Skip to content Skip to footer

التقدُّمُ وتخلُّفُه | عبد الواحد أيت الزين

يفيدُ التعقُّبُ التاريخيُّ للأطروحة النهضويَّة العربيَّة، في تبيُّن الصِّلات القائمَة بين الوعي بالتأخُّر وبلورة سؤال التقدُّم. لقد شكَّل الوعي بالتأخُّر التاريخيِّ قياساً إلى الآخر، باباً من أبواب انتباه الذات العربية لإعادة التعرُّف على نفسها، ومساءلة تصوراتها حول ذاتها. كانت العرب أسيرة نزعات مدائحيَّة، صوَّرت لها المآل على مقاس الحَال، ولمّا امتدَّ مفعول المدائحيَّات تلك إلى مفاصل الأمَّة ومكونَّاتها أفراداً ومجتمعاً ودولةً، فإنه حال بينها والانتباه إلى أن التاريخ بالإنسان دوَّارٌ، وحيث يكفّ فاعل ما عن صنعه، فإن غيره يفعل.


 

ما جدّت العرب -طيلة زمان طويل- في طلب ما ينقصُها ويضمن لها البقاء ضمن صنّاع التاريخ، لأنها بماضيها الظَّافر كانت عنه غافلة. بقدر ما كانت الذات العربية تشعر أن التاريخ قد توقَّف منذ لحظة انتصارها على خصومها مغرباً ومشرقاً، بقدر ما استغرقها الجهل بذاتها وآخريها. وبقدر ما تمثَّلت نفسها وريثَة للسرّ الإلهيّ العظيم، بقدر ما كفَّت عن الانتماء إلى مقام البشر، أي ذلك المقام الذي يكون فيه التاريخ حركة دائبة لا مستقرّ أبديّ لها، ومن ثمّة فلا بديل عن دوام الفعل فيه إن أرادت أمة من الأمم حفظ موقعها في صفحاته. لم تعُد العرب نحو نفسها البشريّة والأرضيّة، إلاّ حينما دقّ الآخَر قلاعَها بباروده وبنادقه ومدافعه، كاشفاً جهلها بنفسها، ومظهراً حدود وعيها بما كان يحصل في مختبر التاريخ. آنئذ وآنئذ فقط فهمت العرب أن الاطمئنان إلى دوام الحال من المحال، كما فهمت أنّ الفعل في التّاريخ يقتضي عدم الاطمئنان إلى وهم الشعور بالامتلاء والاكتفاء، بل إنّ إدراك النّقص والوعي بحدود الذات معرفة ووجوداً وفاعليّة شرط رئيس من شروط المداومة على الحضور في التاريخ. تعلّمت العرب -مثل غيرها- الدّرس بالطريقة الصّعبة. لم تسع في استدراك نقصها إلا بعد أن أدركته متأخرة مع تجربة الاستعمار. كانت البداية إذن مع تجربة مؤلمة، لكن التجربة تلك حملت في رحمها بعضاً من أمل تجاوز المحنة. يلزمنا هنا أن نتذكر جهود المصلحين العرب والمسلمين الأوائل من قبيل: رفاعة الطهطاوي، وأحمد فارس الشدياق، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني. اختبر هؤلاء بكيفيّات متفاوتة، ذلك الصّدع الحاصل بين “ماضٍ مشرق” عامر بالأمجاد والانتصارات، وحاضر مضطرب منذر بالسقوط والهزيمة، وإلى هؤلاء أساساً تدين العرب باكتشاف الطريق السقراطية نحو التعلّم بما هي وعي بالنقص والتماس لأسباب استدراكه، فتوجّهوا جميعاً إلى دراسة ذلك الآخر الظّافر (المستعمر) لكشف طريقه إلى القوة والهيمنة، لكنهم لم يكتفوا بذلك، بل سعوا في الآن عينه إلى دراسة الذات نفسها، لفهم التحول الذي جعلها تسقط في يد الاستعمار، وتفقد أسباب قوتها. بالرّغم من تعدد الأطروحات النهضويّة واختلافها؛ فلقد كان جلياً أن سؤال “لماذا تأخرنا؟” كان مزامناً لسؤال كيف تقدّم غيرُنا؟ ويبدو أن السؤال الثاني كان نتيجة طبيعية لمحاولة مقاربة السؤال الأول، فتأخرّنا ملازم لتقدم غيرنا، وهكذا شكّل سؤال: لماذا تأخّر المسلمون، وتقدّم غيرهم؟ فاتحة من فواتح استدراك العرب لتأخرها التاريخي، وتتويجاً لوعي النهضويين المتقدمين بحدود معرفة الذات بما ينقصها قياساً إلى تقدم غيرها. لقد بدا جلياً أنّ الوعي بالتأخر، وإدراك ما يشوب الذات من نواقص هو المدخل الأوّل للسّير في طريق التقدّم، لكن هل يكفي القول إنني متخلّف عن زمن الحضارة لأتقدّم؟ ألا يلزم عن مقاربة سؤال: لماذا تأخرنا؟ الوقوف بعين يقظة وفاحة عند سؤال: كيف نتقدّم؟ إن بناء السؤال بشأن واقع التخلف الحضاري العربيّ يحدّد الطريق التي يتوجب سلكها نحو التقدّم، ولقد يقود سؤال زائف حضارة بكاملها إلى الهاوية. كان سؤال التقدم سؤالاً أصيلاً وحاملاً لأسباب النهوض والانبعاث العربيّ، لأنه لم يكن مجرد وقوف عند: “لماذا؟”، بل تجاوز ذلك إلى: “كيف؟”، وبصرف النظر عن الاختلافات الحاصلة بشأن الأطروحات النهضوية التي عكفت على بحث كيفية التقدم، فإنها في معظمها تقرّ بوجوب النظر في الحاضر الحضاريّ المتفوّق (الغرب)، والتعلم من معارفه ومدارسه وسياسته واقتصاده وفكره وفلسفته، فليس لنا أن ننهض سوى بما نهض به هذا الحاضر نفسه، ولأجل ذلك طفقت تلك الأطروحات تبحث عن الكيفية الأمثل، لتمثل هذا الحاضر والانطلاق منه لتقوية الكيان الحضاريّ العربيّ وحمايته من التفتت والانكسار. بعد ما يزيد على قرن من الزمان، لا يبدو أن اللاحقين على النهضويين الأوائل قد صانوا الوصيّة وحفظوا للسؤال (سؤال التقدم) حيويّته وصحته النظريّة. كانت الطريق واضحة في مواجهة النهضويين للاستعمار ورؤيتهم للتقدم، حيث وجوب استخلاص الدروس والعبر من هذا الآخر القوي، وفهم المسار الذي قطعته الذات وانتهى بها إلى ما انتهى إليه، وصولاً إلى وجوب استنبات ثقافة العلم وبناء فكري عصري في مختلف الحقول والمجالات: السياسة، والتربية، والاقتصاد، والجيش، وغير ذلك من أسباب تقوية الكيانات. فما الذي حصل حتى انزاحت العرب عن الطريق تلك؟ ما الذي جعلها تخلف الموعد مع سؤال التقدم؟ ما الذي حملها على هجره دون أن تستوفيه حقّه؟ وكيف السّبيل إلى استرجاعه للانطلاق منه إلى غيره؟ وباختصار: لماذا تخلَّف التقدّم العربيّ عن موعد قدُومه؟

تكشف لنا قراءة كثير من مفكّرينا المعاصرين (محمد عابد الجابري، عبد الإله بلقزيز، محمد الحداد) للحظة النهضوية والإصلاحية العربية، أن الفكر العربي وبعد أن اكتشف أصالة سؤال التقدم وأهميته في النهوض بأوضاع العرب، عرف انتكاسة جعلته يفقد هذا السؤال الأصيل، ويستبدل به سؤالاً مموّهاً أو أنه على الأقل دونه وسؤال التقدم فارق في القيمة والفائدة. يتعلق الأمر هنا بالانزياح من سؤال التقدم، إلى سؤال الهوية؛ حيث بدا وكأن بعضاً من التراخي أضحى يتسرب إلى معاقل التفكير النهضويّ الأصيل في مسالك بناء الكيان العربيّ الوحدويّ من منطلق نقد الاستبداد، وتحرير البلاد من نير الاستعمار بصوره كافة، وتطوير الصناعة، وعصرنة التعليم والمجتمع… إلخ، وفي مقابل المساحات التي صارت تفقدها تلك المعاقل، نشأت أخرى، هيمنت عليها “حمى الهوية” وثقل الماضي، ولقد بدا جلياً أنّ الدين في استعمالاته السياسية من جهة، وأبعاده النسكية من جهة ثانية، قد بات بدوره -متظافراً مع حمى الهوية ومؤجّجاً لها- يسهم في قبْر سؤال التقدم، وهو الذي كان محركاً من محركاته مع النهضويين الأوائل. لقد أفاض مفكرونا المومأ إليهم أعلاه في شرح الكيفية التي حصل بمقتضاها ذلك الانزياح من سؤال التقدم إلى سؤال الهوية، كما أوضحوا أصوله ودلالاته وأبعاده وانعكاساته السلبية على استكمال بناء الأطروحات النهضوية العربية الأولى. 

بالنّسبة إلى معظمهم، فلقد مثلت لحظة رشيد رضا لحظة مفصلية في هذا الانزياح؛ إذ بدأ معه التفريط في الإرث النهضوي الذي جعل من سؤال التقدم مداره ومطلبه. مع اللحظة تلك، ستنتقل العرب من الخوف على حاضرها ومستقبلها إلى الخوف منهما على ماضيها، فصار الرهان الأساسي وقتئذ هو تحصين الذات وحماية ماضيها من فتك الآخر وغواية أنوار حاضره. وإذا ما أوقفت تجربة الاستعمار النهضويين المتقدّمين على تأخرهم التاريخي، فتشكّل لديهم وعي قوي بسؤال الحاضر والمستقبل، فإن ورثتهم بدَّدوا هذا الوعي؛ حيث تسبب ضغط الآخر في انسحابهم نحو ذواتهم فتشرنقوا عليها زاعمين أن لا صلاح للأمة إلا بما صلح به أوَّلها. إذا ما ضيّع هاجس البحث عن هوية صافية بلا شوائب فرصة وفاء العرب بحقوق سؤال التقدم، فالظّاهر اليوم، وبعد انصرام ردح من الزمن، أن السؤال لم يبرح مكانه بعد، بل وإن تكلفة قضائه بالذّهول عنه، أضخم وأثقل، فكلّما انصرفت العرب عنه -إن غفلةً أو تغافلاً- عمَّقت من حجم الهوّة الفاصلة بينها والعصر. يبدو والحال هذه، أنّ خوض السؤال من جديد، يستلزم امتلاك جرأة الأوائل في الاعتراف أن من مستلزمات البناء السليم لذات عربية منخرطة في عصرها، الوعي بحجم التأخر التاريخي الحاصل بينها والعصر أوّلاً، والحذر، ثانياً من أن تصير “الهويّة” هاوية، تزلّ عندها قدم العرب، مثلما زلّ على حافَّتها “التقدُّم” ودوافعُه.