لم يكن للعرب سَنة يؤرخون بها للوقائع والأشخاص والأحداث، وبحسب رواية ابن سيرين “أن رجلاً قال لعمر: أرِّخوا، فقال عمر: ما أرٍّخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر: حسنٌ، فأرخوا. وروى سعيد بن المسيب أن عمراً جمع الناس فقال: من أي يوم نكتب التاريخ؟ فقال عليّ: من مهاجرة رسول الله وفراقه أرض الشرك، ففعله عمر”. وهكذا تم إطلاق التأريخ الهجري القمري مقابل تأريخ الروم الميلادي الشمسي، وانتقل العرب من الزمن الموضوعي إلى الزمن الذاتي ليثبتوا وجودهم الحضاري تحت شمس الرب.
فالزمان التأريخي لم يكن موجوداً عند العرب، ولايمكنك أن تعرف تاريخ القصيدة أو الرواية أو الحدث عندهم قبل الهجرة، حيث إنهم أرخوا لولادة رسول الأمة بعام الفيل، نسبة إلى أول فيل شوهد في مكة، وهو فيل القائد أبرهة الحبشي، وجمعوا آيات الكتاب دونما ترتيب لزمن نزولها؛ لعدم إدراكهم بأهمية تلازم الحدث مع زمن وقوعه، كما لم تشر آيات الكتاب إلى وجوب التأريخ. وحتى في قواعد النحو لم يكونوا قد ميزوا أزمنة الفعل، إلى أن وضع الإمام علي أسس النحو لأبي الأسود الدؤلي، فميز بين الاسم والفعل والحرف، ثم طوره سيبويه، فميز الفعل بأنه حدث مقترن بزمن، ثم ميز الفعل الماضي عن المضارع، بينما ربط المستقبل بفعل الأمر والمضارع. غير أنَّ النحــاة الأوائل لم يفرقوا بين الزمن النحوي والزمن الفلسفي، كما لم يخصصــوا بابــاً مســتقلاً يعــرض إمكانيــات اللغــة العربيــة في التعبـيـر عــن الزمــن، وإنما توزعــت ملاحظاتهــم عـلـى أبــواب الفعــل والمشتقات وأدوات النفــي والنواســخ والظــروف.
ليس الزمان منفصلا ولا مستقلا عن المكان، ولكنه يمتزج معه ليشكلا شيئا اسمه الزمكان -حسب نسبية إينشتاين-، ويمكننا مواكبة أطوار العقل العربي من خلال تطور مفهوم الزمن عندهم في بوادي جزيرتهم وموطن فصاحتهم، حيث كانت شبه معزولة عن تأثير إمبراطوريات العالم القديم وثقافاتها، ينضجون في الشمس التي تشكل حركتها وظلالها بحرَ نهارهم وأعمالهم، فقسموا اليوم بحسب درجات ظهورها: الفجر والضحى والظهر والعصر فالمغرب، ثم رُتبت مواعيد الصلاة عليها. وأما الساعة فكانوا يقدرونها بحسب درجات ميل الظل واستطالته في النهار، كما يفعل الرعاة لمعرفة أوقات تسريح القطيع وعودته، وكانت لفظة الساعة تعني الحاضر والقيامة، وكانوا يقدرون الشهر بحسب تقديرهم لمنازل القمر، لذلك كان موقع الأشهر في الفصول متغيراً؛ حيث دورة القمر 27 يوماً، ثم يختفي في المحاق ثلاثة أيام، وأقصى ما كانوا يدركونه من الزمن القمري هو العام والسنة، حيث يكون العام من أول شهر المحرم إلى آخر ذي الحجة، والسنة من كل يوم إلى مثله من القابلة، وأما الدهر فهو الزمان الممتد، ويقال: أزمن الشيء، أي: طال عليه الزمن، وأزمن بالمكان: أقام به زماناً، فالزمن في لغة العرب اسم لقليل الوقت وكثيره دون تعيين. وعرّف الطبري (القرن الثالث للهجرة) الزمن بأنه ساعات الليل والنهار، وميز ابن الهيثم (القرن الثالث للهجرة) بين الزمان والدهر، حيث قال: إن الزمان يكون بين شهرين إلى ستة، أما الدهر فممتد لا ينقطع، ويرى الجرجاني (القرن الخامس للهجرة) أن الزمن هو “مقدار حركة الفلك عند الحكماء”، وكذا عرفه بدر الدين الزركشي ( القرن الثامن للهجرة)، إذ يقول: “إن الزمان الحقيقي هو مرور الليل والنهار، أو مقدار حركة الفلك”. وهذا يدل أن العرب لم يعرفوا التاريخ المعتمد في العالم من حولهم، منذ أيام البابليين (القرن الثامن عشر قبل الميلاد) ثم المصريين فالصينيين وصولاً إلى عهد عمر (منتصف القرن السابع للميلاد)، وبالتالي، يمكننا أن نتخيل عمق العزلة التي شكّلت حياتهم وطبيعتهم، وانعكست سلبياتها وإيجابياتها على لغتهم وتفكيرهم.
غير أن زمن اليهود القمري أيضاً كان أكثر بدائية، فكان عامهم يعادل عشرة أعوام، حيث افترضوا أن الحفيد السابع لآدم، متوشالح بن أخنوخ، قد عاش تسعمائة وتسعاً وستين سنة، كما ذكر في سفر التكوين، حيث يبدو أن العام الواحد عندهم كان يعادل عشرة أمثاله، فصارت الـ 96 = 960؛ إذ لا يمكن علمياً أن يعيش كائن لمثل هذا العمر. وفي التوراة أن الرب خلق الأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، حيث قُدِّر اليوم بألف سنة. ويبدأ التقويم اليهودي منذ اليوم الذي خلق الله فيه الأرض قبل 5785 سنة، وهو زمان أسطوري تأخروا في تدوينه والعمل به حتى أواخر القرن الأول الميلادي، حسب الموسوعة البريطانية، وكانت غرر الأشهر اليهودية قبل القرن الرابع للميلاد بحسب رؤية الهلال، وكانوا يحددون عدد أشهر السنة حسب حالة الطقس في نهاية الشتاء، ويكون عدد أيام السنة العادية ما بين 353 و355 يوماً، على أن يكون عدد السنة الكبيسة ما بين 383 و385 يوماً. فهم أيضا كانوا عائمين في الزمن، واستمروا بكتابة التوراة خمسة قرون بعد وفاة موسى دون تأريخ أسفارهم وأيامهم، وعاشوا داخل دائرتهم المغلقة، يعيدون إنتاج أيامهم وأفكارهم بسلفية تسبق السلفية الإسلامية التي أخذت عنهم الكثير كما يبدو من حجم الإسرائيليات الواردة في سردياتهم التاريخية، وهذا يشرح عدم قدرة صهاينة اليوم (من اليهود والمسيحيين) على الخروج من دائرة ذاكرتهم الإسطورية، فاستمر صراعهم مع السلفية الإسلامية الموازية في دائرة مركزها (فلسطين) خلال قرن مضى، دون أن يغلب أحدهما الآخر، حيث انجرَّ عموم العرب بدورهم نحو المنزلق اليهودي، وحولوها إلى حرب دينية بدلاً من كونها حرباً عادلة ضد الاحتلال الصهيوني، ومازالت علمانية حكومات الطرفين تبدو كقشرة سياسية تغلف ذاكرتهم السلفية، وقد ينتهي الأمر إلى قيام دولتين لا سلام بينهما في ذاكرة الزمن المستعاد.
لم ينمُ العقل الرياضي والفلسفي في البلدان الواقعة على خط الاستواء ومداراته بسبب شدة الحرارة، وكذا العقل العربي داخل جزيرته لم يكن تجريدياً أو منتجاً للأفكار قبل أن يعرفوا علم اللاهوت الذي بدأت تباشيره مع الحنفاء خلال بحثهم عن الله كفكرة غير مكتملة في ذهنهم؛ لذلك كانوا يخصصون وقتا للعزلة والتأمل في معناه، حيث كانت عزلة القرشيين منهم في غار حراء (كما كان يفعل النبي وعمه وجده من قبله)؛ للتأمل والتفكير في ماهية العالم والله وكينونته (الحنيف لغة: المائل عن الشَّرّ إلى الخير، أو عن الباطِل إلى الحقّ، ووردت اللفظة في القرآن الكريم اثنتا عشرة مرة)، فكان ذلك مقدمة لمجيء الإسلام وفتح باب المثاقفة في اللاهوت مع اليهود والنصارى، حيث بدأ العقل العربي بالانتقال من اللفظ إلى المفهوم، ومن المجاز الشعري إلى التجريد الفلسفي، وأغنى كل ذلك اطلاعهم فيما بعد على الترجمات السورية للفلسفة اليونانية والتأريخ البيزنطي لدى كنائس السريان، فأضافوا التقويم الشمسي إلى جانب تقويمهم القمري، وبات لهم زمنهم الذي ينافسون به زمن الروم فيغلبونهم وينغلبون لهم، حيث تقابل زمن المسلمين الدائري مع مفهوم زمن الروم (الخطي) الذي يبدأ بخلق آدم وينتهي بعودة المسيا عند اليهود والمسيح عند المسيحيين والمهدي عند المسلمين، حيث يعود هؤلاء الأنبياء ليقودوا المؤمنين الأخيار ضد الكافرين الأشرار، وكأن طبيعة الصراع لن تتغير! فقد كانت فكرة الزمن متشابهة لدى أتباع الأديان السماوية، ولم يتفوق المسيحيون فيها على المسلمين إلى أن فصلوا عن خط الدين ووصلوا مع الفلسفة الإغريقية والبيزنطية، فبنوا على زمن هيراقليطس المتجدد كمياه النهر، وبات الدين شأناً فردياً لا يسمح باستغلاله سياسياً، بينما استمر المسلمون واليهود يدورون داخل زمنهم ليصلوا النهاية بالبداية، وهي بدايات كالنهايات تحكمها رمزية أسطورية منفلتة من التأريخ الفلكي، حيث إنهم قدروا جميع الزمان من ابتدائه إلى انتهائه ومن أوله إلى آخره بستة آلاف عام، وقد أخذ المسلمون عن الرواة اليهود كل ذلك، وهم جميعا مازالوا يكررون أنفسهم في سلفيات قبلية ودينية ومذهبية وحزبية ضمن دائرة تشبه رمز الحيّة التي تبتلع ذيلها. يقول ابن عربي في ديوانه:
أتاك الشتاء عُقَيب الخريفْ***وجاء الربيع يليه المصيفْ
ودار الزّمان بأبنائه*** فمن دوره كان دورَ الرغيفْ
فهو يرى أن زمان الناس يكرر نفسه مرّة بعد مرّة بشكلٍ دائريٍّ، بينما يدور المؤمن في فلك الله كالدرويش في رقصته: يتحرك في الزمان دون أن يغادر المكان، وهذا قد يشرح استمرار تأثير ثقافة النقل والمراوحة عند مجتمعاتنا، على الرغم من جهود النخب السياسية والثقافية في العمل على قطع هذه الدائرة وتجليسها في خط مستقيم يتقدم نحو الأمام، منذ بداية تبنيهم للأفكار العلمانية بداية القرن الماضي، ولم يستكملوا بعد إخراج دراويش مجتمعاتهم من دائرتهم بعد؛ ذلك أن أحزاب القوميين العرب في بحثهم عن مفاخر الماضي وقعوا في مدار الإسلاميين دون أن يدروا، ويمكننا التمثيل لذلك بشعار “الرسالة الخالدة” عند البعثيين، حيث يؤكد استمرارية الماضي في الحاضر رافضا القطع مع الثقافة السلفية بحجة التأصيل، (كما عند الأرسوزي وتيزيني والجابري). والواقع أن شعار الرسالة الخالدة كان متصلا بالرسائل القديمة التي كان يرسلها الله للمؤمنين عبر رسله وكتبه بشكل متكرر ومتشابه دونما تغيير يذكر على امتداد ثلاثة آلاف عام، حتى غدا الرسول هو الرسالة التي أعاد الحاخامات والكهنة والفقهاء صياغتها واستخدامها، فاستمر زمن السرد يحكمنا كما لو أننا نعيش في زمن موسى وعيسى ومحمد (ص)، ولم يخرج العلمانيون (العرب واليهود) في دعاواهم عن المسار السلفي رغم خلافهم مع الجماعات الدينية، ذلك أن الصراع كان على السلطة، وليس من أجل إغناء فكرة الحق والعدالة والحداثة التي كانت مقصد الرسالات في زمنها، قبل أن تتحول إلى مسبب للعداوات في أزمنة تالية.
لهذا نرى حكومة نتنياهو الدينية كحكومة أمير طالبان هبة الله آخوند زاده، سلفية عائمة خارج الزمن الإنساني، ولاتستطيع أن تمنح السلام لشعبها أو للعالم، فهي تمثل أشخاصاً يناقضون فيزيائية الزمن الأرضي وينتظرون عودة نبيهم، ليس كداعية للمحبة والسلام، وإنما كمحارب وقائد لجيوشهم ضد أعدائهم الآيديولوجيين (الكفار)، وهذا إلغاء لكل ما أنتجه العقل الفلسفي خلال القرون الأخيرة، وأوصل قدرة البشر إلى ما كان ينسب للآلهة من أعمال عظيمة.
يقول قانون تلازم السبب والنتيجة: إنه لا يمكن إعادة زمن ما دونما إعادة أسبابه؛ لهذا، فإن يوتوبيا الإسلاميين بالعودة إلى إنتاج الإسلام المحمدي الأول، والأصوليين اليهود إلى زمن الهيكل وسليمان وبني إسرائيل مستحيلة منطقياً، ذلك أن صورة الزمن متغيرة في ذاكرة كل جيل جديد، مثل إصدارات ويندوز وأجيال البرمجيات، حيث الله هو الزمن (الأول والآخر والظاهر والباطن)، وهو المبرمج الأعظم لهذا الكون، كل شيء فيه يسري بمقدار، والفيزياء الرياضية في نهاية المطاف هي ما يشكل الحقائق المنطقية للزمن، لهذا يجب أن نفرق بين الإيمان السائل والمتدفق في الزمن وبين التدين الجامد في الزمن كالصنم، حيث تبدو الأديان كبرامج قديمة لم تعد مناسبة لتنظيم الحاضر الزمني المتسارع، بدليل الأخطاء المريعة التي ارتكبها الأصوليون الممانعون لتدفق الزمان والإيمان وتجددهما في عقول الناس، وكأنهم أهل الكهف الذين ذكر القرآن الكريم أمثولتهم، وأظهر أنه من الأفضل أن يعودوا نائمين بعد الفوات التاريخي الذي أصابهم، إذ لم تعد نقودهم وأفكارهم صالحة لعدم تدفقهم في الزمان. فكل إيمان لا يتدفق في الزمن لا يعول عليه. جاء في التنزيل العزيز:
(يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)(الرحمن: 29).
جدير بنا أنْ نتذكّر أنّ قصص المرسلين خير ما يمكن أن نفهم من خلالها عبادة الله وحده بصوَرها التطبيقية العملية، فالقرآن الكريم يكرر في عدّة سور قرآنية قصص المرسلين، ويذكّر في كلّ مرّة أنّ كلّ رسول كان يفتتح دعوته لقومه قائلا: “اعبدوا الله ما لكم من إله غيره”، وقد استعرضنا في مقالين سابقين تطبيقات العبادة من خلال قصص كلٍّ من نوح وهود وصالح مع أقوامهم.
ويأتي ذكر الرسول شعيب المرسل إلى مدين بعد قصص الرسل الثلاثة السابقين: نوح وهود وصالح، في سياق قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ*﴾ الأعراف:85-86، والدراسة اللسانية المباشرة لهذا السياق تجعل المتدبر يدرك أنّ القوم قد وصلوا رتبة من التحضر الإنساني أعلى ممّن سبقهم من الأمم؛ فلم تقتصر أنشطتهم على الزراعة والصناعة والمعمار، كما هو حال قوم نوح وعاد وثمود على التوالي، بل زادت أنشطتهم الاقتصادية في كافّة المجالات، ليصلوا إلى مرحلة التجارة وما يرافقها من استيراد وتصدير.
لكنّ هذا التقدّم المحمود من حيث الأصل رافقه انحرافات سلوكيّة تمثّلت في الغشّ في الكيل والميزان. والكيل والميزان معياران لا تخرج تجارة العالم عنهما في كل العصور، فالأول يمثّل الجانب الشكلي من السلع: أحجامها وأشكالها وألوانها ومواصفاتها الخارجية، فمن المعلوم في الاستخدام الشائع لهذه الكلمة أنّ المكيلات تقيّم بناء على حجمها، لكنّ المعنى المفهومي الدلالي الأوسع لهذه الكلمة يشمل كلّ ما يتمّ تقييمه بناء على معايير شكليّة في المنتجات، وإنّ من كان يقبض ثمن كوب من القمح قديمًا فينقص شيئًا منه قبل تسليمه للمشتري، يمثّل صورة مصّغرة لمن يقبض اليوم ثمنًا لقاء بناء بيت وفق مواصفات متّفق عليها، فينقص من هذه المواصفات، ولا يوفّيها طبقًا لما جرى الاتّفاق عليه، وقل مثل ذلك في كلّ أشكال التجارة؛ بدءًا من مكاييل الحبوب القديمة، وصولًا إلى إنتاج الصور والفيديوهات والأفلام اليوم.
أمّا الميزان، فهو ما كانت قيمته راجعة لما فيه من معنى جوهريّ؛ ومن هنا كان الوزن هو المعيار في تبادل النقد من الذهب والفضّة قديمًا وحديثًا، والمعنى الممتدّ إذن لهذا المعيار يشمل اليوم جميع الخدمات التي يجري الاتفاق عليها، فمن قبض ثمنًا لقاء خدمة طبيّة أو تعليميّة أو غيرها من الخدمات التي تقيّم بقدر ما فيها من معنى جوهريّ وفائدة حقيقيّة يجب إيصالها لطالب الخدمة، لا يسعه أن ينقص من هذه الخدمة بحسب الاتفاق، وإلا فقد نقص الميزان.
ولعلّ كلمة الميزان أعمّ وأشمل من كلمة الكيل، ومن هنا نرى الله تعالى قرنها بالكتاب في قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الحديد:25، فالكتاب هو مجموعة البنود والمعايير والمحددات التي تصنع معًا نظامًا متكاملًا، والميزان هو معيار العدالة الذي يضمن تفعيل الكتاب بشكل منصف، ويشبه هذا أيضا سياق آيات سورة الرحمن التي جاء فيها: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ* وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الرحمن 5-13. إنّ تفعيل قواعد نحو النصّ وتماسك الخطاب في فهم هذه الآيات يجعلنا ندرك أنّ الفكرة المركزية لهذه الوحدة النصيّة هي قوله تعالى: “أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ”؛ وذلك لأنّ ما ذكر قبلها من إشارة لحركة نظام الشمس والقمر والنجم والشجر والسماء عمومًا، يشير إلى صورة كونية علويّة تطبيقية واضحة للعيان؛ وهو السير المتّزن الذي يمثّل تطبيقًا عمليًّا مستقيمًا للكتاب الأول لحركة الكون، كما أنّ ما ذكر بعد الفكرة المركزية من نظام الأرض وما فيها من أرزاق، صورة أخرى سفليّة جليّة لتكريس المبدأ نفسه، ويبقى بينهما الإنسان المشار إليه في بداية السورة: ﴿الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ الرحمن:1-4، ولْيلاحظِ القارئ الحصيف أنّ خلق الإنسان مسبوق بتعليم القرآن، ومتبوع بتعليم البيان؛ وذلك ليفهم الميزان الذي ينبغي عليه الالتزام به في حياته العملية، ولا يكتفي بذلك، بل ينقل هذا الفهم ويدعو إليه من خلال البيان، فالمخلوق الوحيد الذي في وسعه وطاقته أن يطغى في الميزان هو الإنسان. وبهذا التحليل المقتضب بما يناسب السياق لهذه الوحدة النصية، نعرف تمام المعرفة أنّ أعظم عبادة لغير الله وقع فيها قوم مدين-الإنقاص في المكيال والميزان.
وبالعودة للنظر في حوار شعيب مع قومه نقف وقفة لا غنى عنها عند حرف الفاء؛ حيث قال لقومه: “فأوفوا الكيل والميزان بالقسط”؛ فمن الواضح تمامًا أنّ هذه الفاء تفسيريّة لما قبلها، وهو قوله: “اعبدوا الله ما لكم من إله غيره”، ولا يمكن إذن أن يكون قوله: “فأوفوا الكيل والميزان” مقترنًا بهذه الفاء إلا تفسيرًا لقوله الأول: “اعبدوا الله ما لكم من إله غيره”؛ فالعبادة التي نادى بها شعيب هي أن يعود القوم لعدالة الميزان الإلهي الكوني الأول، ويتخلّوا عمّا اخترعوه من صور الغشّ والخداع التي تخلّ بالميزان، وتمثّل الطغيان الذي حذّرت منه سورة الرحمن، وشتّان شتّان بين إدراك معنى العبادة بهذه الآلية اللسانية العربية المبينة التدبرية، وبين ما شبّع به رجالُ الدين عقولَ النّاس من تصوير العبادة طقوسًا وحركات وأعدادًا لا يمكن تشبيهها بغير “صكوك الغفران”.
إنّ عبادة الوفاء بالميزان من أجلّ العبادات التي أوضحها القرآن الكريم وألحّ عليها، ولذلك نجد شعيبًا نفسه في سياق قريب يقول لقومه: ﴿اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ هود:84، فالتوجيه نحو الوفاء بالميزان تارة، والنهي عن إنقاصه تارة أخرى، فيه إشارة بالغة إلى أنّ الأمر يحتاج من مقدّم السلعة والمنتج وغيرها من أشكال التجارة أن يتحقق أوّلًا من إكمال المطلوب المتفّق عليه، ثمّ يراجع عمله مرّة أخرى تحاشيًا لأيّ نقص قد يكون حدث، بقصد أو بغير قصد، وهذا الإلحاح الذي يظنّه السذّج تكرارًا ممجوجًا نجده متكرّرًا في سورة الرحمن: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) الرحمن:7-9، فلاحظ كيف حذّر من الطغيان في الميزان، ثمّ أمر بإقامته بالقسط، ثمّ حذّر ثانية فقال: “ولا تخسروا الميزان”، ستعلم قطعًا أنّ المقصودَ التوكيدُ على مراجعة العمل والمنتَج، والتحرّي من مطابقته للمعايير المتفّق عليها تمامًا، وذلك لقاء استلامك الأجر كاملًا غير منقوص، لكنّ الفرق بين الاثنين أنّ الأجر من السهل تمييز أيّ نقص فيه، أمّا العمل، منتجًا أو خدمة، فقد يكون من العسير على العميل أن يدرك ما فيه من خلل ونقص، فألحّ عليه النصّ الكريم أن يكون هو من يتحرّى قدر الوسع إكمال العمل، ويراجعه ليضمن عدم وجود نقص أو خلل فيه.
إنّ العبادات التي تحدّث عنها الرسول شعيب تتتابع في الجوانب التجارية لتقيم نظامًا هو الغاية في العدالة؛ فيقول محذّرًا قومه: “ولا تبخسوا النّاس أشياءهم”، وهذا الإرشاد العباديّ تدمير تامّ لما يسمّيه كثير من التجّار اليوم حِذقًا في البيع والشراء؛ وذلك من خلال استغلال جهل البائع أو مقدّم الخدمة في القيمة الحقيقية لمنتجه أو خدمته، فقد لا يكون من أهل الصنعة، فيستغلّ التجّار ذلك، فيبخسونه ثمن منتجه أو خدمته. إنّ هذا “التحاذق” في لسان القرآن ليس إلا مظهرًا لعبادة غير الله، وإخلالًا بناموس الصلاح، ومن هنا تجد الجملة التالية مباشرة: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”.
ثمّ يتابع شعيب عليه السلام توضحيه لعبادة الله وحده قائلا: “وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ” الأعراف:86، وبهذه العبادة تتكامل العبادات التجارية، ففيها تحذير شديد من إعاقة طرق التنقّل وسُبل الاستيراد والتصدير من خلال الإيعاد (مصدر أوعدَ، ومضارعه يُوعِد)، وهو التهديد بالوعيد، ومن خلال إعاقة الحركة التجارية (وتصدون عن سبيل الله من آمن به)، ومن خلال الرشوة ونحوها من الوسائل المنحرفة (وتبغونها عوجًا). وينبغي للقارئ الفطِن أن يعلم ها هنا أنّ من آمن بالله هو من دخل ضمن عقد الأمان، وقد شرحنا معنى الإيمان في مقال سابق.
ولك إذن أن تتخيّل عزيزي القارئ صور الانحرافات التجارية في البيع والشراء وتقديم الخدمات، والاستيراد والتصدير، والخدمات الجمركية، وخدمات التخليص والتوصيل والتسليم، وغيرها من الخدمات والمراحل التي تكون بين دفع الثمن وتلقّي الخدمة أو السّلعة، ثمّ تعلم أنّ الدعوة لعبادة الله وحده لا شريك له -كما جاءت على لسان شعيب- ما هي إلا اجتناب كلّ هذه الانحرافات، وأنّ اقترافها -بالتالي- عبادة لغير الله، ثمّ يتجلّى لك بما لا يدع مجالًا لا شكّ أنّ ما قاله الدكتور محمد شحرور -رحمه الله-: “إنّما يعبد الله في الأسواق” هو كلام في غاية الدقّة.
هل سيستغرب أحدٌ بعد ذلك إنْ فهم المتدبرون باللسان العربي المبين أنّ المساجد في القرآن الكريم هي المزارع والمصانع والعمائر والمتاجر؟ وأنّ السجود والركوع لله ربّ العالمين ليس إلّا الخضوع لسننه وميزانه في العمل والتعامل، وهو الميزان العادل الذي خضعت له السماوات والأرض، وأنّ الطقوس التي جعلها معظم رجال الدّين أسّ الدين وأساسه ما هي إلا وسائل للتذكير، والركون إليها لتكون سببًا لنجاة العبد عند الله ما هو إلّا وهمٌ عاشه النّاس قرونًا، فأدّى إلى الصورة الماثلة اليوم للمجتمعات العربية والإسلاميّة.
لقد كان من السّهل جدًّا على من يسعى لفهم القرآن الكريم أن يدرك أنّ معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات:56، لا يمكن أن يكون إلّا ممارسة الحياة وفق السنن والميزان الربّاني دون انحراف عنه، كان ذلك سهل الفهمِ تمامًا لولا حجم الغبار الهائل من التشويش الذي أحدثه من عدَل عن كتاب الله وفهمه التدبري باللسان العربي المبين إلى وسائل محدثة؛ إذ لو كانت العبادة هي الطقوس، لما كانت هذه الآية الكريمة قابلة للتطبيق البتة، فقد حصرت غاية الخلق بالعبادة، وليس في وسع أحد أن يقصر حياته على الطقوس، أمّا إذا فهمت العبادة كما بيّنها النص القرآني بيانًا لا مزيد عليه في قصص الرّسل، فإنّك ستوقن عندئذ أنّ العبادة ليست إلّا الحياة كلّ الحياة، لكن، دون انحراف عن سنن الله، ولا إخلال بالميزان.
وإنّي سأطرح في ختام هذه السلسلة من المقالات سؤالًا مفتوحًا إلى أجل غير مسمّى لكلّ من لا يزال يشكّ في محتواها: (أين ذكر الرّسل الذين أخبر القرآن عن كلّ واحدٍ منهم أنّه خاطب قومه قائلا: “اعبدوا الله ما لكم من إله غيره”، أين ذكروا طقسًا من الطقوس في تفصيل كلامهم، وهل من موضع بيّنوا فيه أنّ مقصدهم بهذه العبارة كان كلمات وحركات؟ هو سؤال مفتوح برسم تحدّي الإجابة.