استقر في الأذهان أنه حيث يوجد دين أو تَدَيُّن، تُوجد الكراهية. ويزداد الربط بين الدين/التدين والكراهية بتأثير عوامل مختلفة: اجتماعية وثقافية واقتصادية وتاريخية وغيرها. وخاصة المجتمعات المتعددة اجتماعياً ودينياً، والتي تُوصف علاقة الدين والاجتماع فيها بأنها “علاقة عضوية”، وبأن الكراهية والعنف والتعصب جزء من أنماط القيم القارة فيها.
لنقبل الآن، مؤقتاً على الأقل، أن ليس كل دين أو تدين ينطوي على كراهية، وأن الكراهية ليست سمة “جوهرانية” في الدين والمجتمعات المتدينة. وعلى الرغم من أن “دالة الارتباط” بينهما قوية، كما تتكرر الإشارة، إلا أنها ليست “دالة” أو “علاقة مغلقة”، أو لا تظهر أنها كذلك على طول الخط. ويفترض بالدين أن يكون عامل محبة وسلام أو أن يحض عليهما. ولنا عودة إلى هذا لاحقاً. لكن نظرة إلى أحوال الإقليم والعالم، وإلى تاريخ الظاهرة الدينية في المنطقة العربية مثلاً، تكشف عن أنهما (التدين، الكراهية) عادة ما يكونان معاً، إنما مع توافر عوامل تحفيز وتوليد أخرى.
*
ثمة ما يتصل بطبيعة الدين نفسه أو بالأحرى طبيعة التأويلات للنصوص الدينية، وتمثلاتها واستعمالاتها المختلفة في الظواهر الاجتماعية. الظاهرة الدينية والنصوص الدينية “حَمَّاَلة أوجه”، وهي “تأويلية” وعرضة لتداخلات وتخارجات كثيرة. ويمكن لكل الفواعل على اختلاف أنماطها ورهاناتها أن تجد فيها ما يمكن “استعماله” أو “استثماره” في الخطاب والفعل الاجتماعي. والدين/التدين بهذا المعنى هو ما “يَتَمَثَّلُه” الفاعل، الفرد أو الجماعة، بتأثير عوامل كثيرة، وليس محض متون أو نصوص تأسيسية وقيم روحية.
وأما الكراهية فهي “انفعالات سلبية” تجاه “موضوع” ما، قد يكون فرداً أو جماعة أو فكرة أو ديناً أو ظاهرة، إلخ، وهي بنتُ سياق، ولا تأتي من فراغ. وتنتج عن عوامل مختلفة، ولها تجليات مختلفة. وهي على أية حال ملازمة للظاهرة البشرية. والكراهية المقصودة هنا، ليست تلك التي تقبع في داخل النفس أو الذات، ولو أن هذا لا يمكن إغفاله، ولا تلك التي تبقى في حيز الإحساس والشعور، وإنما ما يفيض من الداخل إلى الخارج، وما يكون مؤثراً في تقدير وفهم الآخر والعالم أيضاً. والمهم هو ما يظهر في أنماط القيم والسلوك لدى الجماعات، وعلى مستوى التجاذبات الاجتماعية والثقافية وغيرها. وعندما تصبح الكراهية قوة تَحُولُ دون تماسك البناء والتكوين الاجتماعي، وتعيق التفاعلات داخل الجماعة أو بينها وبين الجماعات الأخرى. والمهم أيضاً هو تلك الكراهية المرتبطة بالدين/التدين، تغذيه ويغذيها!
*
ربما كانت الرسالة العميقة للدين هي أن يكون “روحُ عالمٍ بدون روح”، بتعبير غير معروف كثيراً لـ ماركس، افتتح ميشيل فوكو به كتابه الشهير “الثورة باسم الله”، وتهذيب أو ضبط التناقضات والصراع، والوصول إلى “مدينة الله”، بتعبير أوغسطين، أو “المدينة الفاضلة” و”تحصيل السعادة” بتعبير الفارابي. أراد فوكو القول ان ما يُدعى “الثورة الدينية” هي ظاهرة اجتماعية وسيكولوجية، ومسألة سلطة وتوزيع للمعنى والقوة، أكثر منها مسألة روحية أو دينية.
لم يتمكن الفواعل في “الظاهرة الدينية” من تجاوز الكراهية والعنف، ومثل ذلك خصومهم الذين عدّوا الدين “أفيوناً للشعوب” أو “سعادة الشعب الوهمية” بتعبير شهير لـ ماركس أيضاً، أو وعياً متأخراً وفقاً لـ كانط، أو “وهماً” وفقاً لـ فرويد، أو “مرضاً ولد من الخوف” و”مصدراً لبؤس العرق الإنساني غير المحدود” وفقاً لـ برتراند راسل، أو “فيتامين الفقير” وفقاً لـ ريجيس دوبريه. ولم يتمكن الإنسان من احتواء مصادر التهديد واللا يقين تجاه المستقبل، حسب أولريش بيك، والفقر والظلم والتخلف حسب أمارتيا صن وخلدون النقيب.
*
الواقع أن الدين أو التدين يخلق –من حيث المبدأ- حواجز وجدراناً بين المنتمين إليه والمنتمين للأديان الأخرى المختلفة، أو بالأحرى بين “الجماعة الدينية” و”الآخر”. ويحدث أن يؤدي الإيمان (أو نظام الإيمان) إلى ديناميات تصنيف وهيكلة وتمثلات قيمية واجتماعية وربما سياسية، تكون الكراهية أحد تجلياتها أو تمظهراتها، كما هو الحال في عدد من المجتمعات والبلدان حول العالم، ومنها المنطقة العربية. إذ يبدو الارتباط قوياً بين الظاهرة الدينية والكراهية والعنف. وهذا من الأمور التي تتطلب المزيد من التقصي والتدقيق، إذ يفترض أن يكون العكس.
*
تمثل “عودة الدين” أو “عودة المقدس”، بتعبير يورغن هابرماس، وهي ظاهرة عالمية على أية حال، أحد أنماط الاستجابة لـ: هشاشة الإنسان وهشاشة العالم. والفراغ والاغتراب وفقدان المعنى وانسداد الأفق. والرغبة بتأكيد الذات. وتدفقات الكراهية والعنف، واللاعقلانية. وانتشار الخرافة والخواء القيمي والثقافي، والتسلط. وتزايد اللا يقين بشأن المستقبل. غير أن الدين نفسه أحياناً ما يأخذ الإنسان إلى ما هرب منه إليه!
تخيل أن ثمة إمكانية –من منظور فواعل التدين- لتجاوز كل ذلك، لكن بشرط أن تؤمن ويصح إيمانك. وهذا يفضي إلى شرط آخر وهو: ان تكون كارهاً! وهذه مسألة صادمة، ولكن لا يمكن إنكارها، والشواهد عليها كثيرة، إذ لا يمكن –من هذا المنظور- أن تكون مؤمناً إن لم تكن كارهاً لـ “إيمانٍ الآخر” أو كل أنماط الإيمان الأخرى، ورافضاً لها، متبرئًا منها! مبدأ “الولاء والبراء”، وعقيدة “الفرقة الناجية”، وأن الدين عند الله هو: “الإسلام” أو “المسيحية” أو “اليهودية” … بحسب أتباع كل منها. و”التسليم” و”اليقين” اللذَين لا يخالطهما شك، إلخ. وبهذا المعنى فإن كل إيمان هو محدد بكيفية أو أخرى لـ”كراهية”، وكل كراهية هي محدد لـ “إيمان” أو جزء منه، وكل منهما يمثل مُدخلاً ومُخرجاً للآخر.
وهكذا، ثمة تلازم -غير قابل للانفكاك حتى اليوم!- بين التدين والكراهية. تلازم يحيل إلى “علاقة مركبة” و”استخدام متبادل”، تعززه بنى ثقافية واجتماعية واقتصادية متأخرة، وبنى سياسية تسلطية ثقيلة الوطأة. وهذا يفسر –مع عوامل أخرى- إغراق الظاهرة الاجتماعية بالظاهرة الدينية، وحدوث المزيد من “أدينة” السياسة والاجتماع والثقافة. والعكس، أي المزيد من “تسييس الدين” و”الاستحواذ عليه” و”تأميميه” من قبل فواعل السياسة. وبدلاً من أن يكون الدين –في خط المعنى العميق المفترض له- “روح عالم من دون روح”، حسب عبارة ماركس المذكورة أعلاه، أصبح –بما هو تدين- محدداً ومحركاً للكراهية والاستقطاب الاجتماعي والكثير من أنماط العنف حول العالم.
**
لكن مهلاً، قد لا يحمل الدين أو التدين وحده كل هذا الحمل الثقيل، فقد أدت العقائد الكبرى من غير الأديان، مثل الماركسية والنازية، والنسخ المختلفة من الإيديولوجيات اليوم، دوراً في إنتاج الكراهية والعنف أيضاً، ربما بشكل يفوق ما فعلته فواعل الدين نفسه. وقد يتطلب الأمر قراءة معكوسة، أي أن الكراهية لها عوامل كثيرة، وتنتج عن صراع دائم على الموارد المادية والمعنوية، وتتوسل مدونات ومقولات فقهية ودينية، وآيات قرآنية وأحاديث نبوية وتفاعلات قبلية وتحالفات ارتزاقية، وقصصاً تاريخية كثيرة ومتناقضة. هذا لا يعني أن لا أساس دينيًّا وقيميًّا وروحيًّا للصراع، بل لعل اختلاف القيم والمدارك وافتراقها واختلاف أفهام الناس واختلاف أولوياتها، كان عاملاً نشطاً وربما مرجحاً في تجاذبات القوى ورهاناتها في تاريخ المنطقة.
*
ليس من اليسير القبول بوجود “ارتباط” أو “تلازم” بين التدين والكراهية، على الرغم من وجود مؤشرات وتأكيدات كثيرة بهذا الخصوص. هذا أمر يمكن تفهمه، ذلك أن الدين يشغل موقعاً متقدماً في نظام المعنى لدى الكثير من المجتمعات. وعادة ما تُوصف العلاقة بين العرب والدين (= الإسلام) مثلاً، بأنها “علاقة عضوية”. والمفارقة أن مجتمعات الإقليم لا تقبل الربط بين التدين والكراهية، ولو أن ذلك (الربط) شرط من الاشتراطات الصريحة والحاسمة في الوعي والممارسات الدينية، بل ويعد واجباً أو ضرورة دينية وإيمانية.
الواقع أن حالة التعدد الإثني والديني والاجتماعي في الإقليم، والإخفاق في التحديث، والإغراق في “أدينة” الحياة الاجتماعية، و”الإخفاق” في التنمية وتوزيع الموارد المادية والمعنوية، و”تعثر” الإصلاح الديني أو انسداده، بل عده بدعة ومصدر تهديد، إلخ، هي عوامل تعزز وجود بيئة مناسبة لوجود متزايد للكراهية، وترفع من مؤشراتها الأكثر خطورة في المجتمعات، كما تعزز حضور الدين في المجتمع، وتعطيه وزناً كبيراً أو مرجحاً (وأحياناً مقرراً) في مسارات الأمور. بكلمة أخيرة: إنّ التدين والكراهية ظاهرتان بانيتان ومبنيتان في المجتمعات العربية، وفي مجتمعات كثيرة في الإقليم (والعالم).
في الختام،
تبدو العلاقة بين التدين والكراهية واقعاً سوسيولوجياً وإنثروبولوجياً وقيمياً وتاريخياً، تصدر –في جانب مهم منها- من قلب نظام المعنى في الدين نفسه، على تعدد أنماطه وتمثلاته، كما تصدر عن وضعية الدين في المجتمع، ولو أن للكراهية مصادر كثيرة ولا تقتصر على الدين. وإن تحرير الدين والجماعة الدينية والمجتمعات من أنماط “التخندق حول الذات” و”إقامة الجدران مع الآخر”، هو شرط لتغيير الأفراد والمجتمعات، والانتقال من الكراهية والعنف إلى المحبة والسلام. وما أبعد الشقة!