في أغلب تواريخ الأديان، تدور المرحلةُ الأولى حول شخصية المؤسس للدين، وحول مجموعة من الأتباع؛ حوله أو بعده، وهم الذين يتولون مهمةَ الدعوة للدين ونشره بين الناس. أما التاريخ الرسمي للدين الإسلامي، فهو تاريخ دون دعاة؛ فهو ينتقل مباشرةً من النبي المؤسس إلى المحاربين المنتصرين.
وتقتصر الدعوة في مرحلته التأسيسية، حسب الرواية السائدة، في العبارة المعروفة والمتكررة: “أسلم تسلم”. لكن، كيف يمكن للناس أن يسلموا إذا لم يعرض عليهم الدين ويتجادلوا فيه ويقتنعوا به؟ من هنا استقرت فكرة الإسلام ديانة حربية، أو ديانة المحاربين كما قال ماكس فيبر. وهي صورة نشرها المسلمون من خلال التاريخ الذي وضعوه لدينهم، ثم استعمله أعداؤهم ضدهم، قديماً وحديثاً. استعملته الكنيسة في العصر الوسيط لتقابل بين الإسلام الحربي ويسوع المسالم، رغم حلقات العنف التي شجعته الكنيسة مع محاكم التفتيش والحروب الصليبية. وركز الاستشراق في القرن التاسع عشر على ارتباط الإسلام بالعنف، مع أنه مارسَ العنفَ من خلال المشروع الاستعماري الذي طال الجزء الأكبر من العالم الإسلامي. وعادت هذه التهمة بقوة بعد العملية الإرهابية يوم 11/9/2001، وهي متواصلة إلى يومنا هذا، تخلط بين العنف الإسلامي الذي هو حقيقة والمقاومة من أجل القضايا العادلة وهي مشروعة.
ليس هذا المقال بحثاً في علاقة الإسلام بالعنف، وإنما هو تساؤل عن الدعاة في مرحلة الإسلام التأسيسي، هل كانوا غائبين كما يصور ذلك التاريخ الرسمي، فيكون الإسلام قد انتشر بالحرب لا غير؟ هذه الفرضية تفرض نفسها عند الاطلاع على الكتب التاريخية القديمة؛ لكنها قابلة للتشكيك والمراجعة عند استقراء النص القرآني، فإذا ما راجعنا ما هو موجود في القرآن نراه يتحدث في مواضع عديدة عن القتال؛ لكنه يتحدث في مواضع أكثر عن الدعوة، واستعمال العقل والحجة، ومجادلة المخالفين والمترددين بالتي هي أحسن. ولقد قدم مجموعة متنوعة من الاستدلالات توجه بها إلى الناس؛ لإقناعهم بالدخول في الدين الجديد. وهذا أمر لا نجده في الكتب المقدسة لليهود ولا في الأناجيل التي تعتمد خصوصاً على المعجزات والخوارق. فهل كان النبي هو الوحيد الذي يجادل على دينه؟ ألم يبرز بين أصحابه مَن شاركوا معه في الدعوة؟ وفي هذه الحالة، لماذا لا نجد في كتب الأحاديث نماذج من المجادلات النبوية؟ ولماذا لا نجد في تاريخ الصحابة مجادلات في الدعوة؟ لماذا لم تذكر كتب التاريخ والسير والطبقات ذلك؟ وهل يعقل أن جهود الدعوة قد توقفت فجأة مع موت النبي، وأن المسلمين بعده لم يعد لهم من مشغل إلا الحرب، ومن وسيلة إلا السيف، ومن خطاب إلا عبارة “أسلم تسلم”؟
هناك فرضية أخرى يمكن أن تُطرح وتجد لها سنداً من النص القرآني؛ باعتباره الوثيقة التاريخية الأكثر مصداقيةً عن تلك المرحلة، وهي التالية: لقد مارسَ النبي نشاطاً حثيثاً في الدعوة؛ لكن لم يهتم كتَّاب السيرة بعده بإبراز هذا الجانب، وفرَّطوا فيه لحساب الحرب والغزو والجهاد. فهذه السيرة لم تكتب في العهد النبوي وإنما جاءت إعادة صياغة لتاريخ سابق، قام بها ابن إسحاق (ت 151 ه/ 769 م) وتلامذته بعده، وأشهرهم ابن هشام (ت 218 ه/ 833) الذي يعدّ المرجع الأكبر في كتابة السيرة إلى اليوم. ولا نعرف سيرة ابن إسحاق إلا من خلال روايته. وبالمثل، لم يهتم رواة الحديث بهذا الجانب، وأبرزهم البخاري (ت 256 ه/ 870 م) ومسلم (ت 261 ه/ 875 م) وابن حنبل (ت 241 ه/ 855 م)؛ لأن اهتماماتهم كانت فقهية أساساً، فعرضوا الحديث النبوي حسب المشاغل الفقهية، في أبواب للعبادات والمعاملات، لا حسب التطور التاريخي لحياة صاحب الأحاديث.
لقد ارتبط تدوين الحديث حينئذ بالنشاط الفقهي، فأُعيدت صياغة الأحاديث حسب اهتمامات الفقهاء، هذا من جهة. ثم من جهة أخرى، انتقل الحكم الإسلامي إلى الشكل العسكري ابتداء من المتوكل العباسي (232- 247 ه/ 847- 861 م). لم تعد الدعوة تحظى بالاهتمام لدى الفقيه والمحدّث؛ لأنهما يخاطبان المسلمين لا غير. ولم تعد تحظى باهتمام الحاكم العسكري؛ لأن وسيلته السيف لا الجدل. لكن هذا التحول لم يحصل إلا بعد أكثر من قرنَين من وفاة النبي. فهناك مرحلة طويلة جداً تظل غائبةَ المعالم، يفترض أن تكون هي مرحلة الدعوة، وهي التي شهدت دخول الملايين في الدين الإسلامي. وإذا كان هذا الافتراض صحيحاً، فإن دعاة الإسلام، هؤلاء الذين يوازون الحواريين وآباء الكنيسة في المسيحية، هم الطائفة الوحيدة التي نعلم يقيناً أنها مارست الدعوة، وهي طائفة المعتزلة. فيكون مقامها مقام السلف بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ لأنها واصلت ما نراه في القرآن من استدلالات للإقناع بالإسلام وعقائده، وواصلت ما كان يقوم به النبي للدعوة ثم أهمله المحدثون عند تدوين أقواله.
أما أن المعتزل كانوا دعاة الإسلام، فهذا أمر لا يقبل الشك، فقد اكتشفت آثارهم بعد تدخل الجيش المصري في اليمن في الستينيات، وأصبح متأكداً أنهم كانوا فرسان الدعوة والجدل. وهذه الآثار تشهد بذلك. ثم إن الأدب العربي يشهد أيضاً بذلك، فهذا شعر بشار وأبي نواس وغيرهما، يؤكدان الضغط الذي كان يمارسه المعتزلة للدعوة في الفضاء العام، بينما كان الفقهاء والمحدثون يعيشون منكفئين على أنفسهم في الغالب، نشاطهم الرواية أو الفتوى، وكلاهما لا يوجّه إلا إلى المسلم المتدين، بينما الدعوة تتجه إلى المخالفين والمشككين. المعتزلة هم حملة لواء الدعوة الإسلامية، وهم سلف الأمة الذي واصل حمل أمانة التبليغ كما وردت في القرآن وتجسدت مع النبي. والحسن البصري (ت 110 ه/ م728) وواصل بن عطاء (ت 131 ه- 748م) وعمرو بن عبيد (ت 143 ه/ 761 م)، والأسماء الأخرى التي وضعها مؤرخو المعتزل المتأخرون في الطبقة الرابعة والخامسة والسادسة، إلى حدّ جيل الجاحظ (ت 255 ه/ 868 م)) الذي قد يكون عاش أكثر من تسعين سنة، هؤلاء هم الذين تولّوا الدعوة ونشر الإسلام، ثم ذهبوا ضحية وضعية تاريخية جديدة. فمع دخول الملايين في الإسلام، ما عادت من حاجة إلى الدعوة. وإنما أصبحت الحاجة ملحة لتنظيم شؤون هؤلاء المسلمين الجدد. فانتشر الفقه والحديث في كل مكان، وأُلغيت الدعوة والجدل، ثم أُعيدت صياغة الإسلام حسب نموذج السلطة العسكرية، فأصبحت صورة الإله صورة الحاكم المتسلط، يفعل ما يريد بعباده، يجازيهم إن شاء أو يعذبهم إن شاء، له أن يعدهم ثم يخلفهم، ليس مطالباً بالقيام بالأحسن والألطف لهم، الحسن ما حسَّنه والقبيح ما قبَّحه، ولا عقل يحتكم إليه في هذا المجال. ثم كان ضرورياً نزع الشرعية عن دعاة الإسلام الذين كان لهم الفضل في انتشاره عندما قدَّموه للأمم ديناً قائماً على التعقل والاستدلال؛ ليغروهم بالدخول فيه، وربطوه بالعدل؛ ليجعلوه قريباً لتطلعاتهم وآمالهم. فقد حكم على “أهل العدل والتوحيد” بالابتداع والضلال، وأخرجوا من دائرة القول المسموح والرأي المعتبر، ومنع تداول آثارهم وآرائهم.
وتحوَّل الحجاج بعدهم إلى نشاط شكلي مع الأشاعرة، ليست غايته إقناع الآخرين بل مجرد تثبيت إيمان المسلم المقتنع. ولم يعد موجهاً للآخر بل لأهل الدار، فلم يعد ذا فائدة؛ بل مجرد مماحكات وسفسطة، ولم يفد سوى في فتح خصومات استمرت قروناً بين الفقهاء والأشاعرة والمحدثين، كلّ يريد أن يستأثر بالنصيب الأكبر من التمثيلية الدينية؛ بل يريد أن يحتكرها لنفسه فقط. أما السلف الحقيقي، أي الجيل الذي واصلَ الإسلام باعتباره دعوة للعالمين، فقد ضاعت آثاره وما عادت من طريقة للتواصل معه، سوى عبر كتابات متأخرة ظلت محفوظةً لكنها ليست الآثار المباشرة لذلك العصر. لقد ضاع السلف واستبدل بسلف آخر، ولن يكون أحد منا سلفياً اليوم بعد هذا الضياع، ولن يكون أحد منا داعيةً بعد أن ضاعت دفاتر الدعوة الأصلية، دفاتر المعتزلة الأُوَل. ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نعيش الدين حسب روح العصر، ونؤمن بأن أفضل تديُّن هو الذي يفيد في الحاضر ولا يعيش على أطلال الماضي.
الدين تجربة روحانية، لا محاكاة ساذجة لسلف متوهم. والمعنى تفاعل شخصي مع المقدس؛ لا قراءة حرفية لنص مقطوع عن سياق إنتاجه. ومحور التدين الضمير الفردي، لا النموذج الجمعي الذي يطلق عليه السلف، مع أنه مجرد تشكل تاريخي، لا فقط أنه يرتبط بمرحلة تاريخية ماضية؛ بل يرتبط بمرحلة لم تكن بالضرورة المرحلة الأفضل والأرقى في تاريخ المسلمين. لتنتهي مغامرات البحث عن السلف الضائع ولنتعامل مع الدين هنا والآن، من خلال ضمير المتدين لا غير.
كلمة «الوُكيسم Le wokisme»؛ يُعرِّفُها معجم لاروس الصادر سنة 2023 بأنها (أيديلوجية) تتخذ من قضايا المساواة والعدالة والدفاع عن الأقليات شعارًا لها. ويصفها معارضوها بأنها (ديانة بروتستانتية جديدة) متطرفة، تبتغي هدم الثقافة الغربية وتقويض الأساس اليهودي المسيحي الذي نهضت عليه، وأنها حركة سياسية تريد كتابة تاريخ مغاير لتاريخ (الرجل الأبيض) الذي تتهمه بالعنصرية والعرقية، وتنسب إليه كل شرور الغرب الحالية التي نعرفها؛ بدءًا من مشاكل التمييز العنصري والجنسي، وصولاً إلى قضايا البيئة والتلوث والاستغلال وغيرها من القضايا.
ويصفها البعض الآخر بأنها فكر هدام معادٍ لإرث الأنوار وفكرة الكونية، وأنها تريد إشاعة ثقافة الفوضى والاستياء وكره العالم، وأنها لا تحترم تعدد الآراء وترفض كل ما ينتمي إلى ماضي الغرب؛ (وبصورة خاصة ماضيه الاستعماري الذي عرف مختلف صنوف الاستغلال والتمييز العرقي التي لم تختفِ إلى اليوم). وتنظر إليها بعض الأوساط الفكرية الغربية؛ (وبصورة خاصة الأوساط المنتمية إلى تيار اليمين المحافظ) بمثابة (شبح) جديد يهيمن على الغرب، كمثل شبح الماركسية الذي هيمن فيما مضى، بل يفوقه خطرًا؛ فهي ترفض الاعتراف بالهويات البيولوجية، وتتحدث عن حق الفرد في (اختيار هويته الجنسية)، وتنظر إلى هذه الأخيرة على أنها نتاج تاريخ طويل من القمع والهيمنة (الذكورية السّامّة) التي تغذيها (ذكورية اللغة)، وفي هذا ما يفسر دعوتهم إلى إضافة ضمير محايد (iel في الفرنسية) لا يشير إلى جنس المخاطب؛ أو الضمير الثالث لـِ(هو) و (هي). لكن، ما حركة الصحوة هذه «Le wokisme»؟ وكيف تُعرِّفُ نفسها؟ وماهي طروحاتها الأساس؟
لا تمثل (عقيدة الصحوة) حركة فكرية لها جسدها المفاهيميّ الواضح بقدر ما تمثل (تحالفًا ظرفيًا) لتيارات فكرية وأيديولوجية مختلفة، تُشكِل في مجموعها جوهر حركة الوايك (الصحوة أو اليقظة):
أولاً: مناهضو العنصرية المعاصرة: وهم مقتنعون بأن الشرور الحالية التي يعاني منها المجتمع الغربي هي نتاج (عمل البِيض)، ويطالبونهم بالتخلي عن امتيازاتهم لصالح الأقليات، وتعويض أحفاد العبيد عن الانتهاكات التي حصلت بحقهم (بصورة خاصة في أمريكا).
ثانيًا: النسوية الجديدة التي تؤكد أن هناك نظامًا قمعيًا أقامه الرجال بهدف إدامة الهيمنة على النساء؛ وترى وجوب التخلي عن التصور الذكوري الرجالي واتخاذ إجراءات تتيح تمكين النساء من الاندماج بشكل كامل في المجتمع.
وأخيراً: حركات (الميم) و(المتحولين جنسيا+ LGBTQIA) التي ترفض الثنائية الجنسية، وتدعو لحق الفرد بتغيير جنسه لو أراد.
في الواقع، يتأسس فكر (حركة الصحوة أو اليقظة) (بصورة خاصة تيار مناهضة العنصرية، وهو المعني في هذه السطور) على تصور مفاده أن الحركات المتنوعة لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية قد فشلت في تأسيس نظام مساواة يُفضي إلى إلغاء التمييز العنصري والجنسي داخل المجتمع، بما يتيح تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعيّة، وأن النظام القائم هو نظام تمييزيٌّ يضمن توزيعاً غير متساوٍ للثروات والفرص استناداً إلى السمات البيولوجية الفردية، وفي قمة رؤيتهم الهرمية لهذا النظام المجتمعي يأتي “الذكور البيض”، والأثرياء الذين قاموا ببناء مؤسسات ونظام سياسي واجتماعي يهدف إلى تأبيد سيطرتهم وحسب، ويستنتجون -في ضوء ذلك- أنه إذا كانت عناصر البناء الاجتماعي قد تم تشكيلها من قبل الحاكمين ولصالحهم، فإن النتيجة المنطيقة لهذا البناء هي بالضرورة وجود مجتمع يعاني من مختلف صنوف (التلوث) التي ينبغي التخلص منها؛ (وبصورة خاصة العنصرية)، وفي رأيهم أن العنصرية في الغرب ليست مسألة فردية تتعلق بالسلوك والمواقف والقناعات بقدر ما هي نظام من المزايا والامتيازات الاجتماعية والاقتصادية الذي تعكسه السياسات والممارسات والإجراءات المؤسسيّة الراسخة التي لا تكفّ عن انتاج التمييز وتعزيز التحيزات والفروقات، وهي ليست أيديولوجيا بقدر ماهي بنية اجتماعية ونظام راسخ للهيمنة الأوروبية العالمية.
وهذا ما أشار إليه تشارلز ميلز في كتابه العقد العنصري إذ قال: “إن النظام السياسي الذي شَكَّلَ العالم منذ ما يزيد عن ألفي عام يقوم في جوهره على (عقد عنصري)، يهدف إلى تعزيز وإدامة تفوق الرجل الأبيض وسيطرته على الآخرين، أي بقية شعوب العالم، كما أن (العقد الاجتماعي) الذي طوره الفلاسفة الأوروبيون ينطوي، صراحة أو ضمنًا، على عقدٍ (عنصري) يقوم على التمييز والفصل بين (البِيض) و(غير البِيض)، ويعمل على تكريس استعباد الأشخاص (غير البِيض)، مما يجعل منه (عقد سيطرة) في نهاية المطاف.” ولم تبتعد روبن دي انجيلو (عالمة الاجتماع الامريكية) عن هذه الرؤية إذ كتبت في الهشاشة البيضاء: “إن العنصرية في الغرب هي القاعدة وليست الاستثناء، والهُويّة البيضاء هي هُوية عنصرية بطبيعتها؛ لأنها تتأسس بنيوياً على فكرة (تفوق البيض)، وهي تُمارَس مع وجود أيديولوجيا التفوق أو بدونها.”
إن ايديلوجية هيمنة الرجل الأبيض وتفوقه، والتمييز الجنسي والعرقي والديني، إضافة إلى أيديولوجيا الهيمنة الذكورية؛ (التي كرسها النظام الأبوي)، والسيطرة على الطبيعة وغيرها، ليست في الواقع مجرد لحظات أو محطة من تاريخ الغرب، بل هي حقيقة الغرب نفسه، (وفق رؤية أنصار الصحوة)، وأن روح الغرب هي روح افتراس وهيمنة منظمة؛ ومن هنا برزت فكرة الاستحقاق الذي ينبغي للغرب أن يؤديه تجاه الأقليات وتجاه كل أولئك المهمشين الذي كانوا ضحايا هذه الهيمنة.
ومهما اختلفت الآراء والمواقف حول تصورات وأفكار أنصار (الصحوة) فإن في آرائهم الكثير من الصواب الذي لا ينبغي تجاهله (وفق اندريه سبونفيل)؛ فالعنصرية لم تختفِ من المجتمع الغربي حتى في الدوائر الأكثر تقدمية، بل اتخذت اشكالاً أكثر حصافة ومكرًا، وكذلك الاستعمار؛ بعد أزيد من نصف قرن على انتهائه، لايزال حاضراً في الرؤوس، وفي علاقات الهيمنة السياسة والاقتصادية والثقافية بين البلدان المُستَعمِرة ومستعمراتها السابقة، التي مازالت تخضع إلى الآن إلى أقسى أنواع الاستغلال. ولا ينبغي أن ننسى أن الدول التي صنعت إمبراطوريات فيما مضى (فرنسا وبريطانيا تمثيلا لا حصرًا)، ظلت أغنى وأقوى من مستعمراتهم السابقة. ولا تمثل أمريكا الشمالية التي كانت مستعمرة بريطانية، سوى الاستثناء الذي يثبت القاعدة.
لكن حركة الصحوة تخطئ، في نظر نقادها الأكثر اعتدالًا عندما تقوم بتقسيم المجتمع وترسيخ هويات معينة استنادًا إلى أساس عرقي أو ديني أو جنسي، لدرجةٍ تخاطر معها في اعتبار أن كل أبيض أو ذكر أو غربيّ هو مذنب بالضرورة، الأمر الذي يفضي في النهاية إلى الوقوع في فخ تقسيم البشر بين (ضحايا) و(خاضعين) من جانب، في مقابل مُستغِلين ومُهيمِنين من جانب آخر، وعند هذا الحد تخاطر الحركة في الوقوع في الشرور ذاتها التي تدعي محاربتها، وتتحول هي نفسها إلى خطر يضاف إلى الأخطار الداخلية لمجتمع منقسم اصلًا؛ ذلك أن تقديم المجتمع الغربي على أنه مجتمع عنصري في جوهره أو مُعادٍ للمثلية أو للآخرين غير البيض، يفضي إلى القول بوجوب محاربته والإطاحة به، وليس هذا وحسب، فقد ذهب التطرف بأنصار هذه الحركة إلى حدِّ التشكيك في حيادية العلوم واستقلالها؛ (وبصورة خاصة، العلوم الإنسانية)، التي لم تفعِّل -وفق تصورهم- سوى تعزيز امتياز وتفوق الرجل الأبيض وهيمنته، وتكريس التمايز الجنسي، ونظروا إلى هذه العلوم على أنّها بمثابة أداة من أدوات السلطة؛ فهي علوم ولدت في رحم مؤسسات السلطة، وخدمةً لأغراضها، واستنادًا إلى هذه الرؤية رفضوا القول بوجود حقيقة موضوعية؛ لأن الحقيقة تتبع في تشكلها وتغيرها وتطورها علاقات السلطة ونظام الهيمنة الذي يفرضها بوصفها حقيقة؛ ولهذا فقد دعَوا إلى القطيعة مع فكرة (حقيقة موضوعية) أو (قيم كونية) يمكن تعميمها، لفائدة (حقائق نسبية)، كما نادوا بضرورة الخروج من فكر الأنوار الذي رسخ مثل هذه الادعاء الذي لم يكن في الواقع سوى أداة سيطرة وإقصاء عززها العقل الأدواتيّ المستند إلى الحجج والبراهين. وأما بخصوص من يزعمون خلاف ذلك باسم العقل أو قيم الدولة ومُثُلها؛ فهم في الواقع عنصريون يجهلون أنهم كذلك؛ إذ يعتقدون أنهم أصحاب نزعات كونية، لكنهم في الواقع ليسوا سوى أصحاب بشرة بيضاء مصابون بعمى الألوان والعنصرية، أو كره الإسلام الذي لا ينكرونه، بل يتباهون به.
في الواقع تفضي طروحات حركة (الصحوة) هذه، (وتحت ستار مناهضة العنصرية والكفاح ضد كافة أشكال التمييز)، إلى نوع من التناقض والمفارقة؛ لكونها تنتهي إلى إضفاء الطابع العرقي أو الهُوياتيّ أو المجتمعيّ الضيق على النقاشات، إلى الحدِّ الذي يفضي إلى خلق تمييز عنصري جديد، من قبيل تنظيم اجتماعات (أحادية الجنس)، أو أنشطة محظورة على البِيض، وهم بذلك يخاطرون بتحويل الصراع الطبقي، الذي تحدث عنه ماركس وانجلز في البيان إلى صراع (أجناس) أو (أنواع)؛ (جندر)، أو صراع كيانات وحركات وتوجهات.
كل هذا يرسم الكثير من الشكوك ويثير القلق بشأن هذه الحركة في الأوساط الفكرية، (وبصورة خاصة في فرنسا). وبعيدًا عن القول: إنّ هذه الحركة تمثل تعبيرًا عن التناقضات الحادة داخل المجتمع الغربي، فإنها تشير في المقابل إلى حيوية هذا المجتمع الذي لا يكفّ -بالرغم من أزماته- عن إخضاع تاريخه وتصوراته وقيمه لمُساءلة دائمة. وهذا يدفعني إلى التساؤل -بصرف النظر عن انحرافات هذه الحركة-: متى نمارس نحن العرب نقداً ذاتياً بخصوص ظواهرنا المَرضيّة المُتعلقة بالتعصب في أشكاله كافة، وكذلك في مختلف صنوف الاستغلال والهيمنة والقمع السياسي؟