُبّ معترض على هذا الترتيب، من جهتَين: تفيد الأولى أن أعمال المودودي، تهم شبه الجزيرة الهندية بالدرجة الأولى ولا علاقة لها بأوضاع المنطقة، إضافةً إلى أنه لا يمكن تعميم مؤلفاته على مُجمل خطاب الفكر الإسلامي الحركي في المنطقة؛ وتفيد الثانية أن سيد قطب يبقى رجل أدب بالدرجة الأولى، ولديه نظرية نقدية تهم نقد الفكر الغربي، أما موضوع مواقفه الدينية المتشددة، فتبقى ثانوية الأهمية وذات صلة بتبعات صراعه السياسي والأيديولوجي في الساحة المصرية. تبدو اعتراضات وجيهة من حيث الشكل؛ لكن الأمر مغاير كلياً في مقام التفاصيل، وبيان ذلك كالتالي:

ــ في حالة ضرورة الأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي والجغرافي لأعمال المودودي، لا ضير من التأكيد أن مُجمل أعماله تُرجمت إلى العربية، وحظيت برواج ودعاية موجهة لقراء المنطقة العربية، دون أن يستحضر قراء أعماله حينها، تأثير السياق سالف الذكر، بحيث تم التعامل مع أغلب تلك المؤلفات كما لو كانت تهم أوضاع الدول العربية، ونخصّ بالذكر تبعات ترويج اشتغاله على “الجاهلية” و”الحاكمية” ضمن مفاهيم أخرى.

ــ بالنسبة إلى أعمال سيد قطب، ونترك جانباً أعماله الأدبية ورؤاه النقدية للحضارة الغربية، لاعتبارات عدة؛ منها وجود فورة كمية ونوعية في نقد الفكر الغربي، بما في ذلك التراكم النظري الكبير الذي سطرته مدارس فكرية غربية، لعل أشهرها مؤلفات “مدرسة فرانكفورت” الألمانية، لكن شهرة سيد قطب لا ترتبط بهذه الجزئية على الخصوص، وإنما ذات صلة بأعماله التي وُظفت من لائحة من الجماعات الإسلامية في سياق تعاملها مع شعوب وأنظمة المنطقة العربية، إلى درجة تأسيس جماعات تكفيرية، وفي مقدمة تلك المؤلفات كتابه الشهير “معالم في الطريق” (1964).

من كان يتخيل أنه مباشرة بعد اندلاع أحداث 2011 في تونس، سوف يُعاين الرأي العام التونسي والعربي تنظيم أكبر مؤتمر إسلامي لحزب التحرير، يدعو صراحة إلى إحياء “الخلافة الإسلامية”؟ ومن بوسعه أن يتخيل وجود جماعات إسلامية، لديها عدة فروع داخل وخارج المنطقة العربية، تدعو صراحةً إلى “خلافة على منهاج النبوة”، كأننا في مطلع القرن العشرين، وليس في مطلع الألفية الثالثة؟ ومن كان يتخيل أن تُنَظم ندوة دولية بمشاركة بعض الدعاة والباحثين في الفكر الإسلامي المعاصر، في نسخته الحركية بالتحديد، تحت عنوان “سيد قطب مفكر أمة ورائد تغيير”، في صيف 2022 وليس في صيف 1967 أو حتى صيف 2011.

تخول لنا الأمثلة أعلاه، تأكيد وجود مفارقات في مضامين الأدبيات الإسلامية الحركية، ما دامت محسوبة بشكل أو بآخر على أدبيات الفكر الإسلامي، ضمن مدارس أخرى قد نتطرق إليها لاحقاً، من قبيل أدبيات مؤسسات “أسلمة المعرفة”.

ــ فمن ناحية، نُعاين بعض المراجعات أو القفزات النظرية الإصلاحية وإن كانت نسبية؛ لكنها متقدمة مقارنةً مع السائد في أدبيات هذه التيارات الإسلامية الحركية، وقد تكون أعمال الغنوشي حول “الدولة” و”المواطنة” تندرج في هذا السياق.

ــ لكن من ناحية ثانية، هناك وجه آخر للعملة نفسها، وهو وجه سلبي لأنه رجعي، مفاده وجود حالات ردة فكرية تجرنا إلى الوراء، مجسّدة في أدبيات وجماعات ومؤسسات ومراكز بحثية ومنصات إعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، تبدو أكثر رجعيةً بشكل جلي مقارنة مع أدبيات رموز النهضة، أو قل مقارنة مع الأفق الإبستيمي لمدرسة النهضة.

صحيح أن هذه التيارات حرة في تبني وترويج الأفكار التي تؤمن بها، ما دام الأصل في الفكر لا يخرج عن أفق الحرية، لكن صحيح أيضاً، أن الأمر مع هذا الفكر الإسلامي الحركي، أنه لم يقتصر على الجلسات الخاصة والندوات المغلقة أو حلقات الترف الفكري، وإنما امتد وانتشر في الساحة وطال حتى مخيال الرأي العام في ربوع المنطقة العربية؛ بل نجد امتداداته النظرية والميدانية حتى خارج المنطقة العربية، من قبيل ما نعاين في الساحة الأوروبية وقارات أخرى، وهذا ليس بالأمر الهزل، ما دامت تبعات هذه الردة الفكرية باسم “المرجعية الإسلامية” بادية للعيان، وأسهمت في تكريس إساءات للدين والدولة والفكر والاجتماع، داخل وخارج المنطقة العربية.