يبدو، لوهلةٍ أولى، أنَّ الاندماجَ الاجتماعيّ والمواطنةَ نِصابانِ مُتمايزانِ، لكلٍّ مجالُهُ الخاصُّ. يعكسُ الاندماجُ الاجتماعيّ سيرورةً سوسيولوجيّةً، يتحقَّقُ من طريقِها تكيُّفُ الفردِ مع محيطِهِ الاجتماعيّ والثقافيّ.
يطغى على الاندماجِ الاجتماعيّ الوجهُ التلقائيُّ وغيرُ الرسميِّ، وتتداخلُ في تعزيزِهِ التنشئة الاجتماعيّة واللغةُ والمشتركُ الثقافيُّ والقيمُ المجتمعيّةُ والعملُ… إلخ. أمَّا المواطنةُ فتُفصحُ عن ذاتِها كرابطةٍ قانونيّةٍ تُنظّمها جملةٌ من الحقوقِ والواجباتِ، وهي رابطةٌ يغلبُ عليها الرسميّةُ وتُؤطِّرُ حقوقَ المواطنِ: المدنيّةَ والسياسيّةَ والاجتماعيّةَ والثقافيّةَ، وواجباتِهِ القانونيّةَ. لكن، وعلى الرغمِ من هذا التمايزِ الظاهرِ بينهما، فإنَّ المواطنةَ والاندماجَ على درجةٍ عاليةٍ من التواشجِ والتكاملِ؛ إذْ يسعيانِ إلى الغايةِ عينِها: تعزيزِ تماسكِ الدَّولة ولحمةِ مجتمعِها، وهي غايةُ الغاياتِ في أيِّ اجتماعٍ سياسيّ. وما تكون المواطنونَ غير الحقيقةِ السوسيولوجيَّةِ للدولةِ؟ بكلمة أخرى، الدَّولة هي المجتمع المدنيُّ حين تتجسَّد في صورتها السوسيولوجيَّة.
يبرزُ وجهُ التكاملِ بينَ المواطنةِ والاندماجِ في أنَّ مؤسّساتِ المواطنةِ توفِّرُ الأطرَ القانونيّةَ والرسميّةَ التي تكفلُ المساواةَ أمامَ القانونِ، وتكافؤَ الفرصِ، وتُعبِّدُ الطريقَ للمشاركةِ في الشأنِ العامِّ. وهذا الإطارُ ضروريٌّ لنظامِ اشتغالِ المؤسّساتِ المدنيّةِ والطوعيّةِ، وازدهارِ الممارساتِ الديمقراطيّةِ. أمَّا المؤسّساتُ الاجتماعيّةُ والثقافيّةُ فتوطِّدُ، هي الأخرى، روابطَ المواطِنِ بمجتمعِهِ وترفعُ درجةَ انخراطِهِ في الإنتاجِ والمبادرةِ والتطوعِ، وتعزِّزُ ثقتَهُ في الدَّولة، دولته.
انتبهَ توماس همفري مارشال (T.H. Marshall)، من خلالِ نصِّهِ الشهير المواطنةُ والطبقةُ الاجتماعيّة (1950)، إلى الوظيفةِ السوسيولوجيّةِ لفعلِ المواطنة، الذي لن يكونَ ناجزًا بتأمينِ حقوقٍ مدنيّةٍ وأخرى سياسيّةٍ، فحسب؛ لأنَّ المواطنَ كائنٌ اجتماعيّ، في المقامِ الأوّلِ. لذلك، وجَّهَ مارشال انتباهَهُ إلى الحقوقِ الاجتماعيّةِ كمكوِّنٍ رئيسٍ لمنظومةِ حقوقِ المواطنِ. هكذا تقترحُ المواطنةُ نفسَها، في الدَّولة الحديثةِ، أُفقًا لإنجازِ الاندماجِ في المجتمعِ، وتحقيقِ التكاملِ بينَ فئاتِهِ، وتمتين القيمِ المشتركةِ بينَ أفرادِهِ. إنَّها تقتضي “وشائجَ من نوعٍ مختلفٍ، وهي شعورٌ مباشرٌ بالانتماءِ إلى المجتمعِ الذي هو بمثابةِ ملْكيَّةٍ مشتركةٍ. إنَّها ولاءُ أناسٍ أحرارٍ يتمتعونَ بحقوقٍ ويحميهِم قانونٌ” (ماشال 1992: 24). تُنجزُ المواطنةُ وظيفةَ إدماجِ المواطنينَ في المجتمعِ بما تُقدِّمهُ مؤسّساتُ الدَّولة من خدماتٍ وفرصٍ وتنشئةٍ اجتماعيّة.
وفي الاتجاه نفسه، خلُصَ هوبهاوس (هوبهاوس 1994: 137) -السوسيولوجيُّ الليبراليُّ- بعد تعقُّبِهِ للتطوُّرِ التاريخيِّ والمفهوميِّ لفكرةِ الدَّولة ودورِها في إدراكِ غايةِ الاندماجِ الاجتماعيّ، إلى أنَّ رابطةَ المواطنةِ، بعدَ روابطِ القرابةِ وروابطِ السلطةِ، هي الدافعُ الأرقى المؤسِّسُ للاجتماعِ الإنسانيِّ، ليخلُصَ -مُطمئنًّا- إلى أنَّ رابطة المواطنةِ هي من دعاماتِ الدَّولة الحديثةِ. وقد وازَنَ، في تصوُّرِهِ لها، بينَ حرّيَّة الفردِ ومسؤوليَّتِهِ تجاهَ المُجتمعِ، في أفُقِ وعيٍ بالدَّولة –لا ككيانيَّةٍ برَّانيَّةٍ مفروضةٍ من علٍ، وإنَّما- كنتاجٍ لتفاعلاتٍ اجتماعيّةٍ مَهمَّتُها التنظيمُ والضبطُ. ينأى هذا التصوُّرُ السوسيو-سياسيّ بالدَّولة عن الأناركيَّةِ أو اللاسلطويَّةِ، كما ينأى بها عن نقيضِها: الاستبدادِ. المواطنُ، وفقَ هذا التمثُّلِ، هو بالتعريفِ عضوٌ في دولةٍ حديثةٍ، المواطنةُ من بنودِ تعريفِها. بذلكَ لا يكونُ الفردُ/ المواطنُ برَّانيًّا عن جماعتِهِ السياسيّةِ البديلِ عن جماعاتِ الانتماءِ العضويَّةِ أو الهويّاتيَّةِ، كما لا تكونُ هي، بالمثلِ، منفصلةً عنهُ لا تشدُّها بهِ غير رابطةٍ قانونيّةٍ مجرَّدةٍ.
ولنا في تعريفِ أرسطو (أرسطو 1908 [ca. 350 B.C.E.]: 28) للإنسانِ بأنَّهُ “حيوانٌ سياسيٌّ” ما يُغنينا عن الإفاضةِ في بيانِ ما بينَ المواطنةِ والاندماجِ من اتِّصالٍ وتواشجٍ. تقومُ روابطُ الفردِ داخلَ جماعتِهِ العضويَّةِ على الدّمِ والقرابةِ، وهي روابطٌ قويَّةٌ في الجماعاتِ ما قبلَ الـ”بُّوليس”، حيثُ الانسجامُ والتضامنُ العضويُّ (دوركايم 2007 [1895]) ميزةُ هذا النمطِ من الاجتماعِ الإنسانيِّ. أمَّا في إطارِ البُّوليس، فإنَّ الروابطَ أعقدُ، بينَ المواطنينَ، من روابطِ القرابةِ القائمةِ بينَ أفرادِ الجماعةِ، فضلًا عن هشاشة تجانسِ مكوِّناتِ البُّوليس. لا بدَّ، إذن، من رابطةٍ جديدةٍ، تعوِّضُ القرابةَ والدمَ والنسبَ… إلخ، وتُمَيِّزُ المواطنَ من غيرِهِ، وتُعيدُ تقسيمَ العملِ وتنظيمَ التضامنِ داخلَ المدينةِ. وليستِ الرابطةُ تلكَ غيرَ قانونٍ يُحدِّدُ الحقوقَ ويضبط الواجباتِ؛ أي شروطَ المواطنةِ. المواطنةُ، إذن، هي آصرةُ الانتماءِ إلى الحياةِ المدينيَّةِ الحضريَّةِ، تشملُ الانتماءاتِ الاجتماعيّةَ والثقافيّةَ السابقةَ على المدينةِ وتُهيمنُ عليها. وهي (=المواطنة)، كذلك، الأفق السياسيّ القانونيّ لاجتماعيّاتِ الإنسانِ. بهذا المعنى تُفهمُ العبارةُ الأرسطيَّةُ “الإنسانُ حيوانٌ سياسيّ”. هي صلةُ تكاملٍ، إذن، بينَ المواطنةِ والاندماجِ، لكن، لا بدَّ من التشديدِ على أنَّها أساسًا، علاقةُ اشتمالٍ وتجاوزٍ، تنتصبُ فيها المواطنةُ أفقًا للانتماءِ في الاجتماعِ الإنسانيِّ المدنيّ.
وحتَّى تفيَ المواطنةُ بغرضِها الأساسِ: إدماجِ المواطنِ في المجتمعِ، يستلزمُ تنشئةً على المواطنةِ، تتجاوزُ حدودَ ما هو شائعٌ في كلِّ البلادِ العربيّةِ من تربيةٍ سطحيَّةٍ على المواطنةِ. وإذا كانَ واقعُنا العربيّ، في معظمِ أقطارِهِ، يشهدُ وَهْنًا شديدًا في اندماجِ أفرادِهِ، ويسمُ الاضطرابُ و-أحيانًا- الاحترابُ أوضاعَهُ الاجتماعيّةَ والسياسيّةَ، نتيجةَ -وبسببِ- الوهنِ ذاكَ، فإنَّ المواطنةَ تفرضُ ذاتَها على أجندةِ الدَّولة العربيّةِ، كمخرجٍ من وضعِ التذرُّرِ الفردانيِّ و/أو التعدُّدِ العصبوِيِّ و/أو الاستبدادِ المزمنِ.
نفتحُ، هنا، قوسًا حولَ التربيةِ على المواطنةِ، التي أثبتتْ حدودَها في العالمِ العربيّ، على الرغمِ من أنَّ الأقطارَ العربيّةَ كافَّةً تُدرجُ قيمَ المواطنةِ ضمنَ برامجِها التعليميةِ، بل إنَّ أغلبَ دولِنا العربيّةِ خصَّتِ المواطنةَ بمادةٍ دراسيّةٍ قارَّةٍ تختلف تسمياتها والأثرُ واحدٌ. ما الذي يُفسِّرُ مفارقةَ أنَّ البرامجَ التعليميّةَ العربيّة تحتفلُ بالتربيةِ على الاختلافِ والتعايشِ بينما يجني واقعُنا العربيّ التطرُّفَ والتنابذَ، وتدَّعي (البرامج تلك) زرعَ التربيةِ على الاختيارِ والحسِّ النقديِّ لتحصدَ الاتباعَ والوعي السلفيَّ؟ بل إنَّ المدرسةَ العربيّةَ، في بعضِ صورِها القاتمةِ تُخرِّجُ، بدلًا من مواطنينَ متعلِّمينَ، أفواجًا من الجهلةِ والأميِّينَ حاصلينَ على شهادةِ التخرُّجِ إذا لم ينقطعوا قبلَ إتمامِ “تعليمِهم” الإلزاميِّ. ومَن يطَّلعُ على التقاريرِ الدوليَّةِ، وحتَّى المحليَّةِ الموضوعيَّةِ، سيعلمُ، على التحقيقِ، أنَّ التربيةَ على المواطنةِ، في معظمِ أقطارِنا العربيّةِ، ظلَّتْ إكسسوارًا في البرامجِ التعليميّةِ ودروسًا، كغيرها، في الكتب المدرسيّة لا تبرحها إلى الواقع السلوك والتصرف.
تفترضُ التنشئةُ على المواطنةِ، إذن، منظومةً تعليميّةً سليمةً وفعّالةً (العكرة 2007). لكنها تستوجب، أيضًا، بنيةً تحتيّةً من استقرارٍ سياسيّ، وأمنٍ اجتماعيّ وأهليّ، وإعلامٍ حرٍّ ومسؤولٍ وغيرِ مُحتَكَرٍ، ومؤسَّساتٍ ثقافيّةٍ ودينيَّةٍ منفتحةٍ تبذرُ التعايشَ والاعترافَ والحقَّ في الاختلافِ، وتقتلعُ جذورَ التطرُّفِ والعصبيّة. بكلمةٍ، لا تقتصرُ التنشئةُ على المواطنةِ على مؤسَّساتِ التربيّةِ بل هي سيرورةٌ تستدمجُ وتُذيعُ قيمَ الحقِّ والواجبِ، والعدالةِ والمساواةِ، والحرّيَّة والمسؤوليةِ، في مؤسَّساتِ المجتمعِ كافَّةً، وتحكمُ الروابطَ بينَ المواطنينَ والمؤسَّساتِ تلكَ، وتوجِّهُ سلوكَهم تجاهَ بعضِهم البعضِ. لا تنشئةَ على المواطنةِ، إذن، من دونِ مواطنينَ ولا تنشئة على المواطنة من دون مجتمعٍ مواطنٍ أو، قل: من دون مجتمع مدنيّ.
يتبدّى لنا، إذن، أنَّ المواطنةَ ليست صكًّا قانونيًّا يُحِقُّ حقوق الفرد ويرسم واجباته، كما أنّ الاندماجَ ليس يُختزَلُ في انصهارٍ آلي للفرد داخل نسيجٍ اجتماعيٍّ خامد؛ بل إنّهما معًا ديناميتان متعالقتان تُعيدان صوغَ الصلة بين المواطن والدولةِ على نحوٍ يصون كرامةَ الأوّل ويكفل حُرّيّتَهُ، ويَحرسُ تماسكَ الثانيةِ من الانحلالِ والتفتُّت ويضمن لها السيادة. إنّهما، بهذا المعنى، عمليّةُ بناءٍ مزدوجة: بناءُ ذاتٍ واعيةٍ بذاتِها وبحدودها، وبناءُ فضاءٍ عموميٍّ قادرٍ على استيعابِ تعدُّدِ الانتماءات وتنوّعِ التعبيرات، من دون أن يُهدر شيئًا من وحدتِه أو يُبدّدَ شيئًا من غناه.
وإذ نُمعِنُ النظرَ في الحالة العربيّة الراهنة، نلفي أنفسَنا أمام مفترقِ طرُق: إمّا أن نُشيّدَ مشروعَ مواطنةٍ جامعةٍ، تؤطر الاختلاف الخلّاق وتتعالى على العصبيّات، وإمّا أن نرزحَ تحت ثقل هُويّاتٍ قاتلة تُعيدُ إنتاجَ الاستبدادِ وتُفاقِمُ الاغتراب. ومن أجل مواطنة دامجة، ما من بدٍّ من تنشئة سوسيولوجيّة على المواطنة، تشمل التربية النظاميّة عليها وتتجاوزها، في الآن نفسه، إلى كلّ المؤسّسات. ليس هذا مُمكنا من دون أن تكون المؤسّسات السياسيّة والاجتماعيّة، جميعها فضاءاتٍ للمواطنة، وأن تكون ممارساتها مواطنيّة. حتى لا تفقد ما يرجى منها أن تعطيه. لكن كيف تكون المؤسّسات الاجتماعيّة مواطنيّة من دون احتكامها نفسها إلى قانونٍ يضبطُ حقوق الفردِ والمؤسّسة، ويُعيِّنَ بما يكفي من الوُضوح واجبات كلّ طرفٍ وحقوقه؟ نعم، يبدو القانون عنصرًا حيويًّا لتشييد مؤسّسات مواطنة ومجتمع المواطنين. لكن قد يستغرب ملاحظ أنّ أقطارنا العربيّة لم تعدم القانون في المجتمع والمؤسّسات، ومع ذلك لم تبلغ المواطنة مثابَة الرَّابطة السوسيولوجيّة البديل عن الروابط التقليديَّة والعصبيّة. فأين مكمن الخلل؟ للجواب عن هذه المعضلة، ينبغي التفتيش في صِلة الدولة العربية بالقانون ومشروعيَّته. إذا كانت رابطة المُواطنة هي، في جوهرها، صلة حقوقيَّة قانونيَّة ترسم الحدود بين الحقّ والواجب، فإنّ آلية صناعة القانون ينبغي أن تحظى بالمشروعيّة؛ أي أن يكون القانون في خدمة المصلحة العامّة، وأن يُنتخب لسنّه من يحرِصُ على تلك المصلحة، وأن يحظى برضا الجماعة السياسية، وأن يجد السبيل إلى التنفيذ على قدم المساواة بين المواطنين كافّة، وأن يحرسه قضاء نزيه ومُستقل. وبكلمة، أن يحظى القانون بما يليقُ به من حرمة وقداسة ونفاذ. بهذا يمكن أن تستقيم صلة المواطن بالمؤسسات؛ أي صلته بالدولة. وعلى هذا النحو يمكن أن تستحيل رابطة المواطنة إلى آصرة سوسيولوجية ترقى باندماج المواطن إلى أقصى حدوده.
المراجع
العكره، أ. (2007). التربية على المواطنية وشروطها في الدول المتجهة نحو الديمقراطيّة. بيروت: دار الطليعة.
Aristotle. (1908). Politics (B. Jowett, Trans.). Oxford: London Press. (Original work written ca. 350 B.C.E.).
Hobhouse, L. (1994). “The growth of the state”. In J. Meadowcroft (Ed.), Hobhouse: Liberalism and other writings (pp. 137–138). Cambridge University Press.
Marshall, T. H. (1992). Citizenship and social class. Pluto Press.