تتأمل ألبوم صورك القديمة مع أهلك وأصدقائك فتشعر بالسذاجة مما كنت عليه، كونك أوغلت في المعرفة وازدادت خبراتك مع تغيُّر العالم من حولك. وقد يضحك أولادك أو أحفادك على اللباس الذي كنت ترتديه وعلى تسريحة شعرك وشكل شاربيك.. كذلك تنظر الأجيال الجديدة إلى الجيل السابق عليها كما لو أنهم في متحف للتاريخ الوطني، ذلك أنَّ الزمن يسخر من الجميع بعدما يمر عليهم.. والأمر كذلك عند الأمم، حيث تسخر تلك المتقدمة من تلك التي تأخَّرت عنها في الزمن والمعرفة وتعتبرها من ألبوم الحضارات القديمة في عقلها وأديانها وعاداتها.. صورٌ بالأبيض والأسود لمجتمعات تجاوزها الزمن!
أحزاب الصناديق
ولكن ماذا عن صورة الأحزاب التي مر عليها ثلاثة أو أربعة أجيال دون أن تغير في أيديولوجيتها التي فاتها الزمن؟! الأمر يبدو كارثياً خصوصاً في الأحزاب العربية، ومعها بالطبع الجماعات الأصولية التي ترفض كل أنواع الحداثة والديمقراطية، سوى تقنية صناديق الاقتراع التي يمكن أن توصل مرشديها إلى السلطة ليحكموا غيرهم بالإكراه، كما رأينا في العديد من تجاربهم المعاكسة لحركة الزمن..
تشير سورة الأحزاب في القرآن الكريم إلى قبائل ومجموعات العرب الوثنيين واليهود الذين تحزَّبوا ضد المسلمين. و “الحزبُ” أيضاً هو كل /10/ صفحات من القرآن الكريم، حيث يُقَسَّم القرآن إلى ثلاثين جزءاً كل جزء يحتوي على حزبين، بمعنى أنَّ القرآن يتكون من ستين حزباً، و “الحزبُ” الواحد يُقسَّم إلى أثمان خاصة في قراءة قالون عن نافع.. فبعد وفاة الرسول والتنافس على إرثه نشأت سلسلة من التحالفات كل منها تدعم مرشحها للخلافة، حيث تشكل منها ما يشبه الأحزاب السياسية، إذ لم يكن الخلاف على الدين وإنما على السلطة، حسب ما وصلنا من السرديات الإسلامية. وبمرور الزمن بات لكل حزب من أحزاب السلطة ومعارضيها نظامه الداخلي ومُنظِّرُه الفقيه الذي يشكل مدرسة الحزب ومنهجه طبقاً لتفسيره للنصوص المقدسة، ومن ثم تحولت كل مدرسة إلى مذهب متوارث وكيان منفصل متصل بالأمة الإسلامية. وبسبب الاختلاف على شروحات النص وتأويله انقسم المذهب الواحد إلى أجنحة يسار ويمين ووسط، حتى بات لدينا عشرات الأحزاب الإسلامية التي لم تتمكن حتى الآن من تشكيل جبهة موحدة، كما هو حال أكبر حزبين متنافرين: السنة والشيعة والأحزاب التي انشقت عنها فيما بعد.. إذاً، فالمذاهب هي أحزاب في عمقها السياسي ولكنها ملحقة باللاهوت شكلياً.
وهم “العادل المستبد”
يقول الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو في دراسة له عنوانها (ابتكار العدو): “إن وجود العدو مهم، ليس لتحديد هويتنا فحسب؛ وإنما – أيضاً – ليوفر لنا عائقاً نقيس إزاءه قِيَمَنا، ونثبت – أثناء محاولتنا تخطيه – قيمتنا. أما في حالة عدم وجود عدو، فمن الواجب ابتكاره”. وهذا يقودنا إلى أنَّ أفضل ما حصل للعرب قد يكون غزو الأوروبيين لهم، لأن هذا العدو شكل عائقاً خلق حالةً من التحدي حتى يوازوه في نظامه وقوته، فتغيرت بنية التحزب الإسلامي من اللاهوتي إلى العلماني، حيث اختار منظرو الأحزاب العربية ما يناسبهم من الأيديولوجيات والفلسفات الأوروبية الحديثة، القومية والاشتراكية والليبرالية، وكان إقبال الشعوب العربية على الأحزاب الأولى قويًا كون مجابهتهم للاستعمار الأجنبي قد وحَّدتهم وحيَّدت عصبياتهم الدينية والإثنية لتملأ العصبيات الحزبية فراغها، فكانوا أشبه بمؤمنين علمانيين يتبعون رسالة ملهمهم الخالدة.. وبما أن قادة الثورات ضد الاستعمار أصبحوا زعماء بلدانهم بعد الاستقلال، فقد حملت أحزابهم سمات إسبارطية، وساعدهم أن جماهيرهم تعرف العدالة الدينية أكثر مما تفهم الديمقراطية الشعبية، كونهم نشؤوا في بيئات أبويَّة مذهبية، وبالتالي كان من الطبيعي أن يشكل الأمين العام وصحابته وحواريُّوه شخصية الحزب وسيرته، فقيدوا الحرية الفردية المنفلتة عن دائرتهم وعصبيَّتهم الحزبية، ونبذوا الأعضاء المختلفين والمستعصين كما ينبذ المتديِّنون الكافرين! وكان لكل حزب جهازه العسكري والأمني الذي يحتاج إلى عداوة مع الأحزاب الأخرى لتأكيد وجوده، مثلما كان أجدادهم يقارعون أتباع المذاهب والمدارس الأخرى لتأكيد سيطرة أربابهم دون أرباب الآخرين؛ فهم تربُّوا في مجتمعات مذهبية قدرية استبدادية، وواجهوا استعماراً أكثر شراسة واستبداداً، الأمر الذي أعطاهم وسم العسكرية، وسهَّل لهم ممارسة الاستبداد تحت وهم “العادل المستبد”، وهكذا تخلصت الأحزاب من مثقفيها وأصحاب العقل فيها وأبقت على الأصوليين النَّقليين، كأرقام يستخدمونها في كل مسرحية ديمقراطية تنتهي كما يريدون، والأمثلة كثيرة، من العراق وسورية فمصر والجزائر والسودان، أما الممالك العربية فقد نجت من الألعاب الديمقراطية واستمرت كأنظمة سلفية استبدادية بطبيعتها، ولم تقبل غير الإسلام حزباً والفقيه منظَّراً والسيف حاكماً، بينما استمرت الأحزاب الدينية على نهج مذاهبها القديمة مع إضافات فقهاء الظلام.
أحزاب بلا ديمقراطية
بين الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت غالبية الأحزاب في سورية والعراق ومصر ليبرالية تهيمن عليها طبقة الأعيان من الإقطاعيين والتجار، وبعد الاستقلال تشكَّلت الأحزاب من نخب موظفي الدولة المحسوبين على الطبقة الوسطى، بينما غالبية جمهورها كان من طبقة العمال والفلاحين وصغار الكسبة والجنود ممن يؤمنون بأفكار المواطَنَة. وقد انتعشت هذه الفئات بفضل مشاريع التنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، بعدما ساوت دساتير الجمهوريات، نظرياً، بين الجميع في الحقوق والواجبات.. وشكَّل الحزب بعد منتصف القرن الماضي هُويَّة الفرد العربي، وبدلاً من كونه مسلماً أو مسيحياً، سنياً أو شيعياً، كان بالدرجة الأولى قومياً أو اشتراكياً وحدوياً أو شيوعياً أو حتى وجودياً لا ينتمي إلى أية مرجعية. فتراجعت المذاهب والأديان إلى كهوفها. غير أنَّ الأحزاب العلمانية التي شكلت حياة العرب لم تعلمهم الديمقراطية كما لم تجرؤ على تجديد الفكر الديني، إنما أضافت عصبية جديدة إلى عصبياتهم المتوارثة، وبعد مرور نصف قرن تكلَّست أحزابنا وتحولت إلى أحزاب أصولية يديرها العجائز، فلم تعد قادرة على تلبية احتياجات مجتمعاتها التي تصبو إلى مستقبل لا يكونون فيه أقلَّ من أعدائهم السابقين. بينما استمرت القيادات السياسية باستغلال اسم الاستعمار كعدو حاضر بالرغم من جلائه، ثم أضيفت إليها جملة العدو الإسرائيلي، حتى بالنسبة للدول البعيدة عن الكيان المحتل جغرافياً. فقد كان العداء للاحتلال الإسرائيلي محفزاً إيجابياً للأحزاب والسلطات لإشغال جمهورها عن مسائل التنمية الديمقراطية، فلم تتطور الحياة المدنية العربية بقدر ما تطورت جيوشها ومخابراتها الوطنية طردًا مع تحديات مواجهة الجيش اليهودي، فتضاعفت قوة مؤسسة الجيش حتى تجاوزت المؤسسات المدنية مجتمعة، وقفز جنرالاتها إلى سدة السلطة بدعم من الأحزاب المتنافسة، بحيث شكلت نفوراً مدنياً استغلته الجماعات “الإسلاموية” باستقطاب البسطاء من (أهل الفطرة) ليشكلوا جيوشاً مخفيَّة داخل المؤسسات الوطنية، فأصبحوا بذلك دولة مخفيَّة داخل الدولة الرسمية، وبات لدينا حكومات مركبة يتصارع أتباعها في الظلام معرقلين تقدمنا السياسي والاجتماعي. وكذا حصل داخل المجتمع الإسرائيلي الذي ما فتئ ساسته يسعون لاستيعاب الجماعات الأصولية واستغلالها، كون عقيدتهم العسكرية قامت على أكاذيبهم التوراتية، وباتوا يغذُّون جمهورهم أيضاً بأيديولوجيا العداء للعرب والمسلمين، فعرقلت أساطيرهم التوراتية وعنصريَّتُها تشكيل كيان آمن لهم، ليبقى الصراع مفتوحاً مع الفلسطينيين بمن فيهم حامو الجنسية الإسرائيلية من مسلمين ومسيحيين.
أيديولوجيات مستهلكة
بعد مرور عدة أجيال على الأحزاب لم تعد أيديولوجيات الأجداد تثير شهية الأحفاد بعدما استهلكها السياسيون في خطاباتهم ومزاوداتهم وأكاذيبهم، بل واستغلوها بعكس ما كانت تدعو إليه، ولم يراجعوا أدبيَّاتهم ومفاهيمَهم الحزبية ومدى مواكبتها لمتغيرات الزمن فازداد انغلاقها وتراجعها. غير أن بداياتها العلمانية تركت بصمتها على مجتمعاتها التي تبنت الحداثة الأوروبية بـغلاف عربي، بدءاً من مناهج التعليم والبحث العلمي وصولاً إلى أنواع الفنون والأزياء، ولكنها لم تتمكن من اختراق المجموعات المحافظة التي بقيت مغلقة على ثقافتها العثمانية المتوارثة، تستهلك منتجات الحداثة وترفها دون استيراد العقل والثقافة التي أنتجتها.. وفعليا فإن كل السلطات العربية، السلفية والعلمانية، كانت سياساتها استبدادية همُّها السيطرة أكثر من ترقية شعوبها، كونها تستند فعلياً إلى الجيش والأمن، وبالتالي ظلت مجتمعاتها خارج مضمار السباق الأممي!؟
ويجمع المراقبون اليوم أنه “لم يعد للأحزاب في البلدان العربية أي صوت، ولم تعد ذات فاعلية، وباتت تفتقد لأي حامل اجتماعي، أو جماهيري لها حتى غدت مجرد ديكور في الحياة السياسية العربية”؛ بالرغم من التحديات التي تواجهها المنطقة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية حيث نشهد اليوم انقلاباً على المنظومات السياسية والأخلاقية الكلاسيكية التي شكلت حياة مجتمعات القرن الرومانسي الماضي. ومنذ دخول العرب في الألفية الثالثة تشكلت مئات الأحزاب الجديدة غير المؤثرة، في سورية والعراق ومصر وليبيا والسودان، ولم تأخذ واحداً بالمئة من شعبية أحزاب القرن الماضي التي توفر لها منظرين كباراً عرفوا كيف يستقطبون الجمهور ويجنِّدونه قبل أن تنقسم هذه الأحزاب و”تتسلفن” وتصل إلى حالة من الانسداد التاريخي.
تعاونيَّات وطنية
في الواقع ما زالت الأحزاب، القديمة والجديدة المقلدة لها، تنتمي إلى العالم الواقعي الذي شكل مجتمع القرن العشرين الذي راح يتراجع أمام تمدد العالم الافتراضي منذ دخولنا في الألفية الثالثة، بحيث باتت منصات التواصل الاجتماعي ونجومها أكثر تأثيراً وقدرة على التفاعل والتشبيك، وهذي حقيقة مؤلمة لا يمكنهم إنكارها، وقد أفادت منها جماعات الإسلام السياسي في تهييج الناس ضد سلطاتهم وأحزابهم ونسائهم ومفكريهم..
يوجد العديد من التعريفات لمصطلح السياسة، أضيف إليها تعريفي بأن السياسة هي الموازنة بين مصالح الناس ومصالح الدولة، وإدغام الدولة في السياسة العالمية، وتمييز العدو من الصديق، وعدم انقطاع التعامل مع العدو أو الانحياز الكامل للصديق.. غير أن مشكلة الأحزاب العربية التي تحكم دولها أنها تقدم مصالحها على مصالح الناس، وكذا أحزاب المعارضة التي تستثمر في أحلام الناس وميولهم إلى أن تستلم السلطة، ليبقى عدم التوازن في سياسة الطرفين سبباً في غياب الديمقراطية. لهذا بتنا بحاجة إلى تعاونيَّات وطنية جغرافية تهتم برعاية مصالح أفرادها عبر التشبيك بينهم اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، وخلق تحالفات بين الأقاليم لتشكل عصب وحدة نافعة للأفراد بعد انتهاء زمن الأيديولوجيات التي استُخدمت كإعلان لمصرف يبيع ويشتري بعواطف الجمهور ويعصف بمصائرهم.
الاستشراق لم يكن مجرد دراسة أكاديمية للشرق، بل مشروعاً هيمنياً رسم صورة مشوَّهة تقابل بين شرقٍ جامدٍ روحاني وغربٍ عقلاني متفوق. وتزداد خطورته حين يتحول إلى استشراق ذاتي، فتتبنى النخب المحلية رؤية الغرب عنها، فتنظر إلى تراثها وتاريخها بمنظاره، وتعيد إنتاج خطابه الاستعلائي. وهكذا وجد المثقف العربي نفسه بين الانبهار والرفض، بين الأصالة والتغريب. أمام هذا المأزق ينهض سؤال حاسم: كيف نتحرر من مرآة الغرب لنرى ذواتنا بعيوننا، ونبني مشروعاً نهضوياً من داخل سياقاتنا؟
يُعَدُّ الاستشراق أحد أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في مجال الدراسات ما بعد الكولونيالية؛ حيث يقدم العلاقة بين الشرق والغرب وكلَّ ما طَبَعَها من ثنائيات: الغالب والمغلوب، التقدم والتخلف. وقد سعى المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه التأسيسي “الاستشراق، المفاهيم الغربية لشرق” الصادر عام 1978 إلى تفكيك هذا المفهوم وإعادة تعريفه، ليس كمجرد حقل أكاديمي يهدف إلى دراسة الشرق فقط، بل كمشروع استعماري مرتبط عضوياً بسياسة الهيمنة والتفوُّق، يقع تقديم الشرق من خلاله في صورة متخلِّفٍ لا عقلاني، في مقابل غربٍ متقدِّمٍ وعقلاني.
تمتد الجذور التاريخية للاستشراق من لحظة مبكِّرة من التاريخ، بدأت مع محاولات الإغريق والرومان فهم جيرانهم الشرقيين، ثم عاد الاحتكاك على نطاق أوسع وبشكل مباشر بين أوروبا المسيحية والعالم الإسلامي في إطار الحروب الصليبية. غير أن الانطلاقة الفعلية والتأسيسية للاستشراق كانت في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع بداية حركات التبشير الكنسي، واستحداث كراسي للغات الشرقية في جامعات أوروبية من أجل تدريب المبشرين والتجار والدبلوماسيين. وبلغ ذروته مع الحملة النابليونية على مصر عام 1798، وحركات التحديث مع محمد علي، والبعثات الطلابية للغرب. ومع حلول الحقبة الاستعمارية، أصبح الاستشراق أحد أهم أدوات السيطرة على المستعمرات؛ إذ نَشِطَت الترجمة، وانتشرت المعاجم والموسوعات، وتُرجمت الكتب المقدسة مما سمح بمعرفة الشرق عن قرب، غير أن المستشرقين أخرجوا إلى العالم صورة مشوَّهة عن الشرق لا تنصف ما فيه من ايجابيات فوقع اختزاله في شخصية السلطان المتربع على سدة الخلافة، والحريم الغامض، والزاهد المنعزل عن العالم. وقد اعتمدت دراسات المستشرقين على التجانس والتأويل؛ فقد تعاملوا مع الشرق ككيان واحد ثابت لا تاريخي، غارق في الروحانيات، ومخدَّر بأفيون الدين، متجاوزين الاختلافات الطائفية والإثنية واللغوية. وأوَّلوا الدين الإسلامي وفق سردية واحدة، دون الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين الإسلام كدين مطلق والممارسات الدينية من قبل المسلمين كما فهموه ليقع الخلط بين المتغيِّر والثابت، وحكموا على المسلمين بالجمود انطلاقاً من دينهم.
وفي مواجهة هذه الصورة القاتمة للشرق، وجد الفكر النهضوي العربي والإسلامي المعاصر نفسه في موقع الإهانة، فكانت ردود الفعل الأولى دفاعية، تسعى لنفي كل ما رُوج له من مغالطات تاريخية وثقافية ودينية حول الشرق. ثم أدى النقاش إلى انقسام بين تيارين: تيار منبهر بالغرب يدعو إلى الاستفادة من تجربته، وآخر منغلق عليه يعتبره المهدد الأول لهويته. فمن ناحية، انبهر العديد من المفكرين بالتفوق العلمي والتقني والعسكري الذي حققه الغرب، ودعوا إلى استيراد النماذج الغربية وتطبيقها في السياق العربي. إذ أبدى الطهطاوي في “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” إعجابه بمدينة باريس، مثنياً على ما وصلت إليه من حضارة وثقافة، ودعا خير الدين التونسي إلى اقتباس “ما يناسبنا” من الغرب من أجل النهوض بالأمة. وفي المقابل، أفرز الموقف النقدي تياراً يرى الاستشراق والاستعمار وجهين لعملة واحدة، ومحاولة لطمس الهوية، فتمسك أصحاب هذا التيار أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد صادق الرافعي بتراثهم وهويتهم، ودعوا إلى مقاومة التقليد الأعمى للغرب وبين التيارين ظهر فريق آخر حاول التوفيق بين الأصالة والتحديث.
غير أن المعضلة الحقيقية لم تقتصر على الصورة التي رسمها الاستشراق عن الشرق فحسب، بل في مدى تصديقها من قبل الشرقيين أنفسهم. لقد شكّل الاستشراق نوعاً من “الاستشراق الداخلي” أو “الذاتي”، وهي ظاهرة تناولها عدد من المفكرين، من بينهم عبد الله حمودي في تحليله الأنثروبولوجيا الاستعمارية في المغرب، وتَمثَّل في تبني النخب المثقفة المحلية في العالم العربي والإسلامي للرؤية الاستشراقية عن ذواتهم ومجتمعاتهم، بفعل تأثير المركزية الغربية وما خلَّفه الاستعمار والانبهار لحظة اللقاء. كل هذا جعل المثقف العربي والمسلم يرى تاريخه وتراثه وثقافته وواقعه بمنظار الاستشراق، فوصف مجتمعه بذات الصفات التي أطلقها المستشرقون، وطرح حلولهم بما تحمله من دعوات تحرير وتحديث، وقَطْع مع التراث، وإبعاد للدين. حتى المفكرون المسلمون الذين سعوا للدفاع عن التراث وقعوا في هذا الفخ من خلال مساعيهم عن البحث عمّا يتناسب وقيم الحداثة الغربية في تراثهم، حتى ظهرت مفاهيم ملتبسة كـ”الإسلام العلماني”.
وبهذا المعنى، يُعْتَبَر الاستشراق الذاتي من أخطر تجليات الاستشراق؛ فهو يحوِّل الخطاب الاستعماري الاستعلائي إلى مشروع داخلي تقوده النخب المحلية التي تدرس نفسها بمناهج الغرب، وتخضع ذاتها لثنائيته، حتى تكوَّنت عقدة ازدراء الذات.
ولمواجهة هذا الخطاب ذي النزعة السلطوية، تبرز الحاجة إلى بناء حوار مع الذات ينبع من الداخل، من أجل فهم ذواتنا وتراثنا بحيث نرى أنفسنا بعيداً عن المرآة المشوَّهة التي يقدمها لنا الاستشراق. نحن بحاجة لتطوير آليات ومناهج جديدة لتفكيك التراث وإعادة بناء مشروع نهضوي يتناسب مع سياقاتنا التاريخية والثقافية، ثم نتوجه بالحوار مع الآخر في موضع الندية لا التبعية ولتحقيق هذا يجب معرفة الآخر من الداخل. ووفق هذا الإطار، برز مشروع “الاستغراب” في مقابل الاستشراق، الذي دعا إليه المفكر المصري حسن حنفي فإذا كان الاستشراق هو دراسة الغرب للشرق، فإن الاستغراب، من وجهة نظر حنفي، هو دراسة الغرب من قبل الشرق. فحنفي يرى وجوب دراسة الشرق للغرب من الداخل، بهدف فهمه كنموذج من الاجتماع البشري في شكل مجتمعات ودول لا تخلو من تعقيدات وعيوب، له نجاحاته وإخفاقاته، وليس كنموذج حتمي مركزي يعلن نهاية التاريخ. وقدَّم حنفي هذا المشروع في كتابه “مدخل إلى علم الاستغراب”، وهو محاولة لنقد المركزية الغربية وفهم مصادر قوَّتها، وكشف النقائص والتحديات والمشاكل التي يعانيها الغرب حتى نزيل هالة القداسة عنه وبريق الانبهار عنا. وبهذا نكون قد تخلصنا من وهم التبعية وسجن الصورة المشوَّهة التي قدمها لنا الاستشراق، لننصرف نحو رسم صورتنا بأيدينا، بكل ما تحتويه من نقد وتحديث وتجاوز، يتناسب مع خصوصيتنا التاريخية والثقافية والدينية.
وفي الختام لا تزال صدمة اللقاء بين الشرق والغرب، بكل ما حملته من انبهار وردود فعل مختلفة إزاء النموذج الغربي، تسكن الوعي العربي المعاصر، وتختبئ في خطابه الفكري والسياسي اليومي، إذ لم نتحرر بعد من الثنائية التي وضعه فيها الاستشراق ورواد النهضة بأشكال مختلفة. فبقي النقاش حول الدولة المدنية والهوية والعلمانية وحجاب المرأة والحرية يتأرجح بين تَبَنٍّ أو إنكار للنموذج الغربي، فلم نعد نرى سواه نموذجاً نقيس به مدى تقدمنا أو تخلفنا، كما جعلنا نهج اللحاق بالغرب المتقدم دون رسم طريق خاص بنا يقودنا نحو الحداثة، وكأن التحديث هو مرادف دائم للتغريب. لقد أصبح المثقف العربي اليوم منشغلاً بالغرب أكثر من انشغاله بنفسه، إضافة إلى الاستشراق الذاتي الذي أصبح أداة تبرر الانسلاخ عن الجذور والهوية تحت مسمى التحديث، أو رفع شعارات شعبوية عن الأصالة لتحقيق أجندات سياسية خاصة بأصحابها. وفي خضم كل هذا، يكمن التحدي الأكبر في كيفية الانتقال من حالة التقليد والاقتباس إلى حالة الإبداع والتأسيس، وكيفية ابتكار نموذج نهضوي خاص انطلاقاً من تراثنا وسياقاتنا التاريخية والثقافية، وحسب متطلبات الحداثة، للدخول في حوار ندّي مع الآخر، دون أن نبقى أسرى لصورة الشرق في مرآة الغرب.
المصادر والمراجع:
- سعيد ادوارد: الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ط 1995، ت: محمد عناني: دار رؤية لنشر والتوزيع، القاهرة 2006
- حنفي حسن: مقدمة في علم الاستغراب، الدار الفنية لنشر والتوزيع 1991
- عبد الله حمودي: المسافة والتحليل: في صياغة أنثروبولوجيا عربية» (دار توبقال، 2019
- زماني محمد حسن: الاستشراق تاريخه ومراحله: جامعة المصطفى العالمية، مجلة الدراسات الاستشراقي العدد الأول 2014
- بوزاغية وفاء: الاستشراق ظاهرة انتهت أم بداية جديدة: جامعة عبد الرحمن ميرة بجاية (الجزائر) مخبر التأويل وتحليل الخطاب المجلد الثاني العدد الخامس، أكتوبر 2024