Skip to content Skip to footer

التنازع بين إرادة المعرفة وإرادة عدم المعرفة | د. محمد الشيخ

من بين الوظائف العدَّة التي انتدب فلاسفة الإسلام أنفسهم، للنهوض بها في الفضاء الثقافي الذي عاشوا فيه، ثمة ثلاث وظائف أساسية: أولاها “الوظيفة التقريبية”؛ وقد تمثلت في تعريب مباحث الفلسفة الإغريقية، بالأولى، وتقريبها بدءاً من مظانها التي استطاعوا الوصول إليها إلى قارئ عربي مسلم لا عهد له بها. وثانيتها؛ “الوظيفة التقريرية”؛ وقد قامت على “تقرير” هؤلاء الفلاسفة والعلماء لأطاريحهم الجوهرية من بنات أفكارهم التي نهضوا للدفاع عنها؛ شأن دعوى الفارابي بخصوص الصلة بين الملة والفلسفة، أو دعوى ابن رشد في شأن الاتصال بين الحكمة والشريعة. وثالثتها؛ “الوظيفة التنويرية” التي تجلت في “تنوير” القارئ العربي المسلم في أمور ذاته وعالمه الذي يحيا فيه. والبادي أن عناية المستشرقين الكلاسيكيين بالتراث الفلسفي العربي الإسلامي إنما انصرفت، بالأحرى، إلى الوظيفة الأولى، وما زالوا يفعلون حتى تخلصت لطائفة منهم دعواهم في القول: “ما الفلسفة العربية الإسلامية سوى فلسفة يونانية مكتوبة بأحرف عربية”، على حد تعبير رينان.


 

كما أن عناية الباحثين العرب المحدثين انصبت، بالأجدر، على الانهمام بالوظيفة الثانية، وقد سعوا، من جهة، إلى الرد على الدعاوى الاستشراقية، وطمحوا، من جهة ثانية، إلى إثبات أصالة للفلسفة العربية الإسلامية لطالما أُثيرت حولها الشكوك. على أنه بقيت الوظيفة الثالثة -التنويرية- مغيَّبة لا يُكاد يلتفت إليها أو يُستقل فيها بقول. ولهذه الحيثية، احتاجت هذه الوظيفة منا إلى بسط القول فيها حسب ما يقتضيه هذا الحيز. في خاتمة ترجمة الذهبي -وهو مُحَدِّث ومؤرخ وصاحب سير شديد التعصب لأهل السنة- لابن سينا، في كتاب تاريخ الإسلام، ينتهي إلى القول: “وهو رأس الفلاسفة الإسلاميين الذين مشوا خلف العقول، وخالفوا الرسول”. والحال أن الذهبي ما كان أول مَن تنبَّه إلى التعارض الحاصل بين التفلسف والتشرع من حيث المرجعية؛ إذ لما هو سُئل المُحَدِّث المازري عن حال كتاب إحياء علوم الدين، قال: “قرأ (=الغزالي) علم الفلسفة قبل استبحاره في فن أصول الدين، فأكسبته قراءته الفلسفة جرأة على المعاني وتسهيلاً للهجوم على الحقائق؛ لأن الفلسفة تمر مع خواطرها وليس لها حكم شرعي ترعاه ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها”. وهو ما أكده أهل الفلسفة أنفسهم لما ذكر ابن رشد، في “تهافت التهافت” أن: “الفلاسفة طلبوا معرفة الموجودات بعقولهم، لا مستندين إلى قول مَن يدعوهم إلى قوله من غير برهان”. وتلك هي دعوى “استقلال العقل” -الذي إليه المرجع في الفلسفة- والتي تنبَّه إليها الفقيه المغربي ابن الطيب القادري، لما أنشأ يقول واصفاً حال الفيلسوف المنطقي: “يريد المرء الاستقلال بعقله، والاستنكاف عن درجات مثله، بخلاف العلوم الشرعية، فإنها ليست من بساط العقل”. وتعويلاً منهم على عقولهم تلك، عمد الفلاسفة العرب إلى تفسير الظواهر الطبيعية -التي كان يلجأ بعض الفقهاء إلى استغلال جهل الناس بها- حسب ما أدى إليه علم العصر وقاده إليه اجتهادهم. خذ مثلاً، ظاهرة “ملوحة البحر”، فقد ألَّفَ فيها فلاسفة الإسلام بعضَ الأعمال؛ نظير رسالة حنين بن إسحاق “كتاب السبب الذي صارت له مياه البحر مالحة”، وكتب فيها ثابت بن قرة “كتاب في السبب الذي جعلت له مياه البحر مالحة”؛ أو خذ الظواهر الفلكية، تجد الكندي ألَّفَ رسالةً جامعةً في علل أحداث الجو، وأفرد القول في “كتاب علة الضباب”، وفصله في: “كتاب في علة الرعد والبرق والثلج والصواعق والمطر”. وبينما كان بعض المُحدِّثين يفسرون المدّ والجزر بالقول: “المد من نَفَس الحوت، فإذا تنفس كان المدّ، وإذا رد النفس كان الجزر” (الإصبهاني: كتاب العظمة)، وجدنا الكندي يكتب كتاباً “في المدّ والجزر” يفسر فيه الأمرَين على ضوء ما بلغه علم عصره وحمله عليه اجتهاده. 

وقِس على ذلك تفسير ظاهرة “الكسوف” التي أفرد إليها ثابت بن قرة كتابه في “علة كسوف الشمس والقمر”، والغاية من الجبال، التي ألف فيها كتابه في “السبب في خلق الجبال”. وبدل الاستكانة إلى ما ورد عند المُحَدِّثين عن الرياح، وجدنا قُسْطَا بن لوقا يكتب كتاب “المروحة وأسباب الريح”. وفي شأن “الزلازل” ألفينا الكندي يكتب كتابه “في حدوث الرياح في باطن الأرض المحدثة كثرة الزلازل”، ووجدنا الرازي يحرر كتاباً في علة جذب المغناطيس، ويؤلف رسالةً في غروب الشمس والكواكب. على أن الملاحظ أنه في سائر هذه الكتابات ما استشهد فلاسفة الإسلام لا بالكتاب ولا بالحديث، وإنما عوَّلوا على عقولهم وعلى ثمرة اجتهادهم وخلاصة مطالعتهم لكتب علوم القدماء. أين نحن مما لجأ إليه ابن الجوزي الواعظ من التمييز بين ما يجوز العلم به وما لا يجوز، ومن اجتزاء مساحات كبرى وضعها تحت اسم علم الله، تاركاً هامشاً ضئيلاً لعلم الإنسان؟ ذلك أنه لما عرض إلى مسائل علمية، قال: “ولو قال قائل: ما الصواعق؟ وما البرق؟ وما الزلازل؟ قُلنا: شيء مزعج، ويكفي. والسر في ستر هذا أنه لو كشفت حقائقه خف مقدار تعظيمه”. وقد وجد مصداقاً لمذهبه هذا في ما تناقله بعض أهل الحديث من إسرائيليات. فهذا الأصبهاني صاحب كتاب “العظمة” يفسر الرعد على أنه “كلام السحب”، والبرق على أنه “ضحكها”، بل وأين نحن مما راح إليه الصوفي ابن عطاء الله السكندري وقد عرض إلى مسألة عالم الكواكب واقتراناتها: “ما فائدة التجسُّس على علم علام الغيوب؟ وقد نهانا سبحانه أن نتجسَّس على عباده، فقال: (ولا تجسسوا)، فكيف لنا أن نتجسس على غيبه؟”؛ بهذا يصير العلم تسوراً على غيب الله وتجسساً. ترى، متى ينتهي العلم ومتى يبدأ الغيب؟ تلك حدود لطالما كانت ولا تزال غائمةً في الفكر العربي الإسلامي. وهي فيصل التفرقة بين إرادة المعرفة من جهة، وإرادة عدم المعرفة، من جهة أخرى. وبهذا ينكشف جزء من السر في مهاجمة الكثير من الفلاسفة التنويريين لبعض المُحَدِّثين والفقهاء. وكان الكندي -أحد أوائل فلاسفة الإسلام- من أولهم، لما أنشأ يميز بين “أهل الحق” و”أهل الغربة عن الحق”، هؤلاء أشباه الفقهاء الذين جعلوا من سلطة جهلهم سلطة دينية: “ذباً عن كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين، وهم عدماء الدين؛ لأن مَن تجر بشيء باعه ومَن باع شيئاً لم يكن له، فمن تجر بالدين لم يكن له دين، ويحق أن يتعرَّى من الدين من عاند قُنية علم الأشياء بحقائقها، وسماها كفراً”. وفي مقدمته لكتاب -تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن- أفرد البيروني فِقَراً للحديث عن مسألة “التنوير” هذه، وإن لم ينص عليها بالاسم المعروف لدينا اليوم. وهو يناقشها من زاوية بث معارف علم الفلك تعليماً للناس، ويلاحظ أن الطاعنين على هذا العلم “من أهل زماننا”: “قد تشكلوا في أقطاره بأشكال الجهل، وتباهوا به وعادَوا ذوي الفضل، وأوقعوا بمَن اتسم بعلمه، وساموه أنواع الظلم والضيم”؛ وذلك “حتى جرهم ذلك إلى أن عافوا العلوم واجتووا خدمها”؛ إذ كانوا في أمر إرادة معرفة الفلك والنجوم بين “المفرط” و”الجافي”. فأما الصنف الأول، فيقول عنه: “المفرط منهم ينسبها [أي العلوم] إلى الضلال ليبغِّضها إلى أمثاله الجهال، ويسمها بسمة الإلحاد ليفتح لنفسه باب التدمير على أصحابها، فيخفى حاله بانقراضهم وانمحاقها”، وأما الصنف الثاني فينشئ عنهم: “والجافي منهم المتقلب بالإنصاف، يستمع لها استماع معاند ويرجع في عقباه إلى نذالة الأصل، ويظهر الحكمة البالغة في قوله: (فما المنفعة فيها) جهلاً منه بفضيلة الإنسان على سائر الحيوان”. وكأني به استبق اعتراض ابن الجوزي على ضرورة المعرفة بالعلوم اعتراضاً مسبقاً داحضاً شبهته في التسور على علم الله، بالقول: “أليس البشر مطبوعاً على فرط الحرص بتعرف ما استتر عنه وخفي أمره عليه؟”، هذا ناهيك بابن رشد الذي يختم تلخيص المقالة الثالثة من كتاب المزاج لجالينوس، بالقول: “ومعنى الفيلسوف المحب في علوم الحق”. 

وشرح هذا الاسم يرفع عن السامع له المنصف الشناعة التي لحقت هذه التسمية في زماننا هذا، من قِبل قوم انتسبوا إلى علم الشرع، وهم معرّون مما تعرفه العامة، ويعلق على قول لجالينوس في الشكوى من جهالة أهل زمانه، بالقول: “هذا قول لجالينوس، في وقته، مع إقبال الناس على الحكمة، واتفاقهم على فضلها على جميع الأشياء، وتقدمها على سائر المعارف الإنسانية. فكيف لو أدرك زماننا هذا، وما هم عليه من ذم الحكمة وازدرائهم بأهلها واعتقادهم في الآراء المناقضة للمعقولات الأول وإعجابهم بها”.