طرحنا في القسم الأول من دراستنا مجموعة من الأسئلة متعلقة بالقرآن الكريم باعتباره أهم كتاب يمثل الإسلام، واخترنا موضوع سماوية القرآن كموضوع للبحث في محاولة لإثبات ذلك بطريقة منهجية علمية كما أسلفنا.
وبدأنا في الجزء السابق بدراسة قضية خبير المجوهرات وتوصلنا ابتداءً إلى أن أهم ما يحذر منه المنهج العلمي وجزء منه هو منتحلو صفة الخبرة أو منتحلو صفة الخبير أو ما يمكن أن نسميه أدعياء العلم. فاليوم نواصل رحلتنا إن شاء الله لاكتشاف مزيد من العناصر التي تكوّن المنهج العلمي في البحث من داخل القرآن إن شاء الله ومن خارجه من خلال قصة خبير المجوهرات.
المعرفة الإجمالية
العنصر الثاني الذي نجد أنه ضروري في تشكيل هيكل المنهج العام في البحث هو المعرفة الإجمالية. فما دمنا نحن السواد الأعظم الذي يريد الاطمئنان إلى صحة ما لديه من قناعات وتصحيحها، لزم أن تكون لدينا معرفة أولية إجمالية قبل اللجوء إلى الخبير. أي نحن لا نلجأ في كل الأمور إلى الخبير، بل لدينا مستوى من المعرفة والثقافة الأولية الإجمالية حول مختلف الموضوعات، وهي التي تكون بالنسبة لنا الرائد الذي يجعلنا قادرين على اتخاذ قرارات أولية حول قضايا معينة قبل اللجوء إلى الخبير.
فحتى من يريد التأكد من أصالة الجوهرة ينبغي أن تكون لديه معرفة أولية في بعض الأمور، منها أولًا معرفة إجمالية عن الألماس الحقيقي والألماس الوهمي. أي لو كانت القضية أنه لا يوجد فرق بين أنواع الألماس، أي كل حجر نسميه ألماس لمجرد أن يكون لامعًا أو الضوء يدخل فيه ويخرج من اتجاهات مختلفة يكون هو ألماس، إذًا ليس لدينا مشكلة، أي لماذا نبحث عن خبير؟ خلاص، كل شيء من هذا القبيل اسمه ألماس نقبله. فإذا كانت القضية بهذا الشكل لا نحتاج، لكن إذا كان لا، هناك فرق، ونحن ندرك أن هناك فرقًا بين الألماس الحقيقي والألماس غير الحقيقي، فالمعايير الإجمالية في قضية التفريق بين الألماس الحقيقي وغير الحقيقي هي معرفتنا مثلًا أن الألماس حجر صلب قوي وقوي إلى درجة أنه مثلًا يؤثر في الزجاج، أي قادر على قطع الزجاج مثلًا. فإذًا هذه معلومة إجمالية أنه إذا كان لدي حجر أرى زجاجة مهملة مثلًا أو أخدشها، فإذا قدر أن يخدشها يتبين لدي بدرجة عالية أو كبيرة أن هذا ألماس بدرجة كبيرة أو عالية على الأقل.
فهذا نوع من المعرفة الإجمالية يجعلنا قادرين على اتخاذ القرار في بعض الأحيان ويجعلنا أصلًا نستغني عن الذهاب إلى الخبير.
المنطقي الخارجي كما يقدمه القرآن
هذا الأصل المعرفي المنطقي الخارجي يقدمه القرآن بنفس الطريقة، فيقول مثلًا: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر].
فإذًا يعطيك قضية معيارية وينسبها إليك، يقدم لك أنت تفكر وانظر أحسن القول واتبعْه، فيجعلها إليك. أو يقول مثلًا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج].
فإذًا أيضًا رجح أن يكون لديك جهاز معرفي أو دعنا نقول جهاز للقياس المعرفي، فهو البصر والسمع والقلوب التي تحلل المعلومات الخارجية.
فإذًا هناك مقدار من المعرفة الإجمالية لابد أن يكون لديك، تستطيع على أساسه تقييم مختلف المسائل. فحدد لنا إذًا العنصر الثاني في منهج المعرفة، وهو أن هناك عدة خطوات ينبغي للباحث اتخاذها من أجل تبيان صحة فرضية معينة، وهي كما يلي: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، اجتناب الطاغوت بمعنى تحرير العقل الذي قدمناه في البداية، ما هو الطاغوت؟ هو الذي يطغى عليك ويجعلك غير قادر على التفكير بشكل حر. فمن يقول ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي حرر عقله وكان قادرًا على التفكير بحرية. ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾، الإنابة إلى الله تعني تحكيم قوانين الله الطبيعية في التعقل، أي الإنابة إلى الله ليست أن أقول أستغفر الله الحمد لله لا إله إلا الله. الإنابة إلى الله أن المسائل التي تعترض طريق حياتك التي تمر عليك في حياتك ترجعها إلى القانون الإلهي، تقيسها على القانون الإلهي.
لماذا مثلًا عندما يختلف الناس في قضايا كثيرة يحتكمون إلى المعروف العام أو العرف العام أو إلى المحاكم أو إلى المحاكم الدستورية؟ إن الشيء الطبيعي هو هذا الأمر الطبيعي المنسجم مع القانون الطبيعي. بعد ذلك يقول: “الذين”، أي العنصر الثالث: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [سورة الزمر].
هذه هي عملية المفاضلة بين الخيارات العقلية طبقًا للمنطق الموحد، ليس أننا اعتمدنا المنطق فحسب، فالمفاضلة تكون بناءً على هذا المنطق الموحد. أخيرًا يقول: ﴿وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، محاولة تحرير القلب من سطوة العلوم المتوارثة كالأعراف والتقاليد والدفع للشك فيها من أجل إتاحة الفرصة لتفعيل دور الإبصار والاستماع. أي عندما يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، يقول إن الصور الخارجية تنتقل إلى الذهن في الغالب بشكل متساوٍ.
طبعًا القضية إثباتها فلسفيًا معقد، مثلًا الآن أمسك قلمًا أحمر، لكن الأحمر كيف هو؟ لا أحد منكم يستطيع أن يعرف لي الأحمر بالكلام، فقط نعرف الأحمر بالشهرة، لا أكثر ولا أقل. لأن الأشياء كلها تدخل من الخارج من المحيط الخارجي واحدة. لكن ما الذي يحدث في حالة إذا كان الإنسان لديه عمى ألوان، الألوان في داخل ذهنه لا تتحلل بالطريقة التي تتحلل في ذهنك وذهني. الآن اكتشفوا نوعًا من النظارات الطبية يرتديها فيبدأ يرى الألوان، فترى الفرحة البادية عليهم، كيف لأول مرة يفرق بين اللون الأخضر والأزرق والأحمر وهكذا.
إذًا العمى هو داخلي، عمى القلوب، والقلوب هي الأذهان التي تحدث فيها عملية التفكير، أي أن عمى القلب كأن يكون هناك فيروس مانع لوحدة معالجة المعلومات، فيقول هنا هو الخلل فيجب معالجة هذا الخلل.
إذًا المعرفة الإجمالية هذا عنصر من عناصر المعرفة التي نحتاجها في فهمنا لكثير من القضايا.
الأساس المنطقي الموحد
العنصر الثالث الذي يهمنا أن نكتشفه من المنطق المحيطي في حياتنا العامة والذي نكتشفه من القرآن أيضًا هو الأساس المنطقي الموحد. فلو لاحظنا ما أوردناه سنجد أن القرآن الكريم أوكل مهمة التمييز بين الحسن والأحسن إلى الفرد بذاته، فهو الذي يستحسن الأمر بناءً على قاعدة منطقية يبدو أنها موجودة لدى الجميع بنفس الدرجة، وإلا لما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. يدري أن الخطاب واضح أنه يقول إنكم عندكم قاعدة موحدة، فإذا استندتم لها تستطيعون أن تختاروا وتقوموا بالمفاضلة بين الحسن والأحسن.
فإذًا هناك قاعدة منطقية تبدو أنها موجودة لدى الجميع بنفس الدرجة، ولكن الخلل يحصل في عملية التعقل، أي الخلل ليس في المنطق، المنطق واحد.
لاحظ الآيات التالية، يقول مثلًا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [سورة محمد]، أي يتحدث عن قضية التعقل، الأقفال هي التي تمنع من عملية تعقل المسألة. العقل هو الربط، الربط من أجل هدف، أي ليس مجرد ربط معين وإنما هدف، مثلًا عقل الراحلة هو ربطها من أجل ألا تهرب أو تذهب أو تخرج لترعى في وقت غير مناسب أو كذا، فعملية التعقل بالنسبة لنا هي نفس الشيء، لأننا لا ندرك الأمور إلا بمحاولة ربطها بالقواعد المنطقية، فإذا انطبقت معها نعتبرها أشياء معقولة وإذا لم تنطبق معها لا نعتبرها أشياء معقولة. فالخلل يحدث في هذه العملية. حين يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، أي هناك قفل على منطقك، أي هناك شيء حائل بين المادة التي جلبتها لتقيسها وبين جهاز المنطق، فهناك قفل لا يجعلها تترابط حتى تستطيع أن تتعقلها أو تفهمها.
أو يقول مثلًا: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين]، أي هناك عوامل خارجية تدخل إلى القلب وتغطيه بطبقة معينة، “ران” أي غُطي بطريقة من الطرق، هناك قذارة، هناك فيروسات، هناك شيء يحول بينه وبين أن يفهم الآيات القرآنية، فالخلل لاحق لوجود المنطق في القلب وهو الضمان، وليس سابقًا له، أي الخلل لاحق وليس سابق. فالحاجز الذي يقع بين المنطق وبين عملية التعقل هو الذي يوقع الناس في خلل، وإلا فإن النسخة البشرية تحمل برنامجًا موحدًا.
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم]. عليه، فإننا ينبغي أن نحاول تفعيل دور المنطق الأصلي والابتعاد عما يعيق عمله. “فطرة الله”، أي هذا هو البرنامج الأولي الموجود، أي الإنسان عندما يأتي إلى الدنيا ويبدأ بالخروج من بطن أمه لا يعرف شيئًا ويبدأ يتعلم شيئًا فشيئًا، لكنه يتعلم وعنده قاعدة يتعلم عليها، وهي القاعدة المنطقية، فيقوم بعملية إحصاء ومقايسة مستمرة.
يقولون الطفل في أول سنوات عمره يقوم ذهنه بملايين عمليات الإحصاء والمقايسة حتى يعرف أن هذه التراكيب اللغوية كيف يستطيع أن يخرج منها قوالب يبني عليها قوالب لغوية لاحقة بعد ذلك، بحيث ترى الطفل بعد فترة يبدأ يتكلم كلمات وجملًا وأشياء، تقول من أين تعلمها؟ نحن كل ما علمناه هو عدة أشياء بسيطة، لكن هذا معناه أن هناك برنامجاً موجودًا في الذهن جاهزًا، ويبدأ يتقبل هذه الأشياء ويطورها على أساس هذا الثابت الموجود المشترك بين الناس، وهو “لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ”، أي هذه الفطرة، هذا الشيء المفطور عليه الناس ابتداءً هو الذي لا تبديل فيه، أي لا اختلاف فيه.
التخلي عن القياس الباطل
العنصر الثالث الذي نحتاجه أيضًا في عملية البحث لمعرفة قضية معينة أو لفهم فرضية معينة أو لإثبات فرضية معينة، هو التخلي عن عملية القياس الباطل. فمن الأمور التي ينبغي التنبه إليها ونحن نسير باتجاه محاولة التحري عن سماوية القرآن هو الحاجز النفسي الناجم عن سوء وضعية المسلمين. الآن هناك حاجز نفسي في نفوس كثير من الناس نتيجة سوء وضع المسلمين، أي تدهور الوضع بشكل كبير جدًا، فالكثير من الناس يشعرون بالرغبة في ترك كل ما يمت للإسلام بصلة نتيجة الممارسات اللاإنسانية واللامعقولة التي تعكسها ممارسات بعض أتباع المذاهب الإسلامية ومنتحلي اسم الإسلام.
يقول النص القرآني: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة].
هذه المجموعات ليست كلمات في القرآن، بل مجموعات حية أمامنا، يكفرون كل المجموعات الأخرى، يكفرون كل المسلمين، يكفرون كل أتباع الديانات، يكفرون كل البشر، ويقولون: “إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ”. فالقرآن يقول هؤلاء لا يصح أن تتأثر بهم، لا يصح أن تجعلهم هم المقياس، فلا ينبغي أن نقيس الأمور قياسًا باطلًا. فالأدعياء كثر، ولا ينبغي بنا أن نقع في فخ الأشكال التي توحي بشيء لكن حقيقتها شيء آخر.
هذا أين ينفعنا؟ ينفعنا في تحديد الخبير، لأن أدعياء الخبرة كثيرون، أي الكل يقول لك أنا الدين، وأنا ظل الله في الأرض، وأنا الذي أمثلك، وأنا أفهمك، وأنا أوصلك. هذا يجعلنا نقيس الأمور قياسًا باطلًا، فيتسبب في أن يقول أحدهم: مادام الخبراء بهذا الشكل وليس لديهم ذمة، ليس لديهم ضمير، ليس لديهم كذا، فإذًا هذا الدين باطل، فإذًا هذا القرآن ليس سماويًا. هذه الأشياء التي يحذر منها القرآن.
كذلك يقول النص القرآني: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [سورة النساء].
فإذًا علينا أن نفرق بين من يصنعون عجلًا وجبتًا وطاغوتًا للناس وبين الخبراء الحقيقيين قياسًا للثوابت المنطقية، أي كأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يوصل لنا رسالة من خلال هذا النص القرآني إلى أنك بإمكانك تمييز الخبير الحقيقي من الخبير غير الحقيقي، وستجد عناصر متعددة وكثيرة، من ضمنها أنك ترى أن هؤلاء أصحاب الخبرات الكاذبة وغير الحقيقية دائمًا يصنعون جبتاً، أي شيئًا له بهرجة من الخارج، له جبة كبيرة، له علامات بارزة، لكنه من داخله أجوف، أو طاغوت يفرض عليك كفة فرضيات تلتزم بها، فأنت تصبح متدينًا، وإن لم تلتزم بها فأنت في جهنم، إذا فعلت كذا فأنت في جهنم، فيحملك في أشياء ما أنزل الله بها من سلطان. فيقول كأنك تستطيع أن تعرف أن الخبير الحقيقي ليس هكذا، الخبير الحقيقي له صفات أخرى.
هذا الأمر أيضًا، وجود هذه الكتلة الكافرة من هؤلاء الجبت والطاغوت والعجل وأمثالها التي هي الآن متمثلة الجبت والطاغوت متمثلة بالزعامات السياسية والدينية، بالأحزاب، بالمؤسسات المعينة، كل هذا القرآن يختصره في قضية الجبت والطاغوت، هذه الحركات الباطنية التي تفرض على الجماعات فرضيات كبيرة جدًا وتلزمهم بإلزامات كبيرة جدًا، هذه كلها تدخل ضمن هذه العبارة التي هي الجبت والطاغوت.
هذا الأمر يجب ألا يؤثر على حماسة الباحث ولا على حياديته، فلا يسمح لنفسه بإلقاء اللائمة على القرآن الكريم إذا وجد أن الناس الذين ينتمون إلى دائرة المنتسبين إلى القرآن يمارسون ممارسات خاطئة وينسبونها إلى هذا القرار. وهذا الأمر طبعًا هو ذاته في مجال العلوم المادية البحتة، فالعلم يحث دومًا على التفكير، وهناك ممارسات من يدعون أنهم حملة تلك الأفكار. كذلك أيضًا فإن أسواق المجوهرات لا تقبل بالتخلي عن فكرة البحث والتحري لمجرد وجود متلاعبين في السوق ومزورين المجوهرات.
لاحظ هذا الانسجام بين ما يطرحه القرآن من عملية تحري الدقة وبين ما يطرحه المنطق العادي للأمور، ونحن نعيش في حياتنا نرى أن هذا الأمر مطلوب دائمًا في كل المناسبات، صحيح، مثلًا تقول: انظر إلى سوق الإنترنت مليء بالغش والنصب والخداع، لكن لا أحد يقول لك يجب ألا تتسوق من الإنترنت أو لا تشتري من الإنترنت، لا، يقول لك: تحرَّ الدقة، حاول أن تتأكد أن الشركة التي تشتري منها جيدة، معروفة، اسمها منضبط، تعرف كيف تعطي الكارد… فإذًا دائمًا تحرّي أو وجود الخداع في هذه الأسواق هذا يجب ألا يخفف من حماستنا إزاء هذه القضية.
البحث بدون موقف مسبق
العنصر الرابع قلنا من العناصر التي نحتاجها في تكوين هيكل المنهج العلمي هو البحث بدون موقف مسبق. فبعد التخلص من أثر القياس الباطل ينبغي التأكد وإعطاء النفس فرصتها في التعارف على هذا الكتاب المثير للجدل على الأقل، أي أبسط ما يقال عنه إنه كتاب مثير لافت ممكن أن تتابعه، يجب أن يأتي الباحث بدون موقف مسبق، أي بدون أن يكون لديه نتيجة مسبقة هو متبنيها ثم يريد أن يثبتها على القرآن، بل ينبغي النظر إلى الأمر على أنه قضية علمية، فلا يسمح للنفس بأن تتخذ موقفاً مسبقًا. وهنا يؤكد القرآن على أهمية أن يكون الإنسان حرًا، أي حرًا ذهنيًا، حرًا من أي موقف مسبق، فيقول: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة]. أي المطهر من المواقف السابقة، أي ليس لديه موقف مسبق يأتي يتحدث به. ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.
فحقيقة الكتاب لا يمكن بلوغها إذا حمل الإنسان موقفاً أيديولوجيًا عقائديًا مسبقًا، أي إذا أتيت إلى القرآن بموقف مسبق لن تصل إلى أعماقه. كذلك يقول القرآن: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران]. فالدليل بالنسبة لهم هو الرائد، أي أننا مؤمنون بالله فلا نخاف من الناس، ولا نخاف من جمع الأدلة الباطلة، ولا نخاف من تظاهر الناس علينا، لأن الله هو رائدنا، الله بما هو قانون طبيعي وعادي تقبله النفس. أي أن النفس تقبل هذا الادعاء بطبيعتها، فنقول: “حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ”.
فتلاحظون أن هذا ينطبق أيضًا على الصعيد المنطقي، وقد تعرض له القرآن وذكر قضية السحرة، فالسحرة متى آمنوا برب العالمين؟ عندما رأوا الدليل، فقالوا: ﴿ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ [سورة الأعراف]. متى؟ عندما تلقفت عصاه ما كانوا يأفكون. إذًا، الدليل هو الرائد، فعلى الإنسان أن يأتي إلى البحث من دون موقف مسبق حتى يتمكن من الفهم، وحتى يتمكن من رؤية الدليل والتأمل فيه والاستفادة منه. إذًا، العنصر الرابع في منهج المعرفة هو التخلي عن الاعتقادات المسبقة وجعل الدليل العلمي هو الرائد.
الشك المنهجي
العنصر الخامس هو الشك المنهجي واللجوء إلى الخبير. نحن الآن نجمع عناصر المعرفة، أي كيف يمكننا تحقيق معرفتنا، وكيف نبدأ بمحاولة التعلم ثم تركيب العلم بعضه على بعض لتكوين معرفة. الآن نأتي لنرى أن هناك ظاهرة تحتاج منا إلى موقف، وهذه القضية مبنية على أساس الشك المنهجي، فهو الذي يدفعنا إلى اللجوء إلى الخبير بعد المعرفة الإجمالية عن الجوهرة. وقلنا إننا أخذنا مثال جوهرة ألماس أخرجناها من الأرض ولا نعلم إن كانت أصلية أم لا، فنفكر في الخبير ونفكر في اللجوء إليه في حالات وجود الشك المنهجي. أي كما قلنا: لو كانت لدينا مع الجوهرة مثلًا قياسات محددة أو شهادة من خبير أو من مجموعة خبراء محفوظة في متحف مثلًا، فلا يكون لدينا شك بها، لأنها نفسها الجوهرة ولم تتغير، وهناك خبرات سابقة ألقيت النظر عليها وقدرت أن تصل إلى شيء. لكن قد نحتاج إلى الخبير، قد نحتاج أن نرجع إلى صاحب الخبرة في حالات وجود الشك المنهجي، ونقصد بالشك المنهجي تلك الرغبة في زيادة اليقين خشية ألا يكون الأمر كما نظن، وهو ما أشارت إليه قصة إبراهيم في القرآن الكريم حينما بدأ البحث عن ربه وانتهى بمحاولة فهم كيفية الخلق. تقول النصوص القرآنية: ” ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [سورة الأنعام]. وبقية الآيات حول القمر والشمس وغيرها.
وقد وردت رواية الآيات أن وجود الشك المنهجي في قضية وحدة الربوبية أو من هو الرب أو كيف هو الرب أو كيف تكون العلاقة مع الرب هو الذي دفع إبراهيم للتفكير بهذه العملية والبحث في ملكوت السماوات والأرض إلى أن وصل إلى قول إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة البقرة]. فضلًا عن المحاورة مع النمرود ومحاولة فهم دور الأصنام، مثل قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾ [سورة الصافات]. فهذه كلها محاولات أراد القرآن أن يرسمها لنا ليرينا كيف يكون الشك المنهجي دافعًا للإنسان لكشف الحقائق أو لفهم الظواهر أو لإثبات بعض الفرضيات ومحاولة إرساء هيكل معرفي متكامل، ويدفع النفس باتجاه الشك فيما هو ثابت ومتوارث، وهذه أهم قضية، أي إنه يجب على الإنسان ألا يقبل بالمتوارث على علاته أو على عواهنه كما يقال.
هذا العنصر، أي الشك المنهجي، يأتي دائمًا بعد وجود دافع يثير شكوكنا. كما قلنا: إذا لم يكن هناك ما يثير الشك، مثل أن تكون الجوهرة محفوظة في المتحف وعليها حماية وشهادة خبراء، فلا يكون لدينا شك. لكن الشك يحدث عندما تكون الجوهرة جديدة مثلًا، أخرجناها من الأرض ونريد تقييم قيمتها الآن، فنشك. هذا الشك ليس أمرًا مستهجنًا، مع العلم أن كلمة الشك بذاتها ليست ذات إيحاء إيجابي، لكن القرآن يؤكد أن هذا الشيء مفيد وجيد. وقد سميته الشك المنهجي حتى أميزه عن الريب أو عن الشك غير المحبب. فالقرآن دائمًا يطالب الناس بالتفكير والتأمل والنظر في كل شيء في محاولة لسبر أغوار الأمور. فالشك الذي نشير إليه هو التفكر وإعادة النظر في الأمور، واخترنا قضية الشك المنهجي لأنها عبارة علمية ونريد بذلك أن نميز هذا الأمر عن الريب الذي يأتي للإنسان بعد انكشاف الحقيقة.
لاحظ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة النمل]. فأنفسهم أصيبت بالريب رغم أنهم رأوا الآيات واستيقنتها أنفسهم. فهذا الريب الذي يأتي لاحقًا، أي أن الإنسان يكون أمام شيء واضح عليه أدلة، لكن قلبه يراوغ ويقول لا يوجد، حتى قلبه فيه رأيان مترددان، كما يعبر عنه النص القرآني “شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ”، وهذا يختلف عن الإنسان الذي يشك ويبحث حتى يعرف حقائق الأمور.
في حياتنا العامة نرى أحجارًا جميلة ورائعة تشبه الألماس الحقيقي بدرجة كبيرة، ونسمع عن محاولات عديدة جرت للتلاعب ببعض الناس وبيعهم حجرًا غير حقيقي، فضلًا عن ارتفاع ثمنها. هكذا الأحجار تجعل من عملية التأكد من حقيقة هذا الحجر أمرًا ملحاً، وإلا تعرضنا لخسارات باهظة. هكذا أمور هي التي تدفعنا للشك ومحاولة رفع هذا الشك، وإلا لو كان الأمر بين أفراد عائلة واحدة عثرت بالصدفة على هذا الحجر في أرضها وأعجبها شكله، فسوف يستمتعون بوجوده ولا يحتاجون لأي عمليات للتأكد من أصالته.
هكذا هو القرآن الكريم، إذ يؤكد على هذه القضية ويشير إلى أهمية كشف هذه الأمور بالنسبة إلى جمهور المتلقين للنص القرآني. لاحظ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة فصلت]. فهم يحتاجون للتفكر والتدبر أكثر من مطالبتهم بوجود أنساق جاهزة ومفهومة وبسيطة، والحاجة هنا ليست لتغيير النص القرآني، وإنما للبحث عن الخبير المناسب. فالقضية دائمًا هي أن نشك ونفكر ونبحث عن الخبير الذي يوضح لنا الأمور، لا أن نطلب تبديل الأمور أو النصوص.
هذه القولبة بتسهيل النص هي ظاهرة قديمة، فالإنسان بطبيعته كسول، يريد أنساقًا ونتائج جاهزة ولا يحب أن يتعب نفسه. فلاحظ ماذا يقولون وكيف ينتقدهم النص القرآني: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة يونس].
إذًا تكون الحقائق بينة، ولكن هناك ريبًا في النفوس، فماذا يطلبون؟ يطلبون تغيير النص لأنه لا يتناسب والأمراض النفسية التي يحملونها والمقاصد والأغراض الدنيئة التي يريدونها. وهذا التغيير هو الذي أوصلنا للحالة التي نحن عليها اليوم، فالكل يبدل ويغير في النص باسم الله تعالى وباسم تسهيل النص من خلال إبداله بنصوص أرضية لا تتفق إطلاقًا مع ما هو موجود في القرآن. أي إننا عندما نقول يجب أن نشك ونبحث، لا يعني ذلك أن نترك النص القرآني لأنه صعب ونكذب النصوص بحجة أنها سهلة. فهذه النصوص ما دامت سهلة، فدعنا نبحث في القرآن ونفهمه.
القضية الثانية التي تطرحها الآية هي لفت نظر الرسول أو لفت أنظارهم إلى أن الأمر ليس مسألة شخصية أو رغبة، وإنما الأمور تجري طبقًا لقوانين الله تعالى، فلا يمكن للرسول أن يغير في النص أو يتلاعب به، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [سورة الأحقاف]، فلا يستطيع أن يتلاعب بالنص.
القضية الثالثة هي لفت نظرهم جميعًا أيضًا إلى الرحمة في هذا الكتاب، وهم إن استصعبوه، فإن بقاءهم موكلين إلى الكتاب الكوني هو أصعب وأشد عليهم. ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة يونس]. أي لو لم تأتكم هذه الرسالة وهذا القرآن، لكنتم مضطرين للبحث في كل الأمور دون أن تحصلوا على نتيجة قطعية، في حين أن هذا جاء ليعطيكم نتيجة قطعية ويسهل عليكم الأمر. فهذا هو الشكل، وأنتم انتبهتم إلى أنه متميز، فتعالوا فكروا فيه واحمدوا الله على هذه النعمة التي جاءكم بها، لأن الله أراد ألا يؤذيكم، وإلا لكنتم مثل بقية الناس تدورون في القرآن الكوني دون أن تحققوا شيئًا.
القضية الأخيرة والمطلوب التنبه إليها هي محاولة البحث في النص رغبة في استجلائه وفهمه، عوضًا عن افتراء ما ليس بحقيقي ومحاولة إثبات حقانيته زورًا وبهتانًا، كما يحاول البعض تسوية ماسات غير حقيقية ولكنها جميلة ورخيصة الثمن، ودفع الناس إلى فكرة التخلي عن محاولة البحث عن خبير لفحص الماسة الأصلية التي أثرت في القلوب.
أحيانًا يقول البعض: هذا القرآن صعب ومستصعب، فما حاجتنا إليه؟ انظر إلى التراكيب كيف هي صعبة ومعقدة، ونحن لا نفهمه، ونريد أشياء جاهزة. هذه الأشياء الجاهزة لا علاقة لها بالقرآن، بل لها علاقة بحياتنا، مثل أن يقول لك: افعل كذا ولا تفعل كذا، فتسأله لماذا؟ فيقول: أصل هذه الأحكام موجودة في القرآن، لكن كيف استخرجتها؟ لا شأن لك، فقط خذ واسكت. هذا كله لا يصح في القرآن، بل عليك أن تبحث وتفهم بنفسك. هذا هو المنهج الدافع للتفكير والبحث، وهو المطلوب، ولكن مع كل الشروط السابقة التي ذكرناها، وهي التحلي بالمنطق البشري والتخلي عن الذات والاعتقادات الذاتية بقدر الإمكان، والقبول برأي الخبير بعد إيجاده.
أهمية البحث والشك في الأمور تأتي من الاختلاط، أي أن الشك أيضًا لا يأتي فقط من معرفة وجود ماسة حقيقية وماسة غير حقيقية، بل أحيانًا يحدث اختلاط وظهور موضوعات مشابهة تدفع باتجاه الرغبة في البحث والتحري لإثبات واحد أو أكثر من البدائل المتنافسة المطروحة. لاحظ كيف ينظر القرآن إلى القضية: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة آل عمران]. فصحيح أن العلم يؤدي إلى كشف الغوامض، لكنه يكون في بعض الأحيان غمامة بذاته إذا اختلط بالرغبات والمصالح الذاتية والأغراض والمقاصد.
إذًا، فإن الشك ينبغي أن يبقى يقظاً مستمرًا متواصلًا إلى آخر لحظة من حياة الإنسان، خشية الوقوع في قضية الاختلاف لأجل الاختلاف ولأجل المصالح الشخصية.
ما الذي يدفعنا الآن لهذا البحث كله؟
ما الذي يدفعنا الآن لهذا البحث كله؟ نريد أن نعرف سماوية القرآن، ووجود هذا الاختلاف، أي أن هناك الآن من يشك بالإسلام، ويشك بالقرآن، ويشك بالله، ويشك بالسموات، نتيجة هذا الاختلاط الموجود ووجود أدعياء للعلم يريدون أن يثبتوا للناس أشياء معينة وأنساقًا معينة يسيرون عليها لمصالحهم الشخصية أو مصالح فئاتهم أو مذاهبهم أو مجموعاتهم، ويريدون دفع الناس عن هذا الشك المنهجي. لاحظ كيف يصف الذين لا يؤمنون بأن ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة فصلت]، بمعنى أن الذين آمنوا لم يكن في آذانهم وقر، فلم يكن القرآن عليهم عمى، وسهلت عليهم عملية الفهم والتأكد من أصالته. هذا ما قلناه في البداية، أنه يجب ألا يكون هناك رين ولا أقفال على القلوب، أي تحرير القلب والعقل عن أن تحدث به هذه المشاكل، مثل السد الذي يسد المكان فلا يسمح للكلام بالعبور.
فأهمية البحث والشك في الأمور تأتي من الاختلاط وظهور موضوعات مشابهة، إذ لا بد من المعرفة الإجمالية ومحاولة تعديل وضع قياسنا إلى المنطق للتخلص من أية فيروسات قد تصيب قلوبنا مسبقًا، ثم التحلي بشكل منهجي ومحاولة الاندفاع في البحث إلى أقصاه، ولكن دون ريب. أي أن الشك لا بأس به، أما الريب فلا، فعندما تصل إلى الحقيقة وتثبت لديك بالدليل فلا داعي للارتياب. ” ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت]. أي أن هناك لغطاً قويًا يحتاج منك أن تفهم وتتأكد، ورغم ذلك فإن هناك فئة من الناس تحمل في نفسها رفضًا لكل حق، وإلا فهناك آيات وبينات، لكنه مبتلى من الأساس، أي ينظر للقضية على أنها مرفوضة من البداية، مثل بعض من يسمون بالملحدين، فهو من الأساس رافض، فبمجرد أن تحدثه يقول لك: هذا كلامك، إن كان فيه استدلال جيد أقبله، وإن لم يكن فلا أقبله، بل هو رافض القضية من الأساس، فلا يناقشك. فقد أراد النص القرآني هنا أن يؤكد وجود عوامل موضوعية تجعل عملية الشك بعد ثبوت الأمر لمحمد صلى الله عليه وآله هي عملية ريب لا أكثر وجحود للحق، لأنها نابعة من نفوس مريضة بالأصل.
فعلينا إذًا أن نرسي دعائم العلم والمنهجية العلمية ونقبل بالحق بعد ثبوت أو قيام الدليل عليه، فلا نكون من المبطلين. ولأن الآيات بينات وقلوب الذين آمنوا خالية من الفيروسات، فإن تلك الآيات تستقر في صدورهم، ولكن يجحد بها من يجحد بها الظالمون.
كذلك يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [سورة آل عمران]. فيقرر سلامة الجواهر جميعًا ويدعو إلى الانتقال من حالة التنافس إلى حالة التكامل والتعاضد والتواصل واحترام الغير. المهم أن وجود التنافس الفكري هو الذي يدعونا للبحث في معرفة حقيقة الجوهرة التي بين أيدينا.
وجود الخبراء وتوفرهم
العنصر السابع هو وجود الخبراء وتوفرهم. الأمر الآخر الذي يجعلنا نفكر في الخبير في حالة البدء في التأكد من أصالة الجوهرة التي بين أيدينا هو وجود الخبراء وتوفرهم، فهذا من الأمور الهامة. فقد نحتار في عملية الكشف عن زيف أو حقيقة حجر من الأحجار، ولكننا نفاجأ بأنه ليس في الكرة الأرضية بكاملها خبير قادر على مساعدتنا، حينها لن يكون للقضية أصلًا أية أهمية، أي الشيء الذي نريد التأكد منه ولا يوجد خبير يؤكد لنا ما هو، فتصبح القضية غير مهمة تمامًا. كما لو أن أحدهم ذهب ليشتري تفاحاً وقال: أريد تفاحاً غير معدل وراثيًا، فسأل أحدهم فقال: لا أدري، فسأله: هل يوجد أحد هنا يمكن أن يؤكد لي؟ قال: لا والله، لا يوجد في هذه المدينة أحد يستطيع أن يؤكد لك، ولا يوجد مختبر. فتصبح القضية غير مهمة، من الصعب علينا أن نتأكد، فإما أن يتركها أو يأخذها ضربة حظ، فيقول: أخذت هذا التفاح والله كريم، طلع معدل وراثيًا أو لم يطلع، أنا نجحت.
يقول النص القرآني: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء]. هنا يوضح لنا النص القرآني الحاجة إلى صاحب الاختصاص وضرورة الرجوع إليه للحصول على الخطأ في أية قضية، معتبرًا أن هذا الأمر من طبائع الأمور، وأنه من سعة رحمة الله تعالى. لقد أكد القرآن الكريم هذا على أهمية هذا المبدأ وأشار إلى سماويته فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر]. فأكد وجود النذر ووجود الرسل ووجود البينات والزبر والكتاب المنير، ثم ضرب مثلًا بالماء النازل من السماء وكيف أن هذا الماء أخرج مختلف الثمرات، ولون الجبال وشاكل الناس والدواب.
لذا فإن من أهم ما تنتجه العملية الفكرية هو وجود علماء مختصين في كل المجالات أو في كل مجالات الحياة، وهم الأكثر قدرة على كشف الحقائق.
نكتفي بهذا المقدار ونكمل إن شاء الله في الجزء الثالث، والذي سيكون الأخير، والسلام عليكم ورحمة الله