Skip to content Skip to footer

الدولة المستحيلة لوائل حلاق: تساؤلات التوافق بين الإسلام والدولة الحديثة | عبد الرحمن نعسان

لطالما شغلت العلاقة بين الإسلام والدولة الحديثة حيزًا واسعًا من الاهتمام الفكري والسياسي، مما طرح إشكاليات متجددة: هل يمكن للإسلام أن يستوعب منجزات الحداثة السياسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ أم أن هناك تناقضًا جوهريًا بين بنية الإسلام العقائدية والتشريعية وبين الدولة الحديثة التي نشأت في سياق أوروبي مختلف؟ الاتجاه الإصلاحي الذي بدأ مع محمد جمال الأفغاني رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، تبنّى رؤية ترى في الإسلام دينًا قابلًا للتكيف مع متطلبات الحداثة، بل إنَّ أساسه دين تمدن، لذا يمكن أن تتسع منظومته لاستيعاب الديمقراطية ومبادئ الحكم الدستوري. في المقابل، هناك طرح يرى أن الإسلام لا يمكن أن يتواءم مع الدولة الحديثة، وأن المجتمعات المسلمة غير قادرة على إنجاز مفهوم الأمة السياسية (المواطنة)، وبالتالي عاجزة عن الانتقال من حيز الجماعة الطائفية الدينية إلى الجماعة السياسية.

لطالما شغلت العلاقة بين الإسلام والدولة الحديثة حيزًا واسعًا من الاهتمام الفكري والسياسي، مما طرح إشكاليات متجددة: هل يمكن للإسلام أن يستوعب منجزات الحداثة السياسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ أم أن هناك تناقضًا جوهريًا بين بنية الإسلام العقائدية والتشريعية وبين الدولة الحديثة التي نشأت في سياق أوروبي مختلف؟ الاتجاه الإصلاحي الذي بدأ مع محمد جمال الأفغاني رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، تبنّى رؤية ترى في الإسلام دينًا قابلًا للتكيف مع متطلبات الحداثة، بل إنَّ أساسه دين تمدن، لذا يمكن أن تتسع منظومته لاستيعاب الديمقراطية ومبادئ الحكم الدستوري. في المقابل، هناك طرح يرى أن الإسلام لا يمكن أن يتواءم مع الدولة الحديثة، وأن المجتمعات المسلمة غير قادرة على إنجاز مفهوم الأمة السياسية (المواطنة)، وبالتالي عاجزة عن الانتقال من حيز الجماعة الطائفية الدينية إلى الجماعة السياسية.

هاتان الأطروحتان على اختلافهما تسلمان ضمنياً أن الدولة الحديثة هي النموذج الأوحد للتنظيم السياسي؛ إذ قلّما يُسائل الباحثون فرضية أن الحداثة السياسية هي المعيار النهائي الذي يجب أن تُقاس عليه النماذج الأخرى. من هذا المنطلق، يأتي كتاب (الدولة المستحيلة الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي: 2014) لأستاذ الفقه والقانون وائل حلاق ليعيد التساؤل عن العلاقة بين الإسلام والدولة الحديثة. ولعل أهمية هذه الأطروحة أنها تعيد النظر بالمفاهيم الغربية عن الدولة، ومن طرف آخر تشكك بالأدوات المعرفية الغربية في قراءة التراث والتاريخ الإسلاميين، فبدلًا من أن تتساءل إن كان الإسلام قادرًا على التكيف مع الدولة الحديثة، تطرح تساؤلات جديدة: هل الدولة الحديثة نفسها كيانٌ أخلاقيٌ قابلٌ للانسجام مع منظومة الشريعة؟ وبعبارة أخرى، لا يسعى حلاق إلى “أسلمة” الدولة الحديثة، بل إلى مساءلتها بوصفها نموذجًا سلطويًا قائمًا على العنف والتجريد القانوني، ويتخذ من الشريعة الإسلامية معياراً يسائل به الدولة الحديثة.

ومما يجدر الإشارة إليه أن هذه المقارنة التي يعتمدها حلاق تنطلق من تصور محدد للإسلام، إذ يقصد به التجربة الفكرية والتشريعية التي نشأت في السياق العربي-الإسلامي، وليس النص القرآني في حد ذاته، فتركيزه على كيفية فهم الفقهاء العرب للنصوص وكيفية تفسيرهم للقرآن والسنة في سياقاتهم الاجتماعية والسياسية المختلفة، فقراءة حلاق للعلاقة بين الإسلام والدولة الحديثة ليست من منظور قرآني محض، بل من خلال المنظور الفقهي الذي تشكل عبر العصور، فالقرآن يوجه إلى قيم مثل: العدل والمساواة، والتي تُفهم وتُترجم إلى تشريعات وقوانين بواسطة الفقهاء. بهذا المعنى فإن المقارنة بين الحكم الإسلامي والدولة يتأسس على التراث الفقهي ومفاعيله الاجتماعية المتراكمة؛ أي تفاعل المسلمين التشريعي المتنوع وطريقة فهمهم للنص القرآني.

في معنى الاستحالة:

يرى وائل حلاق على نحو ما يكشف عنوان (الدولة المستحيلة) أن الدولة الإسلامية فكرة مستحيلة التحقق، لأنها تتناقض مع الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة؛ إذ إن “مفهوم الدولة الإسلامية مستحيل التحقق وينطوي على تناقض داخلي، وذلك بحسب أي تعريف سائد لما تمثله الدولة الحديثة”، لكن لماذا هذا التناقض؟ لفهم هذا التناقض المفترض لا بد من العودة إلى معنى (الدولة) كما يستند إليها حلاق، وهو تعريف مستمد من الفكر الأوروبي، خصوصًا عند كارل شميت الذي يرى أن الدولة نشأت عندما نُقِلت السيادة من الله إلى الإنسان، ومن السماء إلى الأرض. هنا تصبح السيادة مفهومًا بشريًا علمانيًا لا يعترف بأي مرجعية دينية خارجية، مما يجعل الدولة الحديثة تتعارض مع الشريعة الإسلامية التي تقوم على مركزية التشريع الإلهي، من هنا نفهم الدلالة العميقة لأحداث الثورة الفرنسية، فقطع رأس لويس السادس عشر تحت المقصلة لم يكن عملاً تاريخياً يخص رجلاً فرداً فحسب أو نظامَ حكمٍ معين، بل هو قتلٌ لعالم لاهوتي بأكمله حسب تعبير محمد أركون.

وإذا كان جوهر الدولة هو احتكار التشريع، فكيف يمكن لها أن تكون (إسلامية)؟ التشريع الإسلامي، كما يراه حلاق لا يجعل الحكم هدفًا بذاته، بل وسيلة لتحقيق مقاصد أخلاقية. أما الدولة الحديثة، فهي (غاية الغايات)، ولا تعترف إلا بذاتها كمرجعية نهائية. في ضوء ذلك: هل يمكن الحديث عن دولة إسلامية دون أن نقع في مفارقة تاريخية؟ يقودنا السؤال إلى جوهر أطروحة وائل حلاق، إذ يلفت الانتباه إلى ضرورة التفريق بين (الحكم) و(الدولة) مؤكدًا أن الإسلام لم يعرف الدولة بالمعنى الحديث، ولا يصحَّ إذن أن نتحدث عن دولة إسلامية، بل عن حكم إسلامي، أي نظامٍ سياسيٍ يستند إلى الشريعة كمنظومة أخلاقية متجاوزة للدولة نفسها.

هكذا فإننا أمام نموذجين مختلفين لعلاقة السلطة بالمجتمع:

 الأول: يقوم على المركزية الإلهية، حيث تكون الشريعة انعكاسًا للسيادة الإلهية، ولا يكون للحاكم أو الدولة سلطة مطلقة على القوانين، بل يكون دورهما تنفيذ أحكام الشريعة التي يفسرها الفقهاء بوصفها قانونًا متجاوزًا للإرادة البشرية.

أما الثاني: فيقوم على المركزية الإنسانية الدنيوية، إذ تصبح الدولة الحديثة كيانًا يحتكر التشريع، وتكون قوانينها تجليًا للإرادة البشرية المتغيرة، وليس لأي سلطة خارجية (إلهية أو أخلاقية) حق التدخل فيها.

ومن الملاحظ أن هذه المقارنة لا تستند إلى خط زمني يُرتّب المجتمعات وفق معيار (التقدم) و(التأخر)، بل تُعيد النظر في مفهوم التقدم نفسه، فتخلع عنه هالة القداسة التي أضفاها عليه الفكر الحداثي. فهو يرى أن التقدم، كما تبلور في عصر التنوير، ليس حقيقة موضوعية بقدر ما هو إيديولوجيا، أو بتعبير كارل شميت، “لاهوت علماني” يرتكز على وهم حتميّة السير إلى الأمام، فلا يقف بذلك نقد حلاق عند حدود السياسة، بل يسائل الحداثة نفسها. وهنا يلتقي مع انتقادات هابرماس الذي وصف الحداثة بأنها انتقلت من “العقل التواصلي” القائم على الحوار والتفاهم، إلى “العقل الأداتي”، وهو شكل من أشكال التفكير يركز على الوسائل والنتائج دون النظر إلى الغايات الأخلاقية. ففي الدولة الحديثة، لا يتم التفكير في (ما هو الخير) وتنفصل القيمة (ما يجب أن يكون) عن الواقع، فيتم التركيز على ما هو (فعّال) و(مُجدٍ اقتصاديًا). في هذا السياق الدولة ليست معنية بتحقيق العدالة بالمعنى الأخلاقي، بل بإدارة الأفراد والموارد بشكل يضمن استمراريتها.

الدولة الحديثة كإطار مهيمن:

لنأخذ فرضية أن هناك دولة حديثة قررت تطبيق الشريعة وجعلها مصدر التشريع. هل يعني ذلك أنها أصبحت (دولة إسلامية)؟

الإجابة، وفقًا لحلاق: هي (لا)، فحتى لو تبنّت الدولة الشريعة في قوانينها، فإنها ستظل تعمل وفق منطق الحداثة نفسه: مركزية السلطة، احتكار التشريع، والسيادة المطلقة للدولة. بعبارة أخرى، لن تكون الشريعة مصدرًا مستقلًا للتشريع، بل ستصبح أداة في يد الدولة تُعدّلها وفق مصالحها، على سبيل المثال في المملكة العربية السعودية: قُلصت صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتم إصدار قرارات تسمح بقيادة المرأة للسيارة، وهو تحول جاء بقرار سيادي وليس نتيجة اجتهاد فقهي مستقل، أو بتعبير آخر جرى التأويل الفقهي بما ينسجم مع التشريع السياسي. فشكل الدولة أو آلية عملها يحدد مضمونها أيضاً، وهنا يكمن الخطأ الجوهري الذي وقعت فيه الحركات الإسلامية، إذ نظرت إلى الدولة على أنها شكلٌ يمكن أن يمتلئ بأي منظومة فكرية أو روحية، على حين أن شكل الدولة وآلية تنظيمها تحدد مضامين العمل السياسي نفسه.

في نقد الاستحالة من الطوبى إلى الواقع:

هل الدولة الإسلامية مستحيلة، أم أن استحالتها تكمن في التصور المثالي؟ هذا السؤال في ظننا يكشف عن الإشكالية المنهجية في أطروحة وائل حلاق، إذ لم ينظر إلى الدولة الإسلامية كما تشكلت تاريخيًا، بل كما يجب أن تكون وفق معاييره النظرية. بهذا، يقع حلاق في فخ (السكولستيكية)، وهو جزء إشكال الفكر العربي-الإسلامي حسب تعبير برهان غليون في (اغتيال العقل)، حيث يتم استنباط الأفكار من الأفكار ذاتها دون العودة إلى الواقع لاختبار مدى تطابقها.

ينطلق حلاق من قراءة معيارية للحكم الإسلامي، مستندًا إلى نصوص الفقهاء والمتصوفة، لكنه يغفل أن هذه النصوص لم تكن انعكاسًا للواقع السياسي بقدر ما كانت رؤى متخيلة لما ينبغي أن يكون عليه الحكم الإسلامي. هذا ما سبق أن كشفه عبد الله العروي في مفهوم الدولة، حين بيّن أن الفكر السياسي الإسلامي لم يُنتج نظرية سياسية واقعية، بل طوبى متخيلة. في المقابل، نجد ابن خلدون يقدم قراءة أكثر واقعيةً للسلطة، إذ ميّز بين (الملك) القائم على القوة والغلبة، و(الخلافة) التي تستند إلى وازع ديني وأخلاقي، وهو تمييز يوضح أن الحكم الإسلامي لم يكن محكومًا بالمثاليات الفقهية، بل بصراعات القوة.  

لكن المفارقة أن حلاق، رغم نقده للدولة الحديثة باعتبارها كيانًا سلطويًا منفصلًا عن القيم الأخلاقية، يعيد إنتاج نفس الخطأ الذي ينسبه إليها: فهو يصور الإسلام ككيان متعالٍ، مكتمل ومستقل عن الواقع التاريخي. فهل كان الإسلام نظامًا سياسيًا متماسكًا لم يعرف تحولات السلطة، أم أنه كان جزءًا من التاريخ يتكيف مع شروطه وسياقاته؟ في سبيل الإجابة يمكن العودة إلى ثنائية صادق جلال العظم “كلا العقائدية” و”نعم التاريخية”؛ فمن منظور العقيدة يبدو الإسلام كيانًا لا يتغير، لكن من منظور التاريخ كان الإسلام يتفاعل مع محيطه، متأثرًا ومؤثرًا، مستعيرًا نظم الحكم من الفرس والرومان، مثل: الدواوين والإدارة والضرائب. حتى الشريعة لم تكن ثابتة منذ اللحظة الأولى، بل مرت بصيرورة تشكل طويلة، خضعت فيها للأعراف والعادات والتطورات الاجتماعية.

ولتوضيح الفجوة بين التصور المثالي والواقع التاريخي، يمكن الإشارة إلى نموذج الدولة الأموية. فعلى المستوى النظري، كان يُفترض أن السيادة الإلهية تحكم الدولة، لكن واقعياً تحولت الخلافة إلى ملك عضوض، حيث فرضت القوة نفسها معياراً للشرعية. وعلى ذلك يمكن القول: إن الإسلام ليس فقط نصوصًا وفقهًا وإنما تجربة بشرية تداخلت فيه القوة الاجتماعية والسياسية.

هذا التناقض التاريخي يثير تساؤلات عدّة: هل استحالة الدولة الإسلامية تنبع من تعارضها مع الدولة الحديثة، أم أن المشكلة تتعلق بتناقضها الداخلي بين نموذجها المثالي وتطبيقها الواقعي؟ وإذا كانت الدولة الإسلامية مستحيلة، فلماذا نجحت دول مثل تركيا وإيران وماليزيا في تحقيق صيغ توافقية بين الديني والسياسي ضمن أطر الدولة الحديثة؟ هل يمكن إعادة التفكير في العلاقة بين الإسلام والدولة خارج ثنائية القبول أو الاستحالة؟ هل المشكلة في علاقة الإسلام بالدولة الحديثة، أم في الطريقة التي نفهم بها الإسلام والدولة معًا؟ ربما تفتح هذه التساؤلات أفقًا جديدًا للتفكير النقدي وتحفز على إمكانية إيجاد توافق بين الحداثة والإسلام كصيرورة تاريخية، وليس مجرد التسليم النظري بالاستحالة، فالجدل حول الدولة لا يشترط أن يكون بين دولة إسلامية مستحيلة ودولة علمانية حتمية، فقد يكون بين رؤى متعددة تبحث عن كيفية تكييف القيم الإسلامية مع الحداثة دون الوقوع في ثنائيات مغلقة.