كتاب: ما وراء التاريخ تأليف: وليام هاولز ترجمة: أحمد أبو زيد تقديم: محمد الجوهري الناشر: المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2011
يشير مصطلح “ما وراء التاريخ” إلى الفترة الزمنية التي تسبق التاريخ المكتوب، كذلك الأحداث التي لم يتم تدوينها وتوثيقها، بشكل مكتوب. وهي تشمل فترات زمنية قديمة جداً منذ آلاف السنين وتشمل العصر الحجري، والعصر البرونزي، والحضارات التي فُقدت مثل حضارة الأزتيك، وحضارة المايا، والأحداث الأسطورية، والأساطير.
وعلى الرغم من عدم توثيقها؛ فإنها تشكل جزءاً مهماً من تاريخ الإنسانية، وقد ساعدت على فهم تطور الحضارة الإنسانية. وقد استعرض الكتاب الموسوم “ما وراء التاريخ” لمؤلفه وليام هاولز، الصادر في طبعته الأولى عن المركز القومي للترجمة، 2011/ ترجمة الدكتور أحمد أبو زيد، تقديم محمد الجوهريما، يفضي إليه هذا المعنى، ومفاهيم ومواضيع أخرى استعرضت نشأة الإنسان والمجتمع البدائي، وتطوره، وتحليل لبعض الأنماط الاجتماعية، وقد أشار الجوهري في مقدمة الكتاب إلى أن كتاب “ما وراء التاريخ” له أهمية كبيرة لدى الباحثين والطلاب المهتمين بالدراسات المعنية بتخصص علوم التاريخ والفروع ذات الصلة من الجغرافيا والآثار وغيرها من التخصصات الاجتماعية الأخرى. ويصنف من كتب الأنثروبولوجيا الفيزيائية أو الطبيعية التي تعرف باسم الأنثروبولوجيا البيولوجية، وتنقسم الأنثروبولوجيا البيولوجية إلى نوعَين: نوع يعنى (بدراسة الإنسان كنتاج لعملية التطور)، و(دراسة وتحليل الجماعات البشرية). كما شملت الدراسة الجغرافيا وعلم السكان ودراسات التطور البيولوجية الاجتماعية، وعلوم البيئة والحفريات القديمة، إضافة إلى تقديم مفاهيم ومصطلحات عدة؛ منها معنى المجتمع، اللغة كيف نتكلم، الآلات البكر، العصر الحجري القديم، الزراع الأوائل، الزراع الحديثون، ومواضع أخرى لا تقل أهمية عن التي تم ذكرها، وحاول المؤلف من خلال الكتاب ربط خصائص الإنسان الفيزيائية وخلطها بنظمه الاجتماعية، طارحاً سؤالاً مهماً: هل نستطيع التعرف على حياة الأجيال القادمة عن طريق إسقاط الماضي على المستقبل؟! مسلطاً الضوء على الإنسان وقدرته على ابتكار وسائل معينة يستطيع من خلالها أن يقوي روابطه الاجتماعية، ويعد الكتاب من الأعمال القيمة والنادرة، وسبب هذا التميز هو أن المؤلف (وليام هاولز) من أكبر علماء الأنثروبولوجيا الفيزيقية على الصعيد العالمي، وقد حافظ على مكانته ومستواه في أمريكا حتى القرن الماضي، كما أن مترجم الكتاب الدكتور أحمد أبو زيد، من كبار علماء الأنثروبولوجيا العرب.
تستعرض الدراسة مظاهر الحياة والتقدم البشري في هذه المجتمعات، والتي تمثل بحد ذاتها المراحل الأولى للإنسانية؛ نظراً للبدائية التي تعمل بها وتأخرها، ومن هنا نستنتج أن الكتاب يبحث في الأنثروبولوجيا العامة بفرعَيها الفيزيقي والاجتماعي، إلى ما قبل التاريخ، مما حمل المؤلف على تخصيص فصل خاص بالهنود الحمر في أمريكا ومظاهر ثقافتهم، كما خصَّص فصلاً آخر لدراسة المراكز الأولى للحضارة في آسيا، ومصر، وكريت. وفي هذا الإطار يشير الباحث إلى الأنثروبولوجيا البيولوجية، التي تهتم بالتنوع البشري والتكيف، وظاهرة الثقافة، فهناك سمات بيولوجية مشتركة بين الإنسان والعالم الحيواني، وقد استطاع الأسلاف تطوير القدرة على صنع الثقافة التي مكَّنت الإنسان من التكيف مع الإمكانات البيئية الجديدة دون الحاجة إلى المرور بعمليات التكيف البيولوجي، كذلك كان للثقافة الدور الأكبر في زيادة قدرة الإنسان على التكيف والتحكم بمختلف جوانب بيئته. في مستهل الكتاب يعود المؤلف بنا إلى بدايات العصر البدائي؛ حيث بدأ الإنسان باستخدام الأدوات الحجرية، والنار للطهي والتدفئة والإضاءة، وامتدت هذه البداية حتى نهاية العصر الحجري القديم قبل نحو 4000 سنة قبل الميلاد.
كما يستعرض الكتاب التاريخ البدائي؛ أي الفترة البدائية وتُعرف بـ(العصر الحجري القديم) وتشمل مراحل تطور البشر، وتصنيع الأدوات الحجرية والصيد، إضافة إلى الأساليب الزراعية البدائية. وتعتبر أقدم فترة في تاريخ البشرية، فهي تمتد من نحو 2.6 مليون سنة مضت إلى نحو 10000 سنة قبل الميلاد، وما يميز هذه الفترة القدرة على تطوير المجتمعات البشرية المبكرة التي اعتمدت في المقام الأول على الصيد، والبحث عن الطعام، وكذلك استخدام الأدوات الحجرية. وتقاس مدة الفترة البدائية بالاعتماد على المعالم الثقافية والأثرية المحددة التي استخدمت كنقطة بداية أو نهاية. إلا أن الصناعات الحرفية البدائية تطورت عبر التاريخ وقد بدأ البشر في صنع أدواتهم من مكونات الطبيعة المحيطة بهم من حجارة، وعظام، وخشب، ومواد صناعة أدوات الصيد، ثم تطورت هذه الأدوات بمرور الوقت. ويشير المؤلف إلى أن التاريخ البدائي يشمل مراحل تطور البشر وتصنيع الأدوات الحجرية والصيد والجمع، والأساليب الزراعية البدائية؛ والذي يعود إلى نحو 2.5 مليون سنة مضت، ويمتد حتى نهاية العصر الحجري القديم التي تقع نحو 4000 قبل الميلاد. كما تضمن الكتاب الإشارة إلى تاريخ مصر القديم والذي يعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وقد توزعت هذه الفترة على عدة عصور، شملت الحضارة الفرعونية التي استمرت لمدة أكثر من 3000 سنة، كذلك الحضارة اليونانية والرومانية، وكان لها تأثير كبير على مصر، ثم تلتها الحضارة الإسلامية التي جاءت بعد فتح مصر في القرن السابع الميلادي، وغيرها من الحضارات والدول التي كان لها تأثير كبير على تاريخ مصر. وقد تطورت الصناعات الحرفية البدائية عبر التاريخ؛ حيث بدأ البشر في صنع الأدوات والأشياء من المواد الطبيعية الموجودة في بيئتهم. استخدم البشر الأوائل الحجارة والعظام والخشب ومواد أخرى لصنع أدوات للصيد، ومعالجة الطعام. ومع مرور الوقت، تطورت هذه الأدوات المبكرة إلى أدوات وأسلحة، وقد طور البشر المعرفة والمهارات اللازمة للعمل بمواد وتقنيات مختلفة. كما تأثر تطور الصناعات الحرفية، وكان للعوامل الثقافية والجغرافية الدور الفاعل في تطوير الصناعات الحرفية، وقد طورت المجتمعات المختلفة أساليبها وتقنياتها. ولعبت التجارة دوراً مهماً في نشر الصناعات الحرفية والتعريف بها؛ حيث تبادل الناس المعرفة، وزادت من تكاتفهم، وقد أبرزت قدرة الإنسان الأول وحسه الإبداعي، في عملية تطوير الصناعات الحرفية البدائية وقدرته على التكيف مع بيئته وتلبية احتياجاته. ويشير المؤلف إلى أن أشكال الحياة الأولى على الأرض كانت عبارة عن كائنات دقيقة وحيدة الخلية، ثم تطورت بعد ذلك لتصبح كائنات أكثر تعقيداً.
في حين دلَّ التاريخ البدائي للأرض على أن الأرض تعرضت إلى إشعاعات مكثفة؛ مما تسبب في تكوين القمر، وأدى إلى تطور الغلاف الجوي، منوهاً بأن التاريخ البدائي للأرض مر بأحداث جيولوجية وبيولوجية؛ منها تكوين القارات، وظهور الحياة متعددة الخلايا. كما أشار إلى أن المجتمعات البدائية أثرت على التاريخ بشكل كبير، فكانت المبتدئة في تطور الإنسان وفي صناعة الأدوات والتقنيات الأولى، إلى جانب تطوير التجارة وبناء الحضارات المختلفة ومعرفة اللغات، كما أثرت في صناعة الفن والثقافة، وكان للمجتمعات البدائية دور فاعل في تاريخ الإنسان، وذلك من خلال تطورها، وتطويرها تم بترسيخ وتنمية الحضارات والثقافات وتطور البشرية بشكل عام، وقد عاش الإنسان البدائي في مجموعات بدوية صغيرة، وكان اعتماده على الصيد؛ فكان الصيد في المقام الأول، وكانت لديهم تكنولوجيا محدودة، وأدواتهم بسيطة ومحدودة صُنعت من الحجارة والخشب وعظام الحيوانات. أما نظامهم الغذائي، فهو النباتات واللحوم، ولم يكن لديهم بيوت، فكانت بيوتهم هي الكهوف والملاجئ البسيطة المصنوعة من مواد طبيعية. كما لم تكن لديهم لغة مكتوبة، وقد اعتمدت البنية الاجتماعية لديهم على الأُسرة والقبيلة. وعانى الأفراد صعوبات جمة؛ خصوصاً مع ارتفاع أخطار الإصابة والمرض والافتراس. كما تطرق المؤلف إلى الاختلاف بين الإنسان والقردة، وكل الحيوانات، وهو أن لدينا لغة نتكلم، إضافة إلى الفعل، وقد أعطى مثالاً على القردة، مشيراً إلى أن القردة تمتلك وسائل محددة للاتصال، فهي تصدر أصواتاً حسب الموقف، ولكل موقف صوت، وهو بذلك يشير إلى اللغة؛ فهي تعتمد على الرموز وليس على الإشارات. على الرغم من أهمية الكتاب بوصفه مصدراً ممتازاً للمؤرخين والأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع؛ فإن مياهاً كثيرة مرَّت تحت جسر الدراسات التاريخية بعد هذا الكتاب. فعمر الكتاب تجاوز سبعة عقود، وقد تغيَّر الكثير من المفاهيم والرؤى حول بدايات الإنسان وعلاقته بالكائنات السابقة عليه بالظهور على وجه الأرض. يتبنى الكتاب على سبيل المثال نظرية الخروج من إفريقيا، والتي تفيد أن أولى السلالات البشرية قد خرجت من إفريقيا وانتشرت في كل قارات العالم. اليوم ثمة كشوف تدل على الظهور المتعدد للبشر، والتي تشير إلى أنه ظهر في أقاليم متعددة. حاول المؤلف إرجاع أنماط السلوك المتعلقة بهيمنة الذكور إلى أنواع حيوانية موغلة في القدم، ربما لا تقدم لنا تصورات صائبة حول الهيمنة الذكورية في عالم الإنسان. فالهيمنة الذكورية في عالم الحيوان مختلفة كل الاختلاف، وتعتمد على الضخامة والقوة العضلية المتفوقة، في حين أن المعايير التي قامت عليها هذه الهيمنة في عالم الإنسان جاءت مختلفة؛ حيث إن العصور القديمة كانت تمتاز بهيمنة المرأة بوصفها الصانعة للحياة من خلال عملية الولادة. ومن الملاحظ أن العصر الأمومي كان يعم أغلب حضارات الأرض؛ حيث كان الأبناء ينسبون لأمهاتهم، وحيث الآلهة إناث. ولكن ظهور الملكية واكتشاف الرجل دورَه الأساسي في الإنجاب، أدى إلى ظهور عصر الهيمنة الذكورية.