Skip to content Skip to footer

إطلالةٌ نقديّة على نظريّاتِ الانتقالِ إلى الدّيمقراطيّة (2) | مصطفى إنشاءُ الله

بعد عَرْضٍ وتحليلٍ، في مقالة أولى ، لأهمِّ نظريّاتِ الانتقالِ الديمقراطيِّ، حانَ الآنَ موعِدُ تَعريضِ هذهِ النّظريّاتِ للتّفكيكِ والنّقدِ. وتَعَدُّد أَطروحاتِ الانتقالِ الديمقراطيِّ هو، في ذاتِه، نَمَطٌ منَ النّقدِ البَيْنيِّ (بَيْنَ النّظريّاتِ تلكَ)؛ فالنّظريّةُ الثقافيّةُ إنّما نَضَجَت كَرَدِّ فعلٍ على نظريّاتِ التحديثِ والنظريّات البنيويّةِ، ونظريّةُ النُّخَبِ مَثَّلَتْ جَوابًا عن حَتميّةِ التَّصَوُّراتِ البنيويّةِ والثقافويّةِ على السّواءِ، أمّا النظريات المُؤسّساتيّةُ فقدِ اسْتَبْطَنَتْ نَقْدًا لِشَخْصَنَةِ الانتقالِ والمُبالَغَةِ في أدوارِ النُّخَبِ والنَّزْعَةِ الإرادويّةِ، الّتي تُبْديها التَّصَوُّراتُ المُرتكِزَةُ على الفاعليّةِ. بينما في نظريّاتِ العاملِ الخارجيِّ الْتِفَاتٌ إلى ما أَغْفَلَتْهُ باقي المُقارَبات المُرَكّزَة على العَناصِرِ الدّاخليّةِ، حين أولت أهمية قصوى للعَوامِلِ الخارجيّةِ الدّافعةِ باتّجاهِ التّحوُّلِ إلى الديمقراطيّةِ.

1-    في حُدود النظريَّات التحديثيَّة البنيويَّة

لا تَصمدُ نَظريّاتُ التحديثِ كثيرًا حينَ تُعرضُ على محكِّ التّاريخِ. تُغْنينا أمثلةٌ عكسيّةٌ عَديدةٌ عن دُوَلٍ بلغ التحديثُ فيها مَداه مِن دونَ أن يحمِلَ معهُ الديمقراطيّةَ. من أَظْهَرِ الأمثلة وأَقْواها المثالُ الصينيُّ. قُوَّةُ الصينِ الاقتصاديّةُ والعِلميّةُ والتّكنولوجيّةُ الهائِلةُ ما قادَتها إلى التّخلي عن نظامِ الحزبِ الواحدِ. ويمكنُ الادّعاءُ أنَّ التّقدُّمَ التِّقَنيَّ والتّكنولوجيَّ إنّما حملَ نتائجَ عكسيّةً: تطوير آليّاتِ الضّبْطِ والرَّقابةِ، وتَوظيفُ الأَجهزَةِ المتطَورَةِ والذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ لِعَدِّ حَركاتِ النّاسِ وسَكَناتِهم وتنقُّلاتِهم ومُحادَثاتِهم ومُعامَلاتِهم، بل وتَوَقُّعِ سُلوكِهم وتَوْجيهِ اختِياراتِهم وصِناعةِ آرائِهم. ومن المُفيدِ الإشارةُ إلى أنَّ تَوظيفَ التحديثِ ضدَّ الديمقراطيّةِ ليس يَقْتَصِرُ على الدُّوَلِ غيرِ الديمقراطيّةِ، إنّما باتَ، وَيا لِلمفارقَة، يَقْضِمُ من حُرِّيّاتِ وحُقوقِ المُواطِنينَ حتّى في البُلدانِ الأعلى تصنيفًا في مؤشِّراتِ الديمقراطيّةِ.

وغير بعيدٍ عن هذا المَنْطِقِ البنيويِّ التحديثيِّ، ادَّعى مور[1] (Barrington Moore) أن “لا ديمقراطيّةَ مِن دونِ بُرْجوازيّة” وهو ادّعاءٌ تَدحضُهُ حالةُ أُوروبا الشّرقيّةِ. ما كانت لِلدُّوَلِ النّاجِمَةِ لِتَوِّها من نُظُمٍ شيوعيّةٍ من فُسْحَةٍ في مُجتَمَعاتِها لتنمو طبقة بُرجوازيّةٌ ينجم منها، كما تَصَوَّرَ مور، نظامٌ ديمقراطيٌّ. فضلًا عن هذا، فَنَّدَتِ الطَّفراتُ الديمقراطيّةُ خارجَ الغربِ، كما في المثالِ الجَنوبِ إفريقيِّ أو الأَمريكيِّ اللاتينيِّ، هذا الرّبطَ الميكانيكيّ بينَ الانتقالِ إلى الديمقراطيّةِ ووُجودِ بنيةٍ رأسماليّةٍ تَقودُها طَبقةٌ برجوازيّةٌ قَويّةٌ. ثُمَّ إنَّ تشديدَ مور على المِيلادِ العَنيفِ للديمقراطيّةِ وخُروجها من رَحِمِ صِراعِ الطّبَقاتِ ليس يُسعف في استيعابِ التَّطَوُّرِ المُؤسَّساتيِّ التّدريجيِّ، والعواملِ التَّوافُقيّةِ السِّلميّةِ، الّتي من تُرْبَتِها أَزْهَرَتْ ديمقراطيّاتُ الدُّوَلِ الإِسْكندنافيّةِ (السّويد والنّرويج والدّنمارك). أَخيرًا، ليستْ تَخلو المُقاربةُ البنيويّةُ من مَركزيّةٍ غربيّةٍ انتقائيّةٍ، جسَّدتها عَيِّنَةُ مور من خَمْسِ دُوَلٍ (فَرنسا وإنكلترا وألمانيا واليابان والصين). وغَرَضُهُ من هذهِ الانتقائيّةِ إبرازُ الوَجْهِ الرّأسماليِّ الغربيِّ للديمقراطيّةِ، مع مِثالٍ آسيويٍّ، هو الصين، بِنِظامٍ غيرِ ديمقراطيٍّ.

2-    بؤسُ الثقافويَّة في تفسيرِ الانتقالِ إلى الدّيمقراطيَّة

إذا كان في التصوّراتِ التحديثيَّةِ والبنيويَّةِ حظٌّ من المركزيَّةِ الغربيَّةِ، فالمثلبةُ هذهِ تتضاعفُ عند الثقافويّين. مُنذ كتابِ أَلموند وفيربا[2] الثقافةُ المدنيَّةُ، تَنامتِ الاتجاهاتُ الثقافويَّةُ في تفسيرِ الاستبدادِ أو الديمقراطيَّةِ. وستبلغُ الثقافويَّةُ مَدَاها مع فكرةِ صِراعِ الحضاراتِ، التي مَبناها على الامتناعِ الثقافيِّ للتقدُّمِ الحضاريِّ، ومنها أعادَ فوكوياما تدويرَ فكرةِ نهايةِ التاريخِ الهيغِليَّةِ لِتُلائِمَ سياقَ ما بعدَ الاتحادِ السوفياتيّ. إنَّ الاعتقادَ، مع صامويل هنتنغتون[3] (Samuel P. Huntington)، بأنَّ ثمَّةَ مجتمعات مُؤهَّلة، ثقافيًّا، للديمقراطيَّةِ بينما جُبِلتْ أُخرى على الاستبدادِ، ليس يمكن فهمُهُ إلّا كنرجسيَّةٍ غربيَّةٍ مُصابةٍ بداءِ “التوحُّدِ القُطبيِّ”. بل إنَّ مِن أشدِّ الأخطارِ على الديمقراطيَّةِ هي هذهِ المركزيَّةُ الثقافويَّةُ، وهي عينُها ما حرَفَ الديمقراطيَّةَ الألمانيَّةَ إلى نازيَّةٍ كُليانيَّةٍ، بالأمسِ، وتُهدِّدُ بِحَرْفِ ديمقراطيَّاتِ اليومَ باتجاهِ مزيدٍ من الشعبويَّةِ والأوليغارشيَّةِ واليَمينيَّةِ المتطرِّفةِ.

لا ترى النظريّاتُ هذهِ غيرَ الثقافاتِ الغربيَّةِ المسيحيَّةِ تربةً خَصبةً لإنباتِ الديمقراطيَّةِ، والحالُ أنَّ التاريخَ حافلٌ بالأمثلةِ المُضادَّةِ، والدولُ الديمقراطيّةُ في أقصى شرقِ آسيا نَماذجُ قاطعةٌ هنا؛ فما صَنَعَت اليابانُ، مثلًا، حداثتَها ونظامَها الديمقراطيَّ المتقدِّمَ في خصومةٍ مع ثقافتِها أو توتُّرٍ مع دينِها، على الرغمِ من تماهِي النظامِ الإمبراطوريِّ مع القداسةِ الدينيَّةِ في الثقافةِ السياسيَّةِ لهذا البلدِ. نَستطيعُ أن نوردَ أَمثلةً عن دولٍ ديمقراطيَّةٍ جدًّا ما يزالُ دستورُها ينصُّ – ليس على دينِها المسيحيِّ فحسب، وإنَّما – على مَذْهَبِ الدولةِ. ليست هذهِ المجر أو نيكاراغوا أو فينزويلا، إنَّما هي دولٌ في صدارةِ مؤشِّرِ مجلَّة ذي إيكونوميست للديمقراطيَّةِ. يَعتبِرُ دستورا الدنمارك والنرويج -وهما ديمقراطيَّتانِ كاملتانِ في هذا المؤشِّرِ- الكنيسةَ اللوثريَّةَ الإنجيليَّةَ “كنيسةً وطنيَّةً”، ويَشترطُ أن يكونَ مَذْهَبُ المَلِكِ من الكنيسةِ اللوثريَّةِ الإنجيليَّةِ. وفي دستورِ آيسلندا، كذلك، تَعيينٌ للدينِ والمذهبِ. في مقابلِ هذهِ الأمثلةِ، لم تَجلِبِ المسيحيَّةُ الديمقراطيَّةَ إلى كوبا أو إريتريا أو بيلاروسيا… إلخ. يَبدو من هذهِ الأمثلةِ، ونقيضِها، أنْ ليسَ للدِّينِ “ناقةٌ” ولا “جملَ” له في دَمقرطةِ الدولةِ أو تسلُّطِها. الدِّينُ ما تَأوَّلَهُ مُعتنِقوه، إمّا في توافقٍ أو “شِجارٍ” مع الديمقراطيَّةِ.

يُفصحُ التفسيرُ الثقافيُّ لِعَمليَّةِ الانتقالِ الديمقراطيِّ عن مفارقةٍ صارخةٍ حين يُؤسِّسُ الانتقالَ الديمقراطيَّ على الثقافةِ السياسيَّةِ: كيف تَخرُجُ ثقافةٌ ديمقراطيَّةٌ من الاستبدادِ؟ أي كيف يُنتجُ الاستبدادُ نقيضَهُ؟ وهل يَعملُ الاستبدادُ إلّا على إعادةِ إنتاجِ ثقافةٍ مُستبدَّةٍ ونَفْثِها في المجتمعِ؟ تَكشِفُ هذهِ النّزعةُ، أيضًا، عن قدرٍ “محترمٍ” من السطحيَّةِ حين لا تَلتفِتُ إلى التَّنوُّعِ الهائلِ في المجتمعاتِ داخلَ الدِّينِ الواحدِ، وتَقرِنُ، على نحوٍ ميكانيكيٍّ، بينَ الديمقراطيَّةِ والثقافةِ. فإذا كانت الثقافةُ الأوروبيّةُ المسيحيّةُ مسؤولةً عن ميلادِ الديمقراطيّاتِ الغربيّةِ، اليومَ، فلماذا لا تَحملُ، بالمثل، وِزْرَ ازدهارِ الفاشيّةِ والتوتاليتاريَّةِ بالأمسِ؟ حسبُنا، هنا، مُساءلةُ الثقافويَّةِ: كيف أَنجَبَت ثقافة مجتمع كوريّ واحدٍ نِظامَيْنِ نقيضين: شماليٌّ دكتاتوريٌّ شيوعيٌّ، وجنوبيٌّ ليبراليٌّ رأسماليٌّ؟

3-    حدودُ الإرادويَّة النخبويَّة والمؤسّساتيّة

يمكن القولُ إن التأسيسَ الفعليَّ لـ”علم الانتقالِ”، في وصْفٍ لدراسات الانتقالِ الديمقراطيِّ، وقف فعليًّا على قاعدة النظريّاتِ المتمركزةِ حولَ فاعليَّةِ النُّخَبِ واستراتيجياتِهم. ويُعدُّ كتابُ الانتقالُ من الحكمِ الاستبداديِّ[4]، لكلٍّ من أودونيل (Guillermo O’Donnell) شميتر (Philippe C. Schmitter) وايتهيد (Laurence Whitehead)، مؤسِّسًا لهذا الحقلِ المعرفيِّ. كانتِ البُغيةُ من هذا العملِ إعادةُ الاعتبارِ إلى دورِ النُّخبةِ في دمقرطةِ المجتمعِ وقيادة الانتقال. وعلى الرغمِ من أنَّ الكتابَ هذا مثَّلَ نقدًا رصينًا لنظريّاتِ التحديثِ والنظريّاتِ البنيويَّةِ وتجاوزَ المقارباتِ الحتميَّةَ نحو تصوُّراتٍ أكثرَ فاعليَّة ونِسبيَّة، إلّا أنَّ هذهِ النظريَّة ليست في مَنأًى عن النَّقدِ.

لن نرميَ هذه النظريّة بتُهمةِ إهدارِ الأبعادِ البنيويَّةِ: المادِّيَّةِ والثقافيَّةِ لسيرورةِ الانتقالِ؛ فعلى نقدِها قامت؛ أي لتكونَ تجاوزًا للحتميّاتِ البنيويَّةِ. لكن يُمكنُ أن نقذِفَها بإهدارِ دورِ الحركاتِ الشعبيَّةِ في تحريكِ عجلةِ التغيير[5]. إنَّ التّظهير المُفرِطَ لأدوار الفاعلين السياسيين في صناعةِ التاريخِ أسقَطَ هذهِ التَّصوُّراتِ في شَرَكِ النُّخبويَّةِ، وازدراءِ القطاعِ الأوسعِ من فئاتِ المجتمعِ. وإذا قلنا، مع العروي، أن دولة القلَّة هي الأصل، “إذْ من غير المُتصوَّر أن يحكم، حقًّا وفعلاً، الفرد أو الجمهور”، غير أن لحظات الانتقال أو التحول ناجمة، غالبًا، من أزماتٍ وتوتراتٍ لتفاعل الجماهير سهمٌ مهمٌّ فيها.

والتاريخ يُعلمنا أن الديمقراطيَّة ما كانت مِنحة تجودُ بها النُّخَبُ من عَلٍ، وإنَّما هي – في عمومِها – نتاجُ صِراعٍ ومقاومةٍ ونِضالٍ صاعِدٍ من أسفَلَ. ليس من كَرَمِ النُّخَبِ الحاكِمةِ ولا من سخاءِ البرجوازيَّةِ المُتنَوِّرةِ أُقِرَّت منظومةُ المواطنةِ، حقوقًا وواجباتٍ، وإنَّما من دماءِ الفلّاحينَ في وجهِ الإقطاعِ خرجَت، ومن تضحياتِ العمّالِ لتحسين شروط العمل، وأوجاعِ النّساءِ وصَرَخاتِهنَّ في سبيلِ المُساواةِ، ونضالاتِ الحركاتِ الطلّابيَّةِ والمدنيَّةِ. ثمَّ إنَّ المُقاربةَ الفاعليَّة إنَّما تَنطلقُ من قاعدةِ الاختيارِ العقلانيِّ والواعي للنُّخَبِ، وتُهمِلُ دورَ الحوافزِ الذاتيَّةِ والأهواءِ النفسيَّةِ والقناعاتِ الإيديولوجيَّةِ في ترجيح المصلحةِ الخاصَّةِ.

أمّا تَصوُّرُ الانتقالِ إلى الدِّيمقراطيَّة كمحض ترجمةٍ لعملِ المُؤسَّساتِ السِّياسيَّةِ، ففيه قَدرٌ مِنَ الاختزالِ المُخِلِّ بتَعقيدِ عَمَليَّةِ الانتقالِ الدِّيمقراطيِّ، لأنَّ المُؤسَّساتِ لا تَعمَلُ مِن تَلقاءِ ذاتِها ولأنها ليست في معزلٍ عنِ البنى الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّةِ والثقافيَّةِ الحافَّةِ بِها والمُؤثِّرةِ في نِظامِ اشتِغالِها. صَحيحٌ أنَّ المُؤسَّساتِ تَضعُ الضَّوابِطَ ونُظُمَ الاشتِغالِ، غير أنَّ أصحابَ المَصالِحِ والنُّفوذِ لا يكلُّونَ من التلاعُبِ بِقَواعِدِ المُؤسَّساتِ تلك وحَرْفِها عن خدمة الصالح العام لاستِدامةِ الاستِبدادِ والمصلحة الخاصَّةِ المحيطة به.

لكن في المقابل، تشحذُ المُقاربةَ المُؤسَّساتيَّة انتِباهَها إلى الجَوانِبِ الشَّكليَّةِ والإجرائيَّةِ في المسأَلة الدِّيمقراطيَّة: الدُّستور، والأحزاب السِّياسيَّة، والبرلمان، والمُؤسَّسات القضائيَّة، والانتخابات… إلخ، بينما لا تُلقي بالًا للجوانب الجوهريَّة: مساواة فعليَّة، وحرّيّات أساسيَّة، مشاركةٌ فاعلة؛ تعدّديَّة حقيقيَّة؛ مُساءلةٌ وشفافيَّة. إن الديمقراطيَّة، وبكلمةٍ، مواطنةٌ حقيقيَّة ضمن مجتمع مدنيّ، بما هو روحُ المؤسّسات. لا تنجم الدِّيمقراطيَّةُ مِن سيرورَةِ تطوُّرِ مُؤسَّساتِ الدَّولةِ فحسب، بل قد تُوظف المقاربة المؤسساتية في اتِّجاه مزيدٍ مِن مَرْكَزَةِ القَرارِ، ومأسسة الاستِبداد. كما تُهمل النزعة المؤسساتية تأثير الأحداثِ والانعطافاتِ التَّاريخيَّة في صناعة التاريخ[6]. خذ مثلًا دولَ أُوروبا الشَّرقيَّة، التي خرجت ديمقراطيَّتُها مِن عباءةِ الشُّيوعيَّة وحركة عمالية ومدنية، ولم تنجم من سيرورة مأسَسة للدولة الديمقراطيَّة.

وقد يرفعُ عنَّا تِيلي[7]  (Charles Tilly) عَناءَ نَقد النَّظريَّاتِ النُّخبويَّةِ والمُؤسَّساتيَّةِ معًا، بتَشديدِه على أن التَّغييرَ من الأَسفل يَصعَدُ؛ مِنَ القاعِدةِ، وليس يَجدرُ بنخبةٍ أو مُؤسَّسةٍ أن تَمُنَّ بِه على المُجتمع. إنَّ ما تَفعَلُه النُّخَبُ، المُتوسِّلةُ لِلمؤسَّسة أحيانًا، هو معاكسةُ التَّغييرِ، وفق تقديرِ تِيلي، ومُقاومة مطالبِ النَّاسِ بالإشراكِ في القرارِ وحِمايةِ حُرِّيَّاتِهم وحُقوقِهم ومُساءلة الحُكام. بهذا يكونُ التَّحوُّلُ باتِّجاه الدِّيمقراطيَّة ثمرةَ تَفاعُلٍ مُتوتِّرٍ بين الحكَّام والمَحكومينَ، وليس مُجرَّدَ توافُقاتٍ تخضعُ لإرادَةِ النُّخب وتَواطُؤاتِهم، أو نِتاجًا لِلمُؤسَّساتِ السِّياسيَّة.

4-    الدَّمقرطّة من الخارج والتّسخيرُ الإيديولوجيّ

لئنِ انتبهَ عددٌ من الباحثين إلى دورِ العواملِ الخارجيّة المغفولة، غالِبًا، في جلِّ النَّظَريّاتِ السّابِقَةِ، إلّا أنَّ ما قدَّمَهُ بَعضُهُم، عن وَعيٍ أو عن جَهالَةٍ، شَرْعَنَ التَّسخيرَ الأداتيَّ لفكرةِ الانتقالِ، وأهدرَ الحُدود بين الدَّمقرطَة (democratization) والغَربنَة (westernization)، خاصَّةً دُعاةَ نَظَريّةِ المَشروطيَّةِ الدِّيمُقراطيّةِ. والبَونُ وَسيعٌ بَينَ الدَّمقرطَةِ والغَربنَةِ، كما نَبَّهَ إلى ذلكَ أَمرتيا سَن[8]. ففَضلًا عن تَنميطِها الدِّيمُقراطيّةَ في نَمُوذَجِها الأُورو-أمريكِيِّ، فإنَّها تَفترِضُ مَهَمّاتٍ مُقدَّسَةً لِـ”رُسُلِ الدِّيمُقراطيّةِ”، بِحُسبانِ هذا النَّموذج هو مَبلَغُ الكَمالِ. لكن نظريّات العاملِ الخارجيّ تُصابُ -جُلّهَا- بِالبَكامةِ، حينَ يَتَّصِلُ الأَمرُ بِتَحالُفِ “رُسُلِ الدِّيمُقراطيّةِ” مَعَ “أُمراءِ الاستِبدادِ”، وتتجاهل، في درسها، تَاريخًا مُعاصِرًا حابِلًا بالأمثلة على مدِّ “الغربِ الدِّيمُقراطيِّ” للحكّام الطغاة بكلِّ صنوف المَدد لاستدامةِ الاستبدادِ، لأَنَّه المَصلَحَة، عنده، هي قيمة القيم. الدَّمقرطَةُ إمبرياليّةٌ مُحوَّرَةٌ.

أمّا فكرةُ العدوى الديمقراطيَّة لواتهيد (Whitehead) فَلَيسَت تفسّرُ كيف تنتشر كلُّ “الميكروبات” الثقافية و”الفيروسات” الاجتماعيّة والاقتصادية، القادمة من شمال المتوسط، من دون أن تتسلل معها “جرثومة” الديمقراطيَّة إلى الحياة السياسيَّة لجنوب المتوسط. ما تزالُ “البروتوكولات الاحترازيّة” للاستبداد، وإجراءات الحماية السلطويَّة تُحصّن مناعة دول جنوب المتوسط من أيّ انتقالِ ديمقراطيِّ. هذا على الرَّغم من التَّماسِّ الجغرافيِّ، والرَّوابطِ الاجتماعيّةِ والاقتصاديّةِ، والتَّأثير الثَّقافيِّ والحَضاريِّ، وتاريخٍ عَريضٍ من الغزوِ والاستِعمارِ ومساعي الهيمنةِ المُتبادلةِ. وليس حظُّ تَفاسيرِ الانتقالِ الدِّيمقراطيِّ بالعولمة وكثافة الرَّوابط الدَّوليَّة بِأفضل من تفسيرِ “العَدوَى الإقليميّة”. فهي تُخفقُ، بدورها، في فهم قوَّة السُّلطويّةِ والاستبداد في بُلدانٍ، كَالصِّينِ وَرُوسيا، مُنخَرِطَةٍ تَمامًا في العَولَمَةِ.

وبِالجُملَةِ، انتَبَهَت كُلُّ واحِدَةٍ مِن نَظَريّاتِ الانتِقالِ الدِّيمُقراطيِّ إلى عامِلٍ واحِدٍ، حَسِبَتهُ أَصلَ الدّاءِ أَوِ الدَّواء في الانتِقالِ مِن الاستِبدادِ أَوِ السُّلطويَّةِ باتِّجاهِ الدِّيمقراطيّة. تركِّز هذه على التَّحديثِ ودوره في تحفيزِ سياسَةٍ مدنيّةٍ، وتَقِفُ تِلكَ عند البنى الاجتماعيَّةِ أوِ الاقتصاديّةِ ودورها في دعم -أو إعاقةِ- الدِّيمقراطيَّةِ، وتُشدِّد أخرَى على الاستعدادات الثَّقافيَّةِ وَحُضورِ قِيَمِ المُواطَنَةِ أَو غِيابِها في تَفسيرِ التَّحوُّلِ الدِّيمُقراطيِّ أَو إخفَاقهِ، بينما تُؤمنُ نظريَّةٌ أُخرَى بفاعليَّة النُّخبِ أو دور المُؤسَّساتِ السياسيَّةِ في إنجاحِ العبور الدِّيمُقراطيِّ. وإعمالُ مُقارَباتٍ أُحاديَّةِ العاملِ إنَّما يُهدر عوامل أُخرى قَد تَكونُ فاعلةً ومتفاعلةً في صناعة وضع سياسي بعينه في لَحظَةٍ مِنَ التَّاريخِ. وَهذِه مَثْلَبَةٌ اشْتَرَكَت في إتيانِها -على اختِلافِها- نَظَريّاتُ التَّحوُّلِ الدِّيمُقراطيِّ. الانتِقالُ الدِّيمُقراطيُّ سِيرورَةٌ مُركَّبَةٌ ومُقارَبَتُهُ يَنبَغي أَن تَكونَ كَذلِكَ؛ أَي مُركَّبَة مُتَعَدِّدَة أَبعادُها.

[1] Barrington Moore Jr., Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World (Boston: Beacon Press, 1966).

[2] Gabriel A. Almond and Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (Princeton: Princeton University Press, 1963).

[3] Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (New York: Simon & Schuster, 1996), pp. 209–2017; accessed August 20, 2025, https://msuweb.montclair.edu/~lebelp/1993SamuelPHuntingtonTheClashOfCivilizationsAndTheRemakingofWorldOrder.pdf.

[4] Guillermo O’Donnell, Philippe C. Schmitter, and Laurence Whitehead, Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1986).

[5] Cf: Stuart Hall and Tony Jefferson, eds., Resistance through Rituals: Youth Subcultures in Post-War Britain (London: Hutchinson, 1976).

[6] Cf: Alain Badiou, L’Être et l’événement (Paris: Éditions du Seuil, 1988).

[7] Charles Tilly, Democracy (Cambridge: Cambridge University Press, 2007).

[8] أمارتيا سن (Amartya Sen)، “الديمقراطية وجذورها العالمية: لماذا لا تعني الدمقرطة الغربنة”، ترجمة إنشاء الله مصطفى، مجلة حكمة، 29 يوليو 2022، تاريخ الاطلاع 19 أغسطس 2025، https://hekmah.org/الديمقراطية-وجذورها-العالمية-لماذا-لا-تعني-الدمقرطة-الغربنة/.