Skip to content Skip to footer

في أساس السياسة عربياً | عقيل سعيد محفوض

يُعدُّ العرب من أكثر المجتمعات غرقاً أو انهماماً في السياسة، وأكثرها افتقاراً لها وعزوفاً عنها في آن! يبدو كل شيء مسيَّساً، لكن نظرة إلى واقع الحال تُظهر أنهم “بلا سياسة” تقريباً؛ إذا نظرنا للسياسة بوصفها تنظيماً وتداولاً وخيارات وبدائل، وبوصفها حرية ومشاركة وتنمية، كما تعرِّفها أدبيات واجتهادات وإسهامات العالم اليوم.


 

ثمة مؤشران رئيسان، قُل: خطَّان “متمفصلان” في السياسة لدى العرب اليوم: الأول، أن العرب يشغلون مواقع متقدمة في مؤشرات العنف والفقر والهجرة والفساد والاستبداد، ومؤشرات “الدول الهشة” و”الفاشلة” أو “المهددة بالفشل”. والثاني، أنهم يشغلون مواقع متأخرة في مؤشرات التنمية والحريات وحقوق الإنسان، والأمن والاستقرار، والإنتاج الثقافي والتأثير الحضاري في العالم. وهذا مما يفسر حالة الإخفاق أو الرسوب شبه الدائمة في مواجهة التحديات، والتخلف عن اللحاق بالأمم المتحضرة والبقاء خارج التاريخ. وثمة مَن يتحدث عن “عطب عميق” في العلاقة بين العرب والسياسة. (محمد جابر الأنصاري، العرب والسياسة: أين الخلل؟)، وهو خلل مُقيم ومُعَنِّد. وثمة مَن يحذر من أن المجتمعات العربية “قريبة من الانقراض” بالمعنى الحضاري. (أدونيس، حوار، تموز 2023). إن البحث في “أُس” السياسة، لا يقتصر على درس وفهم أبعادها اللغوية والمعجمية أو كتب ورسائل الملوك ومرايا السلاطين، واجتهادات وتنظيرات الأحزاب والتيارات والمفكرين، على أهميته؛ بل يشمل معيوشها، وما يدعوه الفارابي بـ”أَحْوَال النَّاس وأعمالهم ومتصرفاتهم”. وما يكمن في أساس التفكير والعيش، ونظم القيم، وميزان التوجيه العميق في تدبير الحياة، كما هو في الواقع. 

وتقصي “المسكوت عنه” و”لا مفكر فيه” و”المتنكر له” و”المنسي” في السياسة والاجتماع والثقافة والتاريخ وغيرها. يقول الفارابي: “إِن أَنْفَع الْأُمُور الَّتِي يسلكها الْمَرْء فِي استجلاب علم السياسة وَغَيره من الْعُلُوم أَن يتَأَمَّل أَحْوَال النَّاس وأعمالهم ومتصرفاتهم مَا شَهِدَهَا وَمَا غَابَ عَنْهَا مِمَّا سَمعه وتناهى إِلَيْهِ مِنْهَا وَأَن يمعن النّظر فِيهَا ويميز بَين محاسنها ومساوئها وَبَين النافع والضار لَهُم مِنْهَا ثمَّ ليجتهد فِي التَّمَسُّك بمحاسنها لينال من مَنَافِعهَا مثل مَا نالوا وَفِي التَّحَرُّز والاجتناب من مساوئها ليأمن من مضارها وَيسلم من غوائلها مثل مَا سلمُوا”. (الفارابي، كتاب السياسة المدنية). ثمة حاجة لتعيين ما يمثل “أساساً” أو “جذراً” للسياسة، كما سبقت الإشارة، أو ربما “الدرجة صفر في السياسة”، بتعبير مستوحى من رولان بارت. ولدى أرسطو كلام مهم في هذا الباب؛ أي أساس السياسة أو لحظة البدء في السياسة. (أرسطو، كتاب السياسات، ترجمة: أحمد لطفي السيد). وحاولت حنة أرندت استئناف النقاش حول الموضوع. (أرندت، ما السياسة؟ الترجمة العربية، منشورات ضفاف، 2014). ومن ذلك مثلاً السؤال: أين تبدأ السياسة، وما أصلها، وأين تحضر وأين تغيب، ولماذا يكثر حديث العرب في السياسة، بينما تغيب معانيها ودلالاتها الحضارية في حياتهم وعيشهم وتاريخهم وإلى حد ما حاضرهم، ويغيبون عن سياسات العالم، اللهم إلا بما هم “موضوع” لها؟ ويتناول فلاسفة عرب ومسلمون السياسة بوصفها: “تدبير المدينة”، و”تدبير الملة”، و”السياسة المدنية”، بتعبير الفارابي وابن سينا وابن باجة مثلاً.

وتعني السياسة “علم تعلم منه أنواع الرئاسة والسياسات والاجتماعات المدنية وأحوالها”. (التهانوي، اصطلاحات العلوم والفنون، 1996، ج1، 994). ويتناول علما الفقه والكلام السياسة “كعرض لشروط الإمامة وعلاقتها بالسلطان في الأولى، وكبرهان على حكمة الله في حفظ النوع البشري، بدفع الضرر وإقامة الدين في الثانية، كما نجدها عند الغزالي وفخر الدين الرازي وفي ألف ليلة وليلة، على حد سواء”. (عزيز العظمة، التراث بين السلطان والتاريخ، ص 42). وأما في اللغة، كما في كتاب “مقاييس اللغة” لابن فارس، وهو من أهم اللغويين العرب، فيبرُز معنيان أساسيان: “أحدهما فسادٌ في شيء، والآخر جِبلَّةٌ وخليقةٌ. فالأول: سَاس الطّعَامُ يَسَاسُ، وأَسَاسَ يَسِيسُ، إذا فَسَدَ بشيء يُقال له سُوسٌ. وسَاسَتِ الشّاةُ تَسَاسُ، إذا كثُر قَمْلها… وأما الكلمةُ الأخرى فالسُّوسُ، وهو الطَّبع، ويقال: هذا من سُوسِ فلانٍ، أي طبعه”. (ابن فارس، مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، 1979). يذهب ابن فارس في معنى السياسة إلى ربطها بطبائع الإنسان والقيادة والتدبير والأخلاق. وتذهب معاجم اللغة المختلفة إلى استعارات من الطبيعة والحيوانات، ومن ذلك سوس الخيل والقوة وأخذ الناس بالقوة والقهر والغلبة. وفي كتاب “كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم” للتهانوي، مثلاً، أن السياسة هي: “استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجّي في الدنيا والآخرة”، وهي “القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال”. (التهانوي، الكشاف، مكتبة لبنان، 1996). وفي “الكليات” للكفوي، أن السياسة هي “إصلاح معاملة عامة الناس في ما بينهم ونظمهم في أمور معاشهم وتسمَّى سياسة مدنية”. وإصلاح العامة “مبني على الشوكة الظاهرة والسلطنة القاهرة”. والسياسة “منوطة بالجبر والقهر وتسمَّى سياسة نفسية”. والسياسة هي: “تدبير المعاش بإصلاح أحوال جماعة مخصوصة على سنن العدل والاستقامة وتسمَّى سياسة بدنية”. نتابع مع الكفوي في “كلياته”، يقول: و”السياسة المدنية من أقسام الحكمة العملية وتسمَّى بالحكمة السياسية وعلم السياسة وسياسة الملك والحكمة المدنية. وهو علم تعلم منه أنواع الرئاسة والسياسات والاجتماعات المدنية وأحوالها، وموضوعه المراتب المدنية وأحكامها والاجتماعات الفاضلة والرديئة، ووجه استبقاء كلّ واحد منها وعلّة زواله، ووجه انتقاله وما ينبغي أن يكون عليه الملك في نفسه، وحال أعوانه. وأمر الرعية وعمارة المدن. وهذا العلم وإن كان الملوك وأعوانهم أحوج إليه، فلا يستغني عنه أحد من الناس؛ لأنّ الإنسان مدني بالطبع ويجب عليه اختيار المدينة الفاضلة مسكناً، والهجرة عن الرديئة، وإن يعلم كيف ينفع أهل مدينته وينتفع بهم، وإنّما يتم ذلك بهذا العلم”. (أبو البقاء الكفوي، الكليات، ج1). والملاحظ التداخل والتماهي بين المعنى اللغوي والأنثروبولوجي والتاريخي وإلى حد ما الراهن. وعلى الرغم من الاجتهادات المهمة في باب السياسة وتدبيرها، وخاصة في كتب الفلاسفة واللغويين وإلى حد ما الفقهاء؛ فإن الوقائع والتواريخ تبدو أقرب لمعنى السياسة الوارد في أكثر قواميس اللغة ومصنفاتها حول “الشوكة الظاهرة والسلطنة القاهرة”، و”الجبر والقهر”، على ما يقول “الكفوي” في كتابه “الكليات” مما ورد ذكره أعلاه. يتحدث عزيز العظمة مثلاً عن فصل “بين الحكم وبين أصول الحكم”، “بين السياسة وأصول السياسة”، (العظمة، التراث بين السلطان والتاريخ، ص41-42). هذا الأمر قد يبدو غريباً، لكنه يساعد في تفسير حال السياسة والدولة في الفضاء العربي بصورة خاصة؛ إذ لكل منهما “حيز فكري مستقل له مفاهيمه التي تستوعب مسائله وشبكة علاقات تربط بين هذه المفاهيم وتسقط دلالاتها على الوقائع ذات الصلة”، (العظمة، التراث، ص42).

يقول جوليان فروند: “إننا نصدف السياسة في كل شيء”. (فروند، جوهر السياسة، 2016). وإذا أمكن أن ننظر إليها، في أفق تعريف جيل دولوز للفلسفة مثلاً، تكون السياسة “إبداعاً أو ابتداعاً” في “تدبير الحياة”، وبالطبع “الضبط” و”المراقبة والمعاقبة”، بتعبير ميشيل فوكو مثلاً. (فوكو، المراقبة والمعاقبة، مركز الإنماء القومي، 1990). والسياسة في أدبيات اليوم هي: “أمن الفرد”، و”تمكينه”، و”توسيع الخيارات أمامه”، وليس مجرد حكمه والسيطرة عليه والتحكم به. وهي “تدبير العيش” بحرية وكرامة، وليس مجرد “الحفاظ على الحياة”. (جورجيو أغامبين، حالة الاستثناء: الإنسان الحرام، الترجمة العربية، مدارات، 2015). وهي التمييز بين العدو والصديق، (كارل شميت، مفهوم السياسي، الترجمة العربية، مدارات، 2017). والسياسة أيضاً هي توزيع الموارد الماديَّة والمعنويَّة، وبالطبع ضبط إنتاجها، وضبط تفاعلات مختلف الأطراف والفواعل حيالها. ولو أنَّ تحديد ذلك أصبح أمراً بالغ الصعوبة في الزمان العالمي اليوم، وخاصَّة مع التغيُّر في مدارك السلطة وقوَّة الدولة وسيادتها أمام العالم، وتراجع قابليتها وشرعيّتها لدى الناس، وتغير مفاهيم الهويَّة والولاء والانتماء، وسيولة التدفقات بين الداخل والخارج. وما يعنيه ذلك من صعوبة في ضبط السياسة والسلطة والأمن بالنسبة إلى الأفراد والمجتمعات والدول. إنَّ توزيع السلطة، بمعنى عدم تمركزها أو التقليل منه ما أمكن، هو أمر لازم أو واجب. لكن ليس توزيع “معنى” أو “روح” السلطة والسيادة. ولا يكون ذلك مجرد “انعكاس” لأنماط القوى والتفاعلات في الواقع أو في المجتمع وخاصَّة في لحظة الحرب. أي أن توزيع السلطة والموارد لا يجب أن يفضي إلى سلطة أو سيادة هشَّة أو متصدعة، تناحريَّة أو انقساميَّة، كما هي الحال في عدد من المجتمعات والدول في المنطقة العربية. ولا تكون السلطة أحادية ومتمركزة أو تسلطية. ولا يشهد المجتمع اصطفافات أو انقسامات حادة حيال الشأن العام. والمهم هو أن يكون ثمَّة تَطَلُّع وتَوَجُّه وقابلية اجتماعية ومقولات وإرادةٌ تَحْكُم المجتمع والدولة بكيفيَّة مستقرَّة. وهذه -على أية حال- موضوعات أكثر تعقيداً وخلافيَّة مما يبدو. علينا أن نستدرك على فكرة “الضبط والتحكم بتوزيع الموارد”، الواردة أعلاه، إذ يجب أن يكون ذلك وَفق القانون، وفي أفق مجتمع ودولة آمنين ومستقرين. 

ولو أنَّ ما يحدث عادة خلاف ذلك. إذ يشهد العالم العربي تركيزاً كبيراً للموارد الماديَّة والمعنويَّة في يد شرائح صغيرة من المجتمع. وأنَّ الاختلال الحاد في ذلك، جعل المجتمعات والبلدان العربية “مفخَّخة بالعنف”، وذات قابلية كبيرة للانفجار وتلقي التأثيرات من الخارج. يقول عبد الله العروي: إن “مكوّنات السياسة عندنا هي في الوقت نفسه موانع السياسة”، (العروي، ديوان السياسة، ص62). هذا يفسر كيف انقلبت موضوعات ومقولات وشعارات السياسة إلى عوائق؛ بل إلى كوارث حلَّت بالمجتمعات والدول العربية، وانقلبت الوحدة إلى المزيد من الانقسام، والتضامن إلى المزيد من الصراع، والحرية إلى المزيد من الاستبداد، والاشتراكية أو العدالة  الاجتماعية إلى المزيد من الاستئثار بالموارد والمزيد من الفقر والظلم، والعلمنة والتنوير إلى مزيد من الأدينة والتطرف والتكفير.. إلخ، وحتى لا تكون السياسة مجرد “تدبير للسلطة” و”سوس” الأمور بالقوة والغلبة والتآمر والتحايل والمخاتلة، حسب الجذر اللغوي للكلمة في قواميس اللغة، وحسب معهود السياسة وعيشها في المنطقة العربية، كما تتكرر الإشارة؛ وإذا أراد العرب أن يغيروا ما هم فيه من تأخر واختراق واستبداد.. إلخ؛ فإن عليهم أن يغيروا منظورهم للسياسة. إن أساس السياسة هو التدبير والاختيار. وهو بكلمة واحدة: الحرية، بتعبير حنة أرندت، قُل: الإرادة الحرة. ولا تدبير للسياسة والحياة، ولا مجتمعات ودول قابلة للاستقرار والاستمرار، ولا عودة للعرب إلى التاريخ، من دونها.