Skip to content Skip to footer

لماذا يتوّجس المسلم من النقد التاريخي؟ | أسماء عريش

يشكّل التاريخ في الوعي الإسلامي مستودعًا للهوية ومصدرًا للانتماء، لكنه تحول إلى سرديّات مغلقة تمنع النقد والمراجعة. على خلاف الغرب الذي حرّر فكره عبر النقد التاريخي، بقي الفكر العربي رهينًا لماضٍ مؤسطَر عطّل مشروع التحديث. من هنا يبرز السؤال: هل يكون النقد التاريخي سبيلًا لتحرير الوعي أم تهديدًا لاستقرار الهوية؟ إن استعادة النقد باعتباره منهجًا للتفكيك والفهم تمثل خطوة نحو وعي عربي جديد أكثر عقلانية وانفتاحًا.

لم تكن علاقة المسلم بتاريخ الإسلام، في جوهرها، علاقة تأمليَّة محضة، ولا كان موضوع تلقٍّ معرفيٍّ محايد؛ بل طالما قاس المسلم درجة وعيه بمقدار التماهي مع التقليد، ومدى صدق الانتماء الوجودي، وعراقة الانغماس المعياري القبلي في الموروث الديني الذي يتنزل، في الوعي الجمعي، منزلة الأقنوم. وعليه، تحوّل التاريخ، في الوجدان الإسلامي، إلى يوتوبيا لا زمانية، تتشبت بنقطة زمانية مقدسة، وتنأى عن سياق التحول والصيرورة، بما يجعلها مرجعية متعالية على التاريخ، ومتعذرة على المساءلة. فهل يشكّل توظيف النقد التاريخي سبيلًا لتحرير الوعي الإسلامي من إسار الماضي المؤلَّه وإعادة فتح أفق جديد للمعنى أم أنه يُهدّد الاستقرار الرمزي للجماعة ويقوّض أسس الهوية الإسلامية؟

على خلاف ما آل إليه الحال في العالم العربي، شهد الغرب، منذ لحظة الإصلاح الديني، فصمًا ابستمولوجيًّا عن تلافيف الفهم المتيبّس للدين. وما كان لمشروع الحداثة الغربية، أن يصير مشروعا مكتملا، لولا انزياح تاريخيٌّ وعصفٌ وجوديٌّ أفضيا إلى انحجاب المقدّس، وخلع السِّمت السحري واللاهوتي عن العالم. وقد أُنجز ذلك من خلال المساءلة التاريخيَّة، والفحص النقدي لبطون النصوص المقدسة، رغبةً في انتشال الوعي الأوروبي من طوق الكنيسة، ومن إسار سلطة الإكليروس وسطوة الدولة.

وبهذا المنعطف، استطاع العقل الغربي أن يؤسس وعيًّا سياسيًّا جديدًا، ينبني على الذات الحرّة المتحلّية بصفات المواطنة، والقادرة على مساءلة ذاتها، ونقد الأبنية اللاهوتية الدينيّة والسياسيّة بما يفتح دروب الإصلاح والتجديد. وقد شكّل هذا الأفق المعرفي النقدي القاعدة الوجودية لأهم التبدلات الاجتماعيّة والسياسيّة العميقة، وهيّأ المناخ للنسق اللاهوتي الديني أن يتناغم مع نبض الحداثة دون أن يُقوّض ذاكرته الأصيلة. وفي هذا الإطار الفكري، أسهم الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا[1] إسهامًا جليًّا في ترسيخ منهج النقد التاريخي، بوصفه عُدّة منهجية لا غنى عنها لتحرير الفكر من نير الهيمنة التأويلية التي عرفها الكتاب المقدّس، ودعوته إلى ضرورة استئناف النظر في متونه استنادًا إلى سياقه التاريخي، بمنأى عن الأسطرة التي تحجب المعنى وتغشّي البصيرة.

وعلى النقيض من هذا المسار الغربي التحرريّ، ظلّ مشروع التحديث العربي يتخبّط بين عسر التحقّق ومأزق التعثّر؛ وهو مأزق مردّه تأليهُ التاريخ وانعدام الوعي التاريخي. فقد ظلّ تاريخ العرب، في الكثير من مراحله، مدوّنة سرديّة جامدة، مسيجًا بأطر معرفية عصيّة على التفكيك والنقد؛ فحجَبَ عن الذات العربية إمكانيّة استيعاب المنعطفات الكبرى التي شهدتها المجتمعات العربية، وقاد إلى وأد مشروع التحديث العربي. في ظل هذا التصور، يغدو النقد التاريخي – بوصفه أفقًا ميتودولوجيًّا تفكيكيًّا وأداة معرفية مربكة – فاعلاً في زعزعة اليقينيّات الآسنة في بنيات الوعي الديني الإسلامي، ومهدّدًا لما يمكن تسميته ب “الاستقرار الرمزي” الذي تتكئ عليه ذاكرة الجماعة في بناء هويتها الدينية و، بالتالي، تُفضَح هشاشة المسلمات التي يحتمي بها. ومن الجَور، والحال هذه، أن نختزل هذا التعاضد الحصين مع الموروث إلى مجرد تجربة إرادة قوّة للتعبير عن الإخلاص المطلق للحقائق الدينيّة، بوصفها حقائق لا يتخرمها الباطل، بنحو من الأنحاء. فالحقيقة، في عمقها الأبعد، تتراءى كارتكاس وجوديّ تجاه يباب المعنى الذي يُقذَف فيه الإنسان إلى “المحل الفارغ”. ولا يرد التوجّس من النقد التاريخي، في التجربة الإسلامية المعاصرة، إلى محض خشيةٍ من تقويض كل المرجعيات الدينيّة التي تستعير منها الشرعية، بقدر ما يُعزى إلى رجف داخليّ، وقلق وجوديّ غائر، ينهض على حاجةٍ ملحّة إلى الاتّكال على سالف الدهر، لما فيه من فداء رمزي تُخفَّف به وطأة الوحشة الأنطولوجية في زمن الحداثة. من هنا، يمكن فهم مظاهر التوجّس والارتياب التي يبديها كثير من المسلمين إزاء هذا النمط من المقاربات؛ ذلك أن أغلب الموضوعات الفكرية (= كالفن والأدب، الشعر…) يمكن أن تخضع، في وعي المسلم، لمحكمة النقد، وتدخل في منزلة الاشتباه والنسبية، وينبري فيها عنصر المفارقة. غير أن الدين، في تمظهراته العقدية والتشريعية (العقيدة والأحكام الإسلامية، سيرة النبي، سير الصحابة…) يظلّ بمنأى عن هذا الأفق النقدي، لكونه يتموضع في مرتبة الحرمة المعرفية المقدّسة.

وقد انغرست هذه الرؤية المحفوظة في الذاكرة الجماعية – كرأسمال معرفيّ إيديولوجيّ – بفعل السلطة الفقهية المؤسساتية التي استثمرت التاريخ في بناء شرعية الحكم والطاعة، من خلال تعظيم الرموز، واصطفاء الوقائع، وتمجيد مسارات بشرية. وبهذا، أُفرغت المفاهيم الإسلاميّة من سمتها التاريخي، وأُسبغت عليها صفة الإطلاق. ويتبدّى هذا التداخل الجدليّ بين الديني والتاريخي منذ اللحظة النبوية الأولى، حينما تحوّلت الوقائع المشروطة بسياقها التاريخي إلى سرديات ميتافزيقية مغلقة، ورُفع التاريخي إلى مقام الإلهي المتعالي؛ فنُظر إلى السيرة النبوية، ومعارك الصحابة، والخلافات السياسية، على أنها امتداد للوحي، فنُزهت هذه التجارب عن النقد والمراجعة تحت ذريعة أنّ “ليس في الإمكان أبدع مما كان”.

وهكذا، أضحى الوعي الإسلامي غارقًا في التاريخ حدّ الامتلاء، وأذن بانغلاقه و، بالتالي، أُغلقت آفاق التأويل. ولذلك، شدّد مفكرون عرب معاصرون، وفي طليعتهم عبد المجيد الشرفي ومحمّد أركون ونصر حامد أبو زيد، على ضرورة توسل النقد التاريخي، لا بوصفه أداة تحليليّة لاستنطاق النصوص التأسيسية والثانوية فحسب، وإنما كمنهج يُفضي إلى استكشاف البنية المعرفية التحتية التي أسهمت في إضفاء لبوس القداسة عليها؛ والتمييز، تبعاً لذلك، بين الأصل المؤسس (= القرآن) وتأويلاته (=الحديث، الفقه، المذاهب، السيرة…)، وفهم آليات تشكّلها ضمن السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية. فعبر هذا المنهج، يمكن للعقل أن يجرؤ على “المناطق المحرّمة” التي طالما امتنع فيها السؤال. يعني ذلك، أن النقد التاريخي يشكل أفقًا معرفيًّا معقّدًا، يتجاوز الخطية الكرونولوجية للسرد، وينفذ إلى مساءلة العُمق البنيوي للزمنية ذاتها؛ إنه ليس سردًا لما جرى، وإنما مساءلة لكيف ولماذا جرى؟ إنه منهج حفري-تفكيكي يعيد تأويل تاريخ الإسلام على ضوء اشتراطاته الظرفية، ويكشف الكيفيات التي تمّت بها أسطرة هذا التاريخ، عبر آليات انتقائية أيديولوجية أنتجت ذاكرة جماعية شوهاء و، بالتالي، تحريره من ميتافيزيقا التقديس التي طوّقت النصوص.

إن الخروج من إسار هذا الانسداد، لا يُدرك إلاّ من خلال إرساء أفق ابستمولوجي مغاير، يُنقذ الذات من عطالتها الفكرية، ويحرّرها من غفلتها الوجودية، ويضع التراث الإسلامي تحت مجهر التحليل والنقد. ولئلا تتحوّل التأويلات الجديدة، في حد ذاتها، إلى يقين جديد، لا بدّ من ميتافيزيقا للعقل تُؤسّس الإنسان بوصفه مصدرًا للمعنى ومركزًا للتأويل. ويغدو النقد، آنذاك، طقسًا وجوديًّا وشرطًا لإعادة ترسيم الحدّ بين السرمدي والتاريخي؛ لأن من شأن النقد التاريخي أن يفتح أفقًا لهوية منفتحة ووعي عربي جديد؛ لا كتوق باثولوجيّ للماضي، وإنما كمصالحة جذرية معه، بعيدًا عن فخ الانتماء أو الانفصال. كما يُمهّد، في الآن ذاته، لتحوّل عميق في تمثّل الإنسان العربي لذاته، خارج الثنائية القاتلة بين الأصالة والتغريب. إنها أنثروبولوجيا جديدة تُعيد للذات العربية اعتبارها، وتجعل من العقل أفقًا للإدراك والاكتشاف، وسُلّمًا للنقد والتجاوز. وبهذا المعنى، تغدو الحداثة وعيًا ذاتيًّا لا يكفّ عن مساءلة نفسه، وفلسفةً عقلانية تزن الحقائق بميزان الشك البنّاء، وتُخضع كلّ معطًى لمحرقة النقد. من هنا، تُصبح مراجعة النصّ الدّيني المؤسس واجبًا حضاريًّا لا محيد عنه، إذا ما أردنا الانعتاق من استبداد التأويل الخاطئ للنصّ، واستعادة لمعناه الأصلي. فليس من مستقبل عربيّ ممكن من دون تحرير التاريخ من الأوهام، ولا إصلاح ديني جذريّ عميق من دون فضح التاريخ المؤله.
ليس من سبيل إلى تشييد مواطن عربيّ حديث إلا بالتفلّت من ربقة الموروثات الخطابية المقدّسة، والانعتاق من مسلمات دينيّة تاريخيّة تُقدَّم بوصفها أمرًا مبرمًا. فمطلب المواطنة، في ميسمه التاريخيّ الراهن، لا يستقيم إلا بإرساء وعي تاريخيّ يتخطّى غواية الحنين، ويباشر مساءلة الماضي على نحو نقديّ؛ ووعي دينيّ يُفكّك تمركز التأويل الواحد، ويجترئ على تصدّع المعنى. فما أحوجنا، في هذا الأفق المأزوم، إلى متديّن لا يردّد ما قاله السّلف، وإنّما إلى مؤمن قارئ، يُسائل قبل أن يُسلّم، ويؤمن بمبدأ: “تجرّأ على أن تفكر بعقلك” لا بمعيَّة الجماعة.

الاستشراق لم يكن مجرد دراسة أكاديمية للشرق، بل مشروعاً هيمنياً رسم صورة مشوَّهة تقابل بين شرقٍ جامدٍ روحاني وغربٍ عقلاني متفوق. وتزداد خطورته حين يتحول إلى استشراق ذاتي، فتتبنى النخب المحلية رؤية الغرب عنها، فتنظر إلى تراثها وتاريخها بمنظاره، وتعيد إنتاج خطابه الاستعلائي. وهكذا وجد المثقف العربي نفسه بين الانبهار والرفض، بين الأصالة والتغريب. أمام هذا المأزق ينهض سؤال حاسم: كيف نتحرر من مرآة الغرب لنرى ذواتنا بعيوننا، ونبني مشروعاً نهضوياً من داخل سياقاتنا؟

يُعَدُّ الاستشراق أحد أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في مجال الدراسات ما بعد الكولونيالية؛ حيث يقدم العلاقة بين الشرق والغرب وكلَّ ما طَبَعَها من ثنائيات: الغالب والمغلوب، التقدم والتخلف. وقد سعى المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه التأسيسي “الاستشراق، المفاهيم الغربية لشرق” الصادر عام 1978 إلى تفكيك هذا المفهوم وإعادة تعريفه، ليس كمجرد حقل أكاديمي يهدف إلى دراسة الشرق فقط، بل كمشروع استعماري مرتبط عضوياً بسياسة الهيمنة والتفوُّق، يقع تقديم الشرق من خلاله في صورة متخلِّفٍ لا عقلاني، في مقابل غربٍ متقدِّمٍ وعقلاني.

تمتد الجذور التاريخية للاستشراق من لحظة مبكِّرة من التاريخ، بدأت مع محاولات الإغريق والرومان فهم جيرانهم الشرقيين، ثم عاد الاحتكاك على نطاق أوسع وبشكل مباشر بين أوروبا المسيحية والعالم الإسلامي في إطار الحروب الصليبية. غير أن الانطلاقة الفعلية والتأسيسية للاستشراق كانت في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع بداية حركات التبشير الكنسي، واستحداث كراسي للغات الشرقية في جامعات أوروبية من أجل تدريب المبشرين والتجار والدبلوماسيين. وبلغ ذروته مع الحملة النابليونية على مصر عام 1798، وحركات التحديث مع محمد علي، والبعثات الطلابية للغرب. ومع حلول الحقبة الاستعمارية، أصبح الاستشراق أحد أهم أدوات السيطرة على المستعمرات؛ إذ نَشِطَت الترجمة، وانتشرت المعاجم والموسوعات، وتُرجمت الكتب المقدسة مما سمح بمعرفة الشرق عن قرب، غير أن المستشرقين أخرجوا إلى العالم صورة مشوَّهة عن الشرق لا تنصف ما فيه من ايجابيات فوقع اختزاله في شخصية السلطان المتربع على سدة الخلافة، والحريم الغامض، والزاهد المنعزل عن العالم. وقد اعتمدت دراسات المستشرقين على التجانس والتأويل؛ فقد تعاملوا مع الشرق ككيان واحد ثابت لا تاريخي، غارق في الروحانيات، ومخدَّر بأفيون الدين، متجاوزين الاختلافات الطائفية والإثنية واللغوية. وأوَّلوا الدين الإسلامي وفق سردية واحدة، دون الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين الإسلام كدين مطلق والممارسات الدينية من قبل المسلمين كما فهموه ليقع الخلط بين المتغيِّر والثابت، وحكموا على المسلمين بالجمود انطلاقاً من دينهم.

وفي مواجهة هذه الصورة القاتمة للشرق، وجد الفكر النهضوي العربي والإسلامي المعاصر نفسه في موقع الإهانة، فكانت ردود الفعل الأولى دفاعية، تسعى لنفي كل ما رُوج له من مغالطات تاريخية وثقافية ودينية حول الشرق. ثم أدى النقاش إلى انقسام بين تيارين: تيار منبهر بالغرب يدعو إلى الاستفادة من تجربته، وآخر منغلق عليه يعتبره المهدد الأول لهويته. فمن ناحية، انبهر العديد من المفكرين بالتفوق العلمي والتقني والعسكري الذي حققه الغرب، ودعوا إلى استيراد النماذج الغربية وتطبيقها في السياق العربي. إذ أبدى الطهطاوي في “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” إعجابه بمدينة باريس، مثنياً على ما وصلت إليه من حضارة وثقافة، ودعا خير الدين التونسي إلى اقتباس “ما يناسبنا” من الغرب من أجل النهوض بالأمة. وفي المقابل، أفرز الموقف النقدي تياراً يرى الاستشراق والاستعمار وجهين لعملة واحدة، ومحاولة لطمس الهوية، فتمسك أصحاب هذا التيار أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد صادق الرافعي بتراثهم وهويتهم، ودعوا إلى مقاومة التقليد الأعمى للغرب وبين التيارين ظهر فريق آخر حاول التوفيق بين الأصالة والتحديث.

غير أن المعضلة الحقيقية لم تقتصر على الصورة التي رسمها الاستشراق عن الشرق فحسب، بل في مدى تصديقها من قبل الشرقيين أنفسهم. لقد شكّل الاستشراق نوعاً من “الاستشراق الداخلي” أو “الذاتي”، وهي ظاهرة تناولها عدد من المفكرين، من بينهم عبد الله حمودي في تحليله الأنثروبولوجيا الاستعمارية في المغرب، وتَمثَّل في تبني النخب المثقفة المحلية في العالم العربي والإسلامي للرؤية الاستشراقية عن ذواتهم ومجتمعاتهم، بفعل تأثير المركزية الغربية وما خلَّفه الاستعمار والانبهار لحظة اللقاء. كل هذا جعل المثقف العربي والمسلم يرى تاريخه وتراثه وثقافته وواقعه بمنظار الاستشراق، فوصف مجتمعه بذات الصفات التي أطلقها المستشرقون، وطرح حلولهم بما تحمله من دعوات تحرير وتحديث، وقَطْع مع التراث، وإبعاد للدين. حتى المفكرون المسلمون الذين سعوا للدفاع عن التراث وقعوا في هذا الفخ من خلال مساعيهم عن البحث عمّا يتناسب وقيم الحداثة الغربية في تراثهم، حتى ظهرت مفاهيم ملتبسة كـ”الإسلام العلماني”.

وبهذا المعنى، يُعْتَبَر الاستشراق الذاتي من أخطر تجليات الاستشراق؛ فهو يحوِّل الخطاب الاستعماري الاستعلائي إلى مشروع داخلي تقوده النخب المحلية التي تدرس نفسها بمناهج الغرب، وتخضع ذاتها لثنائيته، حتى تكوَّنت عقدة ازدراء الذات.

ولمواجهة هذا الخطاب ذي النزعة السلطوية، تبرز الحاجة إلى بناء حوار مع الذات ينبع من الداخل، من أجل فهم ذواتنا وتراثنا بحيث نرى أنفسنا بعيداً عن المرآة المشوَّهة التي يقدمها لنا الاستشراق. نحن بحاجة لتطوير آليات ومناهج جديدة لتفكيك التراث وإعادة بناء مشروع نهضوي يتناسب مع سياقاتنا التاريخية والثقافية، ثم نتوجه بالحوار مع الآخر في موضع الندية لا التبعية ولتحقيق هذا يجب معرفة الآخر من الداخل. ووفق هذا الإطار، برز مشروع “الاستغراب” في مقابل الاستشراق، الذي دعا إليه المفكر المصري حسن حنفي فإذا كان الاستشراق هو دراسة الغرب للشرق، فإن الاستغراب، من وجهة نظر حنفي، هو دراسة الغرب من قبل الشرق.  فحنفي يرى وجوب دراسة الشرق للغرب من الداخل، بهدف فهمه كنموذج من الاجتماع البشري في شكل مجتمعات ودول لا تخلو من تعقيدات وعيوب، له نجاحاته وإخفاقاته، وليس كنموذج حتمي مركزي يعلن نهاية التاريخ. وقدَّم حنفي هذا المشروع في كتابه “مدخل إلى علم الاستغراب”، وهو محاولة لنقد المركزية الغربية وفهم مصادر قوَّتها، وكشف النقائص والتحديات والمشاكل التي يعانيها الغرب حتى نزيل هالة القداسة عنه وبريق الانبهار عنا. وبهذا نكون قد تخلصنا من وهم التبعية وسجن الصورة المشوَّهة التي قدمها لنا الاستشراق، لننصرف نحو رسم صورتنا بأيدينا، بكل ما تحتويه من نقد وتحديث وتجاوز، يتناسب مع خصوصيتنا التاريخية والثقافية والدينية.

 

وفي الختام لا تزال صدمة اللقاء بين الشرق والغرب، بكل ما حملته من انبهار وردود فعل مختلفة إزاء النموذج الغربي، تسكن الوعي العربي المعاصر، وتختبئ في خطابه الفكري والسياسي اليومي، إذ لم نتحرر بعد من الثنائية التي وضعه فيها الاستشراق ورواد النهضة بأشكال مختلفة. فبقي النقاش حول الدولة المدنية والهوية والعلمانية وحجاب المرأة والحرية يتأرجح بين تَبَنٍّ أو إنكار للنموذج الغربي، فلم نعد نرى سواه نموذجاً نقيس به مدى تقدمنا أو تخلفنا، كما جعلنا نهج اللحاق بالغرب المتقدم دون رسم طريق خاص بنا يقودنا نحو الحداثة، وكأن التحديث هو مرادف دائم للتغريب. لقد أصبح المثقف العربي اليوم منشغلاً بالغرب أكثر من انشغاله بنفسه، إضافة إلى الاستشراق الذاتي الذي أصبح أداة تبرر الانسلاخ عن الجذور والهوية تحت مسمى التحديث، أو رفع شعارات شعبوية عن الأصالة لتحقيق أجندات سياسية خاصة بأصحابها. وفي خضم كل هذا، يكمن التحدي الأكبر في كيفية الانتقال من حالة التقليد والاقتباس إلى حالة الإبداع والتأسيس، وكيفية ابتكار نموذج نهضوي خاص انطلاقاً من تراثنا وسياقاتنا التاريخية والثقافية، وحسب متطلبات الحداثة، للدخول في حوار ندّي مع الآخر، دون أن نبقى أسرى لصورة الشرق في مرآة الغرب.

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع:

  • سعيد ادوارد: الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ط 1995، ت: محمد عناني: دار رؤية لنشر والتوزيع، القاهرة 2006
  • حنفي حسن: مقدمة في علم الاستغراب، الدار الفنية لنشر والتوزيع 1991
  • عبد الله حمودي: المسافة والتحليل: في صياغة أنثروبولوجيا عربية» (دار توبقال، 2019
  • زماني محمد حسن: الاستشراق تاريخه ومراحله: جامعة المصطفى العالمية، مجلة الدراسات الاستشراقي العدد الأول 2014
  • بوزاغية وفاء: الاستشراق ظاهرة انتهت أم بداية جديدة: جامعة عبد الرحمن ميرة بجاية (الجزائر) مخبر التأويل وتحليل الخطاب المجلد الثاني العدد الخامس، أكتوبر 2024