Skip to content Skip to footer

القانونُ في الدولة الحديثة بين المِعياريَّة والوَضعيَّة | مصطفى إن شاء الله

القانونُ في الدّولة الحديثةِ، سيِّدٌ ولا سَيِّدَ فيها سِواهُ؛ هو عمادُها وناظِمُ اجتماعها الإنسانيِّ والسِّياسيِّ. تقْطعُ الدّولة الحديثة = دولة الحقّ والقانون (مع كلِّ أشكالِ السّيادَة التّقليديَّة المُشَيَّدةِ على الولاءِ الشّخصيِّ لسلطانٍ أو جماعةٍ أو طائفةٍ أو فئةٍ اجتماعيَّةٍ بعينها، من طريق القطع مع أنماط التّشريعِ التّقليديَّةِ، المُستندة إلى عُرفٍ أو مصلحةٍ خاصّةٍ لحاكمٍ أو جماعةٍ.


 

للقانون، في الدولة الحديثة، مؤسّساتٌ تُشَرِّعُه وسيروراتٌ إجرائيّةٌ صريحةٌ تُبلوِرُه، ومبادئُ مُجمعٌ عليها تؤطِّرُه. غير أنَّ احتكامَ الحُكمِ، في الدّولة الحديثةِ، إلى قانونٍ حديثٍ من هذا القبيل لم يَحْسِم بعدُ النقاش حول مسألة مشروعيَّته، كما لم يعثُر بعد على حلٍّ شافٍ للتّوتُّراتِ بين المرجعيّات النّاظمةِ لسيرورة إنتاجه. لَعَلَّ المُعضلة الأبرزَ، هنا، كان صَعيدُها مسألةَ المشروعيّةِ القانونيَّةِ وطَرَفَاها النّزعتين المعياريَّة والوضعيَّة. يُتيحُ الموضوعُ هذا كَشْفَ وُجوهِ التّقابل وحُدودِ التّماسِّ بين النّزعتين المِعياريَّة والوضعيَّة في، القانون الحديث، كما يُتيحُ مُقارنةَ نمطِ المشروعيّةِ التي إليها تَسْتَنِدُ القاعدةُ القانونيّة في التّصوّرَين كِليهما. ويسمح موضوعنا، أيضًا، بِفَحْصٍ نَقْدِيٍّ للأطروحةِ التّوفيقيَّةِ التّواصليَة، وبيانِ حُدودِها في رأبِ صَدْعِ التّنابُذِ بين مرجعيّة القانونِ الواقعيّة الموضوعيّة ومرجعيَّتِهِ المعياريَّةِ الأخلاقيَّةِ. 

هذا ويُمْكن لمقاربةٍ نقديَّةٍ مُقارِنَةٍ أن تُمثّل خيارًا منهجيًّا مُلائمًا لِفَحْصِ مسألةِ مشروعيّةِ القاعدةِ القانونيَّة بين النّزعتين المذكورتين. هل الباعثُ على سَنِّ القانون، في الدّولة الحديثةِ، مأتاهُ من تقنين نوازلَ واقعيّةٍ فعليّةٍ قصدَ ضَبْطِ العلاقاتِ بين المواطنين والمؤسّساتِ الاجتماعيّةِ والسّياسيّةِ، كما في التّصوُّر الوضعيّ؛ أم إنَّ الباعثَ ذاك يعثرُ على مُبرّره في غايةٍ معياريّةٍ أخلاقيّةٍ تسبقُ تشريعَ القانونِ وترسُم حدودَه، من قبيل عدالةِ القانون وكَفالتِه حقَّ الإنسان وحرّيَّتَهُ ومبادئَ الديمقراطيّة… إلخ، بصرفِ النّظر عن الحاجة الواقعيَّة إلى القانون، كما في التّصور المعياري؟ إذا كانتِ المقاربةُ المعياريَّةُ تَرَى القانونَ انعكاسًا لمبادئَ أخلاقيَّةٍ قَبْليَّةٍ، سابقةٍ عن كلِّ سياقٍ تاريخيٍّ يُبرِّر الحاجة إلى القانون، فإنّ المقاربة الوضعيَّة تَذهل عن الوجه المعياريِّ للقانون، وتكتفي بالواقع التاريخيِّ مبرِّرًا للتشريع. على ذلك، إذن، ثمَّة توتُّرٌ حادٌّ -على ما يبدو- بين التصوُّرَين الوضعيِّ المعياريّ للقانون. ولهذا التّوتُّر بين الحقّ المعياريِّ والحقِّ الوضعيِّ تداعيات، على صُعدٍ متعدِّدة، تعكسها مُشكلاتُ القانون بين الأخلاقِ والواقعِ، والحُرّيَّةِ والإكراهِ، والفردِ والجماعةِ، والمشروعيّةِ والشّرعيّةِ… إلخ. يستندُ التّصوُّر المعياريُّ إلى مبادئ أخلاقيَّة قبليَّة، وفي القلب منها فكرة الحُرّيَّة وحقوقُ الإنسان. الفردُ، وفق هذا التّصوُّر، سابقٌ على الجماعةِ، والخُصوصيَّةُ الفرديَّةُ مُقدَّمَةٌ على الخُصوصيَّةِ العامّةِ، وبالتالي لا يَحظى القانونُ بالمشروعيّة إلّا حين يَمْتَثِلُ، خلال سيرورة سَنّه، لهذه المعايير. في المقابلِ، يمتحُ القانونُ الوضعيُّ شرعيَّته من الحاجة الموضوعيِّة إليه، ومن احترامه القواعدَ الإجرائيَّة عند تشريعه. ليس بِحُرِّيَّةٍ فرديَّةٍ وحقوقٍ ذاتيَّةٍ يُشيَّدُ القانون الوضعيّ، بل بوازعِ المصلحة العامَّة ووفق قواعدَ إجرائيّةٍ دقيقةٍ. بذلك يمتحُ القانونُ الوضعيُّ شرعيَّته من ذاته، لا من قاعدة أخلاقيَّة خارجيَّة. نَعثُر في أدبيّاتِ فلسفةِ القانون على تاريخٍ طويلٍ من محاولاتِ النّظر في صلة القانون بالمعايير. اتّخذت الطّبيعةُ المعيارَ الأبرز للقاعدة القانونيّة، منذُ شيشرون Cicero إلى أيّامِ النّاس هذه، مرورًا بالحقِّ الطّبيعيِّ المسيحيِّ، مع القدِّيسِ الأكْوِينِيّ St Thomas Aquinas، إلى الحقِّ الطّبيعيِّ الحديثِ، عند كلٍّ من هُوبْسْ Thomas Hobbes وغْرُوتْيُوسْ Hugo Grotius ولُوكْ John Locke ورُوسُو Jean- Jacques Rousseau وكَانْتْ Immanuel Kant. غير أنّ نشأةَ الوضعيّة القانونيّة، على يدِ بِنْثَامْ Jeremy Bentham وأُوسْتِينْ John Austin، ستُمثِّل لحظةَ أُفولِ فكرةِ الحقِّ الطّبيعيِّ، بعدَ هيمنتِها قُرونًا عديدةً. 

وستبلغُ الوضعيّة القانونيّة مَدَاها، بعد الحرب العالميّة الثانيّة، بالتّوازِي مع تنامي خِطابِ حقوقِ الإنسانِ والحريّاتِ الفرديّةِ، مع هارت Herbert Hart وكِلسن Hans Kelsen وراز Joseph Raz، قبلَ عودةِ التّفكير المِعياريِّ، في ثوبٍ معاصرٍ، مع فِينِّيسْ John Finnis ودُورْكِينْ Ronald Dworkin.هل يُمكن تصوُّرُ القانونِ في معزلٍ عن معياريّةٍ ترقى به فوقَ الحَيثِيّاتِ التَّاريخيّةِ المُحفِّزة لتَشْرِيعِه؟ لا! تُجيبُ النزعة المعياريَّة: ليس في المُكْنِ التّشريع لمواطنين لهم تاريخٌ مشتركٌ وقيمٌ جامعةٌ وغاياتٌ ومشاريعُ…إلخ، وكأنَّهم كائناتٌ محايدةٌ قيميًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، لا مصلحة خاصَّة لهم قبل المصلحة العامَّة للدولة. ليس مشروعًا، إذن، كلُّ قانونٍ لا يَمْتَثِلُ لمَبْدَأ معياريٍّ أسمى يكفلُ عدالتَه ويَحْفَظُ للإنسان المواطنِ حُقُوقَهُ. مشروعيَّة القانون، وفقَ وعيٍ معياريٍ، إذن، تمنح القانون وظيفةً معياريّةً في تشييد مُجتمعٍ حرٍّ مُنْعَتِقٍ سيِّدٍ على نفسه. حقوقُ الفردِ ومصلحتُه وحرّيَّاتُه، في هذا المجتمع، مبادئُ ليس ينبغي للقانون تجاوزها بِتِعِلَّةِ الضَّرورة والمَصلحة العامَّة والاستقرار والنِّظام… هكذا، من غير المُمُكِن إِغفالُ الوجهِ المِعياريِّ لكلِّ قانونٍ يتطلَّع إلى أن يكون مشروعًا. غير أنَّ الحاجَة إلى القانون إنَّما يُحرِّضُها الواقع المُتجدِّدُ والتّاريخ المُتدفِق للأحداث. وهل في الإمكان -في المُقابل- تشريعُ القانون في انفصامٍ عن الحيثيّات التَّاريخيّة؟ كلَّا! تقولُ المقاربةُ الوضعيَّةُ. ما فائدة القوانين والتَّشريعات إنْ هي لم تُجب عن أسئلة الواقع الاجتماعيِّ والسّياسيِّ والقانونيِّ للمجتمع، ولم تحُلَّ مشكلات ذلك الواقع وتُلبِّي حاجاته. ثمَّ إنَّ المعايير الأخلاقيَّة والمبادئ القيميَّة -على الرَّغم من مُحاولة كانْتْ إِسْبَاغَ طابع الكونيَّةِ عليها- تظلُّ شديدةَ التَّنوُّعِ في مجتمعات معاصرة هي اليومَ، بالتّعريف، مُتعدِّدَةُ الهُويَّاتِ والمرجعيَّات. وِفْقَ أيّ معيارٍ نَرْكَنُ إلى مَبْدَأ ونُقْصِي آخر؟ تقترحُ الوضعيَّة القانونيَّة، إذن، الاحتكام إلى معيارٍ واحدٍ موضوعيٍّ في التَّشريع، دون سواه: الحاجةُ الفعليَّةُ الوظيفيَّة للقانون. بهذا تكون شرعيَّة القانون في ذاتهِ ومن ذاته لا من خارجٍ؛ من مبادئَ قبْلِيَّةٍ أو معاييرَ سابقةٍ. عدالة القانون، أيُّ قانونٍ، في قُدرته على حلِّ مشكلاتِ الاجتماع الإنسانيِّ المُتَّصلة بتاريخ وبشروطه الزَّمانيَّة والمكانيَّة، وإلّا فما الدَّاعي إلى سَنِّهِ؟! أَثمّة مقاربةٌ وَسَطٌ تَخْفُتُ عندها شِدَّة التّوتّر بين وجهَيِ القانونِ المعياريِّ والوضعيّ؟ نعم، تقول التَّواصليَّة التَّداوليَّة، مُقترحةً حلًّا توفيقيًّا لا يتصوّر القانونَ إلّا في تكاملِ بُعديْه الموضوعيّ والمعياريّ. فعلى ما يَظْهَرُ من تنابُذٍ بين النّزعتين )=الوضعيَّة والمعياريَّ (، يبدو أن التَّصوُّرين كِلَيْهِما يعكسان مُكوِّنًا من مكوِّنَيِ القاعدةِ القانونيّةِ لا غَنَاء عنه. 

ليسَ في الإمكان تصوُّر قانونٍ مفارقٍ للحاجةِ الموضوعيَّةِ التي عنها يُجيب، كما ليس مُمْكِناً تجريدُ القانونِ من معياريَّةٍ تَسْمُو به على الحَيْثِيَّاتِ الواقعيَّةِ الجزئيَّة المُحفِّزةِ لتشريعهِ. وفي هذا الإطار، سدَّدَ هابرماس Jürgen Habermas  -مُستعينًا بماكس فيبر Max Weber – نقداً للطّرحين الوضعيّ والمعياريّ، وقدّم تصوُّرًا مزدوجًا للقانون يُقِرُّ بالأصل الموضوعيّ للقاعدة القانونيَّة، بحُسبانها استجابةً للمُعطى الاجتماعيّ، من دون إهدارِ بُعدها المعياريّ. تَعْثُرُ التداوليَّةُ على حلٍّ يَخْفِضُ التوتَّر بين النَّزعتين الوضعيَّة والمعياريَّة. والحلُّ ذاك ليس غير بناء القاعدة القانونيَّة على التَّواصل والمُناقشة المُستَنِدَةِ إلى الحُجَّةِ الأقوى. في مقدورِ تصوُّرٍ إجرائيٍّ كهذا أن يصون الوجه الموضوعيَّ للقانونِ بِأَنْ يُلبِّي حاجات المواطنين المَعْنيِّين به، من دون أن يُهْدِرَ حقوقَهُم الفرديَّة أو يَتَجَاوَزَ المبادئ النّاظِمَةَ لاجتماعِهِمُ السِّياسيِّ. لماذا؟ لأنهم “ببساطة” طرفٌ في المناقشة التي أفضت إلى صناعةِ ذاك القانون. هل أفلحتِ المُحاولةُ التَّداوليَّة التَّوفيقيَّةُ في حلِّ مُعضلةِ توتُّرِ القانون بين الاحتكامِ إلى المعايير أو الامتثال للوقائع؟ كلّا نَقول؛ وذلك لأسبابٍ نكتفي منها -سريعًا- باثنين: على الرَّغم من إمكانيَّة الوعيِ المُزدَوَجِ بالقانون، في مَلْمَحَيْهِ الوضعيِّ والمعياريِّ، إلّا أنّ ترجيحَ جانبٍ على الآخر مسألةٌ لا غناءَ عنها؛ لأنَّ حتميَّةَ تَغلِيبِ مُقاربةٍ على أخرى تُمْلِيها فُرَصُ التعارُضِ العاليةِ بين المعيار والتاريخ، بين المَبْدَأ والواقع. ليس حُكمًا، مثلًا، أن تلتقيَ حقوقُ الإنسانِ وحرياته مع الصّالح العامِّ الذي -من المُفترض أَنْ- ترعاه الدّولة؛ فقد تتعارض المصالح الخاصَة والعامَّة، بل وتتصادم. 

والأطروحة التوفيقيَّة لا تُجِيبُ -حقيقةً- عن سُؤال التّعارض، الوارد جداً، بين الوجه الوضعيِّ للقانون ومقابله المعياريِّ، ولا تقترح، بالتالي، حلًّا واقعيًّا له. هذا واحدٌ من الأسباب. أمَّا الثاني، فيبدو مُغريًا أن نُعوِّلَ على تواصلٍ خالٍ من الإكراه ومُسْتَنِدٍ إلى أخلاقيَّات المُناقشةِ والحُجَّةِ الأقوى، في تَسْوِيَةِ التّوَتُّرَاتِ، التي يَكْتَنِفُهَا القانونُ، بين الفردِ والجماعةِ، والإرادةِ والحتْمِيّةِ، والمَصلحةِ الخاصَّة والصَّالح العامّ، بكلمةٍ، بين المشروعيَّة المعياريَّة الأخلاقيَّة والموضوعيَّة الواقعيَّة. غير أنَّ الأطروحة التَّواصليَّة تَذْهَلُ عن وَجْهِهَا الطوباويِّ، مهْمَا ادَّعت أنَّها إجرائيَّةٌ. يَتَعذَّر إنجازُ نقاشٍ، حولَ قاعدةٍ قانونيّةٍ، مُنصفٍ وموضوعيٍّ خالٍ من الإكراهِ الماديِّ أو الرَّمزيِّ؛ لأنَّ أطرافَ التّداوُل ينتمون -ضرورةً- إلى فئاتٍ اجتماعيّةٍ مُتفاوتةٍ في حِيَازَةِ الرَّساميل المادِّيّةِ والرَّمزيّةِ. هكذا، يُخْفِقُ الحَلُّ التَّوفِيقِيُّ بين النَّزعتين، على قاعدة التَّواصُل، في فكِّ مُعضِلَةِ القانون بين الواقعِ والمعيارِ، حين يفترض إمكانَ تحقُّقِ شروطٍ يُوتُوبِيَّةٍ لإنتاج قاعدة قانونيَّةٍ من طريق تواصلٍ عقلانيٍّ. نخلصُ، بالتالي، إلى أنَّ تَوَسُّل أطروحةٍ توفيقيَّةٍ باستسهالٍ طوباويٍّ يَحْجُبُ عُمقَ التقابلِ بين وعيٍ وضعيٍّ موضوعيٍّ يُشدِّدُ على شرعيّة القانون فحسب، ووعيٍ مِعياريٍّ للقانون يُقَدِّمُ المشروعيَّة على أيِّ اعتبار آخر؛ كما يُخْفِقُ (هذا التّوَسُّل (في الجواب عن سؤال: ماذا لو تَنَاقَضَتِ الحاجَةُ الموضوعيّةُ إلى قانونٍ مع المبادئِ المعياريّة للمجتمع والفرد؟ لن يُذيب، حينها، أيُّ نقاشٍ -مهما كان “حرًّا” و”خاليًا من التّفاوت والإكراه”- الهوةَ بين الضَّرورةِ الموضوعيَّة لتشريعٍ للوقائع المُلحَّة والمُتَدفِّقة-التي من المُفترض أن تَكْفَلَهَا الدّولة- والمبادئ المعياريَّةَ لمجتمعٍ مَدنيٍّ يسعى، دائمًا إلى أنْ يظلَّ حُرًّا سيّدًا وصاحبَ إرادةٍ. 

على ذلك، إذا كان القانون يُضمر صَعِيدَينِ متضافرين ومُتقابلين، في الآن نفسه، هما صَعيدَاهُ المِعياريِّ والوَضعيِّ، فإنَّ لحظةَ التَّعارض بينهما تستلزمُ ترجيحًا، لا لَبْسَ فيه، بين ذَيْنَك الصَّعيدين. وإذا كان الترجيحُ ليس منه بُدًّا فالأنسبُ، بل الأَسْلَمُ، تغليبُ الوجهِ الوضعيِّ للقانون على مِعياريَّتِه؛ لأنَّ في هذا، في مقامٍ أوَّلٍ، ترجيحٌ للعامّ على الخاصّ، لِلْكُلِّيِّ على الجُزئيِّ؛ أي للدّولة على الفردِ والمُجتَمَعِ. وفيه، في مقامٍ ثانٍ، نَأْيٌ بالمجتمع عن الدِّيناميَّات المُتناقِضَةِ للمعايير والمبادئ، وتَحْصِينٌ لتماسُكِ الدَّولة، في سياقٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ تتعدَّدُ فيه التّصوُّراتُ الأخلاقيَّةُ، فضلًا عن ديناميَّتِها. غيرَ أنَّ هذه الأَرْجَحِيَّةَ (للقانون الوضعيِّ على القانونِ المعياريِّ (لا ينبغي أنْ تكونَ أَيْلُولَتَهَا إلى استبدادِ الدّولة باسمِ الضَّرورةِ والصَّالح العامِّ؛ لأنَّ إهْدَارَ كُلِّ وازعٍ معياريٍّ يُضْعِفُ الوَظِيفَةَ الإدماجيَّةَ للقانون. فإذا كانَ صحيحًا أنَّ الدَّولةَ تُحصِّنُ لَحْمَةَ المُجتمعِ بإعمال قوانينَ تصونُ الصَّالحَ العامَّ، فإنّ تَمَاسُكَ المُجتمعِ يَتَمَتَّنُ حينَ يكون الفردُ مواطنًا مُندَمِجًا في مُجْتَمَعِهِ. وهذه المُواطَنَةُ الدَّامِجَةُ مُحالةٌ من دون أنْ تُأْخَذّ حُقوقُ المواطنِ وحُريَّاتُه في حُسبان المُشرِّعِ.

كلمة «الوُكيسم Le wokisme»؛ يُعرِّفُها معجم لاروس الصادر سنة 2023 بأنها (أيديلوجية) تتخذ من قضايا المساواة والعدالة والدفاع عن الأقليات شعارًا لها. ويصفها معارضوها بأنها (ديانة بروتستانتية جديدة) متطرفة، تبتغي هدم الثقافة الغربية وتقويض الأساس اليهودي المسيحي الذي نهضت عليه، وأنها حركة سياسية تريد كتابة تاريخ مغاير لتاريخ (الرجل الأبيض) الذي تتهمه بالعنصرية والعرقية، وتنسب إليه كل شرور الغرب الحالية التي نعرفها؛ بدءًا من مشاكل التمييز العنصري والجنسي، وصولاً إلى قضايا البيئة والتلوث والاستغلال وغيرها من القضايا.


 

ويصفها البعض الآخر بأنها فكر هدام معادٍ لإرث الأنوار وفكرة الكونية، وأنها تريد إشاعة ثقافة الفوضى والاستياء وكره العالم، وأنها لا تحترم تعدد الآراء وترفض كل ما ينتمي إلى ماضي الغرب؛ (وبصورة خاصة ماضيه الاستعماري الذي عرف مختلف صنوف الاستغلال والتمييز العرقي التي لم تختفِ إلى اليوم). وتنظر إليها بعض الأوساط الفكرية الغربية؛ (وبصورة خاصة الأوساط المنتمية إلى تيار اليمين المحافظ) بمثابة (شبح) جديد يهيمن على الغرب، كمثل شبح الماركسية الذي هيمن فيما مضى، بل يفوقه خطرًا؛ فهي ترفض الاعتراف بالهويات البيولوجية، وتتحدث عن حق الفرد في (اختيار هويته الجنسية)، وتنظر إلى هذه الأخيرة على أنها نتاج تاريخ طويل من القمع والهيمنة (الذكورية السّامّة) التي تغذيها (ذكورية اللغة)، وفي هذا ما يفسر دعوتهم إلى إضافة ضمير محايد (iel في الفرنسية) لا يشير إلى جنس المخاطب؛ أو الضمير الثالث لـِ(هو) و (هي). لكن، ما حركة الصحوة هذه «Le wokisme»؟ وكيف تُعرِّفُ نفسها؟ وماهي طروحاتها الأساس؟ 

لا تمثل (عقيدة الصحوة) حركة فكرية لها جسدها المفاهيميّ الواضح بقدر ما تمثل (تحالفًا ظرفيًا) لتيارات فكرية وأيديولوجية مختلفة، تُشكِل في مجموعها جوهر حركة الوايك (الصحوة أو اليقظة): 

أولاً: مناهضو العنصرية المعاصرة: وهم مقتنعون بأن الشرور الحالية التي يعاني منها المجتمع الغربي هي نتاج (عمل البِيض)، ويطالبونهم بالتخلي عن امتيازاتهم لصالح الأقليات، وتعويض أحفاد العبيد عن الانتهاكات التي حصلت بحقهم (بصورة خاصة في أمريكا). 

ثانيًا: النسوية الجديدة التي تؤكد أن هناك نظامًا قمعيًا أقامه الرجال بهدف إدامة الهيمنة على النساء؛ وترى وجوب التخلي عن التصور الذكوري الرجالي واتخاذ إجراءات تتيح تمكين النساء من الاندماج بشكل كامل في المجتمع. 

وأخيراً: حركات (الميم) و(المتحولين جنسيا+ LGBTQIA) التي ترفض الثنائية الجنسية، وتدعو لحق الفرد بتغيير جنسه لو أراد. 

في الواقع، يتأسس فكر (حركة الصحوة أو اليقظة) (بصورة خاصة تيار مناهضة العنصرية، وهو المعني في هذه السطور) على تصور مفاده أن الحركات المتنوعة لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية قد فشلت في تأسيس نظام مساواة يُفضي إلى إلغاء التمييز العنصري والجنسي داخل المجتمع، بما يتيح تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعيّة، وأن النظام القائم هو نظام تمييزيٌّ يضمن توزيعاً غير متساوٍ للثروات والفرص استناداً إلى السمات البيولوجية الفردية، وفي قمة رؤيتهم الهرمية لهذا النظام المجتمعي يأتي “الذكور البيض”، والأثرياء الذين قاموا ببناء مؤسسات ونظام سياسي واجتماعي يهدف إلى تأبيد سيطرتهم وحسب، ويستنتجون -في ضوء ذلك- أنه إذا كانت عناصر البناء الاجتماعي قد تم تشكيلها من قبل الحاكمين ولصالحهم، فإن النتيجة المنطيقة لهذا البناء هي بالضرورة وجود مجتمع يعاني من مختلف صنوف (التلوث) التي ينبغي التخلص منها؛ (وبصورة خاصة العنصرية)، وفي رأيهم أن العنصرية في الغرب ليست مسألة فردية تتعلق بالسلوك والمواقف والقناعات بقدر ما هي نظام من المزايا والامتيازات الاجتماعية والاقتصادية الذي تعكسه السياسات والممارسات والإجراءات المؤسسيّة الراسخة التي لا تكفّ عن انتاج التمييز وتعزيز التحيزات والفروقات، وهي ليست أيديولوجيا بقدر ماهي بنية اجتماعية ونظام راسخ للهيمنة الأوروبية العالمية. 

وهذا ما أشار إليه تشارلز ميلز في كتابه العقد العنصري إذ قال: “إن النظام السياسي الذي شَكَّلَ العالم منذ ما يزيد عن ألفي عام يقوم في جوهره على (عقد عنصري)، يهدف إلى تعزيز وإدامة تفوق الرجل الأبيض وسيطرته على الآخرين، أي بقية شعوب العالم، كما أن (العقد الاجتماعي) الذي طوره الفلاسفة الأوروبيون ينطوي، صراحة أو ضمنًا، على عقدٍ (عنصري) يقوم على التمييز والفصل بين (البِيض) و(غير البِيض)، ويعمل على تكريس استعباد الأشخاص (غير البِيض)، مما يجعل منه (عقد سيطرة) في نهاية المطاف.” ولم تبتعد روبن دي انجيلو (عالمة الاجتماع الامريكية) عن هذه الرؤية إذ كتبت في الهشاشة البيضاء: “إن العنصرية في الغرب هي القاعدة وليست الاستثناء، والهُويّة البيضاء هي هُوية عنصرية بطبيعتها؛ لأنها تتأسس بنيوياً على فكرة (تفوق البيض)، وهي تُمارَس مع وجود أيديولوجيا التفوق أو بدونها.” 

إن ايديلوجية هيمنة الرجل الأبيض وتفوقه، والتمييز الجنسي والعرقي والديني، إضافة إلى أيديولوجيا الهيمنة الذكورية؛ (التي كرسها النظام الأبوي)، والسيطرة على الطبيعة وغيرها، ليست في الواقع مجرد لحظات أو محطة من تاريخ الغرب، بل هي حقيقة الغرب نفسه، (وفق رؤية أنصار الصحوة)، وأن روح الغرب هي روح افتراس وهيمنة منظمة؛ ومن هنا برزت فكرة الاستحقاق الذي ينبغي للغرب أن يؤديه تجاه الأقليات وتجاه كل أولئك المهمشين الذي كانوا ضحايا هذه الهيمنة. 

ومهما اختلفت الآراء والمواقف حول تصورات وأفكار أنصار (الصحوة) فإن في آرائهم الكثير من الصواب الذي لا ينبغي تجاهله (وفق اندريه سبونفيل)؛ فالعنصرية لم تختفِ من المجتمع الغربي حتى في الدوائر الأكثر تقدمية، بل اتخذت اشكالاً أكثر حصافة ومكرًا، وكذلك الاستعمار؛ بعد أزيد من نصف قرن على انتهائه، لايزال حاضراً في الرؤوس، وفي علاقات الهيمنة السياسة والاقتصادية والثقافية بين البلدان المُستَعمِرة ومستعمراتها السابقة، التي مازالت تخضع إلى الآن إلى أقسى أنواع الاستغلال. ولا ينبغي أن ننسى أن الدول التي صنعت إمبراطوريات فيما مضى (فرنسا وبريطانيا تمثيلا لا حصرًا)، ظلت أغنى وأقوى من مستعمراتهم السابقة. ولا تمثل أمريكا الشمالية التي كانت مستعمرة بريطانية، سوى الاستثناء الذي يثبت القاعدة. 

لكن حركة الصحوة تخطئ، في نظر نقادها الأكثر اعتدالًا عندما تقوم بتقسيم المجتمع وترسيخ هويات معينة استنادًا إلى أساس عرقي أو ديني أو جنسي، لدرجةٍ تخاطر معها في اعتبار أن كل أبيض أو ذكر أو غربيّ هو مذنب بالضرورة، الأمر الذي يفضي في النهاية إلى الوقوع في فخ تقسيم البشر بين (ضحايا) و(خاضعين) من جانب، في مقابل مُستغِلين ومُهيمِنين من جانب آخر، وعند هذا الحد تخاطر الحركة في الوقوع في الشرور ذاتها التي تدعي محاربتها، وتتحول هي نفسها إلى خطر يضاف إلى الأخطار الداخلية لمجتمع منقسم اصلًا؛ ذلك أن تقديم المجتمع الغربي على أنه مجتمع عنصري في جوهره أو مُعادٍ للمثلية أو للآخرين غير البيض، يفضي إلى القول بوجوب محاربته والإطاحة به، وليس هذا وحسب، فقد ذهب التطرف بأنصار هذه الحركة إلى حدِّ التشكيك في حيادية العلوم واستقلالها؛ (وبصورة خاصة، العلوم الإنسانية)، التي لم تفعِّل -وفق تصورهم- سوى تعزيز امتياز وتفوق الرجل الأبيض وهيمنته، وتكريس التمايز الجنسي، ونظروا إلى هذه العلوم على أنّها بمثابة أداة من أدوات السلطة؛ فهي علوم ولدت في رحم مؤسسات السلطة، وخدمةً لأغراضها، واستنادًا إلى هذه الرؤية رفضوا القول بوجود حقيقة موضوعية؛ لأن الحقيقة تتبع في تشكلها وتغيرها وتطورها علاقات السلطة ونظام الهيمنة الذي يفرضها بوصفها حقيقة؛ ولهذا فقد دعَوا إلى القطيعة مع فكرة (حقيقة موضوعية) أو (قيم كونية) يمكن تعميمها، لفائدة (حقائق نسبية)، كما نادوا بضرورة الخروج من فكر الأنوار الذي رسخ مثل هذه الادعاء الذي لم يكن في الواقع سوى أداة سيطرة وإقصاء عززها العقل الأدواتيّ المستند إلى الحجج والبراهين. وأما بخصوص من يزعمون خلاف ذلك باسم العقل أو قيم الدولة ومُثُلها؛ فهم في الواقع عنصريون يجهلون أنهم كذلك؛ إذ يعتقدون أنهم أصحاب نزعات كونية، لكنهم في الواقع ليسوا سوى أصحاب بشرة بيضاء مصابون بعمى الألوان والعنصرية، أو كره الإسلام الذي لا ينكرونه، بل يتباهون به. 

في الواقع تفضي طروحات حركة (الصحوة) هذه، (وتحت ستار مناهضة العنصرية والكفاح ضد كافة أشكال التمييز)، إلى نوع من التناقض والمفارقة؛ لكونها تنتهي إلى إضفاء الطابع العرقي أو الهُوياتيّ أو المجتمعيّ الضيق على النقاشات، إلى الحدِّ الذي يفضي إلى خلق تمييز عنصري جديد، من قبيل تنظيم اجتماعات (أحادية الجنس)، أو أنشطة محظورة على البِيض، وهم بذلك يخاطرون بتحويل الصراع الطبقي، الذي تحدث عنه ماركس وانجلز في البيان إلى صراع (أجناس) أو (أنواع)؛ (جندر)، أو صراع كيانات وحركات وتوجهات. 

كل هذا يرسم الكثير من الشكوك ويثير القلق بشأن هذه الحركة في الأوساط الفكرية، (وبصورة خاصة في فرنسا). وبعيدًا عن القول: إنّ هذه الحركة تمثل تعبيرًا عن التناقضات الحادة داخل المجتمع الغربي، فإنها تشير في المقابل إلى حيوية هذا المجتمع الذي لا يكفّ -بالرغم من أزماته- عن إخضاع تاريخه وتصوراته وقيمه لمُساءلة دائمة. وهذا يدفعني إلى التساؤل -بصرف النظر عن انحرافات هذه الحركة-: متى نمارس نحن العرب نقداً ذاتياً بخصوص ظواهرنا المَرضيّة المُتعلقة بالتعصب في أشكاله كافة، وكذلك في مختلف صنوف الاستغلال والهيمنة والقمع السياسي؟