Skip to content Skip to footer

عبد الفتاح كيليطو: فتنة الأسئلة الأولى | خليل صويلح

لن نجد أرضاً منبسطة في مدوّنة عبد الفتاح كيليطو. هناك على الدوام تضاريس خشنة وصخور تحتاج إلى إزميل نحّات لصقلها على نحوٍ آخر، وإذا بالكتلة الصمَّاء تتكشَّف عن مرئيات كانت ضبابية قبل أن يُعمل أدواته في أرضها بنظرة موشورية تضع أسئلته في مهبّ مكاشفات جديدة تنطوي على قلق وارتياب ولا طمأنينة، مقتفياً أسلوبية الجاحظ في “القفز والوثب” من فكرة إلى أخرى باستطرادات لا نهائية لقناعته بتعدُّد طبقات النصّ، فلا كتابة مكتملة كما لا قراءة نهائية، “هكذا تبدو كتاباتي عندما أعيد قراءتها نصوصاً مريضة يتعيَّن علاجها، مع يقيني أن العلاج لا نهاية له”. يقول لعلَّ هذا المفكِّر المغربي صاحب الدمغة الخاصة في الكتابة العربية، أشبه بحلزون لجهة الاختفاء والتواري، يهدينا كنوزه على جرعات، ثم يعود إلى قوقعته/ مكتبته، مطمئناً إلى حين، إلى أن يقوم بغزوة أخرى أكثر بريقاً.


 

قارئ بمرتبة مؤلف، غارق في بطون الكتب بصحبة الجاحظ والمعرّي والتوحيدي وشهرزاد، وآخرين، ينقِّب عن السر واللغز وفتنة الأسئلة الأولى. في كتابها “كيليطو… موضع أسئلة” تستدرج أمينة عاشور، صاحب “العين والإبرة” إلى المنصّة كي يروي علاقته بالكتب، وفحص تلك القدرة الهائلة على التنقُّل بين الأجناس الأدبية، فضلاً عن الحرية الفكرية التي يتمتع بها، إلى تحرّره من القيود الأكاديمية. تلجأ الكاتبة المغربية إلى استهلالات كُتبِ محاوِرِها بوصفها مفتاحاً لأسئلتها من جهة، وجوهر أفكار الكاتب، من جهةٍ ثانية. يجيب: “يمكننا الاقتصار عليها إلى حدٍ ما. لكن ما يثير الدهشة، هو أن معظم القرّاء لا يقرؤونها، والأدهى أنهم لا يتبينونها”، مراهناً على ندرة من العارفين في فك شفرات اللغز، غامزاً في الوقت نفسه من “عمى القارئ”. ذلك أن أسرار النص تكمن مفاتيحها في الاستهلال. لاحقاً، ستتكئ بصيرته على كتابات أعميَين هما المعرّي وبورخيس، نابشاً عالمهما الغامض. لكن كيليطو مشّاء فكري لا يتوقف طويلاً في المحطة نفسها. إذ ما انفك ينبش في كتب التراث بعين حداثية، كتاباً وراء الآخر، نافضاً الصدأ عن تلك الكنوز، فالجاحظ مثلاً، هو أحد آبائه الروحيين، كذلك ابن حزم، صاحب “طوق الحمامة”، وابن رشد، وعشرات الأسلاف العظام، بينما يستدعي من الضفة الأخرى أعمالاً لبورخيس ورولان بارت، ونيتشه، وسرفانتس، وكافكا، وآخرين، في “عملية وصل” بين ثقافتَي الشرق والغرب. على الأرجح هنا تكمن أهمية مشروع عبد الفتاح كيليطو النقدي، في مزاوجته بين ثقافات مختلفة، أو كما يشي عنوان أحد كتبه “أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية”. ستتكشف مرجعياته تدريجياً. القصص المصوّرة في طفولته أولاً (خصومة الصور)، مروراً بأطروحته الجامعية عن “مقامات الحريري”، ثم اكتشافه المعرّي ممتدحاً غموضه ودروبه المغلقة وانعراجاته المفاجئة، ومساراته المضللة، وضبابيته المحيّرة “لا نجاة إلا للكتاب الغامضين، ثم ما قيمة العمل من غير أسرار؟” يقول. وسوف يتساءل باكراً: “كيف نجرؤ على مواصلة الكتابة بعد الجاحظ ومارسيل بروست وكافكا؟”. هكذا سيتلف محاولاته الروائية الأولى، لتمتد محاوراته لاحقاً نحو ابن رشد (من شرفة ابن رشد)، وابن بطوطة، و”ألف ليلة وليلة”، معوّلاً على الفضول المعرفي المحرّم، معتبراً إياه وثيق الصلة بالفاكهة المحرمّة، ذلك أنّ المعرفة لا تنفصل عن اللذة، كما يشير في كتابه “لسان آدم”. 

هؤلاء كانوا بالنسبة إليه بمثابة مصدر إلهام، وسند، وصندوق مليء بالكنوز التي لا تقدّر بثمن. انخراطه في تشريح وتأويل النصوص التراثية تقابله ريبة تجاه النصوص المعاصرة، فالأسئلة الكبرى سبق أن أجاب عنها أسلافه؛ لكنه سيعتني بسؤال الترجمة، وهجرة الأشكال والخطابات. هذا الذهاب والإياب بين لغتَين (العربية والفرنسية) أربكه قليلاً في بداياته، إلى أن وصل إلى قرارٍ واضح “أتوجه ببصري شرقاً عندما أكتب بالعربية، وغرباً، أو شمالاً، إن كتبت بالفرنسية”، كما سيوزع حصة القراءة بالتساوي: العربية نهاراً، والفرنسية ليلاً “فهل قراءة النهار هي قراءة العقل، وقراءة الليل هي الحلم؟”. ولكن لماذا هذا الاعتناء الصارم بالهوامش والإحالات؟ يجيب بأنه يخشى اتهامه بالانتحال، كما كان يفعل معلّم اللغة العربية، كلما قرأ له موضوع إنشاء، فلم يكن يصدّق بأن هذا الفتى هو من يكتب مواضيعه بنفسه. بناءً على ذلك، تزدحم نصوصه بإشارة إلى عناوين كتب، أو مؤلفين، وشخصيات مستلّة من كتبٍ أخرى، بزاوية نظر مفارقة، وبنوع من اللبس والتردّد والبلبلة، ما يتيح للقارئ إمكانيات مختلفة للتأويل. في قصصه، سيذهب إلى تمجيد البطل الضدّ باعتباره أكثر أهمية من الشخصية الإيجابية. تتوغل أمينة عاشور في عالم صاحب “حصان نيتشه” بما يشبه المبارزة، بقصد هتك أسرار محاوِرها، لكنه يبقى متيقظاً في إجاباته، وحذراً من الاستطرادات، أو الإجابات اليقينية، بالإضافة إلى ولع بالدقّة، إذ يردّد أكثر من مرّة عبارات من نوع “لا ينبغي أن نجزم”، و”إلى حدّ ما”، و”ليس تماماً”، مستشهداً بقول فلوبير في الكتابة “أن يكون المرء في دقّة قانون الأحوال المدنيّة”. بالطبع، ستحضر شخصية “شهرزاد” أو “نسّاجة الليالي” كثيمة أساسية في اشتغالاته النقدية ونصوصه التخييلية، بوصفها معبراً نحو لذّة الحكي بغياب مؤلفه. ذلك أن الليالي ظلّت إلى اليوم مجهولة المؤلف. يقول عبد الفتاح كيليطو إن نصوصه تولد من صورة، من كلمة، وافتراضات “كتبي تولد من بقايا أدراج خزانة، مقالات، محاضرات، مسودات”، نافياً أنه فكّر سلفاً بالجلوس وراء طاولته بقصد تأليف كتاب ما. أما رعبه الحقيقي، فيتمثل في ذلك “القارئ العدو”، قبل أن يستدرك “لأننا نهابه لا ننساق إلى الاستسهال”. إشكالية اللغة لها حصّة أيضاً في هذه المحاورات كسؤال متجدّد حول قلق الهويات، وتلك المسافة الفاصلة بين الفصحى واللهجات، ولغة الكتابة نفسها “هل أكون أنا نفسي عندما أكتب بالعربية أو الفرنسية؟” يتساءل. لا تهمل أمينة عاشور تفصيلاً يخص تجربة هذا المبدع الاستثنائي، كما لو أنها تقوم بتظهير صورته بالطول الكامل. ثم تغلق العدسة على جملته الأخيرة: “المواظبة على اللعب”. في الرواية وخارجها، ظلّ عبد الفتاح كيليطو رهينةً للكتب النفيسة في التراث العربي القديم في مغامرة محتدمة لتفكيك السرديات المستقرة، والارتياب الدائم حيال الأفكار التي تعمل على السطح في تفسير بوصلة السرد وطبقاته. وهو في “والله إن هذه الحكاية لحكايتي” الرواية التي استل عنوانها من ألف ليلة وليلة، يستضيف مؤلفيه المفضّلين حول مائدة واحدة، مستدرجاً أطيافهم في مقولات مضادة، وبلسانين في آنٍ واحد، وبرفضٍ صريح للعموميات: “تناول بدلاً من ذلك، تفصيلاً، صورة، مشهداً يبدو طفيفاً واجعل منه محور مؤلفات التوحيدي، وبالتالي محور أطروحتك”. كأنّ الشخصيات الروائية تعيش في الكتب وتُنشئ حيواتها في المتون، داخل الغرف المغلقة لا فضاء المقاهي وشوارع المدن. على الأرجح، سيتسرب نوع من الندم الفكري على هذا الطراز من حياة المؤلف؛ لكنه في المقابل سيراهن على سرديات تتناسل من بطون الكتب وعلى تخومها. هكذا يخلخل عبد الفتاح كيليطو السرد الأفقي بخلائط هذيانية تتمازج فيها الوقائع، فتنتصر الحكاية المرتحلة وحدها، بصرف النظر عن تضاريسها المتبدّلة، فلكلّ جنيته التي تطير بمعطف من الريش، ولكلّ راوٍ كتابه الملعون. بالنسبة إلى القارئ الكسول والضجر الذي يفتّش عن حكاية مُسَلِّية، لن يجد لدى صاحب “من شرفة ابن رشد” الرواية التي ينتظر، خصوصاً أولئك الذين لم يطّلعوا على أعمال هذا الباحث والروائي الاستثنائي المهووس بكلاسيكيات التراث العربي، وما يوازيها غرباً، في طيرانه بين رفوف المكتبة، وتقليب المخطوطات المهملة، والتحليق عالياً في استجواب ما هو مضمر وملتبس في نصوص الأسلاف، بانتباهات تخييلية مدهشة ومركّزة لا سيولة إنشائية تفقدها قوتها الجمالية لجهة “الإمتاع والمؤانسة” وفقاً لأسلوب التوحيدي الذي ينحو إلى الاقتصاد والحكمة والمتعة في آن. يستدرجنا عبد الفتاح كيليطو بمكر إلى شرك الحكاية، وإعادة تأويلها في أنساق مغايرة، بقصد تحطيم استقرارها، وتالياً استبدادها التاريخي، ما يضعها في موقع الشبهة والارتياب!