Skip to content Skip to footer

إثبات سماوية القرآن – الجزء الثالث | قصي هاشم فاخر

نواصل الحديث عن العناصر التي تشكل الهيكل للمنهج المعرفي في محاولة معرفة أي ظاهرة أو دراستها بشكل تفصيلي للوصول إلى نتائج معينة. وقلنا في وقت سابق إن الأمر الذي يدفعنا للتفكير بالخبير في حالة رغبتنا في التأكد من أصالة جوهرة أو مسألة معينة وهي بين أيدينا، هو وجود الخبير وتوفّره أو وجود الخبراء وتوفّرهم. أي لو لم يكن هناك توفر للخبير في قضية معينة، لن نتمكن من القيام بأي شيء جديد.

أهمية وجود الخبير

وضربنا مثالًا: إذا ذهب شخص إلى السوق ليشتري كيلو تفاح، لكنه لا يدري هل هذا التفاح قد أجريت عليه عمليات هندسة وراثية أم لا، فسأل صاحب المحل، فاعتذر له وقال: والله لا أدري. فسأله: هل يوجد أحد يمكن أن يخبرني؟ قال: والله لا يوجد أحد في هذه المدينة. فسأله: هل يوجد مختبر في هذه الدولة؟ قال: لا يوجد. فتصبح القضية كأنها ضربة حظ بالنسبة له، فهو لا يعلم

على أي شيء يعتمد. وقلنا بأن الإنسان دائماً يحتاج إلى الخبير إذا كان الخبير موجوداً.

والقرآن أيضاً أشار إلى هذه القضية. فمثلًا حينما يتحدث عن جماعة الذين آمنوا يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. هذا النص هنا يوضح الحاجة إلى صاحب الاختصاص وضرورة الرجوع إليه للحصول على القطع في أي قضية، معتبراً أن ذلك من طبائع الأمور ومن سعة رحمة الله تعالى. لذلك يقول: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أي أن وجود المتخصص أو الرجوع إلى المتخصص هو رحمة من رحمات الله، أي أن الله سبحانه وتعالى رتّب الأمور بحيث يتمكن بعض الناس من الحصول على العلم الأكثر والخبرة الأكثر والاختصاص.

كذلك أكد القرآن على أهمية هذا الأمر. وقد أشرت إلى أن “أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ” أو “أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ” ليسوا أولياء الأمور بالمعنى المتداول، بل أولي الأمر تعني أصحاب الاختصاص، لأن “أولي” جمع “ذو” أو “ذا”، فـ”ذا اختصاص” أو “ذا أمر” تعني صاحب اختصاص.

لاحظوا أنه في نص آخر يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 24-28]. فأكد وجود النذر ووجود الرسل ووجود البينات والزبر والكتاب، أي أنواع من النذر وأنواع من كتب الهداية التي ترد إلى الإنسان، وأكد أن مصدرها واحد. ثم ضرب مثلًا بالماء النازل من السماء وكيف أن هذا الماء أخرج مختلف صنوف الثمرات ولون الجبال وشاكل الناس والدواب. إذن، فإن من أهم ما تنتجه العملية الفكرية هو وجود علماء مختصين في كل مجالات الحياة، وهم الأكثر قدرة على كشف الحقائق.

دعونا نتأمل هذا المقطع من النص الذي أوردناه من سورة النساء حيث يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. لاحظوا النص: كان يمكن أن يقول “ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه” باعتبار أن الرد صائب إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لكن يكرر كلمة “منهم” في النهاية، فهو يقول بالبداية: إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف كان يفترض بهم ألا يقيموا الدنيا ولا يقعدوها، بل يفكروا في رد الأمر إلى جهتين تعتبران عارفتين بفهم مثل هذه الأمور، وهما الرسول باعتباره خبيراً بالرسالة، وأولي الأمر منهم باعتبارهم أصحاب اختصاص، بمعنى أن الأمر يحتاج إلى الرجوع إلى الخبير وأولي الأمر كما قلنا. ولكن تكرار كلمة “منهم” يشير إلى وجود تفاوت في المستوى بين أولي الأمر منهم، أي أن أولي الأمر منهم الذين كانوا يرجعون إليهم كان بعضهم معروفين، أي أنك من هؤلاء تجد بارزين يتمكنون من فهم هذه القضية.

ثم يقول: “الذين يستنبطونه منهم”، أي قد يكون هناك أخصائيون آخرون غير عارفين بقضية الاستنباط في قضايا أخرى مثلًا، ولكن المطلوب هنا لمعرفة الأمر، هذا الدين الذي جاءهم من الأمن أو الخوف، أن يكون هناك من يعرف بالاستنباط. وهذا طبعاً نحن نعرفه، خصوصاً الأطباء، وكثير من الناس يميلون إلى طبيب معين وتظهر الشهرة واضحة، وقد تجد أن كثيراً من الأطباء الآخرين أعلى منه شهادة، لكنه يملك موهبة أو شيئًا ما يجعله قادراً على التشخيص أفضل من غيره، أو قادراً على أمور أخرى.

أقصد أن هذه ظاهرة طبيعية حتى في مصلح السيارات أو غيره، فقد نجد أن هناك إنسانًا قد يكون أقل من غيره في المستوى العلمي، لكن لديه قدرة ويكون هو الأفضل في الرجوع إليه.

 

أهمية أهلية الخبراء

عندنا أمر آخر يجب أن نفهمه أيضاً في هذا الهيكل المعرفي، وهو أهلية الخبراء. أي أن هذا الخبير الذي تم الرجوع إليه يجب أن يكون مؤهلًا، لكن كيف تكون هذه الأهلية معروفة؟ إما أن يكون مشهوداً له من المؤسسات أو من نقابة خاصة أو من ذوي خبرة أو شيوع مفضٍ إلى اليقين من خلال السمعة الطيبة والشهرة بالمهنية العالية والدقة في التقييم في مجال اختصاصه. فلا يصح مثلًا تقييم الناس بناءً على انتماءاتهم. أقصد أن عملية تقييم أهلية الخبير يجب ألا تعتمد على قضية انتماء هذا الخبير، أي لو كان من جماعتي أو ليس لديه شهادة خبرة فلا أقبل خبرته. وطبعاً هذه القضية رغم أن الكثيرين يؤكدون عليها ويؤكدون على أنه يجب أن يكون الخبير من جماعتي أو يحمل نفس العقائد أو نفس الأفكار، إلا أنه على الصعيد العملي، وعندما تشتد الأمور، تراه يلجأ إلى صاحب الاختصاص مهما كان دينه أو عقيدته أو اتجاهه. وهذه طبعاً مشهودة في الأمراض وفي العمليات الدقيقة جداً.

إذن، فهذا أمر عقلائي، أي إن هناك شيئًا إذا لم يكن منطقيًا، فهناك جهات تم تمحيص علميتها ونزاهتها وتبين أنها قادرة على تزويد بعض الخبراء بشهادة خبرة معتبرة، أو أن هناك نقابة لأصحاب مثل هذه المهن تزود أعضائها بشهادات خبرة مقطوع في خبرتهم وكفاءتهم في هذا المجال.

ولاحظ كيف يهتم القرآن الكريم بالخبراء فيقول: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. معناها أن الآية تشجع أو تدفع الناس إلى إبراز متخصص دائمًا في كل شؤون الحياة، حتى إذا احتاج الناس إلى الرجوع إليهم، يجدون أخصائيًا، أي لا تكون المسألة خالية من أحد يلجأ إليه، وهكذا.

وهذا أيضًا يقطع الطريق على اختلاط الحابل بالنابل، فيأتي كل من هب ودب ويقول: “أنا خبير في كل شيء”. تجد بعض الناس، مثلًا، لا تستطيع أن تفك حاجتك حتى أمامه، تتحدث باللغة هو خبير، تتحدث بالطب هو خبير، تتحدث بالفلسفة هو خبير، ولا يعطيك مجالًا لأي شيء. القرآن يقول لك: يجب أن يكون هناك متخصص يتعب نفسه حتى يقدر أن يقدّم لك شيئًا.

لاحظ استخدام “إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ” يبدأ بأداة شرط غير جازمة، بمعنى أن مستوى الأمة متفاوت، فقد لا يحتاج إلى خبرة كبرى، أي أحيانًا يكون لديك ناس مثقفون، لا يحتاجون إلى الرجوع إلى الخبير إلا نادرًا. مثلًا، إنسان خبير يعرف كيف يتصرف عندما يمرض ابنه، يعرف إذا سافر كيف يتصرف إذا واجه أزمة في أي مكان، كلما زاد مستوى الثقافة والاطلاع العام والمعرفة والمستوى التعليمي، يكون أكثر قدرة على مواجهة مختلف الظروف. لكن خلا هذا الاستثناء، “إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ”، أي إذا احتاجوا إليهم، يكون لهم.

 

ما معنى الرجوع إلى الله؟

نتأمل في النص الآخر الذي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. كيف يكون الرد إلى الله؟ كيف يمكن للإنسان أن يرجع الأمر إلى الله؟ ما معنى الرجوع إلى الله؟ معناه الرجوع إلى قانون الله سبحانه وتعالى، القانون الطبيعي المتحكم في الكون. فأنت في أي قضية تستطيع أن ترجع بها إلى الله سبحانه وتعالى. تنظر إلى القانون المتحكم بها، وترجع إلى هذا القانون، والقانون هو الذي يحكم لك إن كانت هذه القضية صحيحة أو خاطئة. تمامًا كما لو أنك تأخذ قطعة من جهاز، وتريد تركيبها على الماكينة، فإذا لم تركبها، لا تشدها بالقوة، بل تنظر إليها، فإذا كانت قاعدة في مكانها، فهذا هو الرد إلى الله.

أما الرد إلى الرسول، فتعني الرجوع إلى من جاء بالرسالة. وهنا، عندما يكون الخطاب واضحًا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا”، يعني الذين آمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول: إذا حدث شيء، ارجع إلى الله وانظر إلى القانون الخاص به، وإذا لم تستطع التمييز، ارجع إلى الرسول. ثم يقول: “فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ”. في البداية يقول: “أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ”، أي ثلاث جهات: الله، وهو القانون الطبيعي الذي يصل إليه عقلك. الرسول، وهو الذي جاء بالرسالة. وأولي الأمر منكم، وهم أصحاب الاختصاص. الطاعة هنا ليست بمعنى الاتباع فقط، بل الطاعة تعني القبول، أي قبول وجهة نظر المقابل. لأن الفهم الشائع للطاعة يخلط بينها وبين الاتباع، والاتباع مرحلة لاحقة للطاعة. أنت قد تطيع ولا تتبع، وقد تطيع وتتبع. فالطاعة هي المرحلة الأولى، وهي قبول وجهة نظر الآخر، أي أنك تقبل ما يقوله أو ما يطلبه منك.

دائمًا، أولي الأمر منكم، أي أصحاب الاختصاص، يكونون موجودين في حالة غياب الرسول عن المجتمع، أي الشخص الذي يقدر أن يفسر الرسالة القادمة. أهلية الخبراء مهمة جدًا في الكشف عن كثير من الأمور.

نتذكر قصة يوسف عليه السلام، حين حدثت مشكلة بينه وبين امرأة العزيز، وقد تمزق قميصه. فالعزيز احتار، إذ كان هناك اثنان، زوجته ويوسف، والقميص الذي يرتديه يوسف ممزق، فلم يكن يعرف كيف يحكم في الأمر. فشاهدنا كيف يقول النص القرآني إن الخبير هو الذي يقدر أن يقطع في هذه القضية، حيث قال يوسف: “هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي”. أي حدث اختلاط، فهي قالت له: “لو أراد أحد أن يعتدي على أهلك، ماذا تفعل له؟”، وهو قال: “هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي”. ثم تقول الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:26-27]. أي أن الشهادة تأتي من شاهد من أهلها، أي من أهل الخبرة، وليس من أهل امرأة العزيز. فما معنى هذا العزيز؟ هو رئيس وزراء مصر، فإلى أين ذهب؟ ذهب إلى الخبير الجنائي التابع للحكومة، وقال له: تعال، لدي هذه القصة، ماذا أفعل؟ فجلس هذا الخبير الجنائي يفكر لدقائق معدودة، ثم قال له: إذا كان القميص مشدودًا من الخلف، فهذا يعني أنه ركض وهي وراءه، وإذا كان مشدودًا من الأمام، فهو المعتدي عليها. فالقضية محلولة. عندها لم يعد العزيز بحاجة إلى العودة لرؤية كيفية وقوع الحادثة، لأن شهادة شاهد من أهلها، أي من أهل الخبرة والاختصاص، تكفي. فتبنى العزيز هذا الرأي، وترك القضية تُحل بناءً عليه.

هذا المعيار في تحديد الخبراء هو من أهم المعايير التي يتبعها الناس، كونه متاحًا وموجودًا في أذهاننا، وهو عبارة عن مجموعة من الثوابت المنطقية التي يمكن للإنسان أن يعتمدها في تقييم خبرة الخبراء والمختصين. لذا، فإن الأمر المؤكد الذي يتفق عليه المنطق والقرآن هو حاجة النص القرآني إلى خبراء ومتخصصين على مستوى عالٍ، وهم المتاحون للبحث في أصالة وسماوية القرآن. إذًا، هذا البحث يأخذنا في الاتجاه الذي يوجب علينا أن نفرد متخصصين لدراسة النص القرآني حتى نثبت سماويته.

 

أهمية عدم التعارض بين شهادة الخبراء

العنصر التاسع هو “التعارض”. من أهم المبادئ التي ينبغي وضعها في الحسبان هو مبدأ عدم التعارض بين شهادة الخبراء، فإذا جئنا بمجموعة من الخبراء لفحص الماسة التي نريد اتخاذ قرار بشأنها، سنكتشف بسهولة من هم المتخصصون ومن يمتلكون خبرة إجمالية. قد يكون هناك من يعمل في مجال المجوهرات لكنه ليس متخصصًا في الماس، فلا يستطيع تشخيص الماس الحقيقي من غير الحقيقي، لكنه يمتلك معرفة إجمالية. فعندما نعرض الماسة على مجموعة من الخبراء، نستطيع فرزهم: فهناك مجموعة منهم هم خبراء ماس واضحون، أدواتهم مختلفة، طرق تعاملهم مع الماسة تختلف عن الآخرين الذين لديهم معرفة إجمالية فقط. نلاحظ اتفاق مجموعة منهم على رأي واحد، وهم أهل الخبرة والتخصص، بينما تكون آراء الآخرين غير حاسمة ومتفاوتة في تقييم قيمة الماسة، مثل التقييم أو درجة نقائها أو عمرها، وهكذا.

على هذا الأساس، وجود خبراء في علم الكلام مثلًا، أو المشهود لهم بكثرة الممارسات الشعائرية التعبدية، أو الاحتفاظ بهيئة سلفية معينة، قد لا يكون هو المعيار في تعيين خبرتهم في ميدان شهادة القرآن على أنه كتاب سماوي. أقصد كثيرًا من الناس يدخلون في قضية تقييم النص القرآني وهم ليسوا أهلًا لها، لمجرد أنهم متخصصون في الفقه، في حين أن الفقه لا علاقة له بتقييم النص كنص. يبقى أن علمهم، أي العلم الذي يُدرّس في الجامعات، قادر على التمييز بين النص وبين مجرد اللون أو الشكل، هو المعيار الذي ينبغي الاستناد إليه. يجب أن نقيم كفاءة هؤلاء في قضية تقييم النص قبل أن نسمح لهم بتقييمه.

أما متابعة طرقهم في الاستناد، فنحن لم نقل إنه يجب أن نمتلك خبرة كافية في الظاهرة المبحوثة فقط لنقيم الخبير، بل على الأقل يجب أن نتابع طرقهم في تقييم النص. أي أنني أراقب الشخص الذي يأتي ليحكم على النص ويريد أن يقول لي إن هذا النص سماوي أو غير سماوي، ما هي طريقته؟

وقلنا إن الأمر بسيط جدًا، ففي قضية الماس مثلًا، نلاحظ أن الخبير الأصلي لا يستخدم أدوات مثل الشاكوش أو القلم ليكسر أو يدق الماسة، فهذا ليس خبيرًا. الخبير الحقيقي هو الذي يستخدم نابورًا ويطوع داخل الماسة ليعرف حقيقتها، أو يستخدم أجهزة تحليل الضوء، ويراقب نقاء الصورة التي تظهر، وهكذا. بهذا الشكل نقدر أن نقيم من خلال متابعة أساليب الناس هل هم أصحاب تخصص أم لا.

لذا، ينبغي أن نلاحظ الأمور التالية: يجب على من يصفون أنفسهم بالخبرة في تقييم النص القرآني أن يتفقوا على درجة تقييمهم له. نحن قلنا إن الجميع متفق على أن هذا الكتاب متميز، سواء كنا مسلمين أو غير مسلمين، هذا أمر لا يختلف عليه أحد. لا يوجد أحد في التاريخ قال إن هذا الكتاب لا شيء أو متهافت، إلا إذا كان هو متهافتًا. كثير من الناس الذين يسمون أنفسهم متخصصين على الإنترنت يظهرون أخطاء في القرآن، وهذا افتراء سخيف، لأن أهل اللغة الأصليين الذين كان بينهم القرآن كانوا أجدر بالانتباه إلى هذه الأخطاء التي يزعمون وجودها. أنت الآن لا تستطيع أن تحكم على جملتين في الحديث مثلًا.

لذا، نحن لا نعتمد على هؤلاء، بل نجعل الإنسان صاحب العلم والقدرة على التمييز هو المرجع. الكل يتفق على أن هذا الكتاب متميز، فلما يكون كتابًا متميزًا، يجب أن يكون أصحاب الخبرة متفقين على ذلك. أنت بالحقيقة تستطيع أن تتابع أي موضوع، مثل البلاغة في القرآن، فتجد اتفاقًا واضحًا بين أرباب البلاغة على أن البلاغة عالية جدًا في القرآن. تابع مثلًا أصحاب الإعجاز العددي الذين يقولون إن الأعداد والأرقام، وأن هناك مسائل معينة موجودة في القرآن، تلاحظ أنهم متفقون جميعًا على وجود هذه اللوغاريتمات وهذه الحسابات داخل النص، وهكذا. إذًا، يجب أن نتمكن من تمييز الخبير من غير الخبير.

لاحظوا ماذا يقول القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7].

لاحظ كيف جمع أولو العلم الراسخون في شريحة واحدة وجعل رأيهم موحدًا بمقولة واحدة: يقولون “يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا”. تلاحظ أنه جمعهم في مقولة واحدة، في حين قال عن الذين في قلوبهم زيغ، والزيغ مثل ميزان الذهب، لا يصح أن يلتصق بمجموعة من الأوساخ فيميل أو يزيغ. حتى الميزان الإلكتروني لقياس الذهب يتأثر بالهواء القادم من المروحة، فيميل. فالزيغ هنا يعني أن الأمر لا يتحقق بطريقة صحيحة، هناك فيروسات كما قلنا في المرة السابقة. فتجد آراء هؤلاء مشتتة.

التأمل في هذه الآية يعطيك، في هذا المنظر الذي قلنا فيه التعاون، أن الجميع يراودهم شعور بأن هناك مسائل كثيرة في واقعنا تشير إلى هذا التهافت، أي تشير إلى أن قضايا الاتفاق في أغلب القضايا تكاد تكون غير موجودة. فنلاحظ التكفير الموجود بين الأطراف المختلفة والمذاهب المتعددة. لأنه لا توجد وحدة معيارية حتى تستطيع أن تعير الأمور عليها. كل مجموعة تضع لها معاييرها.

إذن، النظر في الحالة بين أصحاب الخبرة والعلم في مجالات العلم الأخرى يوحي لنا أنه رغم وجود الاختلافات السياسية والعرقية والقومية والاسمية بينهم، إلا أنهم يتفقون دائمًا على ما يعتبرونه حقائق علمية لا يمكن الطعن بها. في حين تجد كثيرًا من المسلمين يأنفون من شربٍ من نفس القدح الذي يشرب منه المسلم الآخر إذا كان من طائفة أخرى أو مذهب آخر، فيرفضونه. أو إذا كان منشغلًا بالفلسفة أو غيرها، يصبح كله نجسًا أو “عين نجسة متنقلة” على تعبيرهم. إذن، يجب أن نتحاشى الزيغ ونتوجه إلى العلم.

 

أهمية التعظيم والشهادة

العنصر العاشر، الذي هو عكس العنصر التاسع الذي قلنا فيه إن الاختلاف يسقط الجماعة، هو التعظيم والشهادة. بمعنى أن الخبير ليس شخصًا واحدًا فردًا صمداً، أي فلان فقط هو الخبير، هذا لا يصح، لأنه لا يعطينا مجالًا للتحقق أو التأكد من القضية. وما معنى أن يكون فلان الخبير؟ يجب أن يكون مؤمنًا بالقضايا الفلانية، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، حتى نجد مقاييس ومعايير لنقيسه أول مرة، ثم نرى رأيه العلمي في قضية معينة. وهذا ضد العلم تمامًا، لأن العلم المفروض لا يطوع الإنسان على انتمائه، أو من هو، أو من أي مجموعة، بل يجب أن يطاع على أساس المعايير العلمية التي تقيم خبرته.

لاحظ كيف يقول القرآن: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: 13].

ويقول أيضًا: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: 8]. أرجع الأمر إلى شهادة قانون الله سبحانه وتعالى. هؤلاء الذين يقولون على النبي: “افتراه”، أي يقولون إن الرسول افترى على القرآن، لا من الله ولا من غيره. فالحديث ليس عن المسلمين، بل عن غير المسلمين المشركين الذين يرفضون ويكذبون، ويقولون: “أنتم كافرون وأنتم في جهنم”. لا يحاججهم، يقول إن القضية أنكم لن تستطيعوا أن تفعلوا لي شيئًا، فأنا لا أحتاج إلى شيء منكم، والله أعلم بما تفيضون فيه، كفى به شاهدًا بيني وبينكم، وهو الغفور الرحيم. فالله سبحانه وتعالى لا تعني شهادته أن يحضر في المحكمة مثلًا ويؤدي شهادته، وإنما قوانينه تشهد لما توافق معها من خلال الانسجام، وأما ما عداها فلا تقبل قوانين الله تعالى. وهذا هو المقصود من قولنا بأن القرآن الكريم قادر على أن يثبت سماويته بذاته. وهذا أيضًا هو معنى الآيات التي تتحدث بأن الله وملائكته يشهدون على ذلك.

كل هذا يعني أنه يجب عليك أن تبحث عن القانون الإلهي، وترى كيف يشهد. ومن يكتشف القانون الإلهي يعرف كيف يشهد، مثل الفلاح الذي كان يعرف أن أمته تزرع نباته من خلال توالي الفصول سنة وراء سنة، فشاهد أنه إذا زرع في الصيف يموت، وإذا زرع في الشتاء لا، بل يزداد، وإذا زرع في الربيع تنمو الشتلة وتثمر، وهذه هي شهادة الله. شيئًا فشيئًا يبدأ في رؤية القانون، ويشهد له، لأن القانون الإلهي قاطع وحاسم وثابت ونمطي، لا يتغير ولا يتأثر بالعاطفة أو بأي شيء.

 

انتفاء المصالح الشخصية

العنصر الحادي عشر هو انتفاء المصالح الشخصية، أي ألا يكون للخبير مصلحة مباشرة في مسألة الرأي المهني الأخير الذي يعطيه في الحجر المعروض أمامه، لا سيما في حالات الشهادة التي لا ترتبط بحكاياته. مثلًا، إذا كان هذا الإنسان يبيع أحجارًا كريمة، فمن الطبيعي أن يقول لك: هذا الحجر ممتاز، جيد، درجة أولى، لكنه في حالتنا نحن نتحدث عن قضية أخرى، وهي أن لدينا حجرًا جيدًا ونريد مجموعة من الخبراء يفحصونه ويبدون رأيهم، وليس تابعًا لأحد منهم. أهم شيء هو أن نتأكد أن الخبراء الموجودين لا يوجد لأحد منهم مصلحة شخصية، مثل أن يكون شريكًا معه في الجوهرة، أو يكون إنسانًا لديه شركة تعمل في التنقيب في المكان الفلاني، وهكذا. فالمصلحة الشخصية تؤدي إلى تعارض المصالح، وتعاون المصالح يسقط الشهادة.

قد يكون الخبير يتقاضى أجرًا عاليًا ولا يخاف، لكن يجب أن تكون مهنيته دائمًا أعلى من أجره، ويجب أن نعرف عنه أنه مهني. انظر إلى ما يقول القرآن عن هذه الظاهرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34]. هذه الآية وحدها تدل على أن ظاهرة الأحبار والرهبان ظاهرة موجودة على مدى الدهر، هؤلاء لا يتغيرون، وهم الذين نسميهم الآن رجال الدين أو علماء الدين، عدا الأشراف الطيبين والأخيار منهم. نحن نتحدث عن المتاجرين الذين في بعض الأحيان يحولون العلم إلى تجارة، وهو أخطر ما في مسألة اللجوء إلى الخبير.

الأحبار والرهبان هم أدعياء الخبرة والقدرة على التشخيص والنيابة عن السماء، وهم قد يكونون متاجرين في الأمر لا أكثر، فهم إما وعاظ سلاطين أو أصحاب نفع مباشر في أموال أتباعهم.

وإذا راجعنا العشر سنوات الماضية، ماذا يتذكر الذهن من أخبار؟ نتذكر دعاة القتل وأصحاب فتاوى القتل والتكفير، ودفع الناس للقيام على بعض الأوضاع الراهنة، كيف لم يكن هناك من يوقفهم؟ لا دماء ولا أحرار ولا أموال ولا بنية تحتية، ولا أي شيء، لماذا؟ لأنهم أصحاب مصلحة. نراهم في القصور مرفهين، لديهم أموال، وخدم، وحشم، وسيارات، وهكذا.

لذا، من أهم المعايير في إثبات أهلية الخبير ألا تكون له مصلحة شخصية، لأن التعاون مع المصلحة الشخصية سيجعله يميل غالبًا إلى مصلحته الخاصة. ولذلك نجد القرآن يحاول أن يرسم صورة واضحة عن هؤلاء الناس فيقول: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78]. هذه الطريقة التي يتبعونها ليست إلا طريقة للكذب، فهم يبيعون الوهم والكذب من أجل مصالحهم الشخصية.

هذه الآية جاءت بعد الآية التالية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77].

وهناك المزيد في آيات أخرى من سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187].

ومدح المتقين الذين لا تنال الأموال من مهنيتهم فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199].

لاحظوا أيضًا في قصة مؤمن آل ياسين، حيث ضرب لهم مثل أصحاب القرية الذين جاءتهم الرسل، إلى أن قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: 20-21]. انظر كيف حتى الآن هذا الإنسان لا يملك مصلحة شخصية، فهو يدعوكم إلى ما يحييكم، إلى ما يصلحكم، وأهم شيء أنه لا يسألكم أجرًا.فقدم هذا المؤمن معايير هامة في تحديد من يمكن الرجوع إليه واتباعه في أمر من الأمور، فقال: لا يسألكم أجرًا. وإلا فإن تحول الخبير إلى جابي ضرائب من الناس يجعله تمامًا كالملوك الذين يختلط لديهم المال العام بالمال الخاص، وتتحول الناس في أعينهم، سواء كانوا حكامًا أو رهبانًا وأحبارًا، إلى مجرد أرقام لزيادة مالياتهم. كم من حاكم أو رئيس أو ملك راهن بلاده اليوم إلى صندوق النقد الدولي بمليارين أو ثلاثة، وهو يمتلك في بنوك العالم عشرات المليارات التي استحوذ عليها من الناس. المصلحة الشخصية لا شأن لها، فهو الملك، ولو نازعتني فيه لقتلتك.

 

أهمية تأمين الخبير

العنصر الثاني عشر هو الأمان للخبير. من أهم المسائل التي ينبغي أن يتمتع بها الخبير هو الأمان على حياته، وأن يحفظ له النظام في أي بقعة من العالم يعرض فيها خبرته الحماية الكافية، والأمان على سلامته وسلامة من يلوذ به، وألا يصبح هدفًا للابتزاز أو الإغراء، وإلا سيكون رأيه باطلًا.

لاحظوا أن عزيز مصر لجأ إلى الخبير المؤهل للحصول على شهادته على أساس خبرته في جو من الأمان. تخيل هذا الذي شهد شاهدًا من أهلها، وهو يدرك أن شهادته ستؤدي إلى اتهام العزيز في زوجته، لكنه لشعوره بالأمان قال الرأي العلمي بطريقة صحيحة. وكذلك الحال مع المملوك الذي ذهب إلى يوسف في محبسه، حتى مع أنه يعطي رأيًا عجز عنه الملأ الأعلى في حكومة الملك. طلب الأمان أولًا، ثم قال رأيه، وهكذا.

وكذلك مؤمن آل فرعون، حيث قال فرعون: ﴿ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ(27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 26-28].

لاحظوا أن ما قاله فرعون هو ما يتضرع به المتطرفون وبعض الفقهاء اليوم حينما يصدرون الفتاوى في تكفير وإهدار دم البعض. فهم يقولون إنهم يخافون على الدين من أن يتبدل، بينما مؤمن آل فرعون طلب الأمان للعالم والخبير حتى يختار الناس لأنفسهم، وهذا المؤكد في القرآن.

وهناك العديد من الأمثلة القرآنية، منها مثلًا بعد هزيمة أحد، حيث شاورهم في الأمر، أي جاء الأمر الإلهي، ومع ذلك هؤلاء لا يمكن إسقاط حقوقهم المدنية، وتبقى تشاورهم. مثلًا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]. أي دائمًا هناك عملية حماية حتى تتيح للإنسان أن يختار طبيعته دون تأثير أحد عليه.

وهناك الآية التي كلنا نعرفها: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256].

أي النظام الديني هو نظام، والنظام لا يكون قسرًا على المجتمع، بل يأتي بشكل سهل، وكل واحد يقدر أن يختار. فبالتالي، فقط احفظ حياة الناس ودافع عنها، واحفظ لهم فرديتهم في الاختيار، وهم سيختارون الشيء الصحيح والمناسب.

 

الخبرة الكافية

العنصر الثالث عشر هو الخبرة الكافية. بعد كل هذا، ينبغي أن يكون للخبير باع طويل في الأمر، وكلما زادت خبرته، زاد الاطمئنان في التشخيص، ولكن بحدود احتفاظه بقدراته العقلية والذهنية بدرجة مقبولة، وألا يكون مصابًا بمرض نفسي أو عضوي يعيق عليه عملية التشخيص.

لاحظ النصوص التالية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52].

تعمل القوانين الإلهية بشكل نمطي وتلقائي، وقد تغري المناصب والمغريات الأخرى الإنسان بشهادة الزور. فالإنسان أحيانًا يرى نفسه محاطًا بهالة من الناس تصفق له وتركض وراءه وتطلب رأيه وتبوس يديه، وهذا قد يغريه ويجعله يستجيب لوساوس الشيطان في أمنيته. لذلك، فإن التمسك بالتقوى واللجوء إلى القانون الإلهي والالتزام به يؤدي بالإنسان إلى حفظ الله سبحانه وتعالى لقدراته على التشخيص.

 

من هو المؤهل ليقال عنه خبير حقيقي

بعد هذا الاستعراض الذي أوصلنا إلى أهمية رأي الخبير وكلمته الفصل في إثبات تميز وتفوق هذا النوع على النصوص البشرية الأخرى، كما هو الحال في المجوهرات، علينا الإجابة على بعض الأسئلة الهامة في هذا المجال:

أولًا: هل يمكن لأي شخص أن يدعي أنه مؤهل لإعطاء رأيه في النص القرآني؟

ثانيًا: من هو المؤهل ليقال عنه خبير حقيقي أم غير حقيقي؟

ثالثًا: هل حب الروايات ودراسة الفقه والتراث الفقهي يجعل الإنسان مؤهلًا لأن يكون خبيرًا في تقييم النص القرآني وفهمه؟ وهل ينبغي أن يكون رأيه مسموعًا على الدوام؟

رابعًا: هل وجود كتاب تفسير منتشر بين الناس يجعل صاحبه محصنًا من استبعاده من مجال الخبرة في النص، ويجعل غيره غير مؤهل لإبداء رأيه؟

خامسًا: هل ينبغي الوقوف عند شهادات معينة حول النص القرآني وعدم تجديد الاختبارات والفحص لهذا النص؟

ماذا لو لم يكن لدينا كل ذلك؟ لا نظام ولا حكومة تحمي، ولا جهة تشخص وتفرز، ولا شيء من ذلك، بل لدينا بعض الأدعياء الذين يقولون إن لديهم الخبرة الكافية في تشخيص الحجر الحقيقي من المزيف؟ كيف نضمن هنا؟ ينبغي أن نعتمد على القدر الأولي في المعرفة بالخبرة وبأدواتها، أي أن يكون هذا الخبير ممن يمتلكون أدوات للرؤية الدقيقة، وممن يقومون بالاختبارات الأولية التي نعرفها بشكل إجمالي، كفحص الماس على الزجاج كما قلنا، أو بالحوامض أو ما شابه ذلك.

 

نشمر عن سواعد الجد

وهذا يقودنا إلى النقطة الأخيرة، حيث يقول النص القرآني: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21].

فالقوانين الكونية لها قدرة على العمل بشكل طبيعي، وهي تساعد الباحث في الوصول إلى الطرق الأمثل في التعامل مع قضايا الحياة. فلا يبقى أمامنا من خيار إلا التشمير عن سواعد الجد، والبدء في البحث بأنفسنا للوصول إلى مستوى من الكفاءة على التمييز بين الأصيل والدخيل.

فالإنزال ليس معناه التلاوة، أي ليس معناه أن أقف بين الجبل وأقول: “بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين”، فأنا قرأت القرآن على هذا الجبل وأنزلته. بل الإنزال معناه الاستفادة وتوظيف قوانين القرآن على الجبل للهدف الذي أريده. “لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ”. أي أستطيع أن أنقل الجبل من مكانه بقوانين معينة، بطرق التفجير، التحميل، الطحن، وهكذا، أستطيع أن أفعل أي شيء، لكن بناءً على قوانين القرآن التي قلنا إن القرآن هو القرآن الكوني الأصلي، وهذه النسخة هي نسخة مختصرة عن هذا القرآن الكوني الذي هو القرآن ما بين الدفتين. إذن، حتى نتمكن من فحص هذا النص الذي يمثل القرآن الكوني، نحتاج إلى أن نشمر عن سواعد الجد في هذه القضية.

 

فلنلخص إذًا السابق. أردنا أن نربط العناصر المكونة للمنهج العلمي الذي جمعناه من المنطق العام في حياتنا ومن القرآن الكريم، للتوصل إلى كشف أهم حقيقة عن القرآن الكريم، وهي كون النص القرآني يقوم على منهج معرفي عناصره متسقة مع المنطق الإنساني المزروع فينا جميعًا.

وهذا ما وصلنا إليه، ويوصلنا إلى ثوابت يجب أن نستفيد منها في حياتنا، ومنها ما يلي:

  • أهمية التمييز بين أدعياء الخبرة والعلم من جهة، وبين الخبراء والعلماء الحقيقيين من جهة أخرى.
  • الحاجة إلى تكوين معرفة إجمالية حول أي موضوع يراد فحصه.
  • الاستناد إلى نسخة المنطق الإنساني الموحد والثابت بين الناس، أي أن أي شيء خلاف المنطق يجب أن ينقل.
  • ترك القياس الباطل، والتحلي بالموضوعية، والتخلي عن الثوابت العقائدية أو المذهبية الخاصة.
  • الحاجة إلى الخبير يفرضها وجود ميادين تنافس حقيقية.
  • وجود خبراء يمكن اللجوء إليهم، وإمكانية التحقق من حقيقة خبرة الخبراء، وأهمية أمانهم.
  • أن التعارض بين الخبراء في الموضوع الواحد يجعل شهاداتهم جميعًا ضعيفة، بينما وجود التعاضد يعزز ويقوي شهاداتهم.

 

مواصفات الخبير في النص القرآني

إذن، كل ما تقدم يمكن القول به عن الخبير في النص القرآني:

أولًا، ينبغي أن يكون للخبير مؤهلات خاصة متعلقة بفنون تكوين النص وقواعد قيامه وقوانين تكوينه، بمعنى أن يكون خبيرًا لسانيًا ولغويًا بالدرجة الأولى، متوافرًا فيه عناصر النزاهة والثقة، ويوحي بالاطمئنان.

ثانيًا، ينبغي الفصل بين قضية فحص النص القرآني وبين عاقبة الإنسان ودينه، وتقييم مدى التزامه بما يعتقد أتباعه بأنها ثوابت دينية ينبغي عدم الخروج عليها، وإلا فلن يتمكن الخبير من تفعيل قدراته وخبراته وتوظيف أدواته في فحص النص.

ثالثًا، لا ينبغي عادة تحويل فحص النص القرآني إلى قضية خاصة بالمسلمين أو لغير المسلمين، وإنما يجب أن تربط بأهل الاختصاص والخبرة من أي عقيدة كانوا، لا سيما وأن الكل متفق على أن القرآن هو خطاب لكافة الناس.

رابعًا، ينبغي التأكيد على توافر ثلاثة عوامل رئيسية في من يمكن اعتباره مؤهلًا بأن يكون خبيرًا في تحديد هوية النص القرآني، وهي:

أولًا: الموهبة، كما هو الحال مع يوسف عليه السلام، إذ حباه الله سبحانه وتعالى القدرة على تأويل الأحاديث، أي القدرة على التحليل، فهو قادر على تحليل أي موقف من المواقف، وهذا هو تأويل الأحاديث.

ثانيًا: الخبرة العملية، فبالإضافة إلى الموهبة، قد تجد إنسانًا موهوبًا لكنه لا يمتلك دراسة أو خبرة عملية في المجال الذي هو موهوب فيه، وهذا يحتاجه الإنسان.

ثالثًا: القدرة على ابتكار أدوات للفحص تعطي نتائج مؤكدة ومتسقة.

هذا يدعونا إلى القول بأن الثلة المؤمنة بالله تعالى، والتي تحتمي بقوة بأن القرآن كتاب سماوي، ولا تجد أمامها من الخبراء من يمكن الاعتماد عليهم، لابد لها من المبادرة للعمل في محاولة التأكد من فرضيتها، وهو ما يطرحه القرآن أيضًا، حيث يقول تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 87-89].

المطلوب هو المباشرة بتكوين مجتمع مصغر مسالم له ضوابط ومقررات، ويستمد العون من الله تعالى الذي لا تبخل قوانينه عن دعم الساعين إلى تأسيس مجتمعات متحضرة، عالمة، ساعية للخير والعلم والنور.

لذلك نزلت سورة كاملة تتحدث عن أهمية العمل الجماعي وروح الفريق وأثره في جعل عاقبة الجميع على خير، فقال النص القرآني: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].

القانون الإلهي العامل، الذي هو بسم الله الرحمن الرحيم، يؤدي إلى نتيجة واحدة عن عمل الجماعات الإنسانية في عصور مختلفة. العصر هنا لا يعني وقت العصر، بل تعني باللغة الخلاص، مثلما نقول “العصر الجليدي” أو “العصر البرونزي” أو “عصر الخلفاء” أو “العصر” بمعنى خلاصة فترة زمنية. فإذا كان الحديث عن البشر أو الناس، تكون الخلاصة مرتبطة بتحضرهم ومدنيتهم، أي عصرهم.

القانون الإلهي، بسم الله الرحمن الرحيم، مع العصر يؤدي إلى أن الإنسان غالبًا ما يكون في خُسر، أي أن الحضارات تفنى والمدن تنهار والقرى تتفكك وتتهدم، إلا إذا تحققت أربعة ضوابط، وهي:

الذين آمنوا، أي الذين يؤمنون بالقانون الإلهي ويتبعونه.

وعملوا الصالحات، أي التصرف المنسجم مع القانون الإلهي.

وتواصوا بالحق، أي أن يكون لديهم حرص متبادل على البقاء على الطريق الصحيح والالتزام بالقانون الإلهي.

وتواصوا بالصبر، لأن هذا الطريق قد لا يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج سريعة، أو إذا سلكنا طرقًا أخرى تهل لغير الله بها، سنصل إلى نتائج أخرى.

فالطرق الأخرى التي نراها اليوم تسبب اضطرابات مناخية هائلة، بيئة ملوثة، مياه مفقودة من معظم أنحاء الكرة الأرضية تقريبًا. لذا، التواصي بالحق والتواصي بالصبر يعني وجود روح الفريق، حيث يعمل المجتمع أو الجماعة بروح التعاون من أجل البقاء في إطار قوانين الله سبحانه وتعالى.

 

كيف نقرر نسبة سماوية القرآن؟

أما الآن، وهو ما كنتم تنتظرونه خلال هذه الساعات الماضية، فهو السؤال: كيف نقرر نسبة سماوية القرآن؟ بالطبع، يجب أولًا أن نقرر هل لدي اللياقة أو الخبرة الكافية لأقرر هل النص القرآني سماوي؟ هل أحسب نفسي من أصحاب النظر، من المثقفين أصحاب النظر، أي هل أتوفر على خبرة كافية؟ حتى الآن، لا أمتلك الخبرة الكاملة والكافية، وأجد أن الكثيرين أيضًا لا يمتلكون هذه الخبرة. كثير ممن يدعون امتلاكها، يعتبرون أنفسهم أصحاب نظر، قادرين على المقارنة والنظر من بعيد، ومع ذلك يدعون أن لديهم قليلًا مما يمكن اعتباره خبرة أو نظرًا معينًا في هذه القضية.

من أهم الأمور التي إذا فحصناها قد نصل إلى نتائج عن سماوية القرآن هي: 

أولًا، بمجرد مطالعة القرآن ستجد نظامًا خاصًا به لا يشبه النظام المعمول به من قبل الناس في مثل هذه الكتب. بمعنى أن الاطلاع على كل الكتب أو الحصول على خبرة من اطلع على الكتب على مر الزمن، يظهر أن القرآن مميز في النظام الخاص الذي قام عليه.

ثانيًا، القرآن يحتوي على تراكيب لغوية ولسانية في النص يعجز البشر عن تكوينها. أي أنك تجد قدرات كبيرة وهائلة جدًا في الكتب المكتوبة، لكن لا تجد قدرة على توظيف التركيب اللساني واللغوي كما هو في القرآن. تجد أن الكاتب الذي كتب هذا النص القرآني تمكن من التحكم في هذه التراكيب. على سبيل المثال، في اللغة، حينما أقول: “قال حيدر كذا” أو “قال حيدر بكذا” أو “قال حيدر لكذا”، هذه كلها تراكيب لغوية ولسانية تؤدي إلى تغيير المعنى. هذا الأمر مجسم ومجسد بشكل كبير جدًا في القرآن، حيث يتم توظيف التراكيب اللغوية واللسانية المختلفة بطريقة يعجز عنها أي شخص.

ثالثًا، الانسجام الذاتي وعدم الاختلاف بين صور وآيات القرآن داخليًا وخارجيًا مع القرآن الكوني. تجد أن القرآن كله وحدة منسجمة، وبمجرد أن تفهم وحدة من الآيات بطريقة مغلوطة تشعر بخلل في هذا القانون الذي هو عدم الاختلاف، فتضطر إلى تعديل فهمك حتى تصل إلى فهم منسجم مع بقية مكونات النص القرآني.

رابعًا، توقعات مستقبلية لا يمكن للبشر توقعها الآن. مثلًا، يقولون إن الخبراء الأمريكيين يستطيعون التنبؤ بمسير الأمور السياسية لمدة ستة أشهر، والروس يتوقعون لمدة أربعة أشهر، ونحن لا نستطيع التنبؤ حتى بيوم أو أسبوع. هذا البناء، هذا التحليل المبني على مقدمات معينة، يحتاج إلى معرفة بالعوامل المتغيرة العديدة. تجد أن القرآن يطرح قضايا مستقبلية وقضايا كبيرة جدًا بثقة تامة، وهذه خارجة عن قدرات البشر.

خامسًا، قضية الأمور العلمية التي لم يصل إليها العلم إلا مؤخرًا، لكن القرآن تحدث عنها بطريقة حيرت علماء اللغة في وقت كانت هذه الأمور غير مكتشفة، مثل “وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا”، أو “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا”، أو “وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ، وغيرها. كانت هذه الأمور معقدة بالنسبة لأهل اللغة في وقت من الأوقات، ثم انكشفت واتضح الاتساق بها، واتضح سبب استخدام كلمات معينة بالذات. وهذه كلها عوامل تشير إلى أن القرآن ليس بشريًا، ولا يقدر بشر أن يقدمه.

سادسًا، الأعماق المختلفة، بمعنى أن القرآن يقدم صياغات يمكن فهمها بحسب التطور العلمي وبشكل تدريجي، فيستطيع الإنسان من أي مستوى ثقافي أن يفهم مستوى من معاني النص، لكن الأعماق متفاوتة ومختلفة تتناسب مع عمق علم الإنسان وقدراته على التحليل.

كذلك، أسلوب القرآن في الحديث يشير دومًا إلى أن المتحدث جهة عليا تتكلم بصيغة المسؤول عن الأدنى. هذه الطريقة لا يستطيع أي إنسان الحفاظ عليها، فالإنسان، باعتبار عوامل الضعف التي فيه، لا يستطيع أن يحافظ على هذه الطريقة التي تحكي دائمًا بصيغة المسؤول. حتى الملوك، بمجرد اختلاف مزاجهم النفسي، يحكون بطريقة مختلفة، وكذلك القادة العسكريون، بمجرد اختلال ظروف المعركة، يتغير أسلوب حديثهم. أما القرآن، من أوله إلى آخره، يتكلم بطريقة واحدة، وواضح أن الجهة التي تتكلم هي جهة موحدة، ومن الأعلى تنظر إلى الأمر كله على أنه ميدان واحد، وهذه الأمور وغيرها.

 

أداة واضحة

الآن أتمنى أن أكون قد وفقت في إثارة التساؤل في أنفسكم، حتى يذهب كل واحد منكم ويبني مشروعه الخاص في محاولة إثبات سماوية القرآن، مثلًا أو في فهم التراكيب اللغوية القرآنية الموجودة. هذا أعتبره قمة النجاح، أفضل من أن أقدم لكم أدلة جاهزة، مثل تقديم تقسيمات معينة عن أمور معروفة لدى الناس بصيغة واحدة، كتقسيم السماء إلى السماء والسماء الدنيا، ولحد الآن كثير من الناس أو كثير من غير الخبراء في النص القرآني يعتبرون أن السماء الدنيا هي السماء التي نراها، وأن هناك سماء أعلى منها، وكأن السماء طبقات، بينما الأمر مختلف تماماً.

هذا يحتاج إلى دراسة، وقد قدمت موضوعاً منشوراً حول سورة الصافات وكيفية حديثها عن السماء الدنيا في سماء الخلية البشرية، فالخلية تحكي عن السماء الدنيا هناك. هناك تقسيمات لا تكتشف إلا بظهور نتائج علمية. وجود أكثر من صيغة للمتحدث، مفرد وجماعة، وحوار مختلط بين المفرد والجماعة، ينفي إمكانية أن يكون كاتب القرآن بشريًا، لما فيه من خروج عن السياقات المعمول بها في الكتب خلال العصر الذي ظهر فيه القرآن، بل وما تلاه من عصور إلى يومنا هذا.

هذا التنويع والانتقال سلس جداً، تشعر به، حيث يتكلم عن جماعة المتكلمين، ثم ينتقل إلى المفرد، ثم يعود إلى المخاطبين غير المخاطبين، ثم يعود إلى المفرد وهكذا. هذه التنويعات وطريقتها الموحدة في القرآن كله تشير إلى قدرات خاصة خارجة عن قدرات البشر، قطعاً وجود نظام غير قابل للاختراق.

يقدم القرآن الأنبياء والصالحين والرسل والصديقين على مختلف العصور كمجموعة تابعة لمركز واحد، تتحرك بنفس الإيحاءات والأوامر. لو راجعت القرآن كله وحاولت أن تطلع على قصة عيسى، قصة موسى، قصة نوح، وقصص الأنبياء الآخرين مثل مريم وزكريا، تجد أنه لا توجد اختلافات جوهرية بين هذه الشخصيات وظروفها الاجتماعية والواقع الذي عاشت فيه، بل تجد أن التوجيهات واحدة، وأن الأمور واحدة، والمطالب واحدة، خصوصاً في سورة الأنبياء التي توضح ذلك بجلاء. تجد أن الأمر موحد وواضح، وأن هناك مركزية في إصدار الأوامر، وأنه من المستحيل أن يكون بشر قادرًا على استيعاب التاريخ بهذه الطريقة، واستيعاب هذه الأمور بحيث تثير إعجاب أتباع الديانات الأخرى.

هم يتساءلون: من أين جاء بهذا الكم من المعلومات؟ كيف جاء بها؟ وهي ليست من اختصاص هذه المجموعة. هذا دليل التحدي أيضاً، وهو من أهم الأدلة في الحقيقة. فقد قدم القرآن الكريم تحديًا للبشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهذا التحدي لوحده دليل على سماوية القرآن. كلما مر زمن أطول على هذا التحدي، لم يظهر إنسان مبدع وعارف بإبداعه، وعارف أيضاً باستحالة أن يظهر من يضارعه بهذا المستوى من الإبداع.

الغريب في الأمر أن الإنسان قد يقول مثلًا: “أتحداك الآن، أن تفعل كذا أو تفعل فلان شيئًا”، باعتبار معرفته كبشر، وعرفه بقدراته، وعرفه بقدراتي، فهو يدرك أنه لا يستطيع فعل ذلك. مثلًا، لو وضعنا المتنبي أمام مجموعة من الشعراء، يعرفونه، يستطيع أن يتحداهم ويقول لهم: “ماذا تستطيعون أن تفعلوا مثلي؟” أو أبو تمام أو غيره، يستطيع، لكن لا يستطيع أن يتحدى ويدعي أنه يتحدى من الآن إلى نهاية الزمان، هل يستطيع أحد أن يظهر ويكتب قصيدة مثلي؟ لا يستطيع، لأنه يدرك أن هذه عملية غيبية، لا علاقة له بها، ولا علاقة بقومه الذين يعرفهم.

قد تتطور الأمور، فالذي يقدم لك تحديًا ويتحدى الجن والإنس بهذه الطريقة، واثق من أنه يعرف الحدود النهائية للبشر، ويدرك أن الخط الذي لا يمكن تجاوزه. لذلك يقدم هذه التحية.

كلما مر الزمن ولم يظهر جيل يقدر على الاستجابة لهذا التحدي، ثبت أن القرآن سماوي، وأنه غير مردود، وغير منتمي إلى الثقافة البشرية.

دليل الشمولية أيضاً، فالقرآن يتحدث من الأعلى ويطرح الأمور بطريقة أقل ما يقال عنها أنها من لدن خبير عارف بارتباط مثل هذه الأمور، مثل ارتباط السحاب بحركة دوران الماء في الطبيعة، والآثار التي يتركها الماء على مختلف المخلوقات، أو اختلاف مستوى الضغط في الأجواء المحيطة بالأرض، أو حديثه عن منازل القمر، أو حديثه عن الكواكب في المجموعة الشمسية وطريقة وصفها، وغيرها مما أشرنا إليه سابقاً.

الدليل الآخر هو القطع والحزم في تقديم الرؤى، فالقرآن يتحدث بصيغة ثابتة وقاطعة وحازمة ومتكررة في كل أجزائه، مما يؤكد أن المتحدث يعرف ما يقول. هناك من قد يقول: “لعل الأمور تجري بهذا الشكل، أو قد تكون الصيغة بهذا الشكل، أو لدي احتمال قوي أن الأمور ستحدث بهذا الشكل”، لكنك لا تجد ذلك في القرآن. القرآن يتحدث عن الأمور التي حدثت في الماضي، والتي كانت معاصرة للقرآن، بكل حسم وقطع.

تأتي الآيات التي تتحدث عن الأحداث المستقبلية المتعلقة بالقوانين العامة للكون بثقة تامة وبشكل مؤكد، دون أي تردد. كما أن الانتقالات بين المواضيع في القرآن تتم بشكل فريد، مع وجود رابط متواصل بين مجمل الآيات والسور، كما هي مرتبة بالحقيقة، مما يشير إلى قدرات لسانية ولغوية فريدة ومتميزة وغير مسبوقة.

يحافظ القرآن على مفهوم الجذر، أو المعنى المفهومي للجذر اللغوي الواحد للكلمة، دون أن يحيد عنه عبر المشتقات الكثيرة في القرآن الكريم، ودون التأثر باللهجات والأساليب الكلامية السائدة آنذاك. هذا يعكس قدرة خاصة وسيطرة على اللغة واللسان تختلف عمّا هو موجود بين البشر. وهذا يكشف زيف بعض الأفهام، فمثلًا قد يأتي شخص ويدعي أنه فهم الآية وفسرها بطريقة معينة، لكنه يقدم مفهومًا مختلفًا عن الجذر اللغوي للكلمة. مثلًا، قد يقول إن كلمة “الكتاب” هنا لا تعني الكتاب بمعناه المعروف، بل تعني الرداء، فيظل عندك شك مستمر ودائم: لماذا تحولت كلمة “الكتاب”، التي تعني الربط بين الشيئين للحصول على شيء ثمين، إلى معنى الرداء؟ لابد من وجود قرينة أو دليل منطقي.

هذا يعني أن القرآن دينامو قوي، قوة محركة ضاغطة تدفع الآخرين لتصحيح هذا الفهم، بمعنى أن هذا الفهم خارج المفهوم العام للجذر، ومادام خارج المفهوم العام، فإنه يجعلك أنت وغيرك تفكرون حتى تصلوا إلى نتيجة مختلفة، وعدم التناغم مع ثوابت العلم.

لاحظ كيف تطور العلم وتغير، ليس مجرد تغيرات عابرة، بل تطور عميق يزيد من فهم القضايا بعمق أكبر. تجد القرآن يبقى مستجيبًا لهذا التطور دائمًا، متوفرًا على قدرة كبيرة وغريبة في كشف التناغم في فهم نصوصه، والتقدم بسرعة نحو التلاقي والانسجام مع القوانين العلمية المكتشفة بسهولة بالغة.

على هذا الأساس، ترى أن الفهم الخاطئ، كما أسلفنا، ينكشف بسهولة. كما أن القرآن يمتلك القدرة على التطور والخلود، لأنه يعتمد على مفاهيم عامة للمصاديق. تجد أن النص القرآني في مسألة القيم والمادة الدستورية التي يحتاجها الإنسان يتكلم بلغة مفهومية عامة، ولا يحددها بشكل دقيق، لكن حينما يتحدث عن المجتمع المعاصر لنزول القرآن، يتحدد بالمصاديق في بعض الأحيان، مثل مخاطبة الذين آمنوا.

وعندما يتحدث عن المؤمنين أو المؤمنون، يتحدث بصيغة عامة، مثلًا: “يا أيها الذين آمنوا، افعلوا كذا”، أو “فلان فعل كذا”، أو “هذا فلان”، هذا شكل الترتيب، وهذا شكل الترتيبة. لماذا يستخدم الأسماء الموصولة الدالة على الأعيان، التي تسمى بالأسماء الموصولة الخاصة، بينما عندما يتحدث بشكل عام، يتحدث عن القيم والمبادئ والمثل بطريقة عامة، مستخدمًا “من” و”ما”.

مثلًا يقول: ﴿مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]، ويتحدث عن الماهيات والمفاهيم. هذه القدرة على تقسيم الأمور بهذه الطريقة تدل على عقلية كبيرة جدًا، ونظرة واسعة وشمولية.

كذلك، لا يوجد في النص القرآني سعي لإثبات مؤلف للنص، فكل كتاب الآن تلاحظ أن المؤلف يسعى لإثبات ذاته، يستخدم تراكيب وأساليب معينة ليقول: “أنا صاحب هذه الفكرة، هذه فكرتي، أنا من قلتها، أنا كذا”، هذا السعي لا تجده في القرآن.

القرآن ينظر إلى الأنبياء والصالحين والرسل والصديقين بنظرة واحدة، ويتحدث عن الأقوام المختلفة، عن الطغاة، فيبين سلبياتهم وإيجابياتهم، ويشرح الصراع بين الحق والباطل. هناك نظرة شمولية، دون أن يهتم بتكرار أسماء معينة مثل محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقارنة بتكرار أسماء عيسى أو موسى، فهو لا يهتم بهذه القضية إطلاقًا، بل تهمه العبرة التي يريد تقديمها، والقضية التي يريد إيصالها.

لذلك، لا تجد أي حجم ذاتي لأي شخصية معترف به داخل القرآن، فالكل ينظر إليهم كعبيد لله سبحانه وتعالى، وعباد له يؤدون أوامره ويحملون الرسالة منه سبحانه وتعالى.

ومن الأمور التي يمكن الاعتماد عليها في إثبات سماوية القرآن أيضًا، عجز البشرية منذ يوم نزول القرآن وحتى الآن، وهذا دليل قديم، بمعنى أنه دليل جيد على عدم إمكانية الإضافة أو الحذف من القرآن. فمثلًا، إذا قرأنا عن المعوذات الموجودة في آخر القرآن، نجد أن هناك كلامًا كثيرًا على أنها ليست من القرآن، لكن هل تمكن أحد من رفعها عن القرآن؟ لم يتمكن أحد، وذلك لسببين: أولًا لأن مستواها شبيه بمستوى القرآن بشكل كبير جدًا، وثانيًا لأن هذه هي الصعوبة في اختراق النص القرآني، فلا تستطيع أن تتخذ قرارًا نهائيًا بشأنه.

أما بالنسبة للإضافة، فكم من الناس حاولوا أن يؤلفوا آيات أو سورًا تشبه القرآن في سياقاتها، ولكن لم يتمكن أحد من إضافتها إلى القرآن. بل إن الأمر لم يقتصر على ذلك، فحتى تعديل إعراب كلمة واحدة في القرآن لم يتمكن أحد من القيام به، مع أن كثيرًا من أعلام اللغة العربية والخبراء يقولون مثلًا إن هناك كلمة جاءت منصوبة في موضع، ومرفوعة في موضع آخر، والأغلبية يرون أنه ينبغي أن تكون مرفوعة، لكنهم لا يعرفون لماذا جاءت منصوبة في هذا الموضع، ويستمرون في إجراء الدراسات، لكن لا أحد يقدر على تغييرها.

إذا جاء أحد ليقدم لك دليلًا يقول إن هناك خطأً في النسخ، فذلك ليس خطأ النسخ، لأن النص ثابت بهذه الطريقة، ولا أحد يقدر على اختراقه.

كما يتوافق ما يقدمه القرآن الكريم من قصص حول الأنبياء السابقين مع ما قدمته الرسالات السابقة، ولكن بسيناريو أدق وأوضح وأشمل، دون الاكتراث لما سيقوله أتباع الديانات السابقة. وهذه قضية مهمة، فالإنسان، لو كان بشرًا يريد أن يؤلف كتابًا، لأخذ في الاعتبار الديانات السابقة ليكسب أتباعها، أي أن يأتي ويقول: “هذه الأشياء التي تقولونها اليهود والنصارى صحيحة، وأنا أكملها”، أو يضيف أشياء أخرى ويتحداهم، لكنه يقدم رأيه بطريقة معينة مع تثبيت بعض العوامل الثابتة والمقبولة لديهم. هذا ما يقوم به البشر، فهم يريدون أتباعًا، ويريدون كسب الناس، فيأتي قائد يتقرب منهم. فمن لم يفعل ذلك، فهذا دليل على أن هذا ليس بشرًا، وليس شخصًا طبيعيًا أو عاديًا.

كذلك، من أهم وسائل وآليات النص في التفاعل مع المتلقي والحث على الفهم دون تغيير النص الوثيقة كنص، فالقرآن يقدم أفكاره بصياغات خاصة ومختلفة أحيانًا لا يقبلها القارئ، ويسعى لتغييرها، ولكن قدرة النص على الثبات تدفع الباحث إلى محاولة إيجاد فهم يستوعب هذه الصياغة.

لماذا بقي القرآن حيًا طوال هذه الفترة؟ لأن لديه القدرة على ذلك، فصياغته دائمًا، خاصة بالنسبة للعربي، كما قلنا، فالقرآن الكريم بين الدفتين هو سبيل من السبل الموصلة إلى الله سبحانه وتعالى. هناك سبل كثيرة، بالصيغ العديدة، فالصراط واسع ويتسع، وأي شخص تنطبق عليه شروط الصراط يدخل فيه، وليس شرطًا أن يكون من المسلمين.

لكن الإنسان العربي عندما يقرأ القرآن يحس أن هناك جهة تأتيه من داخل النص، أي هناك مثل العثرات في النص، كل ساعة تعثر فيها، وهذا يدل على أن القرآن مصدره ليس بشريًا ولا عربيًا، كما أن أي مؤلف يعجز عن وضع خطة بهذا الشكل الموجود في القرآن. هناك خطة واضحة وترابط بين الآيات والسور؛ مثلًا، لماذا تأتي هذه الآية بعد تلك الآية؟ ولماذا تأتي هذه السورة بعد تلك السورة؟ ولماذا تأتي سورة ما قبل أخرى؟ ولماذا أحيانًا يكون الحوار في السورة؟ تجد أحيانًا السورة أطول وأحيانًا أقصر، وهكذا. إذًا، هناك مخطط عام للقرآن يعجز عنه أي إنسان.

كل ما قدمناه كان يهدف إلى التأكيد على أهمية المنهج قبل البدء بالعمل، ونرجو أن تكون هذه السلسلة البسيطة قد تمكنت من دفع الباحثين من مختلف المشارق نحو النظر بشكل جديد إلى قضية سماوية القرآن، والسعي من الآن وإلى المستقبل للبحث عن الخبير المؤهل لتوسيع دائرة الاطلاع على كل ما يتعلق بالقرآن، ليس لأنه السبيل الوحيد للوصول إلى الله تعالى، وإنما لأنه من السبل الهامة لتحقيق ذلك.

وإلا فالقرآن الكوني موجود ومفتوح على الدوام. صار واضحًا لنا جميعًا، إن شاء الله، لأنه دائما ما يقال لي: “هذه العبارة ليست علمية، الجسارة واضحة، لا يصح أن تكون الجسارة واضحة لك فقط، والجسارة غير واضحة للآخرين.” فأتمنى أن يكون قد اتضح بقدر من المقادير أن عملية البحث في مصداقية ثوابت سماوية القرآن الكريم هو بحث طويل وواسع وشائك، لكنه مفيد ونافع، وسوف يغير مبانينا الفكرية ويفتح أمامنا السبيل لدخول ميدان العلم من أوسع أبوابه، والنهوض بمجتمعاتنا والخروج بها من بوتقة الخطوط الحمراء التي ربطتنا بالماضي بشكل مقيت وغير صحيح.