تَخَطَّى الغرب مشكلة العنف وإراقة الدماء باسم المذهبية الدينية منذ زمنٍ بعيد؛ إذ من النادر اليوم أن تُزهَق الأرواح باسم الانتماء الدينيّ أو التعصب للمذهب في الدولة التي حققت علمانيتها اليوم. لكن الاعتقاد أن ذلك حصل من تلقاء نفسه، أو بسبب طبيعة خاصة بالحضارة الغربية، مجرد وهم.
إن الغرب قد غذى حريته بدمائه وبحركة فكرية جبارة نَظَّرَتْ لهذه الحرية، وساهمت في فك القيود عن الضمير والعقل، وصنعت الشخص المستقل على النحو الذي نعاينه اليوم في المجتمعات الغربية. وليست المحاولة التنظيرية الهيغلية في هذا الباب بالتي يمكن الاستعاضة عنها؛ ذلك أن أصالة هيغل تجلّت في قدرته على فهم التناقض ورده إلى المصالحة، وإلى نفاذ بصيرته في تحليله للواقع بأدواتٍ فكريةٍ صارمةٍ، تضع قدمًا في الواقع وأخرى في الفكر، منصتةً إلى أنفاس الزمن كما انعكس في التاريخ فكرًا وتجربة، وهذا ما يتجلى في نظريته حول الدولة بوصفها الكيان الذي يمكن أن يستوعب التناقضات داخل وحدة.
إن الامتحان الذي تواجهه دولة تريد أن تكون كياناً حاضناً للتعدّد هو كيفية تدبيرها لحياة الأقليات إزاء الأغلبية القومية أو الدينية فيها، وإزاء القانون.
بحسب هيغل، يمكن للدولة بوصفها كياناً كليّاً أن تتصرّف بخصوص الأفراد والأقليات الدينية أو غير الدينية على نحوٍ أكثر حرية إذا كانت هذه الدولة ذات تنظيمٍ جيّد، بأن تتجاوز الخصوصيات التي قد تُحدث فيها اضطرابًا، وأن تقبل في داخلها طوائف لا تعترف من ناحية دينية بواجبات مباشرة تجاهها، حين تُخضِع هؤلاء الأعضاء إلى المجتمع المدنيّ وقوانينه، وأن تُشبع فيها التحقيق “السلبي” للواجبات المباشرة تجاهه عبر وسيلة التبادل والتعهد؛ بحيث تنشأ هذه العلاقة على مقتضى القوانين التي تُنظّم نظام الحاجات داخل المجتمع المدنيّ. ومن ثم، فالخاصية الجوهرية للدولة تجعلها في استقلال وأكثر حرية في اعتبار الانتماء الدينيّ ما دامت العلاقة تقوم على القانون بشكلٍ واضحٍ. وعليه، يمكن للأقليات الدينية أن تجد مكاناً لها في الدولة كمواطنين يحكم القانون علاقتهم بالدولة. يستحضر هيغل في هذا المقام الأقليات الدينية التي ترفض جزئياً أن تخضع لبعض قوانين الدولة اعتمادًا على اقتناعها الدينيّ، كرفض الانصياع لقانون الجندية في حالة الحرب والحاجة إلى الدفاع عن الوطن بالنسبة إلى طائفة “الكاكير” (Les quakers) المسالمين البروتستانت الذين يرفضون الحروب، وعليه تعوّض الدولة واجب الجندية بواجبات أخرى. إن الدولة وهي تقوم بهذا النمط من المعاوضة في الواجبات، لا تفعل ذلك إلّا من مدخل التسامح، وإلّا، فمثل هذا الاعتراض على قوانينها سيحدث اضطراباً فيها، وهو ليس في صالح وحدتها. تحتاج الدولة إلى قدرة خاصة لكي تحلّ مثل هذه المشكلات، والأكثر حكمةً في هذا الباب هو أن تسند الحلّ لمثل هذه الاستثناءات للعقلانية الداخلية لمؤسّساتها لكي تخفّف من التباين.
يضع هيغل المسألة اليهودية في هذا المقام؛ فاليهود كطائفة دينية جزئية تحيا داخل الدولة يجب اعتبارهم على هذا النحو جزءًا من كلية الدولة، ومن ثم فرفضهم، من مدخل أن الشرائع الدينية التي يحتكمون إليها تخالف قوانين الدولة، إلى درجة تجريدهم من خاصية الكائن الإنساني، كل ذلك ينم عن سطحية وتجريد في التعامل مع هذه المسألة؛ ذلك أنه بفضل القوانين المدنية يمكن أن يفتخر كل المواطنين بأنفسهم، وليس فقط اليهود، بوصفهم أشخاصاً قانونيين داخل المجتمع المدني؛ أي مواطنين. وهذا يعني أن المواطنة هي الحل العقلانيّ للتعددية الدينية؛ ويمكن في هذا “الجذر اللامتناهي الحر أن يحصل التطابق المنشود بين طريقة التفكير واستعداد الروح. وعلى هذا الأساس يصبح الانفصال الذي يُؤاخذ على اليهود خطأً يُنسب إلى الدولة التي تقصيهم؛ إنها عندما تقوم بذلك ” تكون قد تنكّرت لمبادئها وللتأسيس الموضوعيّ لقوتها. ذلك أنه “في اللحظة التي يعتقد فيها بأن الإقصاء حقٌّ لا يُعلَى عليه، يتجلّى في التجربة الواقعية بأنه الأكثر حُمْقًا؛ بينما تَبَيَّنَ أن الطريقة التي تعاملت بها الحكومات ضدّ الاقصاء أكثر حكمةً وكرامةً.”(1)
يرفض هيغل، إذن، أن تكون المواطنة وسيلة للإقصاء وإذكاء التمذهب والفرقة، وما ينطبق على المسألة اليهودية يقال عن كل الفصائل الدينية؛ إذ هناك فرق بين الانتصار للدولة بوصفها كلّية يمكن أن تحمل في داخلها كل الاختلافات، وبين الانتصار لدولةٍ دينيةٍ ترفضها. إن الدولة التي ترفض الاختلاف الدينيّ تسقط أهمّ ما فيها، وهو مبدأ المواطنة القائم على الحرية، التي يقوم عليها الدين نفسه؛ وإسقاط مبدأ الحرية ينجم عنه انهيار الدولة والدين معاً.
يجب أن يكون شكل الدولة قابلا للتعدّدية الدينية، لأنّ الدين لا يقبلها من تلقاء ذاته؛ فالإيمان تعيّنٌ داخليُّ لحرية الضمير، ومن ثم فاختلاف مضمون الإيمان بين مُؤْمِنَيْن ينجم عنه تجافيهما. يُفترض في الدولة أن تكون الأرض التي تتعايش فيها الأديان، شريطة أن تؤمن تلك الأديان بأن حياتها الحقيقية لا تكون إلّا داخل الدولة؛ إن المواطنة، بوصفها العلاقة التي تنتسج داخل الدولة، لا تتناقض مع حرية الضمير، لأن كل الذاتيات تجد تحقق مصالحها ومآربها الجوهرية في الدولة ككيان موضوعي. بهذا المعنى تكون الدولة هي أرض المصالحة بين الحرية الداخلية والحرية الخارجية ومجال التحقق الفعلي لهما معاً.
لا يقف الدين عند حدود الحرية الداخلية، بل يدخل إلى مضمار الحرية الخارجية التي تؤطرها وتنظمهما القوانين. وبالتالي فهو “يخرج من الدخيلة إلى العالم الواقعيّ”؛ وبخروجه هذا يضع نفسه في أرض الدولة، وتحت سلطة قوانينها.
ومن ثم فالظواهر التي تقوم على صدق الطوية والقداسة التي تنهل قيمتها من التديّن الصادق كالزواج المقدّس والقسَم، ما إن تدخل إلى الواقع العينيّ أو تسعى إلى التعيّن في الواقع، حتى تنشأ علاقة مع الدولة ومؤسساتها وقوانينها بوصفها التجسيد الفعلي للعقلانية الملموسة. وعليه، تعنى المؤسسة الدينية بالجانب الداخليّ على سبيل تزكية النفوس، لا أن تفرض عليها موضوع الإيمان؛ إذ الأصل في الاعتقاد الحرية؛ بينما يدخل الجانب الخارجي في صلاحيات الدولة، ويجب أن تنظّمه القوانين. ومن ثم، يجب أن يُسند كل ما يتعلق بالجانب القانوني إلى مؤسسات الدولة، ويُنظّم على أساس القانون، حتى وإن تعلق بممتلكات الكنيسة أو الممارسة الخارجية للشعائر أو الطوائف والجماعات الدينية، وكل الدينيّ الذي يدخل في الإطار المدنيّ، يجب أن يبقى تحت المراقبة العليا للدولة. وهذا يعني أنّ للأفراد حرية غير متعيّنة إزاء موضوعات الإيمان ما داموا لا يخالفون القانون الذي يحمي حريتهم تلك، ولكن بمجرّد أن يجتمعوا في طائفة أو جماعة دينية، فإن عليها أن تخضع لقوانين الدولة التي تضمن للجميع الحق نفسه، أي حرية الاعتقاد.
يحافظ هيغل إذن على حرية الاعتقاد والتعبير عن الانتماء الديني، ولكن بمجرد أن يتشكّل كيانٌ كالطائفة الدينية أو الجماعات والأخويات، أو أي كيانات تتأسّس على مقتضى الانتماء الديني، فإن عليها أن تخضع لقوانين الدولة؛ لأنّ الاعتراف بكيان أسمى من الدولة أو يهدّد كلّيتها، يعني فتح الباب مجدّداً للصراعات المذهبية والطائفية، ومن ثم، يصالح بين الأمن والحرية من دون أن يفقد أحدهما جوهره. (2) تصبح الدولة بهذا المعنى الكيان الذي يُلَمْلَمُ فيه تعدّد الجزئيّ وتنوعه؛ لأنها الشكل العقلانيّ المفتوح أمام كل المضامين، والذي في مضمونه، يحمل الجوهريّ الذي تتوحد فيه تلك الأجزاء، لأنها تجده مسبقاً فيها بحكم أنه عقلانيّ؛ فلا يشعر الجزء في أرض المصالحة النهائية بأن الدولة كيانٌ غريب عنه أو مجرّد، بل بوصفه جزءًا منها، لا لأن مصالحه تتحقّق فيها فقط، بل لأنّ العنصر العقلانيّ الجوهريّ في العلاقة قد تجلى وصار ملموسًا بعد أن كان مجرّد إمكانٍ.
هكذا تكون المواطنة داخل الدولة أساسًا عقلانيًا لتدبير حرية الاعتقاد مع الحفاظ على الجوهري في الدين الذي تحتاجه مؤسسات الدولة والقوانين، وهو القداسة والاحترام؛ فتحفظ الدولة كليتها والتعبير عن الإرادة الكلية، وفي الآن نفسه تضمن الامتثال للقانون والانتماء الروحيّ لها عبر المواطنة. وعليه، لا يمكن أن تحيا دولة تريد أن تكون قويةً تمزُّقاً بين سلطتين، واحدة روحية وأخرى دنيوية، من دون أن يتسبّب ذلك في اضطراب النظام العام فيها. فلا يمكن فرض الإيمان على القلوب؛ إذ لا إكراه ممكن على حرية الضمير، وفي الوقت عينه لا يمكن ترك الدين عرضة للمآرب الخاصة حتى لا يتحول إلى قوةٍ تجييشية ضدّ الدولة؛ أي ضدّ ما يمثل المصلحة العامة.
إن حيادية الدولة إزاء حرية الاعتقاد ليس حيادية سلبية، بل إن الدولة ترسم الحدود بوصفها الإرادة الجوهرية الكلية التي تستوعب التناقض؛ وهذا ما تعجز عنه المؤسسة الدينية بحكم تمذهبها حتماً. إن قوة الدولة في حملها للحرية جوهرًا، وتجسيدها لمضمونها واقعيًا بوصفها الروح الموضوعي الكليّ؛ أيًا كانت هذه الحرية، في العلم أو الدين أو في الواقع. وعلى هذا الأساس، لا تترك الدولة الدين والعلم عرضةً للمآرب الشخصية عندما يمسّان النظام العام. وعليه، يمكن داخل الدولة لفرد متديّن، أو غير متديّن، أو جماعة أن يحظوا بحياة آمنة، لتوفر شرطي الكلية والموضوعية في الدولة، ولا يمكن لدولة لا تستجيب للشرطين معًا أن تستوعب التعدّدية الدينية على نحوٍ أصيل.
هكذا تكون المواطنة الكاملة لا الناقصة-الحلَّ الذي اهتدت إليه الحداثة الغربية لإغماد السيوف المسلولة على أعناق الحرية والأمن.
المصادر:
[1] Hegel, Principes de la philosophie du droit. Trad. J. – L. Vieillard-Baron. (Paris : Flammarion, 2021), pp 317-318.
[2] المصدر نفسه، ص 319.