منذ أقدم العصور كان اللعب على وتر العواطف الدينية من أقوى أسلحة السياسة في تثبيت دعائم الحكم وتوظيفها لمصلحة الدولة، وظاهرة (وعاظ السلاطين) ظاهرة ليست حديثة بل هي رافقت الأديان منذ ظهورها ولم تقتصر على الأديان السماوية فقط؛ فهم فئة من الرجال المتسترين بلباس الدين.. جعلوا مِن أنفسهم مطيَّة للحاكم الظَّالم، يُعطونه الشرعية لحُكمه الظالم هذا، ويمنحونه الفتوى التي يريد، في الوقت الذي يريد. ويخترعون له الأحاديث التي تسند فتاواهم، وفي التاريخ الإسلامي الكثير من هذه النماذج حتى أصبحت تلك التجارة أقصر الطرق للحصول على الأموال والتمتع بالحظوة لدى الحكام؛ من أجل استخدامهم في الطعن في خصومهم، وقد انقسم وضاع الأحاديث إلى عدة أصناف، كما يقول النووي في “شرح مسلم” نقلاً عن القاضي عياض؛ بقوله “الكاذبون ضربان: ضرب عرفوا بالكذب في حديث الرسول (ص)، وهم أنواع: منهم مَن يضع ما لم يقله رسول الله (ص) أصلاً، كالزنادقة وأشباههم ممن لم يرج لله وقاراً، إما حسبة بزعمهم وتديناً كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الأحاديث في الفضائل والرغائب، وإما إغراباً وسمعة كفسقة المحدثين، وإما تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب، وإما إشباعاً لهوى أهل الدنيا في ما أرادوه، وطلب الفوز لهم في ما أتوه”، في التاريخ الذي يُسمى (إسلامياً). كان موت الرسول أول حادثة ظهرت فيها الحاجة إلى الأحاديث التي تبرر استيلاء قريش على السلطة، لذلك كان لا بد من تزوير الأحاديث التي تجعل من قريش الطبقة المميزة ذات الحق الإلهي في الحكم، ففي الصحيحَين نجد حديث أبي هريرة أن رسول الله قال “الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم”، وفي حديث ابن عباس قال رسول الله “اللهم أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرها نوالاً”، أخرجه الترمذي والمئات غيره من الأحاديث التي تدور حول هذا الإطار وتبرر سلطة قريش.
عندما ظهرت حركات التمرد في الجزيرة العربية ضد حكم قريش جاء دور مزوري الأحاديث ليخترع لنا أبو هريرة حديث الشجاع الأقرع الذي يعذب مانعي الزكاة، فيروي البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك”، وظهر حديث ابن عمر هو قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ رواه البخاري. ولغرض تأكيد سلطة حكام قريش ظهرت الأحاديث التي تمنع الخروج على الحاكم الجائر، فكان دور ابن عباس في تزوير حديث أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: “من رَأى من أميرِه شيئًا يَكرَههُ فليصبِرْ؛ فإنَّه من فارَقَ الجَماعةَ شِبرًا فماتَ فمِيتةٌ جاهِليَّةٌ”. ولم يترك أبي هُريرةَ مكانه خالياً، فادعى أنَّ النَّبيَّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال “من خَرجَ من الطَّاعةِ وفارَقَ الجَماعةَ فمات، مات مِيتةً جاهِليَّةً”.
مع دخول أقوام أخرى إلى الإسلام، كان لا بد من تزوير أحاديث في تفضيل العرب فكان دور ابن عمر، روى الحاكم والبيهقي عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله، صلى الله تعالى عليه وصحبه وسلم: “لما خلق الله الخلق اختار العرب، ثم اختار من العرب قريشاً، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم، فأنا خيرة من خيرة”. وبعد مقتل عمر وقيام ابنه بقتل ابنة أبي لؤلؤة والهرمزان دون بينة، احتاج الحاكم الجديد إلى حديث؛ ليبرر هدر دم المقتولين، فظهرت أحاديث لا يُقتل مسلم بكافر قصاصاً وإن قتله عامداً وإنما له الدية فقط، وغيرها. وبعد مقتل عثمان ظهرت الأحاديث التي فيها النبوءة والبشارة بوصول معاوية إلى الملك، وهو الأمر الذي استخدمه الأمويون في ما بعد لشرعنة حكمهم. من تلك الروايات ما حكاه ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” عندما ذكر أن هند بنت عتبة وزواجها من الفاكه بن المغيرة المخزومي، ولتبرير الحكم الجبري لبني أمية ظهرت الأحاديث التي تركز على طاعة الأمراء (وإن أخذ مالك وضرب ظهرك فاسمع).
في فترة الصراع بين بني أمية وابن الزبير، استغل حكام بني أمية وجود (محمد بن مسلم بن شهاب الزهري) لوضع الأحاديث الموافقة لأهوائهم وإصدار الفتاوى بما يخدم مصالحهم. فعندما منع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك لأن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة فضج الناس، وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض علينا، فقال: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس. وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وضع قدمه لما صعد إلى السماء. وعندما أذنت شمس أمية في المغيب، ظهرت نبؤات التمهيد لانتقال حكم الأمويين من المشرق إلى الأندلس، على يد عبد الرحمن الداخل. ففي كتابه “البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب”، يذكر المؤرخ المعروف ابن عذاري المراكشي، المتوفى في نهاية القرن السابع الهجري، نبؤات مسلمة بن عبد الملك، بإقامة الدولة الأموية في الأندلس، عندما شاهد الطفل الصغير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، إذ توسم فيه أمارات النجابة والمُلك، وقال إن ذلك الفتى هو الذي سيعيد إحياء دولة بني أمية في المغرب بعد زوالها من المشرق. ويستمر ابن عذاري بعد ذلك في الحديث عن تحقق تلك النبوءة بعد سقوط الدولة الأموية في المشرق على يد العباسيين عام 750، وهروب عبد الرحمن إلى الأندلس؛ حيث استطاع إقامة إمارة أموية قوية.
بعد سقوط بني أمية ظهرت أحاديث الرايات السود، لتأكيد شرعية سلطة بني العباس، وموافقتها لصحيح الدين. من أهم نماذج تلك القصص الربط بين الراية السوداء، وهي الراية الخاصة بالعباسيين، والتي حاربوا تحتها الدولة الأموية، من جهة، وبين بعض الأحاديث المنسوبة إلى النبي والتي يأمر فيها بالانضمام إلى أصحاب تلك الراية من جهة أخرى. من تلك الأحاديث التي روّج لها العباسيون وأتباعهم ما ورد في سنن ابن ماجة: “إنا أهل بيت، اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قبل المشرق، معهم رايات سود، فيسألون الخير، فلا يُعطونه، فيقاتلون فيُنصَرون، فيُعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً، كما ملؤوها جوراً، فمَن أدرك ذلك منكم، فليأتهم ولو حبواً على الثلج”. ومنها ما ورد في مسند أحمد بن حنبل: “إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من خراسان فأتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي”. وشاعت بعض النبوءات التي حاول العباسيون من خلالها أن يمهِّدوا لبعض خلفائهم الأوائل، وبالأخص للسفاح وأخيه المنصور. ففي كتابه “مقاتل الطالبيين”، يذكر أبو الفرج الأصفهاني أن رؤساء بني هاشم اجتمعوا في السنين الأخيرة من حكم الدولة الأموية، وبحثوا أمر ضرورة اجتماعهم على زعيم هاشمي واحد، ليقود كفاحهم المسلح ضد الدولة الأموية المتهالكة. يذكر الأصفهاني أن معظم الهاشميين اتفقوا على اختيار محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى، المعروف باسم النفس الزكية، ولكن الإمام جعفر الصادق أبلغ بعض الحضور أن حركة النفس الزكية سوف تنتهي بالفشل، وأن كلاً من أبي العباس السفاح وأخيه أبي جعفر المنصور، سوف يصلان إلى منصب الخلافة. من المؤكد أن مروجي تلك القصة حرصوا على أن ينسبوها إلى الإمام جعفر الصادق تحديداً؛ لعدد من الأسباب المهمة، أولها أن الصادق كان يحظى بمكانة متميزة ورفيعة عند معظم الفرق والجماعات الإسلأمية، ما يجعل لكلامه شكلاً من أشكال القدسية والاحترام والتبجيل؛ وثانيها، موقع الصادق المهم والمركزي في المذهب الشيعي، بحيث أصبح وضع النبوءة على لسانه بمثابة الحجة والإشكال على الشيعة والعلويين الذين مثلوا تياراً معارضاً قوياً للعباسيين.
ومن أمثلة على محاولة الحكام استغلال المشاعر الدينية ضد أعدائهم، ما رواه ابن أبي الحديد المعتزلي عن أبي جعفر “وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم، حتى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (ع): (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وهُوَ أَلَدُّ الخِصامِ* وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَساد)”. وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم. وهي قوله تعالى :(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف، فقبل وروى ذلك.
ولتوضيح أثر السياسة في وضع الأحاديث نتناول خمسة أحكام تم اختراعها من قبل (الفقهاء)؛ خدمة للحكام ولأهدافهم السياسية، ولعبت، وما زالت، دوراً كبيراً في حياة المسلمين، وهي حكم قتل المرتد وحكم التعصيب في الميراث؛ لحرمان النساء من حقوقهن وحكم وجوب طاعة الحاكم (وإن أخذ مالك وإن ضرب ظهرك)، وحكم لا وصية لوارث، وحكم أن الحكمة في القرآن هي السنة وخرافة (الوحي الثاني). فهذه الأحكام رغم مخالفتها نصوصاً قرآنية واضحة؛ فإن المصالح السياسية دفعت (الفقهاء) لوضع أحاديث تلغي النصوص القرآنية.
أبو حنيفة والتعصيب في الإرث لحرمان البنات من أموال أهلهن
بنى العبّاسيون شرعية حقّهم في الخلافة على أساس الادعاء أنّ ابن محمّد بن الحنفيّة ووريثه، وهو أبو هاشم، قد تنازل عن حقّه للعباسيّين. يقول الباحث في التاريخ الإسلامي وتاريخ الذهنيات حسن حافظ، “قامت الدولة العباسية كدعوةٍ سريةٍ ارتبطت بالرضا لآل محمد، في استمرارٍ لتداخل الديني مع السياسي، والذي أصبح جزءاً من أبجديات الدولة الإسلأمية، منذ الأمويين الذين اتخذوا من فكرة (الجبر) في القضاء والقدر مسوغاً لأفعالهم، ووصولهم إلى الحكم”. ولكن العبّاسيّين أنفسهم رأوا ألّا يقتصروا على الاعتماد على هذا التّنازل الّذي أقدم أبو هاشم عليه، ورأوا أنّه لا بدّ لهم من التّذرع ببعض الأسانيد الشّرعيّة قبل أن يقدموا على العمل لنقل الخلافة إليهم، فأذاعوا بين المسلمين أنّهم من سلالة العبّاس بن عبد المطلب عمّ النّبي، كما ادعوا أنّ الخلافة تصير إلى العمّ إذا لم يكن هناك وارث ذكر. وهكذا نظروا إلى الخلافة على أنّها تركة تركها النّبي تورث وينطبق عليها أحكام الميراث .
وكانت الشرارة التي أشعلت موضوع الإرث والعصبة الرسالة التي أرسلها (محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن عليّ)، المعروف بالنّفس الزّكيّة، إلى أبي جعفر المنصور، فقد جاء فيها “فإنّ الحقّ حقّنا، وإنّما ادّعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا، وإنّ أبانا عليّا كان الوصي وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟”. كان رد أبو جعفر هو أول ما أثار موضوع الإرث والذكورة فكتب “وأمّا قولك أنّكم بنو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآلة، فإنّ اللّه تعالى يقول في كتابة: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ، ولكنّكم بنو ابنته، وإنّها لقرابة قريبة، ولكنّها لا تجوز الميراث، ولا ترث الولاية ولا تجوز لها الإمامة، فكيف تورث بها. ولقد جاءت السّنّة التّي لا اختلاف فيها بين المسلمين، أنّ الجدّ أبا الأمّ والخال والخالة لا يرثون” .
هنا جاء دور (أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن مرزُبان الكوفيّ) في صياغة كلام أبي جعفر في إطار فقهي؛ لانعدام النص القرآني في موضوع ميراث العم، وهي حجة بني العباس فكان زعيم مدرسة أصحاب الرأي فوضع مصطلح (الإرث بالتعصيب). والتعصيب هو الإرث بغير تقدير، والعصبة في المواريث هم الذكور الذين يرثون بلا تقدير، وهم كل من يأخذ جميع المال عند الانفراد، أو يأخذ الباقي بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم وحقوقهم، وقد لا يبقى له شيء. وجهات العصوبة بنوّة، ثم أبوة، ثم أخوة وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم. بعد ذلك تم اختراع حديث منسوب إلى رسول الله “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر”. ذكره البخاري ومسلم ودليل أنه موضوع أن مالك بن أنس وهو ممن قالوا بالتعصيب لم يذكره في موطأه. هذا الحديث يخالف الآيتين. ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ (النساء: 11)، وقوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ (الأنفال: 75؛ الأحزاب: 6)، وهما فريضتان، ولا يمكن أن يبقى شيء من الإرث بعدهما.
يشير القائلون بالتعصيب إلى الآية 11 من سورة (النساء) “فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث”، يقول الفقهاء هنا إن الأب يرث بالتعصيب؛ لأن هذه الآية تشير إلى التعصيب بشكل ضمني. فهي ذكرت أن الأم ترث الثلث وسكتت عن نصيب الأب، فاعتبر المفسرون والعلماء أنه يرث الباقي. (أي أن العلماء والمفسرين هم الذين فسروا الآية). كذلك هناك الآية 176 من سورة (المائدة) التي تتحدث عن نصيب الأخ: وجاء فيها “وهو يرثها إن لم يكن لها ولد”. وقد فسر دائماً العلماء والفقهاء هذه الآية بالقول إن الآية لم تحدد نصيب الأخ بشكل دقيق، مكتفيةً بعبارة “وهو يرثها”، لذا قال المفسرون إن الأخ يرث ما تبقى من تركة أخته تعصيباً في حالة عدم وجود ولد ذكر لها. لو نظرنا إلى الآيتين نجدهما تتكلمان عن الولد ولم تتكلما عن الذكر أو الابن، والولد في معجم المعاني، الجامع، يعني الذكر والأنثى، وفي لسان العرب يعني الولد، الوَلِيدُ: الصبي حين يُولَدُ، وقال بعضهم: تدعى الصبية أَيضاً وليداً.
إذن التعصيب مسألة وليدة اجتهاد الفقهاء التي كانت تسعى بشكل حثيث إلى محاولة جعل الإرث يبقى محصوراً بين ذكور العائلة ولا ينتقل إلى إناثها، وبرأي أبي حنيفة وسيف أبي جعفر وحديث مهلهل تم حرمان الملايين من البنات من حصتهن في ميراث أهاليهن وأُلغيت الآيات القرآنية.
مالك بن أنس.. ولا وصية لوارث
يعتبر حديث (لا وصية لوارث) من المفتريات التي لعبت دوراً خطيراً في الحياة السياسية خلال الفترة الانتقالية ما بين سقوط الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية على أنقاضها، والصراع الذي دار بين البيت العلوي والبيت العباسي. فمن المعروف أن البيت العباسي الذي ينسب إلى العباس ابن عبد المطلب، عم الرسول، قد انسحب من الحياة السياسية بعد قيام عبد الله ابن عباس بسرقة بيت مال المسلمين في البصرة، وهي القصة التي وردت في كثير من الكتب الإسلأمية؛ مثل كتاب جمل من أنساب الأشراف، أحمد بن يحي بن جابر البلاذري، والرواية كذلك في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، وتاريخ الطبري، فابن عباس أكل ما في بيت مال المسلمين وهرب به إلى مكة. واستقر أبناؤه في الحميمة يعتاشون على عطايا بني أمية حتى حكم هشام ابن عبد الملك الأموي ولم يكن لهم طموح سياسي أو تطلع للحكم.
استمر وضع البيت العباسي على ذلك؛ بل إنهم بايعوا “محمد ذو النفس الزكية” ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، في اجتماع الأبواء الذي عقده بنو هاشم لاختيار قائد لدعوتهم. حتى ظهر بينهم إبراهيم بن ختكان، فتسمى بعبد الرحمن بن مسلم والملقب بأبي مسلم الخراساني، فأثار شهيتهم للحكم واخترع لهم قصة وصية (أبي هاشم بن محمد بن الحنفية) التي ذكرها البلاذري، تلك الوصية التي استند إليها العباسيون في أحقيتهم بالدعوة ويتناولها اليعقوبي بالقول إن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، حينما أدركته الوفاة بعد حادثة وضع السم له، ولم يكتف اليعقوبي بهذه القصة، بل أضاف إلى ذلك: (إن أبا هاشم قال لمحمد بن علي: وهذه وصية أبي إليَّ، وفيها إن الأمر صائر إليك وإلى ولدك). بعد اختراع هذه القصة قام العباسيون بتكوين تنظيم سري أسوة بآل علي، وذلك عقب وفاة أبي هاشم، إلا أنهم لم يعلنوا عنه، وكانوا في تكتم وتستر شديدَين؛ خشية افتضاح أمرهم، خصوصاً في المناطق المعروفة بعلويتها، وبهذا ظهرت دعويان ضمن التيار الواحد؛ تعملان في آن واحد، أولاهما علوية صاحبة الكلمة العليا بين الخاصة والعامة، وأخرى عباسية اقتصرت على مجموعة من الدعاة الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. وقد اخترع لهم أبو مسلم الخراساني أسلوباً من الدعاية بناء على معرفته بالاتجاهات السياسية، فاخترع وصية نسبها إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، تقول “إما الكوفة وسوادها فهناك شيعة علي بن أبي طالب، وإما البصرة فعثمانية.. وإما الجزيرة فحرورية، وإما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان، وطاعة بني أمية، وإما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليها أبو بكر وعمر؛ ولكن عليكم بخراسان. فإن هناك العدد الكثير، والجلد الظاهر، وصدوراً سليمة وقلوباً فارغة لم تتقاسمها الأهواء). ومن أجل هذا أصر الدعاة العباسيون أن تكون دعوتهم إلى الرضا من آل محمد، وكانت الدعوة تحمل اسماً غامضاً، وهو الدعوة لآل البيت وخلع بني أمية وبيعة بني هاشم. ولكن بعد أن انتصرت الدعوة في خراسان بقيادة أبي مسلم الخراساني، ظهر أبُو العَبَّاس عَبْدُ اللهِ السَّفَّاح بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بنِ العَبَّاسِ ليتولى الحكم. عند هذه المرحلة كان لا بد لبني العباس أن يتخلصوا من قيد (الوصية) التي أقاموا حكمهم عليها. فمن ناحية لا يريدون أن ينقضوا شرعية الوصية لأن ذلك نقض لشرعيتهم، ومن ناحية أخرى لا يريدون أن تكون شرعيتهم مستمدة من عدوهم (بني علي). وهنا اختاروا (مالك بن أنس).
وكعادة المصادر التاريخية، لم يتفقوا على الشخص الذي سموه (مالك بن أنس) فعلى الرغم من أهميته: إمام لأحد المذاهب الأربعة؛ فإنهم اختلفوا في سنة ولادته وفي أصله وفي وفاته، ونسبوا إليه فرية لا يمكن أن يصدقها عاقل، وهي أنه بقي في بطن أمه ثلاث سنوات. فقد اختلف المؤرخون في ولادة الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر، فمنهم مَن قال عام 93 هجرية (وهو الأشهر)، وقيل 94 هجرية، وقيل 95 هجرية، وقيل 96 هجرية، في المدينة المنورة. لم يكن أنس والد الإمام مالك معروفاً؛ حيث لم يُذكر عن حياته في كتب التاريخ، بل حتى إن مالك نفسه لم يرو عنه، وجده أبو عامر كان تابعياً يمنياً نزل المدينة. ولم يكن مالك من أسرة علمية. كذلك اختلف الرواة إن كان مالك من العرب أم من الموالي “قال محمد بن عمران لمَن سأله عنه: وهو رجل من العرب من حمير من أنفسهم، ما بيننا وبينه نسب إلا أن أمه مولاة لعمي عثمان بن عبيد الله”. ذكر ابن إسحاق وآخرون أن مالك مولى لبني تميم، وقال آخرون “الإمام مالك بن أنس الأَصْبَحي التيمي، فهو أصبحي صليبة، تيمي بوَلاء الحِلْف، وذلك لأن قومه (أَصْبَح) موالي لتيم قريش بالحِلْف”. وأشار محمد زاهد الكوثري إلى أن مالك من الموالي لا من العرب، واستشهد بتسمية الإمام الزهري لعم الإمام مالك بـ”مولى التيميين”. وكما اختلفوا في ولادته، اختلفوا في وفاته؛ فقيل إنه توفى سنة تسع وسبعين ومائة، واختلفوا في أي وقت منها، فالأكثر على أنه في ربيع الأول، قاله إسماعيل بن أبي أويس، وابن أبي زنبر، وابن بكير، وأبو مصعب الزهري.. وغيرهم، واختلفوا بعد ذلك؛ فقال ابن أبي أويس والواقدي وابن سعد صبيحة أربع عشرة من الشهر المذكور. وقال أبو مصعب لعشر مضت منه، وحكى أبو علي البصري في الكتاب المغرب أن وفاته يوم الأحد لثلاث خلون من هذا الشهر، وقال ابن وهب في تاريخ ابن سحنون يوم الأحد لثلاث عشرة خلت منه، وحكى أبو عمر بن عبد البر لعشر خلون منه، وقال ابن سحنون في إحدى عشرة، ويقال في اثنتي عشرة من رجب من السنة. وقال مصعب الزبيري، وخالف هذا كله حبيب كاتبه ومطرف في ما ذكر عنه، قالا سنة ثمانين. وخالف أيضاً الفزاري فحكى عنه ابن سحنون وأبو العرب التميمي أن وفاة مالك سنة ثمان وتسعين. واختلفوا في سنه؛ فقال ابن نافع الصائغ وابن أبي أويس ومحمد بن سعيد وحبيب، أنه توفي سنة خمس وثمانين، وقيل أربع وثمانون، وقيل عن ابن نافع سبع وثمانون، وقاله سحنون وقال الواقدي تسعين. وقال الفريابي وأبو مصعب ستاً وثمانين، وذكر عن ابن القاسم سبعاً وثمانين، وقاله ابن سحنون وأبو العرب، وعن القعنيني تسع وثمانون. وقال أيوب بن صالح اثنتين وتسعين، وقال أبو محمد الضراب، وهذا خطأ والصواب ست وثمانون، وهو الأشبه مع قول ابن القاسم على الأصح من مولده ووفاته. وفي ميلاده مشكلة كبيرة؛ فقد بقي بحسب كلامهم ثلاث سنين في بطن أُمه، فقد اختلفوا كم مكث في بطن أُمه “وفيات الأعيان” لأبن خلكان، في ترجمته لمالك بن أنس، قال: “وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين للهجرة، وحمل به ثلاث سنين…”، وروى الذهبي في سير أعلام النبلاء (الطبقة السابعة) مالك الإمام “قال معن، والواقدي، ومحمد بن الضحاك: حملت أم مالك بمالك ثلاث سنين. وعن الواقدي قال: حملت به سنتين. والقاضي عياض وهو مالكي المذهب بطبيعة الحال، قال: “واختلف في حمل أمه به، فقال ابن نافع الصائغ والواقدي ومعن ومحمد بن الضحاك، حملت به أمه ثلاث سنين، وقال نحوه بكار بن عبد الله الزبيري. ولم يكن لسانه يحسن العربية، وكان يلحن بالعربية، وقال عنه أحمد بن حنبل عندما سُئل عن مالك، فقال: «حديثٌ صحيح، ورأيٌ ضعيف». بل إن ابن أبي ذئب عندما بلغه أن مالكاً لم يأخذ بحديث “البيعان بالخيار”. فقال: «يُستتاب. فإن تاب، وإلا ضربت عنقه». وقال عنه سفيان الثوري (كما في تاريخ بغداد 9|164): «مالك ليس له حفظ». وممن عابه عبد العزيز الماجشون، وابن أبي حازم، ومحمد بن إسحاق. وقد ناظره عمر بن قيس -في شيء من أمر الحج بحضرة هارون- فقال عمر لمالك: «أنت أحياناً تخطئ، وأحياناً لا تصيب». فقال مالك: «كذاك الناس» بل إنه اعترف بأنه كان يكذب، روى الحاكم في كتاب (معرفة علوم الحديث): “حدثني موسى بن سعيد الحنظلي بهمذان قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن ماهان، قال سمعت حماد بن غسان، يقول: سمعت عبد الله بن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: لقد حدثت بأحاديث وددت أني ضربت بكل حديث منها سوطين ولم أحدث بها” ورواه أيضا ابن الأثير الجزري في “جامع الأصول”. وفي رواية الخطيب أنه قال: روى يحيى بن سليمان عن ابن وهب، قال: سمعت مالكاً يقول: كثير من هذه الأحاديث ضلالة، لقد خرجت مني أحاديث لوددت أني ضربت بكل حديث منها سوطين وإني لم أحدث به”.
لإخراج بني العباس من قيد الوصية مع المحافظة على مشروعية وصية أبي هاشم لهم؛ اخترع مقولة في الموطأ باب الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَالْحِيَازَةِ “السنة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها أنه لا تجوز وصية لوارث، إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت، وأنه إن أجاز له بعضهم، وأبى بعض، جاز له حق من أجاز منهم، ومن أبى أخذ حقه من ذلك”. هكذا ذكرها مالك دون سند أو أن يرفعها إلى أي ممن عاصر النبي. عندما سمع أبو جعفر الدوانيقي العباسي بهذه الفتوى وطلب منه أن يكتب كتاب الموطأ ويحمل الناس عليه.
استمر هذا الحديث دون سند؛ حتى إن البخاري ومسلم لم يرضياه، فلم يُخرِّجاه في صحيحَيْهما (فإنّ البخاري لم يَرْوِ هذا الحديث، وإنّما جعل عنوان الباب (لا وصيّة لوارثٍ)، وروى فيه حديثاً موقوفاً على ابن عبّاس. ثم اضطر من جاء بعدهم إلى اختراع سند للحديث، وقد أثبت الطحاوي أن كلها لا يقوم من جهة الإسناد بقوله “إنْ كان ذلك كلّه لا يقوم من جهة الإسناد” والبيهقي، فإنّه قال: «قد رُوي هذا الحديث من أوجه أُخَر كلّها غير قوية، والاعتماد على الحديث الأول، وهو حديث ابن عبّاس الموقوف؛ والحافظ ابن حجر، فإنّه قال: “ولا يخلو إسناد كلٍّ منها عن مقال”، وعن الخطّابي حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطّاب البستي، أنّه قال: (… وإسناده فيه ما فيه) وقد تصدّى صاحب تفسير المنار لبيان إشكاليات السند، وقال: «إنّه لم يصل إلى درجة ثقة الشيخين به، فلم يرْوِه أحدٌ منهما مسنداً. ورواية أصحاب السنن محصورة في عمرو بن خارجة وأبي أمامة وابن عبّاس. وفي إسناد الثاني إسماعيل بن عيّاش، تكلَّموا فيه، وإنّما حسَّنه الترمذي؛ لأنّ إسماعيل يرويه عن الشاميين” ثمّ قال صاحب المنار: «فعُلم أنّه ليس لنا روايةٌ للحديث صُحِّحت، إلاّ رواية عمرو بن خارجة. والذي صحَّحها هو الترمذي، وهو من المتساهلين في التصحيح. وقد علمت أن البخاري ومسلم لم يرضياها، فهل يُقال: إنّ حديثاً كهذا تلقَّتْه الأُمّة بالقبول؟”.
الزهري وأحاديث طاعة أولي الأمر
لضمان الطاعة المطلقة والانقياد التام لأوامر الحكام، كان لا بد من ربط تلك الطاعة بطاعة الله وطاعة الرسول، ولذلك تمت صناعة أحاديث ونسبوها إلى رسول الله، مع أنها تخالف ما جاء في الكتاب، وكان أول مَن اخترع تلك الأحاديث صاحب شرطة بني أمية (محمد بن مسلم بن شهاب الزهري) الذي لم يكن صحابياً؛ بل كان من عائلة اشتهرت بمعاداة الإسلام والمسلمين، فقد كان أبوه (نعارا في الفتن) كما وصفه عبد الملك بن مروان، وكان جده من أشد أعداء النبي، وضربه على رأسه في معركة أُحد، فاستغل بنو أُمية حقد الزهري على أهل المدينة الذين كانوا يعرفون أصله وفصله، فحولوه إلى محدث عن رسول الله؛ ليضع لهم أحاديث الطاعة للولاة، باعتبارها طاعة لرسول الله.
الزهري المولود في المدينة في العام الذي توفيت فيه السيدة عائشة، أي عام 58. كان أبوه نعاراً في الفتن. والنعار هو الرجل المنافق اللئيم الذي يكون شديد السعي في إثارة الفتنة، وخلق المشكلات بين الناس. وقيل إن النعار هو الرجل كثير الصراخ والصياح (بمعنى يفتعل المشكلات). ذكر الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام الجزء الثامن، الصفحة 229: دخل (الزهري) على الخليفة الأموي (عبد الملك بن مروان) فسأله من أنت؟، فقال: أنا (محمد بن مسلم بن شهاب الزهري) وذكر نسبه، فقال (عبد الملك بن مروان): إن كان أبوك لنعـاراً فـي الفتـن. أما جده فكان من أشد أعداء النبي (ص) وهو الذي ضرب النبي (ص) على رأسه فجرحه في (غـزوة أُحـد). ذكر المؤرخون أنه كان من الذين ضربوا النبي (ص) بعد أن حاصروه في (غـزوة أُحـد). قال ابنُ إسحاق: هو الذي شج رسول الله (ص) في وجهه، وابن قَمِيئة جرَح وجنته، وعُتبة كسر رَبَاعِيَته. معنى (شج وجهه)؛ أي ضربه وشق جلـد وجهه؛ ممـا يتسبب في خروج الـدم. ومعنى (كسر رباعيته) أي كسر بعض الأسنان الأمامية التي في مقدمة الفك. كان شديد البغض للنبي (ص)، وتعاهد مع بعض الكفار على قتل النبي (ص). حيث ذكر الذهبي أنه كان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحد لئن رأوا رسول الله (ص) ليقتلنه أو ليقتلن دونه. وهم: عبد الله بن شهاب، وأبي بن خلف، وابن قمئة، وعتبة بن أبي وقاص. أما ابن شهاب الزهري ذاته فقد خان أهل المدينة الذين قتل الجيش الأموي أهلهم واغتصبوا نساءهم، فعمل صاحب شرطة لبني أمية، ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال ترجمة خارجة بن مصعب، أبو الحجاج السرخسي الفقيه “قال أحمد بن عبدويه المروزي: سمعت خارجة بن مصعب يقول: قدمت على الزهري وهو صاحب شرط بني أمية، فرأيته ركب وفي يديه حربة وبين يديه الناس في أيديهم الكافركوبات، فقلت: قبح الله ذا من عالم، فلم أسمع منه ثم قدمت على يونس فسمعت منه عن الزهري”.
استغل حكام بني أمية هذا الرجل لوضع الأحاديث الموافقة لأهوائهم وإصدار الفتاوى بما يخدم مصالحهم. خلال فترة قصيرة من الزمن، أصبح (الزهري) من أشهر علماء الأمة والمحدثين (الرواة) في ظل مباركة ورضا حكام بني أمية عنه، فهو الناطق الرسمي والمفتي العام للدولة الأموية. من الأحاديث التي اخترعها الزهري ما ورد في فتح الباري شرح صحيح البخاري -ابن حجر العسقلاني- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.. “6718، حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني”. وكذلك الحديث الذي ذكره الجصاص، جاء في أحكام القرآن للجصاص -أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص- باب في طاعة أولي الأمر “روى الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالخيف من منى، فقال: نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله تعالى، وقال بعضهم: وطاعة ذوي الأمر، وقال بعضهم: والنصيحة لأولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم”.
وما يدل على أن هذه الأحاديث موضوعه، أن الحسن البصري وهو واضع مدرسة إطاعة الولاة، أنكر وجود مثل هذه الأحاديث، وأكد أنه يفتي برأيه فيفتي الحسن البصري في ذلك قائلاً: (يا أيها الناس إنه والله ما سلط الإله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الإله بالسيف؛ ولكن عليكم السكينة والتضرع، وأما ما ذكرت من ظني بهم أن جاؤوا فألقمهم الحجاج دنياه لم يحصل على أمر إلا ركبوه. وهذا ظني بهم) وقيل للحسن بن أبي الحسن أرأيت ما تفتي الناس أشياء، سمعتها أم برأيك فقال الحسن لا والله ما كل ما نفتي به سمعناه، ولكن رأينا خير لهم من رأيهم لأنفسهم.
وحيث إن راي الفقهاء لم يكن كافياُ لإقناع الناس بعدم الخروج على الحاكم، فقد عمل الزهري على اختراع تلك الأحاديث، وتبعه تلاميذه؛ ومن أبرزهم ابن حنبل والبخاري، حتى وصل الأمر بالبخاري ينسب إلى الرسول حديثاً مفترى يقول (اسْمَعُوا وأَطِيعُوا وإنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ). الراوي: أنس بن مالك| المحدث: البخاري| المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 693| خلاصة حكم المحدث: [صحيح]. حاشا رسول الله أن يقول مثل هذه الكلمات التي لا تخرج من فم أسوياء.
الشافعي والوحي الثاني
الوحي (الثاني) وتسمية الرسول بأنه صاحب (الوحيين)، هذه كانت الوسيلة التي اخترعها (محمد بن إدريس الشافعي)؛ من أجل نيل رضا حكام بني العباس، بعد أن وجدوا أنفسهم بين مدرسة الرأي التي كانت منتشرة في العراق، وكان حجر الرحى فيها أفكار أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن مرزُبان الكوفيّ، وأفكار أهل الحديث الذين يتبعون مالك بن أنس، من موالي المدينة. وقد كان بنو العباس ينفرون من تعاليم أبي حنيفة لأنه كان يجيز أن تكون الخلافة في غير قريش، وبهذا يضرب أساس شرعية بني العباس في الحكم. كذلك لم ينجح مالك بن أنس في التوصل إلى إنتاج فكري يقنع أهل العراق وبقية أتباع مدرسة الرأي بقبول الأحاديث التي تمثل حجر الأساس لشرعية بني العباس، ولذلك عارض أصحاب الرأي تدوين الحديث، ورووا أحاديث المنع عن رسول الله، وفي مقابلهم نقل الموافقون للكتابة والتدوين أحاديث رووها عن رسول الله أيضاً. وقد عمل أبو جعفر العباسي في بداية حكمه على استغلال هذا الخلاف، فقرب أبو حنيفة النعمان منه حتى اكتشف تأييد الأخير لثورة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ضد العباسيين، فحبسه حتى مات في الحبس؛ مما ألَّب قلوب أتباعه ضده الحاكم، فاستعان بمالك الذي أفتى بوجوب الطاعة للحاكم، حتى إن كان ظالماً وأتباعه وطلب منه أن يضع له كتاباً في الحديث. وكانت قوة أتباع أبي حنيفة في الكوفة وبغداد، أدت إلى منع انتشار مذهب مالك في عاصمة الخلافة بغداد، خصوصاً مع ظهور الخلافات بين بني العباس وازدياد قوة القادة الفرس والأتراك الذين كانوا أقرب إلى تعاليم أبي حنيفة. ضمن هذه الأجواء ظهر محمد بن إدريس الشافعي، فألَّف كتاباً في الرد على محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة، بناء على كتاب محمد بن الحسن المسمى “الحجة على أهل المدينة”. ثم كتب كتابه (الرسالة) الذي يقول فيه إن الفقه مستند إلى الأسس التالية (الكتاب- السنة- الإجماع- القياس)، وبهذا ينتصر لمدرسة مالك؛ ولكنه يستبعد القول بعمل أهل المدينة، كما فعل مالك وأنكر الأخذ بالرأي، وأطلق مقولته التي حملها معه من يهود اليمن، فقال إن رسول الله هو صاحب الوحيين، وإن السنة وحي، وقد انتشرت هذه المقولة في كل أصقاع الأرض. استند الشافعي في مقولته إلى قوله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). لكن الشافعي لم يفرق بين النطق والقول، فلو كانت الآية تقول: وما يقول عن الهوى، لاستقام قول الشافعي. وكان بهذا يحاول التقرب من محمد الأمين، الذي تولى الحكم سنة 193 هجرية؛ ولكن هزيمة الأمين أمام جيش المأمون سنة 198 هجرية، الذي كان أقرب إلى مدرسة الرأي، جعل الشافعي يفر إلى مصر في نفس السنة. وهناك وجد الصراع على أشده بين المالكية وبقية المذاهب، فانقلب ليكتب كتابه في الرد على مالك وأتباعه، بعنوان خص الشافعي المسائل التي انتقدها على مالك بكتاب يسمى حسب ما ذكره في كتاب “الأم” للشافعي “اختلاف مالك والشافعي رضي الله عنهما”. فجعله على شكل مناظرة بين (الربيع)، تلميذ الشافعي، يمثل دور المالكي الملتزم، فيعترض على الشافعي بأقوال الإمام مالك أو أصحابه، ويرد الشافعي عليه. واستمر الصراع حتى قام تلاميذ مالك بقتل الشافعي.
ونبدأ بمَن هو الشافعي؟ حسب رواياتهم؛ فقد اختلفوا في ولادته، فقالوا إنه ولد في آخر يوم من رجب سنة مائة وخمسين، وُلِدَ الشافعي، رحمه الله، وهي ذات السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة، وقيل: «ولد في اليوم الذي توفي فيه أبو حنيفة»، إلا أن ابن كثير قال: «ولا يكاد يصح هذا ويتعسر ثبوته جداً. كما اختلف المؤرخون في مكان ولادته على أربعة أقوال ذكرها ابن العماد في الشذرات، وأصحها أنه ولد في غزة وهي مدينة في فلسطين، وروي عنه بطريق صحيح أنه وُلد بعسقلان. روي عن الشافعي ثلاثُ روايات هي أنه وُلد بغزة، فعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: «ولدت بغزة سنة خمسين (يعني: خمسين ومائة)، وحُملت إلى مكة وأنا ابن سنتين. أنه وُلد بعسقلان، فعن عمرو بن سواد أنه قال: قال لي الشافعي رضيَ الله عنه: «ولدت بعسقلان، فلما أتى علي سنتان حملتني أمي إلى مكة، وكانت نهمتي في شيئين، في الرمي وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من العشرة عشرة»، وسكتَ عن العلم، فقلت له: «أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي. أنه وُلد باليمن، فعن عبد الرحمن بن أبي حاتم أنه قال: سمعت محمداً بن إدريس يقول: ولدت باليمن، فخافت أمي على الضيعة، وقالت: «ألْحِقْ بأهلك فتكون مثلهم، فإني أخاف أن يُغلب على نسبك»، فجهزتني إلى مكة، فقدِمتها وأنا ابن عشر أو شبهها.
كما اختلفوا في نسبه، اختلفوا في نسب أمه؛ ففيه قولان الأول: أنها أزدية يمنية، واسمها فاطمة بنت عبد الله الأزدية. والقول الثاني إنها قرشية علوية، أي من نسل علي بن أبي طالب، وهذه الرواية شاذةٌ تخالف الإجماع، وقد قال فخر الدين الرازي في هذا المقام: «وأما نسب الشافعي من جهة أُمه ففيه قولان: الأول رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وهو أن أم الشافعي رضيَ الله تعالى عنه هي فاطمة بنت عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والثاني المشهور أنها من الأزد». أما الاختلاف في نسبه فيدعي أتباعه أنه من نسل “هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي” إلا أن هذا النسب يطعن فيه آخرون ومنهم الجرجاني، وهو واحد من فقهاء الحنفية في هذا النسب، وقال: إن أصحاب مالك لا يسلمون أن نسب الشافعي من قريش، بل يزعمون أن شافعاً كان مولى لأبي لهب، فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش فامتنع، فطلب من عثمان ذلك ففعل، فعلى هذا التقدير يكون الشافعي من الموالي لا من قريش.
الخلاف في قرشية الشافعي معروف مشهور بين أهل العلم؛ فالفقيه محمد بن يحيى الجرجاني الحنفي (ت398هـ)، يقول: (إن أصحاب مالك لا يسلمون أن نسب الشافعي من قريش، بل يزعمون: أن شافعًا كان مولى لأبي لهب، فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش، فامتنع، فطلب من عثمان ذلك ففعل، فعلى هذا التقرير، يكون الشافعي من الموالي، لا من قريش (مناقب الإمام الشافعي) للفخر الرازي (ص24). كذلك مسعود بن شيبة السندي الحنفي، يقول محمد زاهد الكوثري “الشافعي، في عداد موالي عثمان كما في «التعليم» لمسعود بن شيبة). أما محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)، يقول عقب ذكره للموالي: «حتى إن الشافعي منهم عند أهل العلم»، وقال: «ومن تابع الشافعي قائلاً إنه قرشي، فله ذلك، لكن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم، وفي «صحيح مسلم»: «من أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه»، على أن هناك من العلماء من هو قرشي بالاتفاق، فيُفضل على من في قرشيته خلاف لو كان هذا الأمر بالنسب (تأنيب الخطيب للكوثري ص11). يقول محمد زاهد الكوثري “لم نر أحداً قبل زكريا الساجي رفع نسب شافع إلى عبد مناف، والساجي ممن تكلم فيهم الناس كما ذكره الجصاص وابن القطان، وقد توارد الناس على سوق هذا النسب، إلا أن اختلاف الروايات في مسقط رأس الإمام الشافعي رحمه الإله هل هو غزة أم عسقلان أم الرملة أم اليمن؟ وعدم ذكر ترجمة لوالديه ولا تاريخ لوفاتهما في كتب الثقات مما يدعو إلى التثبت في الأمر، وحديث الشافع في مجلس الرشيد مما لا يعول عليه لما في السند والمتن من الاضطراب والمآخذ، وعد شافع صحابياً أول من ذكره هو أبو الطيب الطبري -صديق أبي العلاء المعري- بدون سند، وفي رواية إياس بن معاوية عند الحاكم ذكر ابن للسائب غير مسمى فجعله بعضهم شافعاً، وأول من عد السائب صحابياً من مسلمة بدر هو الخطيب في تاريخه بدون سند، ولم يذكرهما ابن عبد البر في الاستيعاب في عداد الصحابة”.
من المصائب الكبرى التي نسبوها إلى الشافعي أنه بقي في بطن أُمه أربع سنين كما جاء في كتاب شرح العلامة خليل بن أيبك الصفدي على لأمية العجم (الغيث الذي انسجم في شرح لأمية العجم) للصفدي، المجلد 1-ص195 كتاب صاحب كتاب “وفيات الأعيان” وغيره من الكتب، وهو أيضاً من تلاميذ ابن تيمية والسبكي أيضاً، شخصية مشهورة معتمدة عندهم. وكتابه هذا “للطغرائي” فيأتي به بكثير من الفوائد وكثير من المعلومات وكثير من الروايات، فيقول في هذا الكتاب: “ومذهب الشافعية أن أكثر مدة الحمل أربع سنين وأقله ستة أشهر، وقد ولد الضحاك بن مزاحم ستة عشر شهراً وشعبة ولد لسنتين وهرم بن حيان ولد لأربع سنين، ولذلك سمي هرماً، ومالك بن أنس أكثر من ثلاث سنين والحجاج ابن يوسف ولد لثلاثين شهراً، يقال إنه كان يقول أذكر ليلة ميلادي. ويقال إن عبد الملك بن مروان حمل به ستة أشهر والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يقولون للشافعية ما جسر أمامكم أن يظهر إلى الوجود حتى توفي إمامنا. ويجيبهم الشافعية بقولهم بل أمامكم ما ثبت لظهور إمامنا”.
في القرن الثاني الهجري كانت هناك مدرستان في الفقه؛ هما مدرسة الرأي، ومدرسة الحديث، نشأت المدرسة الأولى في العراق التي تؤكد الأخذ بالرأي والبحث في علل الأحكام حين لا يوجد نص من كتاب الله أو سنة رسوله، وكان رأس هذه المدرسة أبو حنيفة النعمان الذي فاق أقرانه وانتهت إليه رئاسة الفقه، وتقلد زعامة مدرسة الرأي، والتف حوله الراغبون في تعلم الفقه، وبرز منهم تلاميذ؛ على رأسهم أبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، وزفر والحسن بن زياد.. وغيرهم، وعلى يد هؤلاء تبلورت طريقة مدرسة الرأي واستقر أمرها ووضح منهجها. أما مدرسة الحديث فقد نشأت بالحجاز، وكان يمثلها مالك بن أنس. وتمتاز تلك المدرسة بالوقوف عند نصوص الكتاب والسُّنة، فإن لم تجد التمست آثار الصحابة، ولم تلجئهم مستجدات الحوادث التي كانت قليلة في الحجاز إلى التوسع في الاستنباط بخلاف ما كانت عليه الحال في العراق. جاء الشافعي والجدل مشتعل بين المدرستَين، فأخذ موقفاً وسطاً ونتيجة لموقفه هذا طعن فيه أهل الجرح والتعديل. عندما شاهد الشافعي أن الخلافة المتمثلة بهارون وولده الأمين كانوا يقتربون من مذهب مالك بن أنس والأمراء من فرس وأتراك، كانوا أقرب إلى مذهب أبي حنيفة النعمان، حاول التقرب من الأمراء بذم ذوي البشرة السوداء، أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (ج2/ص206) أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين المُسَافِرِي والد أبي بكر قال: سمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: ما نقص من أَثْمَان ——- إلا لضعف عقولهم، ولولا ذلك لكان لَوْناً من الألوان مِنَ الناس مَنْ يشتهيه ويفضّله على غيره. إلا أن هذه الفتوى جرت عليه غضب الطرفين، فاضطر إلى مغادرة بغداد إلى مكة ثم إلى مصر. وبدأ بكتابة كتبه رداً على مالك الذي كان أتباعه مسيطرين على مساجد مصر. قال البيهقي كما في توالي التأسيس ص 147 “إن الشافعي إنما وضع الكتب على مالك (أي في الرد على مالك)؛ لأنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يُستسقى بها. وكان يقال لهم: “قال رسول الله”. فيقولون: “قال مالك”. فقال الشافعي: “إن مالكاً بَشَرٌ يخطئ”. فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه.
فقد تكلم فيه يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل، قال عنه شمس الدين الذهبي في سير أعلام النبلاء (هو الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين)؛ حيث قال يحيى بن معين، عن محمد بن إدريس الشافعي “ليس بثقة” كما ورد في كتاب جامع بيان العلم وفضله، تأليف ابن عبد. وقال ابن عبد البر (وقد صح عن ابن معين من طرق عدة أنه تكلم في الشافعي). قال الحافظ ابن الجنيد في سؤالاته ص 81- طبعة الفاروق – القاهرة: (قلت ليحيى بن معين: ترى أن ينظر الرجل في شيء من الرأي؟ فقال: أي رأي؟ قلت: رأي الشافعي، وأبي حنيفة؟ فقال: ما أرى لمسلم أن ينظر في رأي الشافعي، ينظر في رأي أبي حنيفة أحب إليَّ من أن ينظر في رأي الشافعي) وقال الحافظ بن عبد البر، رحمه الله، في جامع بيان الفضل وعلمهِ: “وقد صح عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي على ما قدمت لك حتى نهاه أحمد بن حنبل”.
بالنسبة إلى مفهوم الوحي، ورد لفظ الوحي ومشتقاته في القرآن (78) مرة، وباستعراض مادته بكل اشتقاقاتها -وعلى ضوء معاجم اللغة- يمكن القول إنه يطلق في اللغة على: الإشارة والإيماء، كما يطلق على الإلهام الذي يقع في النفس، وهو أخفى من الإيماء. قال ابن منظور: هو إعلام في خفاء، ولذلك صار الإلهام يسمى وحياً. وقال الفيروزآبادي: الوحي: الإشارة، والكتابة، والمكتوب، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وأوحى إليه: بعثه وألهمه. وقد استخدم القرآن فعل الأمر “قل” 332 مرة، وهي رسالة مباشرة من الله سبحانه وتعالى يجب تبليغ ما بعدها إلى كل البشر. والوحي الإلهي إنما سمي وحياً؛ لأن الله أسرَّه عن الخلق، وخص به النبي، وقد تعددت التعريفات الفقهية للوحي؛ ولكن في مجموعها تركزت على معنى (أن يُعلِّم الله تعالى مَن اصطفاه من عباده كلَّ ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر) وعرف الوحي الإلهي بأن (الفعل الذي يكشف به الله للإنسان عن الحقائق التي تجاوز نطاق عقله).
أول مَن تحدث عن وحيين هم اليهود الذين يؤمنون أن موسى، عليه السلام، لما استلم كتابه التوراة من ربه مكتوبة في الألواح، استلم كذلك تعاليم التلمود معها شفاهاً. وقد استنسخ اليهود فكرة الوحي الإلهي بكلمات بشرية من حضارة وادي الرافدين، التي كانت بخلاف حضارة وادي النيل لا تؤمن أن ملوك بابل من الآلهة؛ بل هم المتكلمون باسم الآلهة، ففي حين يعتبر ملك مصر (إلهاً) فملك بابل هو المتحدث عن الآلهة كما يظهر من مسلة حمورابي التي يظهر فيها حمورابي ويعني اسمه (المُعتَلي) وهو يستلم الوحي من الإله (شمش) إله الشمس. فالتلمود روايات شفوية تناقلتها الحاخامات حتى جمعها الحاخام يوحناس (أو يهوذا) عام (150م) في كتاب سمّاه المشنا؛ أي تفسير التوراة، ثم زيد في هذا المشنا عام (216م) ثم شرح المشنا في كتاب يسمى جمارا، فمن المشنا والجمارا يتكون التلمود، واليهود يقولون: “إن من يقرأ التوراة بدون المشنا والجمارا فليس له إله”. التلمود يعتبر قاضياً على التوراة والتوراة ليست قاضية على التلمود، فقالوا “من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت أكثر ممن احتقر أقوال التوراة، ولا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة فقط؛ لأن علماء التلمود أفضل كما جاء في شريعة موسى”. وقال الحاخام روسكي: «التفت يا بني إلى أقوال الحاخامات أكثر من التفاتك إلى شريعة موسى”.
حمل الشافعي فكرة الوحي الثاني التي تعلمها من يهود اليمن معه عندما جاء إلى بغداد أول مرة 183 هجرية؛ ولكنه لم يجد ضالته من الأحاديث، فرحل إلى مكة وعاد بعدها إلى بغداد سنة 193 مع تولي الأمين الحكم، وكان الأمين يقرب أهل الحديث للمحافظة على شرعيته في مواجهة أتباع أهل الرأي المقربين من أخيه المأمون. فكتب كتابه في الرد على محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة، ثم كتابه (الرسالة) والذي أطلق من خلاله فكرة الوحيين اليهودية.
عندما تولى المأمون الحكم وانتصر أهل الرأي في بغداد، هرب الشافعي إلى مصر، وهناك انقلب على مالك وأتباعه، وكتب كتابه في الرد على المالكية، ثم كتب كتابه (الأم)، ونشر من خلاله فكرة تثبيت خبر الآحاد، وتقديمه على ما سواه من رأي أو قول، وأنه “بيان” للقرآن، وهي وظيفة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يمكن معرفة السنة (العمل المتوارث) إلا من خلال الأخبار المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على خلاف ما شاع في فقه المدينة والشام والعراق في زمنه، يقول “ولم يكن أحد غاب عن رؤية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعلم أمر رسول الله إلا بالخبر عنه”، ويقول “إذا ثبت عن رسول الله الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه شيء ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه”. واستمر الخلاف، حتى قتله تلاميذ مالك.
الشافعي وقوله الحكمة في القرآن هي السنة
فعلى الرغم من أن الله ذكر في القرآن بنص صريح مصطلح (السنة) بالإشارة إلى سنة الله وسنة الأولين، ولم يذكر سنة الرسول؛ لكن الشافعي يخترع ذلك المصطلح وبطريقة مهلهلة فيقول في الصفحة 78 من كتابه الرسالة، يقرر ذلك بعد أن يورد آيات (الكتاب والحكمة): يقول الشافعي حرفياً (.. فذكر الله الكتاب، وهو القرآن، وذكر الحِكْمَة، فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله. وهذا يشبه ما قال، والله أعلم. لأن القرآن ذُكر وأُتْبِعَتْه الحكمة، وذكرَ الله منَّه على خَلْقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يَجُزْ -والله أعلم- أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنةُ رسول الله….).
ونلاحظ هنا قوله (وذكر الحِكْمَة، فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله….) فهنا لا يقول إنه توصل إلى ذلك من القرآن؛ بل إن هناك شخصاً (مجهولاً) قال له ولم يعلمنا من هو ذلك الشخص، رغم أن الشافعي نفسه مجهول، فلا يعلم أين ولد في غزة أم عسقلان أم اليمن؟ ومن هو أبوه؛ خصوصاً أنه ولد بعد أن بقي أربع سنوات في بطن أُمه. بل إن هناك من تكلم فيه ومنهم شيخ الجرح والتعديل، يحيى بن معين، قال الحافظ بن الجنيد، في سؤالاته ص -81- طبعة الفاروق- القاهرة: (قلت ليحيى بن معين: ترى أن ينظر الرجل في شيء من الرأي؟ فقال: أي رأي؟ قلت: رأي الشافعي، وأبي حنيفة؟ فقال: ما أرى لمسلم أن ينظر في رأي الشافعي، ينظر في رأي أبي حنيفة أحب إلى من أن ينظر في رأي الشافعي)، وقال الحافظ بن عبد البر، رحمه الله، في جامع بيان الفضل، وعلمهِ: “وقد صح عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي على ما قدمت لك حتى نهاه أحمد بن حنبل”.. وقد ندم الشافعي على أعماله عندما حضره الموت، فيذكر أبو الفتوح الطائي في الأربعين (ص141) ومن طريقه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (ج1/ص295)، أخبرنا الشيخ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن أحمد الهروي الزاهري، أخبرنا أبي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو عمرو [زاد السبكي: بن] السماك، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن البراء، عن المزني، قال: دخلت على الشافعي، رضي الله عنه، في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولسوء أفعالي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله عز وجل وارداً، فوالله ما أدري أروحي إلى الجنة تصير فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها؟ ثم بكى. إسناده حسن صحيح. مما تقدم يتبين أن هذه الكذبة اخترعها مجهول ونسبها إلى مجهول سمع منه، ويريدون بهؤلاء المجاهيل أن يغيروا كلام الله.
ابن حنبل وحديث الأريكة
في خضم الصراع العنيف بين المعتزلة وأصحاب الحديث، وعندما مالت كفة النصر ناحية أهل الحديث، بعد تولي المتوكل العباسي الحكمَ، أظهر أحمد بن حنبل حديثاً نسبه إلى رسول الله، يُسمى عند أهل الحديث (حديث الأريكة) وما زال إلى اليوم يطنطن أهل الحديث بهذا الحديث؛ باعتباره دليلاً على صحة مذهبهم، رغم أن من كان قبل ابن حنبل مثل مالك بن أنس، لم يسمعوا بهذا الحديث؛ بل إن حتى البخاري ومسلم وهما من كتبا كتبهما بعد ابن حنبل، لم يصدقا بهذا الحديث، فلم يكتباه، وكذلك فعل النسائي؛ فهو حديث منسوب زوراً إلى طفل كان عمره عندما مات الرسول ست سنوات فقط. كما أن هذا الحديث لم يظهر زمن المأمون والمعتصم والواثق، والذين كانوا يميلون إلى رأي المعتزلة، بتقديم العقل على النقل. بل إن حتى من رواه بعد ابن حنبل وهو الترمذي، قال عنه (حسن غريب ولا نعرفه إلا من هذا الوجه).
بعد دخول المأمون إلى بغداد، زاد نفوذ المعتزلة وتمكنوا من نشر أفكارهم بصورة علانية؛ وهي فرقة أنشأها واصل بن العطاء البصري، مولى بني مخزوم المتكلم والمفكر الإسلامي المولود سنة 80 هـ، وتوفي سنة 131 هـ، الملقب بالغزّال الألثغ. وكان هو وعمرو بن عبيد من أوائل مَن دعوا إلى إعمال العقل في التاريخ العربي والإسلامي، احتجاجاً على النقل الأعمى والتقليد المباشر، واعتبروا أن التجديد ضرورة وليس خياراً ممكناً وحسب، وأن الثبات على ما جاء به السلف، لا يفعل أكثر من محاولة إعادة العصور الماضية إلى الحاضر والمستقبل.
يروي نشوان الحميري: “كان واصل بن عطاء من أهل المدينة، رباه محمد بن الحنفية، وعلمه، وكان مع ابنه أبي هاشم في الكتّاب، ثم صحبه بعد موت أبيه صحبة طويلة، وحكي عن بعض العلماء أنه قيل له: كيف كان علم محمد بن علي؟ قال: إذا أردت أن تعلم ذلك، فانظر إلى أثره في واصل” وفي البصرة جلس إلى الحسن البصري ثم انفصل عنه. قام واصل بإرسال أصحابه في الآفاق، لنشر الفكر وطرح المناقشات، حتى تحوّل ذلك التيار العقلاني إلى منظومة فكرية، والتي كان في مقدمتها الأصول الخمسة الشهيرة التي لا يعد معتزلياً من لم يقرّ بها، وهي التوحيد لله ونفي المثل عنه، والعدل وهو قياس أحكام الله على ما يقتضيه العقل والحكمة، والمنزلة بين المنزلتين، وهو يوضح حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة، والوعد والوعيد وهو إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، ولا يخرج أحد منهم من النار، فهم كفار خارجون عن الملة مخلدون في نار جهنم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكانوا يقولون بقتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، ووجوب الخروج عليهم عند القدرة على ذلك.
أثناء الحرب بين الأمين والمأمون، استعان المأمون بالمعتزلة وآرائهم في وجوب الخروج على الحاكم الجائر؛ من أجل نزع الشرعية عن أخيه الأمين، في حين ساند أصحاب الحديث الأمين باعتباره الخليفة الذي لا يجوز الخروج عليه (وإن ضرب ظهرك وإن أخذ مالك). بعد انتصار المأمون دفع المعتزلة الخليفة المأمون الذي اعتنق الاعتزال إلى محاصرة أصحاب الحديث وأخذهم بالقول بأن القرآن مخلوق وهو ما عرف في التاريخ باسم فتنة خلق القرآن أو محنة الفقهاء، بداية من 218 هـ/ 833م، واستمرت قرابة خمسة عشر عاماً، ابتدأها الخليفة العباسي المأمون باعتناقه مذهب الاعتزال، ثم حمله الناس على الاعتقاد بما ذهب إليه المعتزلة في كون القرآن مخلوقاً. طلب الخليفة المأمون من ولاته امتحان العلماء والقضاة، وسار على نهجه كل من الخليفتين المعتصم والواثق، فقتل وجلد وعذب فقهاء وعلماء من أهل الحديث. أرسل المأمون كتاباً إلى والي بغداد إسحاق بن إبراهيم يأمره بجمع العلماء وإقناعهم بأن القرآن مخلوق وأمره أن يقطع رزق وجراية كل مَن لم يقتنع بهذا. رفض أهل الحديث الامتثال لمطالب المأمون، فما كان من الأخير إلا إرساله رسالة ثانية لواليه في بغداد بحبس كل مَن لم يمتثل. وكان أول من قتل في المحنة (أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي).
في عهد المعتصم تم استدعاء أحمد بن حنبل المروزي، ودعي إلى القول بخلق القرآن، فرفض أولاً ثم أجاب إلى القول بذلك، كما يروي اليعقوبي في تاريخ اليعقوبي تأليف اليعقوبي; أحمد بن إسحاق (أبي يعقوب) بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي، الناشر: دار صادر بيروت لبنان- الطبعة السادسة، سنة النشر: 1415 – 1995، المجلد الثاني الصفحة 472، قال “وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن، فقال أحمد: أنا رجل علمت علماً ولم أعلم فيه بهذا، فأحضر الفقهاء وناظره عبد الرحمن بن إسحاق وغيره، فامتنع أن يقول إن القرآن مخلوق، فضرب عدة سياط، فقال إسحاق بن إبراهيم: ولني يا أمير المؤمنين مناظرته، فقال: شأنك به، فقال إسحاق: هذا العلم الذي علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال؟. فقال أحمد: بل علمته من الرجال. فقال إسحاق، شيئاً بعد شيء أو جملة، قال: علمته شيئاً بعد شيء. قال إسحاق: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟ قال أحمد: بقي علي شيء لم أعلمه. قال إسحاق: فهذا مما لم تعلمه، وعلمك أمير المؤمنين. قال أحمد: فإني أقول بقول أمير المؤمنين. قال إسحاق: في خلق القرآن. قال أحمد: في خلق القرآن، فأشهد عليه وخلع عليه وأطلقه إلى منزله”.
بعد موت الواثق وتولي المتوكل قام بتقريب أهل الحديث لمواجهة المعتزلة الذي ساندوا أخاه الواثق في سعيه لتوريث الحكم إلى محمد بن الواثق، خصوصاً الوزير محمد بن عبد الملك الزيات المعتزلي والقاضي ابن أبي دؤاد.
كان موقف المعتزلة من الأحاديث بأنها لا تصلح مصدراً تشريعياً مستقلاً، فمثلاً يقول عمرو بن عُبَيد المعتزلي، عن حديث رواه الأعمش، بإسناده عن ابن مسعود، وهو حديث: (إن أحدَكم يُجمَع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة…)، الحديث: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذَّبتُه، ولو سمعتُه من زيد بن وهب لما صدَّقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله ما قبِلْته، ولو سمعتُ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول هذا لردَدْتُه، ولو سمعت الله يقول هذا لقُلت: ليس على هذا أخذتَ ميثاقنا. ويقول القاضي عبد الجبار المعتزلي يعُدُّ ويُبيِّن الأدلة الشرعية حسب معتقده، -مُقدِّمًا العقل- “أولها: العقل؛ لأن به يميز بين الحسن والقبح؛ ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع”. ثم يقول: “وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يدل على أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخَّر، وليس الأمر كذلك؛ لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل“. يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي يعُدُّ ويُبيِّن الأدلة الشرعية حسب معتقده -مُقدِّمًا العقل- أولها: “العقل؛ لأن به يميز بين الحسن والقبح؛ ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع”. ثم يقول: “وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يدل على أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخَّر، وليس الأمر كذلك؛ لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل”.
لذلك كان يجب اختراع كذبة تغلف الأحاديث بغلاف من القدسية تمنع المساس بها، فظهر أحمد بن حنبل المروزي، ليزور حديث الأريكة. (عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقرآن وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقرآن، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُمْ”).
أدلة اختراع أحمد بن حنبل لهذا الحديث؛ أولها هذا الحديث باطل المعنى ويعارض القرآن الكريم. فقوله: “ألا إني أوتيت القرآن ومثـله معه” يتعارض تماماً مع قول الله تعالى في كتابه: {قُـل لئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}. فالله يقول إن القرآن لا مثـل له، وأنه لو اجتمعت الإنس والجن فلن يأتوا بمثـله. أما هؤلاء الزاعمون فيقولون إن القرآن له مثـل، وأنه الحديث الذي هو من لفظ النبي، صلى الله عليه وسلم وقوله! فهل نكذب الله ونصدق ابن حنبل؟
ثانياً أن مَن كتبوا الأحاديث؛ ومنهم مالك بن أنس، الذي كتب الموطأ قبل مسند أحمد، لم يذكروا هذا الحديث. وبعد ابن حنبل روى هذا الحديث الترمذي وقال عنه (حسن غريب ولا نعرفه إلا من هذا الوجه)؛ وهو من ألفاظ التضعيف عند الترمذي، كما رواه الدارمي وأبو داود وابن ماجة. أما البخاري ومسلم، فلم يصح عندهما هذا الحديث رغم أنهما كتبا بعد أحمد بن حنبل فلم يخرجاه في صحيحيهما. وعلى الرغم من أن البخاري ذكره في التاريخ الكبير؛ ولكن لم يختَره ضمن الأحاديث (الصحيحة) التي وضعها في (الصحيح).
بالنسبة إلى الحديث، نسبه ابن حنبل إلى صحابي واحد اسمه المقـدام بن معدي كرب، والمقدام ولد سنة أربعة للهجرة؛ أي أنه عندما مات الرسول كان عمره ست سنوات فقط، فمتى أسرّ له الرسول بهذا الحديث؟ ورواه ابن حنبل عن طريق حريز بن عثمان الحمصي. قال ابن حبان عنه: “كان يلعن علياً بالغداة سبعين مرة وبالعشي سبعين مرة”. بل إن هذا الرجل يعد من كبار النواصب، إلى حد أنه كان ينسب إليه بعض النواصب ويعرفون به كما قال ابن حبان عن الجوزجاني الناصبي: “كان حريزي المذهب”. وقال ابن حبان: “كان داعية إلى مذهبه، يجتنب حديثه”. وسبب اختيار ابن حنبل لحريز الحمصي؛ هو لعنه علياً، فقد علم أن المتوكل العباسي كان حريزي المذهب يشتم علياً كل يوم، ولديه مضحك اسمه عبادة المخنث، كان يحضره في الطرب ويشد على بطنه تحت ثيابه مخدة، ويكشف رأسه وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين. حتى قتله ابنه المستنصر وهو سكران. هذه قصة حديث الأريكة الذي لم يروه سوى ابن حنبل، ولم يروه أحد قبله، ومصدره المزعوم طفل عمره ست سنوات.
ابن حنبل ومصطلح الخلفاء الراشدين
عندما يتحدث (المتأسلمون) عن الخلافة يرددون مصطلح (الخلفاء الراشدين) ويعنون بذلك عهد الذين تولوا الحكم بعد رسول الله، وبالترتيب (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي)؛ باعتباره حكماً على منهاج النبوة، وأن هؤلاء هم (الخلفاء الراشدون) الذين ورد الحديث باتباع سنتهم في الحديث المروي عن العرباض بن سارية، (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي). وبتتبع هذا الحديث نجد أن هذا الحديث أول مَن رواه هو (أحمد بن حنبل المروزي) ثم رواه من جاء بعده، ولم يذكر قبل ابن حنبل. فكيف اخترع هذا الحديث، ولماذا؟
في البداية، يجب أن نشير إلى أن هذا الحديث له ثلاثة عشر طريقاً كلها تنتهي إلى شخص واحد هو (العرباض بن سارية)، رغم أن الحديث يتحدث عن خطبة للرسول في جمع كبير من الذين كانوا حول الرسول. وعلى الرغم من أن الحديث جاء عامّاً فلم يحدد مَن المقصود بمصطلح (الخلفاء الراشدين المهديين)، فلا يوجد نص يحدد من هم الخلفاء الراشدين، ولا حتى عددهم. ومن كانوا حول الرسول لم يسمعوا بهذا الحديث؛ بدليل أنهم اختلفوا فيمن يحكم بعد الرسول، حتى حصلت واقعة السقيفة التي تضاربوا فيها بالسيوف. ولم تسمع بالحديث ابنة الرسول؛ فقد رفضت بيعة أبي بكر حتى ماتت وهي غاضبة منه. ولم يسمع بالحديث سيد الخزرج سعد بن عبادة، فامتنع من بيعة أبي بكر وعمر حتى قُتل في الشام بأمر من عمر. إن هذا الحديث لم يسمع به أحد طيلة حكم بني أمية الذين كانوا يسبون علي بن أبي طالب على المنابر ثمانين عاماً. ولم يظهر أيام حكم عبد الله بن الزبير، الذي استمر عشرة أعوام، والذي وصلت به الحال أنه امتنع عن الصلاة على النبي كرهاً ببني هاشم، كما يروي اليعقوبي في تاريخه “تحامل عبد الله بن الزبير على بني هاشم تحاملاً شديداً، وأظهر لهم العداوة والبغضاء، حتى بلغ ذلك منه أن ترك الصلاة على محمد في خطبته، فقيل له: لمَ تركت الصلاة على النبي؟ فقال: إن له أهل سوء يشرئبون لذكره، ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به”.
أحمد بن حنبل هو أول من قال إن المقصود (الراشدون المهديون) هم (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي)؛ فلم يقل بذلك أحد قبله، روى أبو عمر بن عبد البر في (كتاب جامع بيان العلم وفضله) المؤلف: ابن عبد البر؛ يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر المحقق: أبو الأشبال الزهيري، الناشر: دار ابن الجوزي- الدمام، سنة النشر: 1414- 1994الصفحة 1170، عن أبي علي الحسن بن أحمد بن الليث الرازي، قال: “سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله من تفضل؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الخلفاء -فقلت-: يا أبا عبد الله! إنما أسألك عن التفضيل، مَن تفضل؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الخلفاء المهديون الراشدون”.
الدليل على انهم لم يتفقوا على مَن هم (الراشدون المهديون) قبل أن يخترع ابن حنبل هذه الكذبة، أنهم تضاربوا بالسيوف على الحكم، بل إن (الصحابة) هم مَن حرضوا على قتل عثمان بن عفان كما جاء على لسان عثمان نفسه، كما ورد في كتاب (تاريخ الإسلام) تأليف محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين، أبو عبد الله ، الصفحة 429 “قال إسماعيل بن أبي خالد: لما نزل أهل مصر الجحفة، وأتوا يعاتبون عثمان، صعد عثمان المنبر فقال: جزاكم الله يا أصحاب محمد عني شراً: أذعتم السيئة وكتمتم الحسنة، وأغريتم بي سفهاء الناس، أيكم يذهب إلى هؤلاء القوم فيسألهم ما نقموا وما يريدون، قال ذلك ثلاثاً ولا يجيبه أحد”. وقد ذكرت كتب التاريخ أسماء المحرضين على عثمان بالاسم؛ وفي مقدمتهم زوجتا رسول الله عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وكذلك طلحة بن عبيد الله، حتى قال عثمان اللهم اكفني طلحة بن عبيد الله فإنه حمل على هؤلاء وألّبهم، والله إني لأرجو أن يكون منها صفراً وأن يسفك دمه، إنه انتهك مني ما لا يحل له”، كما يروي الطبري وكذلك عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف الذي أوصى أَن لا يصلي عَلَيْهِ عُثْمَان، فصلى عَلَيْهِ الزُّبَيْر، أَوْ سَعْد بْن أَبِي وقاص. وعمار بن ياسر الذي كان ينادي “خلعت عُثْمَان كَمَا خلعت عمامتي هَذِه ونزعها”. وعمرو بن العاص الذي كان يقول إنه كان يحرض على عثمان حتى الراعي في الجبال والصحابي جهجاه بن سعيد الغفاري والصحابي عبد الرحمن بن عديس البلوي والصحابي عمرو بن الحمق الخزاعي الذي روي له في الكتب الســـــــــتة، وهو مَن وثبَ على عثمان فجلس على صدره، وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فلله، وست لما كان في صدري عليه. والصحابي جبلة بن عمرو الساعدي من البدريين وقد برز في دور مشهور وهو منع عثمان من أن يدفن في مقابر المسلمين في البقيع. وأبناء بديل بن ورقاء رافع وعبد الله وعبد الرحمن ومحمد بن أبي بكر بن أبي قحافة والصحابي سودان بن حمران ومحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن عمرو بن حزم؛ بل إن حتى ابن عمه معاوية بن أبي سفيان تخلى عنه، حتى قال عثمان لمعاوية “أين الجيش؟ قال: ما جئت إلا في ثلاثة رهط، فقال عثمان: لا وصل الله رحمك، ولا أعز نصرك، ولا جزاك خيراً، فوالله لا أقتل إلا فيك، ولا ينقم عليّ إلا من أجلك”.
حتى عبد الله بن عمر لم يكن يعتبر علياً من الخلفاء، فكان يقول كما ذكر الذهبي، وهو يفسّر حديث النبيّ في قوله: «الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش»، قال عبد الله بن عمر: يكون على هذه الأُمّة اثنا عشر خليفة وهم: أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو النورين، معاوية وابنه ملكا الأرض المقدّسة، والسفاح، وسلام، ومنصور، وجابر، والمهدي، والأمين، وأمير العصب، كلّهم من بني كعب بن لؤي، كلهم صالح لا يوجد مثله”.
من أسباب وضع ابن حنبل هذا الحديث المكذوب أن ابن حنبل لم يكن معروفاً بأنه صاحب فقه؛ بل كان يوصف بأنه (صاحب حديث) كقول ابن خلدون رحمه الله تعالى، في: “مقدمة تاريخه” (ص/440): “فأما مذهب أحمد، فمقلده قليل، لبعد مذهبه عن الاجتهاد، وأصالته في معاضدة الرواية والأخبار بعضها ببعض“. يقول الثعالبي في كتابه (الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي) الصفحة 25- 26 “لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل، وكان يقول إنما هو رجل حديث لا رجل فقه، وامتحن في ذلك. وقد أهمل مذهبه كثير ممن صنفوا في الخلافيات كالطحاوي والدبوسي والنسفي في منظومته. والعلاء السمرقندي والفراهي (المتوفى سنة 640) الحنفي أحد علماء المائة السابعة في منظومته ذات العقدين، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه “الدلائل”، والغزالي في “الوجيز”، وأبو البركات النسفي في “الوافي”، ولم يذكره ابن قتيبة في “المعارف”، وذكره المقدسي في “أحسن التقاسيم” في أصحاب الحديث فقط، مع ذكر داود الظاهري في الفقهاء، واعتبره كثير من المتقدمين كالإمام الترمذي في جامعه، فإنه مع عدم ذكره لأبي حنيفة وصاحبه إلا نادراً أو في جملة عموم الكوفيين ينص على مذهبه بالخصوص، واعتبره كثير من المتأخرين أيضاً منهم ابن هبيرة الحنبلي في كتابه “مذاهب الأشراف” الذي ألفه في مسائل الخلاف بين الأئمة الأربعة وغيره. وقال في المدارك إنه دون الأصالة في الفقه وجودة النظر في مأخذه عكس الشافعي”. قال محمد زاهد الكوثري عن أحمد بن حنبل في (ص 141 من كتابه أنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب) ما نصه: (وليس بقليلٍ بين الفقهاء من لم يرض بتدوين أقوال أحمد في عداد أقوال الفقهاء باعتبار أنه محدث غير فقيه عنده، وأنَّى لغير الفقيه إبداءٌ لرأيٍ متزنٍ في فقه الفقهاء).
من هذا المنطلق فقد كان ابن حنبل يخترع حديثاً لما يريد من أغراض؛ ليرفع عن نفسه عبء مناقشة الأدلة والمحاججة. لذلك اخترع حديثاً ونسبه إلى رجل مجهول هو العرباض بن سارية، من أجل خلق هالة من القدسية على الفترة التي يروي عنها، بل عمد إلى إضافة علي بن أبي طالب إلى تلك الفترة؛ لغرض التقرب من المأمون الحاكم العباسي، الذي كان يتبع الفكر المعتزلي في تفضيل علي، والذي اختار حفيد علي (الإمام علي بن موسى الرضا) ولياً لعهده، قبل أن ينقلب عليه ويقتله بدس السم.
الخلاصة أن هذه الكذبة التي اخترعها ابن حنبل إنما تكذبها الوقائع والتواريخ، وتثبت أن (الأحاديث) كانت تكتب حسب الطلب وحسب الحاجة.
الأوزاعي وقتل المرتد
احتاج الطغاة دوماً إلى سيف مسلطة وفتوى تغلف الظلم بغطاء الدين، ومنهم ما فعله بنو العباس؛ لفرض سلطتهم على الناس، فقد امتلكوا السيف فبحثوا عمّن يعطيهم الفتوى بالقتل، فوجدوا ضالتهم في رجل سندي أصله من سبي السند، يسكن في بيروت، اسمه الأوزاعي؛ كان أعلى ما بلغه زمن الأمويين أن أفتى بقتل غيلان الدمشقي؛ لمعارضته بني أمية، فأصبح مقرباً من هشام بن عبد الملك، وصفه ابن حنبل بقوله عن الأوزاعي (حديث ضعيف ورأي ضعيف)، وعندما جاء العباسيون للحكم؛ منحهم الفتوى التي أرادوها للتخلص من أعدائهم، كما يروي الذهبي، قال الأوزاعي “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ“، هكذا ذكرها الأوزاعي دون سند، فلما جاء كتاب الحديث بعده اخترعوا لها سنداً. ثم أضاف البخاري حديثَين في قتل المرتد، ينتهي سندهما إلى عكرمة مولى ابن عباس؛ الذي قيل فيه لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس)، بهذا غيروا حكم الله ومنحوا الطغاة رخصة بالقتل.
لم يمتلك الأوزاعي القدرات العلمية التي تؤهله ليصبح في مقدمة الفقهاء، فأحمد بن حنبل يصفه بأنه (حديث ضعيف ورأي ضعيف)، كما يقول الذهبي. ولكنه اشتهر بقدراته اللغوية والتلاعب بالكلمات. ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء “قال إبراهيم الحربي: سألت أحمد بن حنبل: ما تقول في مالك؟ قال: حديث صحيح، ورأي ضعيف. قلت: فالأوزاعي؟ قال: حديث ضعيف، ورأي ضعيف. قلت: فالشافعي؟ قال: حديث صحيح، ورأي صحيح. قلت: ففلان؟ قال: لا رأي ولا حديث”. كذلك يذكر الذهبي ” قال أحمد بن حنبل: حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب”. وهو أيضاً ما ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ت بشار (ج15/ص573). وكذلك ذكره ابن المبرد في كتابه كتاب بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم. والأوزاعي لم يستلم العطاء من الأمويين إلا بعد أن شهد أن علي بن أبي طالب منافق وتبرأ منه كما يروي الذهبي عن طريق محمد بن يزيد الرهاوي الذي ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الحاكم النيسابوري وابن نفيل ومسلمة الأندلسي، فيقول الذهبي عن الأوزاعي “يقول: ما أخذنا العطاء حتى شهدنا على علي بالنفاق، وتبرأنا منه، وأخذ علينا بذلك الطلاق والعتاق وأيمان البيعة”.
كان أشهر موقف ظهر فيه الأوزاعي هو فتواه الشهيرة بتكفير غيلان الدمشقي، وحثّه هشام بن عبد الملك على قتله، روى الحافظ بن عساكر في تاريخ دمشق، قال الأوزاعي: “كافر ورب الكعبة يا أمير المؤمنين، فأمر به الخليفة، فقطعت يديه ورجليه وضربت عنقه، وصلب على باب دمشق”. وغيلان الدمشقي هذا قال فيه عمر بن عبد العزيز: من سره أن ينظر إلى رجل وهب نفسه لله، ليس فيه عضو إلا ينطق بحكمة فلينظر إلى هذا وقال له: يا أبا هارون، أعنّي أعانك الله، فقال: ولّني ردّ المظالم، فولاه، فكان يخرج خزائن بني أمية فينادي: هلموا إلى متاع الخونة. ونادى على جوارب خز قد تأجلت، بلغت قيمتها ثلاثين ألفاً، فقال: من عذيري ممن يزعم أن هؤلاء أئمة عدل، وقد تأجلت هذه الجوارب في خزائنهم والفقراء والمساكين يموتون جوعاً. وقال فيه أستاذه الحسن بن محمد بن الحنفية، يقول: “ما رأت عيني مثل هذا الشاب توثباً وشجاعة، إنه حجة الله على بني أمية، ولكنه مقتول”!
في هذه القصة يروي الأوزاعي حديث “لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ…” ولكنه ذكر هذا الحديث بلا سند؛ لأنه لم يكن موجوداً. وهو أول من ذكر هذا الحكم، فالقرآن لم يذكر حداً دنيوياً على المرتد، فجزاء من يرتد عن دينه في القرآن هو حبوط عمله، وفي الآخرة هو في النار. قال تعالى: ﴿…وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة 217).
جعل (المتأسلمون) عقوبة المرتد القتل استناداً إلى حديثَين؛ الأول إسناده إلى كذاب معروف وهو عكرمة مولى ابن عباس، والثاني الأوزاعي يرويه دون سند، ثم اخترعوا له سنداً عن اثنين من المطعون بهما. الحديث الأول روى البخاري “حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ وَلَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ”، ويذكر البخاري هذا الحديث في موضع آخر من كتابه “الجامع الصحيح ”بسند يختلف عن سنده الأول، ويقول: عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ: …
سند البخاري في الموضعين ينتهي إلى عكرمة بالنسبة إلى الحديث الأول الذي رواه البخاري، فهو عن أبي النعمان محمد بن الفضل السَّدُوسِيُّ، وَيلقب بعَارِمٌ قال فيه أبو حاتم: اختلط عارم في آخر عمره، وزال عقله، واعترف البخاري بأنه تغير عقله، وقال: تغير عارم في آخر عمره، وقال أبو داود: بلغني أن عارماً أنكر سنة ثلاث عشرة ومائتين، ثم راجعه عقله، ثم استحكم به الاختلاط سنة ست عشرة ومائتين. وقال الدارقطني: تغير بأخرة، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر. وقال ابن حبان: اختلط فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَتَغَيَّرَ حَتَّى كَانَ لاَ يَدْرِي مَا يُحَدِّثُ بِهِ، فَوَقَعَ فِي حَدِيْثِهِ المَنَاكِيْرُ الكَثِيْرَةُ فيجبُ التَّنَكُّبُ عَنْ حَدِيْثِهِ فِيْمَا رَوَاهُ المُتَأَخِّروْنَ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ هَذَا مِنْ هَذَا تُرِكَ الكُلُّ، وَلاَ يحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِنْهَا. وينتهي السند في الحديثين إلى عكرمة مولى ابن عباس.
عكرمة مولى ابن عباس، جاء في تهذيب التهذيب لابن حجر الجزء السابع الصفحة 237 (ابن لهيعة: قال: “وكان قليل العقل خفيفاً، كان قد سمع الحديث من ذا ومن ذا، فيحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا، فيقولون: ما أكذبه. قال ابن لهيعة، وكان يحدث برأي نجدة الحروري، أتاه فأقام عنده ستة أشهر، ثم أتى ابن عباس فسلم عليه، فقال ابن عباس: قد جاء الخبيث” . الحديث الثاني روى البخاري: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ”.
في هذا الحديث حفص بن غياث قال عنه أبو زرعة: ساء حفظه بعد ما استقضى، وقال داوود بن رشيد: حفص بن غياث كثير الغلط. وقال عنه ابن عماد: كان عسراً في الحديث جداً، ويروى عن أحمد أنه قال: كان حفص يخلط في حديثه. (سير أعلام النبلاء وميزان الاعتدال). وفيه الأعمش واسمه سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي الكوفي الأعمش. قال عنه الذهبي: ما نقموا عليه إلا التدليس وهو يدلس. وقال عنه ابن المبارك: إنما أفسد حديث الكوفة أبو إسحاق والأعمش. قال عنه ابن جرير بن عبد الحميد، أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا، وقال عنه أحمد بن حنبل: في حديث الأعمش اضطراب كثير، وقال عنه ابن المدني: الأعمش كان كثير الوهم. أما الحاكم النيسابوري فقد جعله من المدلسين، وأورد فيه رأي الشاذكوني القائل: من أراد التدين بالحديث فلا يأخذ عن الأعمش ولا عن قتادة إلا إذا قالا: سمعناه. الخلاصة أن رواة البخاري في حديث “لا يحل دم امرئ مسلم…” أربعة رجال؛ اثنان منهم مطعون فيهما.