يعاني التديُّن الإسلامي اليومَ مشكلات كثيرة؛ منها الفهم الظاهري للنصوص بعيداً عن مقاصدها، ومنها الغياب الواضح للبُعد الإنساني في عموم المدارس الفقهية والأصولية، حتى جعلوا الإنسان في خدمة الدين! رغم أن المقاصد القرآنية لا تقول كذلك!
والسؤال الذي نطرحه: هل صحيح أن الإنسان في خدمة الدين؟ أم أن الدين جاء كرسالة سماوية لخدمة الإنسان والمجتمع؟
لا يمكن أن نجيب عن هذا السؤال بدقة؛ إنْ قفزنا؛ وتخطينا نظرية الإمام الشاطبي التي لها أهميتها في تصحيح مسار العقل الفقهي؛ إلا أنها أسست بشكل ما؛ لمفهوم الإنسان في خدمة الدين! رغم أن جلَّ ما يطرحه الإمام الشاطبي في نظريته لمقاصد الشريعة الإسلامية؛ لا يقول بهذا!
الإمام الشاطبي ونظرية المقاصد
حينما كتب الإمام الشاطبي كتابه الضخم (الموافقات)، كان ذا أثر كبير في تحول مسار الفقه الإسلامي؛ إذ ضبط شروط الفتوى بشكل أدق، وجعل لها أصولاً عقلية ومنطقية؛ أكثر من كونها معتمدة على الدليل النصي.
والشاطبي ولد ومات بالأندلس في النصف الثاني من القرن الهجري الثامن؛ الرابع عشر ميلادي؛ ولقد كان المجتمع الأندلسي مجتمعاً منفتحاً؛ ذا علاقة بالحضارات والثقافات الغربية بشكل كبير؛ وبالتالي لم يكن مجتمعاً منغلقاً؛ أو مذهبياً؛ أو طائفياً؛ كما مجتمعات الشرق سواء في الشام أو العراق أو مصر.
وهو أحد أهم فقهاء وأصولي الإسلام؛ مالكي الانتماء المذهبي؛ غرناطيّ الثقافة والجغرافية. له كتبٌ مهمة في التراث الإسلامي، منها: كتاب (الاعتصام في أهل البدع والضلالات) وهو كتاب يتحدث عن الانحرافات في السلوكيات المتدينة، المنسوبة للإسلام زوراً وبهتاناً، وكتاب (كتاب المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية) شرح فيه ألفية ابن مالك الشهيرة؛ ومطبوع بعشرة مجلدات. وغيرها كتب أخرى؛ منها ما لم يطُبع حتى اليوم؛ ومنها ما فُقد.
ولكن يبقى كتابه (الموافقات) في إيضاح مقاصد أحكام القرآن والسُّنة؛ وكيفية فهم أدلة التشريع وقواعده من خلال مقاصده لا ظاهره؛ هو الأهم في هذا الباب حتى اليوم.
اعتمد الشاطبي في (الموافقات) على منهج يعتمد النص (القرآن والسُّنة) بإثبات الكلية والجزئية، والاستقراء كدليل لإثبات نتيجة الحكم الفقهي، مُسْتَنبَطاً من النص، وأما المعاني عنده؛ فقد أخذ بالمصالح؛ وأوصى بأن لا يخرج الفقيه عن مقاصد الشريعة، ولا ينقض أصلاً من أصولها، لذا عَمِلَ في منهجه بقاعدة سد الذرائع؛ وإبطال الحيل الفقهية. كما قام بتقسيم مقاصد الشريعة إلى عامة وخاصة وجزئية!
ورغم أن الشاطبي في الموافقات يرفض الرأي الفقهي القائل بتقديم أو نسخ حديث الآحاد للقرآن؛ إذ قال:”أَجْمَعَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ وَلَا الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ؛ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلْمَقْطُوعِ بِهِ بِالْمَظْنُونِ”.(ج3. ص:339)؛ لكنه عمل بالحديث النبوي؛ إلا أنه رفض أن يكون الحديث ناسخاً للنص القرآني مهما كانت درجته، كما بيَّنا في مقولته آنفاً.
وربما أسهم استفحال ظهور المدرسة الظاهرية بالأندلس من خلال إمامها ابن حزم الأندلسي بالقرن الرابع الهجري؛ ثم تمددها أندلسياً؛ إلى دفع الإمام الشاطبي لكتابة سِفره المهم (الموافقات) الذي كان له عنوان آخر؛ هو التعريف بأسرار التكليف. لكن الشاطبي استقر على اسم الموافقات دفعاً للخصومات التي كان الحقد؛ والحسد؛ والتحيز المذهبي دافعاً لها.
ولكن هل لا تزال نظرية الإمام الشاطبي؛ التي تتحدث عن مقاصد الشريعة؛ وتضع الدين أولاً؛ صالحةً لتدين اليوم؟
اتفق الفقهاء والأصوليون على القاعدة: تتبدل الفتوى بتبدل الزمان والمكان. ولكنهم لم يعملوا بهذه القاعدة إلا في بعض الأشياء الهامشية؛ ومنذ ستة قرون وضع الإمام الشاطبي نظرية المقاصد الإسلامية؛ بكتابه (الموافقات) وهو كتاب عظيم؛ واستخلص فيه الضروريات أو (الكليات) الخمس التي تم اعتمادها من الفقهاء معظمهم؛ حتى يومنا هذا! وهذه الضروريات بحسب الأولوية عند الشاطبي؛ ومن ثَمّ الأصوليون والفقهاء بات ترتيبها؛ كما يلي:
أولاً: الدين. وثانياً: النفس. وثالثاً: العقل. ورابعاً: النسل. وخامساً: المال.
ولم يجرِ عليها أي تحديث؛ أو تطوير؛ أو مراجعة؛ من قِبل هيئة أو مؤسسة دينية إسلامية حتى يومنا هذا! لكننا اليوم في عصر دولة المواطنة؛ وحقوق الإنسان ذات أولوية في السياسات الحكومية كلها؛ كما أنّ اختلاف شكل الدولة من الإمبراطوري إلى المواطنة؛ مروراً بالدولة القومية والوطنية، وتطور نظريات ومنظمات حقوق الإنسان. فإننا بحاجة إلى تحديث المقاصد التي وضعها الإمام الشاطبي في القرن الثامن الهجري.
فدول اليوم؛ لم يعد مواطنوها كلهم على دين واحد؛ إنما على مذاهب وملل ونِحل شتى؛ وحتى قوميات مختلفة، لذا فإن وضع الدين بالمرتبة الأولى في الكليات أو الضروريات يحتاج إلى تبديل في الترتيب.
بأن نجعل النفس -أي الإنسان-ـ بدلاً من الدين؟ والقرآن قدم النفس الإنسانية على الدين في قوله تعالى:
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). البقرة: 173.
وفي موقع قرآني آخر يطالبك الخالق سبحانه وتعالى أن تُخْتَرق حدود المحرمات الإلهية! إذا كان هناك مظنة الخطر على حياة الإنسان فيقول: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ). الأنعام: 119.
ونجد هذا عملياً في حادثة عمار بن ياسر عندما عذبه مشركو قريش؛ حتى يكفر؛ فكفر؛ وشتم النبي ﷺ. دون أن يقول أحد لعمار لولا أن ضحيتَ بنفسكَ من أجل الدين. ويروي الزيلعي في كتابه (نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية) القصة بقوله:
أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النبي وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ. فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ؟! قَالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: إِنْ عَادُوا فَعُدْ. وهذا حديث صحيح على شرط الصحيحين.
إذن سبحانه تعالى يؤكد في حالة الاضطرار؛ والحالات الإنسانية؛ أن النفس البشرية تُقدم على الدين:
(فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). المائدة: 3.
ثم نتابع بتحديث نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي؛ فنجعل العقل بالمرتبة الثانية بدلاً من الثالثة؛ فالعقل مناط التكليف؛ ولا تكليف لمَن لا عقل له؟ كما يُقدَّم النسل كذلك؛ فالمحافظة على النسل محافظة على الجنس البشري المُكرم إلهياً، وما سبق يتطلب منا أن نجعل الحرية على رأس مقاصد الدين؛ فالحرية أولاً؛ حتى قبل التدين؛ لأن الله يريد عباداً لا عبيداً. وكم ضحت شعوب بأرواح أبنائها من أجل الحرية.
وبالتالي فإن تحديث نظرية المقاصد في ترتيب الضروريات التي وضعها الشاطبي، تصبح في عصرنا كما يلي: الحرية أولاً. والنفس (الإنسان) ثانياً. والعقل ثالثاً. والنسل رابعاً. والدين خامساً، والمال أخيراً. وهذا يعني بأننا أضفنا إلى مقاصد الشاطبي الحرية، وجعلناها أولاً.
لماذا الحرية أولاً؟
عندما تكون هناك قوانين تسنُّها السلطات الحاكمة؛ تتدخل في خيارات مواطنيها الدينية والسياسية، يصبح المواطن يبحث عن البقاء غير مبدع بسبب القهر والإكراه المحيط به، فتتوسع حينئذ دائرة النفاق الجمعي للنظام والسلطة، ولقد علمنا التاريخ أن كل منظومات الإكراه والاستبداد زائلة مهما طال زمنها.
أما إنْ سنَّت السلطات الحاكمة قوانين، تضمن لمواطنيها الحرية؛ فسيبدع الإنسان؛ ويبدأ بحثه عن السعادة لا البقاء فقط، فتتحقق النهضة والتنمية والتحضر. وعلينا أن نعترف بحقيقة؛ وهي أن كل من يخاف الحرية، إنما يخاف على معرفته الناقصة، ويخاف أن ينكشف جهله؛ وتُفضح عورته الثقافية والمعرفية؛ وتُهزم أمام الحقيقة والعقل.
أما الإسلام فلا يخاف الحقيقة، ولا الحرية، لأنه أول مَنْ صَدَّرَها؛ ودعا إليها، وليست لديه عورات يخاف أن تنكشف. وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك القضية حينما طرح المخالفون أفكارهم؛ إذ قال:
(وَإِنَّا أو إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أو فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ قُل لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ). سبأ:24ـ25
(قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)؛ وهذه آية تكررت في القرآن أربع مرات في الحوارية مع الآخرين.
فالحرية مقدمة على الإيمان؛ والحرية في مقاصد الرسالات السماوية؛ والحقيقة الإنسانية أولًا. ولذلك فإن المقولة التي لقنها كهنة الدين الموازي لأتباعهم القائلة: الإنسان في خدمة الدين. مقولة خاطئة. ومخالفة لمقاصد الرسالة السماوية.
إنما المقولة الصحيحة هي الدين في خدمة الإنسان. وبها نزلت الرسالات السماوية.