لطالما أثار علم الأنثروبولوجيا العديد من التساؤلات فيما يتعلق بدوره في الحركة الاستعمارية الأوروبية، وتبريره للنظريات العنصرية في العلوم الإنسانية والطبيعية. الأمر الذي دفعنا إلى البحث عن جذور نشأة هذا العلم وتطوره وما نشأ عنه من مدارس مختلفة، وعلاقة كل منها بالاستعمار، ومحاولتها تكريس صور نمطية عن شعوب الجنوب تحت شعارات تدعي العلمية والموضوعية.
المتتبع لتاريخ الأنثروبولوجيا يجد أن لها ارتباطًا بنشأة علم الاستشراق الذي استعمل بدوره أيضًا في خدمة أجندات استعمارية للقوى الكولونيالية الكبرى؛ إذ يقول عالم الأنثروبولوجيا المغربي حسن رشيق: ” التفرقة بين الشرق والغرب تكاد تكون تفرقة أنثروبولجية، فالأخيرة بدأت كما بدأ الاستشراق في أواخر القرن التاسع عشر، وتطورت في القرن العشرين، واعتمدت على تقارير الرحالة والمستشرقين. والمرحلة الوضعية في أوروبا جاءت بعد ذلك، وكانت موقفًا استعماريًّا، أي أنه يجب دراسة البلدان التي سنستعمرها بطريقة علمية، أي التمهيد لهذا الاستعمار، أو ما يسمى بالكشف الاستشراقي، والتخلص منه من قبل الأنثربولوجيين، والاعتماد في الدراسات على الميدان في البلدان التي تم استعمارها بحيث يشتغل على اليومي وليس على المكتوب، ويتحول بذلك إلى مستشرق ميداني”.وهكذا تتجلى لنا صلة الاستشراق بالأنثروبولوجيا باعتبارهما أحد أدوات الاستعمار أو العلوم الوظيفية، فتحول المستشرق إلى أنثروبولوجي ميداني هدفه دراسة الشعوب الأخرى المغايرة للمركز الأوروبي، فالأنثروبولوجي الغربي يقوم بدراسة “الشرقي” أو الإفريقي من زاوية نظر تسقط صفات معاكسة لذاتيته الغربية أو الأوروبية، وبالتالي تكون النزعة الأنثروبولوجية هي في حقيقتها استشراقية بامتياز؛ إذ ازدهر هذان العملمان في سياق تاريخي واقتصادي تميز بالبحث عن المستعمرات، عن أسواق وعن يد عاملة وعن مواد خام وعن ز بائن جدد يشترون منتجات صناعية غير متوفرة في بلدانهم[1].
المدارس الأنثروبولوجية:
تاريخيا، انقسمت المدارس الأنثروبولوجية بكل ما تحمل من توجهات وأهداف إلى حقل علمي وأربعة مدارس هي: الإنكليزية والألمانية والفرنسية والأمريكية، تتنوع أسسها النظرية والمنهجية وزاوية اقترابها من الواقع المدروس ما بين التطورية والمادية التاريخية والوظيفية والبنيوية، والانتشارية، والأنثروبولوجيا الفلسفية، والوجودية.[2] ففي أواخر عصر النهضة كان ينظر إلى أن الحياة البدائية دليل على الأصالة والحياة الطبيعية، ونجد أساسًا إبستيمولوجيًا لهذه الفكرة في التوراة التي تعتبر العمل انحرافًا عن الطبيعة أو عن الإله[3]. ولكن، مع ظهور الثورة الصناعية وما تبعه من تحولات على الصعيد الاقتصادي السياسي، مع آدم سميث وغيره، تحولت صورة شعوب الجنوب أو “الشعوب البدائية” من شعوب رغيدة في نظر الأوروبيين إلى شعوب كسولة بالفطرة، وذلك بسبب المناخ، عكس نظيره الأوروبي القاسي الذي يدفع الشعوب للتصنيع والعمل والسعي. فقد كانت بداية هذا العلم بريئة باعتباره علمًا يهتم بالإنسان، خاصة في عصر النهضة إلى بداية عصر الأنوار، قبل أن يتم توظيفه من أجل تحقيق أهداف كولونيالية ورأسمالية، إذ لا استغراب أن هذا العلم شهد ازدهاره في أوج حركات التوسع الغربي في آسيا وافريقيا ودول الجنوب عموما، وتنظيم حياة الشعوب المستعمرة وتخليص أبناء هذه الشعوب من التخلف والانحطاط، وهذا يحيلنا إلى التساؤل عن ماهية وأصل سؤال التخلف الذي هو أصلا سؤال استشراقي استعلائي، فعن من نحن نتخلف؟ ما هو معيار تخلفنا؟ وفي هذا السياق، يقول جوزيف مسعد: منذ القرن التاسع عشر، والمفكرون العرب ينتجون أفكارهم داخل منظومة الداروينية الاجتماعية، بمعنى أن الزمن خطّي بالنسبة لهم، يبدأ من البدائية ويتقدّم حتى يصل إلى الحداثة وما بعد الحداثة، ومن هنا، تأتي فكرة “التخلف” عن هذا “التقدم”، وبرأيي أن هذه الفكرة طُرحت في الأساس داخل منظومة إمبريالية عنصرية، تُعرقِن (أي أنها تصبغ عرقية معينة) على من تقدم ومن تأخر بالمعنيين الزمني والمكاني”. ويكمل مسعد بالقول: إن “أكبر جريمة ارتكبها الرجل الأبيض، ليست عنصريته ضد السود، ولكن تعليم السود أن يكرهوا أنفسهم، كما يقول مالكوم إكس، وهذا ينطبق أيضاً على العرب والمسلمين، باستدخال المنظومة الاستشراقية في الحكم على أنفسنا وعلى ثقافتنا بما أصبح يسمى النقد الذاتي الواجب من منظور استشراقي على كل عربي ومسلم”.[4] الأمر ذاته فككه غرانز فانون في كتاباته عن سيكولوجيا الاستعمار وعقدة النقص لدى الشعوب الواقعة تحت الاستعمار، التي تستميت إلى ارتقاء سلّم التطور، ذاك الذي وضعه علماء الأنثروبولوجيا من خلال تبني لغة وثقافة المستعمر بهدف الخروج من البربرية والوصول إلى “الحداثة”.
الأنثروبولوجيا التطورية أو الكلاسيكية:
بداية، نجد أن علماء الأنثربولوجيا كانوا من بين الأوائل الذين استعملوا أوصافًا دونية من أجل وصف الشعوب الأخرى؛ إذ أطلق عليها وصف “مجتمعات متوحشة”، ثم “بدائية”، وأخيرا “التقليدية” أو “القديمة”، وهي التي تضمّ معظم شعوب دول العالم الثالث” [5]. ومن أجل إخراج هذه الشعوب من بدائيتها تمت الاستعانة بالعديد من الوسائل التي من بينها الدين نفسه، من خلال تسيير رحلات تبشيرية تحاول تخليص تلك الشعوب من ميتافيزيقيتها الغريبة، وفي ذلك يقول أحد المبشرين: “نأتي إليهم بصفتنا منتمين لعرق متفوق، وخدمة لنظام حكم جعل همه الرفع من قيمة أفراد أسرته الإنسانية، فنحن ننتمي لديانة مقدسة، وباستطاعتنا من خلال الجهد الهادف والأعمال الصبورة، من أجل عرق مازال في الحضيض، أن نقوم بعمل يخدم السلام.”[6] أما أنصار المدرسة التطورية، فقد رأوا في التقدم ثمرة التكامل في الأدوات المادية وثمرة التعقيد في العلاقات خلال مراحل تطورية ومعقدة؛ فالتقدم يتمظهر من خلال الانتقال من المرحلة الحيوانية إلى المرحلة البدائية، ومن هذه إلى البربرية، ومنها إلى التمدن. وفي مرحلة الثورة الصناعية صار معيار التقدم يقاس بدرجة التطور التقني. فنجده يؤكد على وحدة الجنس البشري الذي أساسه عالمية المعرفة التقنية؛ إذ يقول عالم الأنثروبولوجيا التطورية مورغان: “ثمة شيء عظيم في هذه المقدرات التي أسهمت بتقدم العمران انطلاقاً من بدايات لا يمكن رؤيتها، من العصر الحجري والسهام التي تجمعت صورتها في ذهن البدائي، إلى مزج المعادن، وفيه يتمثل ذكاء البربري، وأخيراً، إلى تحريك القطار الحديدي، هذا هو انتصار التمدن”.[7] وهكذا نجد أن سلّم التطور الذي وضعه يبدأ من البربرية فالبدائية فالتمدن، بحيث يتم وصف البدائيين بأنهم أجدادنا المعاصرون. حيث يزعم تحليله إمكانية رد اختلاف الثقافات إلى خط تطوري تاريخي واحد. وبذلك تكون مفاهيم الأنثروبولوجيا التطورية مجرد «عَقْلَنة» مسطحة لأحكام التوسع المسبقة وممارساته، وهي تستند بذلك إلى المركزية الإثنية كحدث عالمي، ولكن الأمر يزداد خطورة حين يضاف إليه العلم الوصفي والتفوق الصناعي، فهي لا تقدم إطلاقًا أي مستند لفهم الثقافات غير الغربية، بل إنها تتجاهل ذلك كليًا[8].
الأنثروبولوجيا كمعيار عنصري إبستيمولوجي:
اعتباراً بالتقسيم العلمي للسوسيولوجيا، كما دعا إليه أوغست كونت نفسه في دروسه الوضعية ((Positivisme، بين سوسيولوجيا تدر س المجتمعات الصناعية الوضعية، وأخرى تدرس المجتمعات غير الغربية، أو ما قبل الحالة الوضعية، ألا وهي الأنثروبولوجيا نفسها، التي شكلت الأسس الإبستمولوجية للعلوم الاجتماعية الاستعمارية وللإيديولوجيا الاستعمارية. فصحيح أن أوغست كونت لم يستعمل أوصاف “شعوب بدائية أو بربرية” التي استعملها تايلور ومورغان، ولكننا نجد ذات السلّم التطوري الذي اعتمدته الأنثروبولوجيا التطورية أو الداروينية الاجتماعية، فهو قسّم مراحل تطوّر الفكر البشري إلى ثلاثة مراحل تكون انطلاقتها من المرحلة اللاهوتية، ومجتمعاتها تكون بدائية، ثم تليها المرحلة الميتافيزيقية التي تكون عبارة عن مرحلة انتقالية تفصلها عن مرحلة الوضعية أو العلمية، وهي المجتمعات الصناعية الحديثة. وبذلك يكون غرض السوسيولوجيا الوضعية التي قعدها (كونت) هو دراسة المجتمعات الصناعية المتطورة، أي الغربية، أما الأنثربولوجيا، فهدفها هو دراسة تلك المجتمعات التي لم ترتقِ لدرجة الوضعية بعد.
من الأنثروبولوجيا الكلاسيكية إلى الأنثروبولوجيا الحديثة:
شهد علم الأنثروبولوجيا تحولًا جذريًا من القرن التاسع عشر إلى القرنين العشرين والحادي والعشرين، متجاوزًا النظرة الاستعمارية إلى مقاربة أكثر إنسانية وتعددية. إذ لم يعد بوسعنا الاستمرار في الأوهام التي خلقتها فلسفات التاريخ، من هيجل إلى ما أسماه فوكو «القدر التاريخي المتعالي الذي خصّ به الغرب «[9]. ففي العصر الفيكتوري، كان الأنثروبولوجيون، مثل إدوارد تايلور ولويس هنري مورغان، يتبنون نظرية التطور الثقافي الأحادي، التي تفترض أن جميع المجتمعات تمر بمراحل تطورية من “الهمجية” إلى “التحضر”، مع اعتبار الثقافة الأوروبية ذروة هذا التطور ومركزه ومنتهاه. معتمدين في ذلك على أفكار مسبقة عن الشعوب المغايرة لهم من خلال اطلاعهم على كتب الرحالة والمغامرين، ومن ثمة التقارير الواردة من عند الأنثروبولوجيين الإداريين التابعين للإدارة الاستعمارية أو ما يسمى “بالأنثربولوجيا الميدانية”. الأمر الذي نتج عنه ترسيخ أفكار نمطية عن تلك الشعوب، واستخدام مخرجاتهم من قبل القوى الكولونيالية لتسهيل بسط نفوذها. إذ لا يسعنا المرور دون ذكر مثال ملك بلجيكا ليوبولد الثاني الذي أرسل الرحالة والمستكشف (هنري مورتون ستانلي) لإفريقيا تمهيدا لإنشاء مستعمرة بلجيكا، (ستعرف فيما بعد بالكونجو). وعلى النقيض من كل ذلك نجد أن الأنثروبولوجيا الحديثة قد رفضت التصنيفات التطورية، وأكدت على مبدأ النسبية الثقافية، معتبرة أن كل ثقافة تُفهم في سياقها الخاص دون إصدار أحكام مسبقة. وأصبح العمل الميداني المباشر ضرورة، حيث يعيش الباحثون بين المجتمعات المدروسة، أساسًا لفهم الثقافات من الداخل الذي يحقق ألفة معرفية بين هذا الأنثروبولوجي والمجتمع الذي يقوم بدراسته. وبهذا سعت الأنثربولوجيا الحديثة لتحرر هذا العلم من نزعته الاستعمارية الاستشراقية من خلال القضاء على الاختزال أو ما سماه حسن رشيق “بالكليانية”؛ إذ يقول: “الاختزال في الأنثرولولجيا الغربية يعني اختزال جميع الشعوب المسلمة مثلا بهوية جامعة على الرغم من الاختلافات القائمة بينهم، كأن يتم إسقاط ثقافة مسلمي الأردن مثلا على المغرب، والعكس صحيح. مشيرًا إلى انتقاد إدوارد سعيد هذا في كتابه الشهير الاستشراق.
وهذا يدفعنا في بعض الأحيان إلى وجوب تغيير السؤال وليس الجواب، فبقولنا مثلا: “شرق حقيقي”، فهنا لا زلنا في إطار الاستشراق، وإذا قلنا: “حوار حضارات” بدل “صدام”، فلا زلنا في إطار الكليانية الاستشراقية التي نظر لها برنارد لويس. وتصير هذه صفة جوهرانية مركزية يصعب التخلي عنها فيما بعد. فالعقل الغربي، ومنذ عصر النهضة تقريبا إن لم نبالغ، يقوم على الاختزال والتصنيف، فلقد تمّ اختزال الشعوب المستعمرة إلى خانات وتصنيفات تقوم على اللون والمعتقد والعرق واللغة، فمسلك التصنيف إلى فئات ونماذج يعدّ نهجاً غربياً لفهم كل ما هو خارج حدود الأنا الغربية، ولهذا يُصار إلى اختزال (كل شيء) كي يسهل التعامل معه، وقد سبق أن أشار ميشيل فوكو في كتابه «الكلمات والاشياء» لهذا النهج، عند مناقشته لآلية تكون المعرفة وإنتاجها في الثقافة الغربية، حيث استحالت إلى نسقٍ من أنساق الهيمنة على الأشياء، وكل ما يطال أو يواجه العقل الغربي الذي لا يتردد بتصنيف كل ما يطرأ، سواء كان مادياً أو معنوياً؛ من أجل اكتساب القدرة على معرفته لِهدف السيطرة عليه.[10]
أخيرًا، يتضح لنا بالكامل مدى صلة الترابط بين الاستعمارية المعاصرة والأنثروبولوجيا المعاصرة اللتان تتوافقان زمنياً، حيث بدأتا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكيف كانت الأنثروبولوجيا التطورية حلقة الوصل بينهما، واستغلال الرؤى الإيديولوجية للبرجوازية الأوروبية التي استطاعت أن توظف كلاً من الاستشراق والأنثروبولوجيا لخدمة أغراضها الاستعمارية[11]، وكيف قام القائمون على هذا العلم بالتبرير من خلال أطروحاتهم لمشروعية الاستعمار، ويتجلى ذلك في نظرتهم له باعتباره مجرد احتكاك، ثم اعتبروه تغيراً اجتماعياً، أو سيرورة آلية من سيرورات التصنيع والتربية. وبذلك وُصِمَت الأنثروبولوجيا كعلم، من حيث النشأة والهدف، بأنها علم استعماري بامتياز، لأنه كان مطية الاستعمار الذي مكن الدول الغربية من استعمار دول وشعوب كثيرة من آسيا وإفريقيا وصولا لأمريكا اللاتينية. حدث ذلك من خلال سلسلة متتابعة من الباحثين الذين ارتدوا قناع التبشير، بينما هم في حقيقة الأمر مقدمة لذلك الزحف الاستعماري الغربي الذي رزح فوق كاهل تلك الشعوب لسنوات عديدة.[12]
[1] حسام الدين محمود فياض، الأنثروبولوجيا بين الأكاديمية والأداتية دراسة تحليلية نقدية لطبيعة العلاقة بين الانثروبولوجيا والاستعمار، ص 11.
[2] حسام الدين محمود فياض، المرجع السابق، ص 54.
[3]جيرار لكلرك، الأنثروبولوجيا والاستعمار، ص 18.
[4] https://www.alaraby.co.uk/جوزيف-مسعد-كشف-استشراق-الداخل.
[5]جيرار لكلرك، المرجع السابق، ص 11.
[6] جيرار لكلرك، المرجع السابق، ص24.
[7]جيرار لكلرك، المرجع السابق، ص 29.
[8]جيرار لكلرك، المرجع السابق، ص 157.
[9] جيرار لكلرك، المرجع السابق، ص 11.
[10] https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BFالمعرفة-والفرضية-الاستعمارية-كتاب/.
[11]حسام الدين محمود فياض، المرجع الأسبق، ص 56.
[12]حسام الدين محمود فياض، المرجع السابق، ص71.