Skip to content Skip to footer

اليهود والنصارى في التنزيل الحكيم – دراسة لسانية سياقية قرآنية محايدة | د. يوسف فؤاد أبو عوّاد

سبق لنا بيان مفهوم (بني إسرائيل)، ومفهوم (أهل الكتاب) وما يتعلق بهما في التنزيل الحكيم، والسؤال المطروح الآن، ما هو مفهوم اليهود ومفهوم النصارى في التنزيل الحكيم؟

بداية ظهور المفهوم

يشير التتبع الزمني للصوص القرآنية من داخلها حصرًا أنّ بداية ظهور كلمة مشتقة من الفعل (هادَ) ومضارعه (يهودُ) هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَ﴾ [الأعراف: 155-156]، وقد وقع هذا الحدث الذي تشير إليه الآيتان الكريمتان بعد حادثة العجل وميقات موسى الأوّل، وبه نفهم أنّ قولهم (هُدنا) يعني السكون والخضوع، وقد أشار ابن فارس إلى ما يقارب ذلك في مقاييسه.

 

مفهوم “الذين هادوا”

كلمة (هادوا) إذن هي إسناد الفعل الماضي (هادَ) لواو الجماعة، وقد فهمنا من الفقرة السابقة أنّهم بالأساس من تابوا وسكنوا بعد عبادة العجل، لكنه صار لهم بعد ذلك تاريخ، خلطوا في الخير بالشرّ والصلاح بالفساد، ولذلك تتنوع السياقات القرآنية التي تضمنت هذا المصطلح، وهي عشر سياقات، سنذكرها جميعًا لتكون الصورة واضحة تمامًا.

أهمّ هذه السياقات لتأصيل المفهوم وبيان إيحائه قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ففيه، يظهر خضوع القوم للنبيين والأحبار والرهبان الذين يحكمون بالتوراة.

لكننا بعد ذلك نلاحظ بداية انحرافهم، حيث يُحرِّم الله عليهم طيبات كانت قد أحلت لهم، لاحظ قوله تعالى: ﴿فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا۞وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ [النساء: 160-161]، لكنهم ما يزالون خاضعين للرسل والرسالة، وإلا لما كان للتحريم قيمة، كما أنّ ما بقي منهم من ليسوا من أهل الظلم، فقد جاء بعد هاتين الآيتين مباشرة قوله تعالى: ﴿لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 162]. ولقد فصّل التنزيل الحكيم ما حُرِّم عليهم من الطيبات في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ﴾ [الأنعام: 146]، ثمّ أشار إلى هذا التفصيل في آية لاحقة هي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ﴾ [النحل: 118]

ثمّ يذكر التنزيل عنهم مرحلة أعلى من الانحراف، حيث يحرفون الكلم عن مواضعه ومن بعد مواضعه، لاحظ قوله تعالى: ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 46]، وقوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ﴾ [المائدة: 41]، وتحريف الكلم عن مواضعه أقلّ سوءًا من تحريفه من بعد مواضعه؛ لذلك استثنى في الآية الأولى قليلًا منهم من اللعن، أمّا الثانية فلم يستثنِ فيها أحدًا من عدم إرادة تطهير القلوب.

وفي مرحلة لاحقة نراهم تخلّوا تمامًا عن التوراة، واستعاضوا بها أسفارًا، وهم مع ذلك يزعمون أنّهم أولياء لله من دون النّاس، وعلامة معرفتهم بانحرافهم عدم تمنّيهم الموت رغم هذه الدعوى باختصاصهم بولاية الله، لاحظ قوله تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ۞قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ۞وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الجمعة: 5-7]

والتنزيل بعد ذلك يشير إلى أنّه لم ينقطع منهم الرجاء بالخير، بل إنّ باب الأجر مفتوح تمامًا لهم إذا آمنوا بالله واليوم والآخر وعملوا صالحًا، لاحظ قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [المائدة: 69]، وهو يشير إلى أنّ الفصل النهائي بينهم وبين غيرهم إنّما يكون من الله يوم القيامة، لاحظ قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [الحج: 17]

 

 

مفهوم “اليهود”

إنّ شدّة الانحراف عن الرسالة جعلت بعض هؤلاء يستحقّ وصف (يهود)، وهو وصف صار مفارقًا تمامًا للاستجابة لرسالة الله، وكأنّ إضافة الياء إلى الأصل (هود) عكس المعنى الأصليّ الذي دلّ على السكون والعودة إلى الصواب، وصار يوحي بما تذكره الآيات من سلوكات لا علاقة لها ولا لأصحابها بالكتب والرّسل، وسنلاحظ تاليًا لدى ترتيل الآيات أنّ الأمر لا علاقة له بعرق ولا جغرافيا محددة، بل هو وصف لسلوكات محضة اتّصف بها هؤلاء.

وننبه إلى أننا سنرجئ تحليل الآيات التي ورد فيها مفهوم (يهود) بعد أن نشرح كيف ظهر مفهوم (نصارى)؛ وذلك لأنّ معظم الآيات تجمع الملتين معًا.

 

مفهوم “النصارى”

الأصل اللساني لهذا المفهوم هو (نصر)، وقد بدأ الأصل الذي منه تولّد المفهوم لاحقًا بشكل إيجابيّ، شأنه في ذلك شأن مفهوم (اليهود) الذي بدأ بالهوْد إلى الله، ثمّ صار فيه من الانحراف ما بيناه.

ونعني بالصورة الإيجابية ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]، وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ﴾ [الصف: 14]، أنصار مفردها (ناصر)، وهم من نصروا عيسى على أعدائه. لكنّ الأمر لم يبقَ على هذه الصورة؛ ذلك أنّ كلمة “نصارى” مفردها “نصرانيّ”، كما جاء في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، وهو اسم منسوب إلى الوصف “نصران”، مثل عطشان وريّان وجوعان، وهذا الوزن يدلّ على الامتلاء الشديد بالوصف، كما هو مقرّر في علم الصّرف العربيّ. وبهذا يُفهم أنّ هذه الملّة السلوكيّة قائمة على المبالغة في النّصر إلى حدّ منحرف يقوم على الغلوّ في الأشخاص، فعوضًا عن التركيز على نصر الفكرة، تحوّل الأمر إلى غلوّ في الشخص الحامل لها، وأدّى هذا الغلوّ بالتالي إلى شقاق عن الرسالة الأصلية.

وكما لم يقطع التنزيل الحكيم الحبل بين الذين هادوا وبين الأجر، فهو لم يقطعه أيضَا عن النصارى بنفس الشرط المذكور سابقًا، وهو الإيمان بالله والعمل الصالح؛ ولذلك جاء ذكرهم في الآيتين السابقتين في سورتي [البقرة: 62]، و[المائدة: 69]، وهم كذلك خاضعون لمبدأ الفصل الإلهي يوم القيامة الذي أشرنا له في آية سورة [الحج: 17].

 

السلوكات المشتركة بين ملة اليهود وملة النصارى

إذا عُلم كلّ ما سبق، لم يبق لنا إلا استقراء الآيات التي تذكر اليهود والنصارى مشيرة إلى سلوكاتهم، والمشتركة منها هي على النحو التالي:

1-  ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18]، ويظهر في هذه الآية ادّعاء الملتين التفوّق على سائر البشر ببنوّة الله وحبّه.

2-  ﴿أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: 140]، ويظهر في هذه الآية سعيهم للاستحواذ على رسالة جميع المرسلين لصالحهم، وتقديم الأمور بطريقة معكوسة، فعوضًا عن أن يدرسوا أحوال هؤلاء المرسلين ويضبطوا سلوكهم وفق هديهم، تراهم يزعمون أنّ هؤلاء المرسلين كلّهم كانوا لهم خاصّة، وكانوا على نهجهم هم.

3-  ﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]، وهنا تراهم يحصرون الجنّة فيهم دون سائر البشر.

4-  ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]، وهنا تراهم يحصرون الهداية في ملّتهم دون ساشر البشر.

5-  ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]، وهنا يشترطون في الرضا عن الغير وإقامة علاقة سويّة معهم أن يتبعوا ملّتهم، والنصّ يصف هذه الملّة بالأهواء المجرّدة.

6-  ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [البقرة: 113]، وبعد كلّ ما سبق تبيّن هذه الآية أنّ كلّ واحدة من الملتين تنفي أن تكون الأخرى على شيء أصلًا، فتزيل بهذا الوصف كلّ منهما أيّ نوع من الخير عن الأخرى.

7-  ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ۞ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 30-31]، وهذا السياق يشرح فلسفتهم الفكرية، فهي قائمة على اتخاذ الأرباب والوسطاء بينهم وبين الله؛ ليفعلوا ما يريدون، ويغفروا ما يريدون باسم هؤلاء الوسطاء.

وهكذا تظهر الصفات السلوكية المشتركة للملتين، وهي قائمة على النرجسية وادّعاء الفوقية على سائر الخلق، والانغلاق ورفض الآخر، وحصر الهدى والحق والرسل والكتب والجنة بهم، بل حصر الله لهم -تعالى عن ذلك-، ثمّ هم مع ذلك يتخذون الوسطاء بينهم وبين الله، فيقرر هؤلاء الوسطاء ما لم يأذن به الله، ويتبعهم المريدون في ما يقررونه.

وها أنت ذا لم ترّ ربطًا بينهم وبين الكتاب، ولا بينهم وبين بني إسرائيل، ولا تخصيصهم بعرق أو جغرافيا أو حقبة من التاريخ، ولم ترَ غير الأوصاف السلوكية الصرفة.

ومن هنا جاء نهي الذين آمنوا عن اتخاذهم أولياء في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، وهذا نهي منصبّ عمّن اتّصف بالسلوكات السابقة، وليس نهيًا منصبًّا على مجموعة بشرية محددة، ولا عرق ما، ولا هو قائم على تصنيفات الأحوال المدنية المبنية على الوراثة.

 

الفرق بين ملة النصارى وملة اليهود

1-            هناك آية واحدة ذكر فيها النصارى دون اليهود في التنزيل الحكيم، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [المائدة: 14]، وصحيح أنّ الآية تتحدث عن نسيان ما ذُكّروا به، وما نتج عن ذلك من العداوة والبغضاء بينهم، إلا أنّها تشير أولا إلى أنّهم هم من أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم، وثانيًا أنّ الآيات فيها نوع من العتاب بأنّهم كان ينبغي عليهم أن لا ينسوا الميثاق لو حققوا فعلا معنى النصر لرسالة الله.

ويجدر بنا الانتباه هنا إلى ما تشير إليه الآية من كون النصارى هم أطلقوا هذا الاسم على أنفسهم، وذلك مخالف لمصطلح اليهود، فنحن نرى النصّ القرآني عندما يتحدث عن حديثهم عن أنفسهم فإنّهم يصفون أنفسهم بلفظ (هود) دون الياء التي نفترض أنّها فرّغت الكلمة من إيحائها الإيجابي الأول، وتجد هذا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]، وقوله: ﴿أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: 140]،  وهذه لفتة للدقة المتناهية للنص القرآني في بناء المفاهيم، وهي دليل لما قلناه من كون إضافة الياء للكلمة عكس معناها الأصلي. ومن هنا، وجدنا آيتي [البقرة: 62]، و[المائدة: 69] اللتان تحدثتا عمّن له أجره عند ربّه ولا خوف عليه ولا هو يحزن لم تورد وصف اليهود، بل أوردت وصف (الذين هادوا)، بينما أوردت وصف النصارى كما هو، وقد كنّا بيّنا دلالة هذا التركيب (الذين هادوا)، وميّزنا بينه وبين مفهوم (اليهود).

2-  وهناك آية وحيدة يذكر فيها اليهود دون النصارى، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ﴾ [المائدة: 64]، وفيها الإشارة إلى إساءتهم البالغة لله، وكأنّ ذلك نتج عن شدّة الكبرياء والترّفع لديهم حتى صاروا يرون أنّ إعطاء الله لهم ما يريدونه حقّ وواجب عليه، فإذا لم يحصل ذلك تنقّصوه وشتموه. كما يظهر في الآية سعيهم الدائم لإيقاد نار الحرب والفساد في الأرض، وكلّ تلك صفات لم تذكر بحقّ النصارى.

3-   تبقى آية أخيرة يجب الوقوف عندها، وهي آية تذكر اليهود والنصارى في سياق واحد، لكنها هذه المرة تفرّق بينهم تفريقًا هو في غاية الأهمية، وهي قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]، فهي تجعل اليهود أشدّ النّاس عداوة لمن تبنوا فكرة الإيمان، وأنشأوا مجتمعهم الآمن، بينما نجد النصارى أقرب النّاس مودّة لمن آمنوا، وأنّهم لا يستكبرون. فالسلوك اليهودي والنصراني يجتمعان في حصر الهداية والجنة والحق وحبّ الله والرّسل فيهما، كلّ يحصرها لنفسه، ولكنّهما يفترقان في القرب الشديد للنصارى من الدخول ضمن مجتمع الإيمان الآمن، على عكس السلوك اليهودي الذي يعادي هذا المجتمع؛ ولعل ذلك لأنّ أساس انحراف السلوك النصرانيّ هو النصرة المبالغ فيها عن الحدّ، في حين أنّ أساس السلوك اليهودي هو الانغلاق والفوقية على سائر النّاس.

 

نتائج حاسمة

1-   اليهود والنصارى -بحسب التحليل اللساني للنص القرآني- ملتان سلوكيتان، لا تتعلقان بعرق ولا بمجموعة بشرية محددة، بل ترتبطان بسلوكيات منحرفة تقوم غالبًا على اتخاذ الأرباب من دون الله، وعلى حصر الحق والهداية فيهما، رغم نفي كلٍّ منهما الهداية عن الأخرى. ويزداد الشعور بالفوقية لدى اليهود حتّى يصل إلى شتمهم لله.

2-   من كان على أصل فكرة (الهود) إلى الله، يسميه التنزيل (الذين هادوا)، وهم مع النصارى يمكن لهم أن يكون من أهل الأجر والنجاة إذا آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحا.

3-   الملة اليهودية معادية لفكرة الأمن البشري العامّ، بينما نجد الملة النصرانية أقرب شيء إليها.

4-   تولّد هاتين الملتين السلوكيتين بعد نزول الكتاب وانتشار بني إسرائيل لا يعني بحال أنّهما قسمان لأهل الكتاب وبني إسرائيل، ولا يعني استحقاق أتباع هاتين الملتين السلوكيتين لمسمّى أهل الكتاب وبني إسرائيل إلا أن يكون ذلك على سبيل التذكير بما يجب أن يكونوا عليه.

5-   الملّة التي تمثّل التطبيق الحقيقي للدين هي ملّة إبراهيم، الذي أسلم وجهه لله وحده، ونفى كلّ وسيط، ونشدَ تحقيق المجتمع المسلم الذي يسلم بعضه من شرّ بعض، والمؤمن الذي يؤمن بعضه لبعض.