Skip to content Skip to footer

الحرية في سياقها العربي من منظور عبد الله العروي | مجدي ممدوح

يبتدئ العروي مقاربته لمفهوم الحرية على الصعيد العربي، استناداً إلى واقعة تاريخية توثِّق لأول احتكاك للعرب مع مفهوم الحرية في العصر الحديث؛ حيث كانت مطالب سفراء دول أوروبا لزعماء المسلمين تدور حول الحرية.


 

يقول العروي إن أولئك الزعماء لم يكونوا يدركون ما المقصود بالحرية، وفي الحالات التي كان الأوروبيون يُسألون فيها عن هذه الحرية كانوا يجيبون: هي سبب رقينا وتقدمنا وعظمتنا. ومهما يكن من أمر؛ فإن هذه الحادثة التي يوردها العروي تؤكد أمرَين: أولهما أن العرب اقتبسوا في العصر الحديث مفهومَ الحرية عن الغرب، وثانيهما أن العرب لم يتعرفوا على مفهوم الحرية إلا في القرن العشرين، بعد أن كان قد ترسخ في الغرب منذ زمن طويل. 

ويذكر العروي أن هذه الحرية التي حاول الغرب إدخالها قد جوبهت بالرفض والتشكيك بدعوى عدم مطابقتها للشريعة الإسلامية. ويذكر أيضاً أن عدم استيعاب العرب مفهومَ الحرية الليبرالية لم يقتصر على عامة الناس؛ بل إن المتنورين من أمثال الطهطاوي وخير الدين التونسي، والذين كان لهم اطلاع على الحضارة الغربية، لم يملكوا هم أيضاً نفس الصورة التي يملكها الغرب عن الحرية. يشير العروي إلى أن العرب، على الرغم من استعمالهم مفردة الحرية المترجمة؛ فإن المفهوم، كما تبلور في الغرب، بقي غائباً. 

وهو يورد في هذا الصدد ثلاثة تساؤلات: 1- هل أن الكلمة مستوردة بالكامل من الغرب دون جذور عربية؟ 2- هل المفهوم أيضاً مستورد دون وجود جذور عربية؟ 3- هل أن الحرية كممارسة كانت منعدمة في المجتمعات الإسلامية؟ وينبه العروي إلى مسألة مهمة في دراسة تاريخ الحرية عند العرب، فنحن عندما نستخدم البحث والتحليل اللغوي لتتبع تاريخ المفردة، فلن نعثر على أي معنى يقابل الحرية الليبرالية الغربية، ولكنه يحذر أن هذا المنهج خاطئ، والصحيح أن نخرج من إطار اللغة إلى إطار الثقافة الأوسع للبحث عن مفهوم الحرية، فلربما كان المفهوم موجوداً تحت مسمى لغوي آخر. يعتقد العروي أن القرن التاسع عشر أتاح ظهورَ النزعات الليبرالية في العالم العربي بعد زعزعة النظام التقليدي؛ حيث استمرت هذه الحقبة الليبرالية لما بعد الحرب العالمية الثانية، لحين إنجاز مطالب الاستقلال والإصلاح السياسي. 

ولكن العروي يشخص أيضاً ظاهرة التداخل بين الليبرالية وبين المذاهب الأخرى؛ فالليبرالية لم تعمل منفردة عندنا، بل إنها اختلطت مع الماركسية والوجودية وكذلك الإسلامية الجديدة. ولأن هذه المذاهب تحمل رؤى متنوعة لمفهوم الحرية؛ فإن هذا يؤدي إلى التداخل المربك بين المفاهيم. ومن الواضح أن الأغلبية لم تستطع أن تدرك التناقضات الجوهرية النظرية بين المذاهب السابقة؛ لأنها في الأساس ليست معنية بالجانب النظري، بل ما كان يهمها هو النتائج العملية للحرية في خدمة مصالح الجميع. فقد اتفقت كل هذه المذاهب بشكل مؤقت على الرغم من اختلافاتها الجوهرية. يحاول العروي تتبع مواقف هذه المذاهب بعد الحرب الثانية ومحاولة تحقيق الحرية على أرض الواقع؛ حيث يكتشف أن حقبة الخمسينيات شهدت عودة الصراع بين هذه المذاهب بعد غياب الهدف الذي كان يجمعها. 

لقد ابتدأت المذاهب بالتعامل “مع الحرية كمفهوم لا كشعار، وكان من الطبيعي أن يكون السباقون في هذا الميدان أصحاب الاتجاه الديني”. فقد أعاد هؤلاء النظر في مقولة الحرية من خلال إعادة النظر بعلم الكلام نفسه ومقولاته في المشيئة والقضاء والقدر. أما الماركسية فقد اتخذت لنفسها خطاً تنظيرياً متجهاً نحو التراث، محاولة إخضاعه للمقولات الماركسية، واهتم الماركسيون بنماذج مخصوصة من التاريخ؛ مثل ثورة الزنج والقرامطة والاتجاه الباطني، وأضفوا عليها طابعاً جعلها تنسجم مع الماركسية، موظفين في ذلك طرائق تأويلية. ويبدو أن تشخيص العروي كان صحيحاً في هذه المسألة، وخير دليل نسوقه على ذلك مؤلفات حسين مروة وطيب تيزيني. أما الوجودية، فإنها بحسب العروي تتفق مع الماركسية بأن الحرية مفهوم إنساني، وأن الإنسان حر بالتعريف؛ ولكنها تتعارض معها في ميدان التاريخ والاجتماع، حيث ترفض أن تنتظر نهاية التاريخ وتحقيق المجتمع الكامل لكي تتمتع بالحرية. علاوة على ذلك، كان الوجوديون يتأرجحون بين الليبرالية والاشتراكية؛ حيث انزاحوا إلى الاشتراكية في مسألة الحقوق الاجتماعية، وانزاحوا إلى الليبرالية في مسألة الحريات الفردية. 

ينوّه العروي بأن هذا التداخل بين المذاهب ساعد على بلورة مذهب جديد وجودي/ ماركسي. أما الإسلاميون؛ فإنهم أعادوا الكرة لإعادة صياغة مفاهيمهم عن الحرية؛ حيث عمدوا إلى هضم المفاهيم الهيغلية والماركسية، وذهبوا باتجاه القول إن الإسلام لم يعبأ بالحريات السياسية والاجتماعية ليس بسبب معاداته لها؛ بل لأنه يتعداها ليصل إلى حرية كونية أعمق وأشمل. ولم يتوانَ الإسلاميون عن مهاجمة المذاهب الكلامية؛ مثل المعتزلة ومَن تبعهم لصالح السلفية، فقد بادر الإسلامي علال الفاسي، إلى تأصيل مفهوم الحرية وَفق رؤية إسلامية معاصرة، وأنكر كل الادعاءات أن الإسلام لا يتضمن مفاهيم واضحة عن الحرية، ورأى أن مَن يتعمق في الإسلام يكتشف أن الإسلام عبارة عن نظرية في الحرية، ويلخص ذلك بالقول “الله هو الحرية الحرة”. 

وعند تفحص آراء الفاسي حول الحرية، يكتشف العروي من خلال نصوصه أنه يتطابق في مفهومه عن الحرية مع الفلسفة الألمانية. صحيح أن الفاسي يعترف بالحريات الليبرالية؛ ولكنه لا ينظر إليها بوصفها مستقلة عن حرية مطلقة لا متناهية التي هي من صفات المطلق اللامتناهي. أما كيف يربط الفاسي بين الحرية المطلقة والحرية الإنسانية؟ فإنه يلجأ إلى اعتبار الحرية حقاً وواجباً في آن واحد. أما حسن حنفي فإنه بحسب العروي لم يبتعد عن رأي الفاسي كثيراً؛ بل إنه أعاد آراءه بقوالب لغوية جديدة، مثل مصطلحات الإنسياء والإلهياء، ويقرر “أن الله هو المثل الأعلى بالنسبة إلى الإنسان، وأن أوصافه إنما هي الأوصاف التي يحتاج إليها الإنسان العربي في مجتمعه الحالي، هذا هو قلب الإلهياء إلى إنسياء”. وهذا التعبير يذكرنا بتعبيرات المتصوفة؛ خصوصاً كما ظهرت في أشعار الحلاج، حيث التماهي بين الناسوت واللاهوت. 

يشير العروي إلى أن حنفي يعترف أنه أخذ هذا المفهوم عن المتصوفة، ويستنتج من كل هذه التحليلات التي أعادت الحرية النظرية إلى ساحة البحث والنقاش، أن المفهوم المطلق للحرية عاد ليهيمن على التيارات المتأثرة بالفكر الديني، ويشخص وجود نظرية هيغلية إسلامية معاصرة. عندما يقارب العروي دور العامل الاقتصادي في مستوى الحرية؛ فإنه يؤكد أن ذلك المستوى منخفض جداً بالنسبة إلى جمهور الناس، حتى في البلاد النفطية. وهذه إشارة إلى أن التقدم الاقتصادي لا يقود بالضرورة إلى التحرر؛ ما يقود للاستنتاج أن علم الاقتصاد لا يكفي وحده لإنارة الطريق للحرية؛ بل لا بد من الاهتمام بعلوم اجتماعية أخرى لاستجلاء ظاهرة الحرية بكل أبعادها. ويحبذ العروي خلق أرضية اجتماعية للنقاش حول مسألة الحرية، ويذهب للقول إن التحليلات المعمقة للواقع الاجتماعي مثل دراسة العلاقة بين الفرد والجماعات التي ينتمي إليها تلقائياً أو إرادياً. ويمكن طرح المسألة على هيئة سؤال: هل يتَّحد القانون الجماعي والقانون الوجداني الفردي أم يتعارضان؟ وهذا يضيف أفقاً جديداً للنقاشات الجارية حول الحرية على المستوى الاجتماعي. وحسناً فعل عبد الله العروي عندما لفت الأنظار إلى هذا البعد المغيَّب؛ حيث ينبهنا أن هذه هي وظيفة علم الاجتماع في نهاية المطاف، فهو المعني في محاولة اكتشاف طرق لمصالحة القانون الجماعي مع القانون الوجداني الفردي لتحقيق التضامن المجتمعي. 

يشخص العروي تحولاً في مفهوم الممارسة الديمقراطية في المجتمعات العربية الحديثة، فلم يعد التمثيل البرلماني هو الهاجس المسيطر؛ بل إن الديمقراطية الاقتصادية احتلت الصدارة مكان الديمقراطية السياسية. وقد أصبح هاجس الأفراد في الوقت الحاضر هو البحث عن دور فاعل في صناعة حاضرهم ومستقبلهم، ولم يعودوا مهمومين كثيراً في شكل الحكم، ما قاد إلى تراجع الاهتمام بالجانب السياسي. والمشاركة التي يتحدث عنها العروي مرتبطة عضوياً بما سمَّاه السيادة الشعبية؛ بل إن المشاركة نفسها لا يمكن أن تتحقق دون اعتراف مسبق بالسيادة الشعبية. 

ربما يكون العروي قد ركز على مسألة التحرر أكثر من تركيزه على مسألة الحرية. وقد بحث مظاهر التحرر من خلال ميادين ثلاثة؛ هي الاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة، وقد حاول قياس ما تحقق من هذا التحرر في هذه الميادين، والنتيجة برأيه غير مشجعة، فمشاركة الأفراد في اتخاذ القرارات الأساسية ضعيفة جداً. ولكن هذا يجب ألا يستخدم كذريعة للانكفاء، فرحلة الحرية طويلة، وهي عبارة عن صيرورة تاريخية متجددة.