Skip to content Skip to footer

من وصايا نوح إلى الكتاب الخاتم – الكتاب والقرآن – الجزء الثالث مع د. يوسف أبو عواد

لماذا نزل “الكتاب” على أنبياء متعددين؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم، ضمن المرحلة الجديدة أو الوجبة الجديدة للبرامج. في الحلقات السابقة ناقشنا مفهوم الكتاب وعلاقته بالميزان، وما هو “الكتاب”.

في هذه الحلقة نحاول أن نناقش نزول “الكتاب”، وعلى أيِّ الأنبياءِ نزل الكتاب؟ ولماذا استدعت الضرورة أن يتم إنزال القرآن والإنجيل والتوراة والألواح والزبور؟ كلُّ هذه سيتم الإجابة عليها ضمن هذه الحلقة مع الدكتور يوسف أبو عوّاد. دكتور، أهلًا بك..

يوسف: أهلًا بِكَ، وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات.

باسم: حقيقةً في الحلقات السابقة كانت البداية: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ” (البقرة: 2)، وكأن الإشارة على كتابٍ بعيدٍ غير الذي بين أيدينا، وأنّ الكتاب أوتي للنبيّ موسى، وأيضًا أُنزل على النبيّ محمد. هل نتحدث عن نفس الكتاب؟ الكتابُ واحدٌ تم إنزاله على النبيّين، أم تم إنزالُه أيضًا ككتب على أنبياءَ أُخر؟

يوسف: جميلٌ جدًّا. دعنا يا دكتور، نرتِّل أو نتدبَّر الآيات التي تناولت الموضوع، فنرى الخط الذي سار فيه نزولُ الكتاب، كما رأينا خطَّ نزول أو بعثِ الرسل إلى الأقوام الذي في المواسم السابقة شرحناه بالتفصيل.

السؤال المحوري الأول أصلًا: لماذا التعدد؟ يعني لا يمكن لقارئ للقرآن إلّا أن يخرج بنتيجة أن هناك تعدُّدًا في الإنزال، يعني الإنزال لم يحصل مرةً واحدةً قطعًا. فالناس يتساءلون: لماذا لم ينزل كتابٌ مرةً واحدةً من أول ما بُعث أولُ نبيٍّ؟ يعني لماذا لم يُرسل مع نوح مثلًا كتابٌ، ويبقى هذا الكتاب محفوظًا إلى نهاية البشرية؟ وما يجيب على هذا السؤال هو سياقٌ في سورة الرعد، يقول فيه ربُّ العزَّة: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً” (الرعد: 38). بالطبع هذه الجملَّة: “وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً” إثباتُ بَشَرِيَّةِ الرسول، وهذه قضية سنناقشها: لماذا أيضًا الرسول جاء.. كان من البشر؟ ولماذا لم يكن مثلًا مَلَكًا؟ أو لماذا الكتابٌ لا يأتي إلى كل إنسانٍ بطريقةٍ أو بأخرى عوضًا عن أن يكون هناك رسولٌ في الوسط؟ المهم.. قال: “وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ”، ثم قال “لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ” (الرعد: 38).

وهذه الجملة مهمةٌ جدًّا، ولذلك القرآن فرّق بين كلمة كتاب وكلمة سُنّة. السُنّة لا أجلَ لها، كما سنشرح ذلك لاحقًا.

باسم: السنّة ممتدة بالوجود طالما الكون موجودٌ.

يوسف: بالضبط.. في الوجود الزمكاني، في الزمان والمكان. أمّا الكتاب فقد يكون له أجلٌ، بمعنى، يبدأ هذا الأجل في نقطةٍ وينتهي في نقطةٍ، فينتهي معناها تفعيلُ أو فاعليةُ هذا الكتاب؛ لذلك قال سبحانه في الآية التالية مباشرةً: “يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ” (الرعد: 39). فمعناها المحو هنا: ما ذهب ممّا نزل من الكتب السابقة، والإثبات ما بقي. لكن كلمة: “وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ”، فيها إشارةٌ إلى أن “أمَّ الكتب”، التي نزلت إلى جميع الأنبياء هي شيءٌ واحد، شيءٌ واحد كان موجودًا على امتداد نزول الكتب الذي سنراه بتتبّع السرديّة التي يعرضها القرآن الكريم حول هذا الموضوع.

باسم: يعني كلُّ الكتب التي نزلت، نزلت من مصدرٍ محدَّدٍ واحد؟

يوسف: طبعًا المصدر أكيدٌ واحد. وبالبداية، كما شرحنا، دكتور، أكثر من مرة، لم يكن هناك كتبٌ ولا رسل. طبيعةُ البشر الأولى، هذا أكدنا عليه كثيرًا، أنه لما كانوا في مرحلة الأمة الواحدة..

باسم: كان الناس أمة واحدة.. صحيح.

يوسف: إذن، وهذا ما استدللنا به على أن الفطرة الطبيعية والبناء الأصلي للإنسان إذا سار عليه فهو يُوصِله إلى الله وإلى النجاة في الدنيا والآخرة. لكن لما حصل الاختلاف بعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين. الآن الشاهد: “وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ” (البقرة: 213). هذه الكلمة إجمالية. يعني لاحظ الآية تقول: إنه أنزل مع النبيّين كلِّهم، لم يقل: الكتب. طبعًا، وهذه كما شرحنا في الحلقة السابقة: إن الكتاب جوهرُه واحد. فلمّا يقول لك: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ…” (البقرة: 285)، ليس المقصود هنا الكتب، أن كلَّ نبيٍّ له كتابٌ منفصل وغير المحتوى غير عن الثاني. لا، المقصود الكتب الفرعيّة التي هي داخل الكتاب، مثل كتاب الصيام ومثل كتاب الوصيّة وغيرها من الكتب.

باسم: يعني لا يُقصد بـ”كتبه” التوراةُ والإنجيلُ والقرآن؟

يوسف: لا، لأنّ الكتاب واحد، وسنأتي إلى ما يدلل على هذا بأكثر من.

 باسم: هذا الفهم السائد عند الغالبية تقريبًا من المسلمين، أن يعتبروا أن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، الكتب هنا المقصود بها: القرآن والإنجيل والتوراة.

يوسف: نعم.. لكن كيف أُجمِع هذا مع المجيء بالإيمان مفردًا هنا، ونسبةِ الكتاب مفردًا إلى ما هو جمع؟ قال: “فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ…” (البقرة: 213)، الآن يُفترض لو فيه تعدُّد..

باسم: كان قال: “وأنزل معهم الكتب”.

يوسف: نعم، لو أن التعدد اختلافُ الكتب ناتجٌ عن اختلاف الأنبياء، كان قال: وأنزل عليهم الكتب. ثم: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ” (النساء: 136).

 

5:31

لماذا أوتي النبي موسي كتابًا كاملًا وإبراهيم “صُحف”؟

باسم: هل القرآن والإنجيل والتوراة والألواح وصحف إبراهيم وموسى خارج نطاق تصنيف الكتاب؟

يوسف: نعم.. سنسير الآن بالتسلسل لنرى: “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ”، لاحظ في سورة البقرة، “وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا”، التي هي الرسالة الخاتمة، تمام؟ “وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ” (البقرة: 136)، هكذا جاء السياق في سورة البقرة.

طيب.. هناك فرق أولًا في لفظة “أُنزل” ولفظة “أُوتي”: “ما أُنزل إلينا” ما، واضح، “ما أُنزل إلى إبراهيم”، ابحث في القرآن، استخدم آلية الترتيل والتدبر، ما الذي أُنزل إلى إبراهيم؟ لن تجد إلّا شيئًا واحدًا: “صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ” (الأعلى: 19). صحف صحيح؟

باسم: نعم، صحيح.

يوسف: طيب.. هناك مكان آخر في سورة الشورى: “شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ”. ما الذي شُرع؟ ما هو مضمون صحف إبراهيم؟ سؤال، جملة “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” (الشورى: 13)، هذه الجملة: “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ” مَا وُصّى بها نُوح، لكن لم تُنزل على شكل صحيفة، أُعطيت لإبراهيم على شكل صحيفة: “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ”. وجملة محورية لاحظ هذا من بداية إنزال الرسل: هو أصلًا لماذا النبيون والكتب أُنزلهم الله؟

باسم: لإقامة الدين.

يوسف: وإعادة توحيد البشر، الاختلاف الذي قلنا عنه، الذي وَلّدَ الاقتتال، هذه فكرة مرفوضة في فلسفة وجود البشر على الأرض، في الفلسفة الدينية التي أرادها الله، فنزل الكتاب ليعيد توحيد البشر، معناها: أن لا يقتتلوا. تختلف الآراء فيتبادلونها بقاعدة ثابتة، لا يصل الموضوع إلى الاقتتال بأي شكل من الأشكال، هذا ما أريد.

فإذن هذه صحف إبراهيم. طيب.. ما أُوتي إسماعيل، إسحاق، يعقوب، الأسباط؟ لا نجد لهذا أي تفصيل، لأنّه هي عبارة عن صحف ووصايا صغيرة كانت بحسب الحال. مرةً أخرى نقول: “لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ” (الرعد: 38)، لكنها لا تسمى كتابًا، يعني لن تجد في القرآن كله نسبة ما أُنزل إلى إبراهيم أن يُسمى كتابًا، ولا إسحاق ولا يعقوب ولا الأسباط. لكن موسى وما أُوتي، اختلفت الكلمة، انظر قبل كان يقول أُنزل، الآن “وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ”، في آية سورة عمران الشبيهة بها: “قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ۖ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ” (آل عمران: 84). هنا يجب أن نقف أولًا: لماذا قال “وما أوتى موسى”؟، لأن موسى أوتي الكتاب كاملًا تامًا لماذا؟ لأنّه كان هناك انتشار بشري واستجابة لفكرة رسالة السماء، وهنا تشكّل أو كانت مرحلة لاحقة من تشكّل وانتشار بني إسرائيل الذين هم ذرية نوح.

باسم: تشكّلت المجتمعات أو تشكّل المجتمع الكامل؟

يوسف: تشكّل المجتمع الكامل نعم، مِن من؟ من ذرية نوح الذي يُسميه القرآن بني إسرائيل، وهذا شرحناه أيضًا، وهكذا تترابط الأفكار. فصار المجتمع لأنّه فيه أسباط تفرّق، أو كان قسّم إلى 12 سبطًا، وصار الموضوع بحاجة إلى تنظيم، وصار هناك معاملات كثيرة، فاحتاج الموضوع إلى كتاب كامل ينظم حياة الناس، لاسيما أنّ الاختلافات زادت وعدد البشر زادوا.

 

ما الفرق بين الوصية والإنزال؟ وما هي أمثلة كلاهما؟

باسم: لدي هناك استفسار بسيط سريع.. يقولون: إن أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، لا يوجد في التاريخ الديني أنّه يوجد شيء معروف أُنزل على إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. ما الذي أُنزل عليهم؟

يوسف: الذي أُنزل وصايا، وهي وصايا يعني ليست مكتوبة، هذا هو، لم يُذكر هنا أنّها كتاب، لكن مجموعة..

باسم: يعني وصايا أُنزِلت يعني بمعنى استوعبت منهم بقصد إلهي؟

يوسف: مئة بالمئة. الدليل قوله تعالى: “شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ..” لاحظ نوح. “مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا” صح؟ “وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ” (الشورى: 13). فلما تحدث عن الأشياء التي لم تُشكّل كتابًا سماها وصية، “مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا”.

باسم: طيب لو نحاول نعطي تفسيرًا أو تفريقًا ما بين لفظة “وصّى” ولفظ”أنزل”.

يوسف: الآن الوصية، أوّلًا بها تعليمات مباشرة لحدث فيه مشكلة، أو فيه خلل لم يستطع الناس معالجته. من أين جئنا بهذا؟ في آخر آيات أو آخر آيات الميراث تقول الآيات: “وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ” (النساء: 12). إذن وصفت أحكام المواريث التي أعطت حدودًا واضحة جدًا، واضحة المعالم ونِسَبًا محددة للورثة بأنّها وصية.

إذن نستنتج، أنّ “الوصية”: هي حكم عملي في أمر حدث به اختلاف وليس منظومة كاملة من الأخبار، والقصص.

باسم: يعني.. الوصية هي موجهة لحل معضلة ما أو لحل إشكالية محددة؟

يوسف: بالضبط. ولذلك الكتاب نزوله كان رشيدًا، وهذا أكثر ما يثبت أيضًا أنّ الأساس هو الفطرة الأولى. الانحراف الذي يحدث في الفطرة تنزل فيه وصية. ما هي الوصية العامة التي ذكرتها آية سورة الشورى؟، “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” (الشورى: 13)، يعني الجزاء الذي يحكمكم أيها البشر، الذي هو الدين، واحد هو الإسلام. الإسلام يعني أن يَسلَم غيرك من شرك، لله، وليس لعرق، ولا لقَانون، ولا يقتصر عند حدّ معين.

هذا الدين والجزاء، لا يجوز أن تتفرقوا فيه، لا تسكت عمّن يؤذي، فينتشر الموضوع شيئًا فشيئًا، فيفسد المجتمع. هذه التي كانت حصلت بين الناس، فنزلت فيها الوصية الكبرى لجميع الأنبياء.

الآن ما الذي أُنزل على إسحاق، على إسماعيل، على..؟ لم تكن هناك مشكلة عملية في ذلك الوقت، وانتهى بقوله تعالى: “لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ” (الرعد: 38).

باسم: أنا لم أفهم أو أحاول أن أُلقي مزيدًا من الضوء على لفظة “أُنزل” و”وصّى”.

يوسف: نعم.

باسم: هل توصية الله يستتبع عليها حكم إذا لم يتم الأخذ بها؟

يوسف: طبعًا يستتبع عليها حكم، الحكم هو أوّل شيء الفساد الذي ينتج على حياة البشر، مئة بالمئة في الدنيا، وبالتالي أيضًا هذا يستتبع عليه حكم في الآخرة قطعًا. فالوصايا.. يعني نوح مثلًا، اذهب إلى خطاب نوح مع قومه، نوح خاطب قومه: “مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا” (نوح: 13-15)، إلى آخره من الخطاب الذي شرحناه بالتفصيل. وهذا الذي أُنزل على نوح، كلام موجّه لانحرافات حدثت عند قومه.

ما الذي أُنزل على هود مثلًا؟ الكلام الذي قاله لقومه مثلًا: “أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون” (الشعراء: 128-129)، وإلى آخره. ونفس الكلام الذي قلناه عن صالح. وما الذي أُنزل على شعيب؟ “أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ” (الشعراء: 181-183). “وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ” (هود: 84). هذه الوصايا التي أُنزلت.

كلمة “أُنزل” تشمل الوحي، تشمل الوصية، تشمل الكتاب المكتوب، الذي أنزل مكتوبًا، وتشمل الكتاب الذي أنزل مسموعًا؛ كلّ هذا مشمول في القرآن الكريم بلفظة أنزل.

باسم: هل لفظة “أَنزَلَ”، أو “أُنزِلَ إلينا” يعني أُنزل ماديًا؟ أم كما يمكن القول مثلًا “download” بالإنجليزي، بمعنى أنّه تمّ استقبال إشارة البعث مثلًا؟

يوسف: هو في النهاية طريقة إيصال.. إذا كان الموضوع عن طريقة إيصال الكتاب أو الوحي فهناك آية تشرح أنواع هذا.. كيف يتمّ التواصل بين الله والبشر: “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ” (الشورى: 51). هذه الصور الثلاثة التي يتمّ فيها الإنزال. لكن لماذا أُنزل إلينا وأُنزل علينا أيضًا؟ لأنّ أُنزل إلينا أي لمصلحتنا، وعلينا أي لأنّنا مطالبون بتنفيذه، فهذا معنى علينا، يعني له سُلطة علينا.

لذلك لن يتحقّق الإنزال الحقيقي للكتب والوصايا التي أنزلها الله إلّا إذا أُنزلت على أرض الواقع فحُوِّلت إلى عمل.

 

مراحل تطور الوحي حتى الكتاب كاملًا على موسى

باسم: أنا كان السؤال الذي كنت انوي أن أسأله لك مباشرةً: أن الفرق ما بين الوصية والإنزال، أن الإنزال عبارة عن مجموعة من القيم والمفاهيم التي مفروض ممن أُنزلت عليه أن يُفعّلها؟

يوسف: صحيح.

باسم: بينما الوصية هي توجيه محدّد لحلّ إشكالية أو معضلة قائمة مثلًا.

يوسف: صحيح. يعني مثلًا الوصية التي أنزلها الله هي في حال لم توجد وصية من صاحب المال للورثة، هذا أيضًا شرحناه في حلقة سابقة. تمام؟ فإذن “ما أُوتي موسى وعيسى”، لماذا فصلهم عن الباقي؟ لأنّه نزل الكتاب تامًا، هذا فهمناه. ولكن دائمًا القرآن لم يذكر ولا في آية واحدة أن ما أُعطيه موسى إنزال، إلّا في آية واحدة سآتي إلى ذكرها بطريقة غير مباشرة.

في كل ما يُذكر عن موسى: “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ” (البقرة: 53)، السبب ما سنراه من طريقة إيتاء الكتاب لموسى عليه السلام، لأنّه أُوتيه مكتوبًا على الألواح، هذا هو السبب، فسُمّي هذا إيتاءً، تمام؟ يعني أُوتي الألواح جاهزة. وأمّا عيسى فسنأتي إلى تفاصيله.

لكن في آية البقرة: “وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ” يجمعه. يُجمع، لأنّه واحد. بعد ذلك في آية آل عمران: “وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ” -عفوًا- في آية آل عمران يجمع، في آية البقرة يفصل: “وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ”. لماذا؟ لأنّ مجموع ما أُعطيه موسى وعيسى يساوي مجموع ما أُوتيه النبيون. يعني، كل ما أُوتيه النبيون قبل ذلك كان “لكلّ أجل كتاب”، محدود جدًّا، فلا يسمّيه القرآن “الكتاب” كما قلنا، يسمّيه “إنزال” أو يسمّيه “وصية”. لكن لما جاء عهد موسى، نزل الكتاب كاملًا، بما يساوي كل ما نزل إلى الأنبياء، فقال: “وما أُوتي موسى وعيسى”، كأنّه يقول: وهذا يساوي ما أُوتي النبيون من ربّهم. طيب، لماذا عاد في سورة آل عمران فجمع، قال: “وما أُوتي موسى وعيسى والنبيون”؟ لأنّه واحد، حتّى لا تتوهّم أنّ ما أُوتِيَه موسى وعيسى غير..

باسم: الذي أُوتي للنبيين.

يوسف: هو صحيح. مجموعه يساوي مجموع هذا، لكن، هو في النهاية هذا هو هذا، هذا هو الفرق. الذي أُوتيه موسى، أُوتيه النبيون مجزّأً قبل ذلك بحسب الحاجة، أمّا موسى أُوتيه كاملًا هو وعيسى، لكن هو في النهاية واحد.

باسم: وضحت الصورة.

يوسف: وفرقنا بين أُنزل إلينا وأُنزل علينا.

 

لماذا أُوتي النبي موسى الكتاب تامًا، ولماذا التعدد؟

يوسف: طيب، الآن شرحنا ما الذي أُوتيه النبيون. “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا..” لاحظ: “النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ” (الحديد: 26)، يعني لما نقرأ آية كهذه، خلاص، نفهم لماذا تقول الآيات: “وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ” (الحديد: 26). “أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ” (الأنعام: 89).

وتذكر بعض الآيات أحيانًا: “فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ..” لاحظ: “جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ” (آل عمران: 184). لاحظ: “جاءوا بالبيّنات”، أحيانًا نسمّيها “البيّنات” “وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ”. “الكتاب المنير”، هذا من عهد موسى فقط كاملًا. “الزبر” معناها الذي أُوتي: “وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا” (النساء: 163)، وجمعها زُبُر، معناها قِطَع، قِطَع، وليس كتابًا كاملًا.

باسم: قطع محددة.

يوسف: بحسب ما كان يحتاج إليه الناس.

وأنا مرةً أخرى أقول: هذا الترشيد في إنزال الكتاب يدلّ على أنّ الإركان الأصليّ والاتّكاء الأصلي، هو فطرة البشر الطبيعيّة.

باسم: يمكن أن نفهم قصة “الزُبُر” أنها فصول من الكتاب مثلًا؟

يوسف: قطَع، نعم قِطَع تكفي مثل الصحف يعني، تؤدّي الغرض للمشكلة التي كانت موجودة في ذلك الزمن، هذا هو.

مرةً أخرى، لماذا فقط قِطَع؟ لماذا فقط صحف؟ لماذا فقط وصية؟ وباقي الأمور أين هي؟ يرُكن فيها على الفطرة التي ما زالت لم تنحرف.

باسم: صح.

يوسف: نعم، ولا يحتاج الناس إليها.

17:34

يوسف: طيب، ومثلًا، يوسف عليه السلام، قال: “وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ” (غافر: 34). هذا على لسان مؤمن آل فرعون يقول: “وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ”. إذن هناك شيء أُوتيه يوسف وهو “البيّنات”.

 

لماذا لم ينزل الكتاب مرة واحدة على الأنبياء؟

يوسف: طيب. الآن نأتي إلى المرحلة الأخيرة التي ذكرناها التي هي إنزال الكتاب تمامًا. نجد شاهد هذا في سورة الأنعام: “ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ..”. ماذا؟ “تَمَامًا” (الأنعام: 154).

يعني تم.. “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي” (المائدة: 3)، كما حصل في الرسالة الخاتمة.

تمام الكتاب ونزوله بكل ما يحتاجه الناس من المشاكل التي ستعرض لهم. نزل على موسى: “تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ” (الأنعام: 154). طيب، “وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ” هذه نقطة مهمة. الكتاب لمّا ينزل ويذكره القرآن معرّفًا بـــ”أل” التعريف يؤكّد من اللحظة الأولى، حتى يقطع الطريق على الدّخلاء، أن الكتاب تفصيل لكل شيء، فلا تذهب فتأتيني بشيء فتقول لي هذا تفصيل للكتاب. من أول ما نزل على موسى والقرآن يناديك صارخًا أن هذا تفصيل لكل شيء.

طيب، “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ”، هذه آية صريحة أيضًا: “مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ” (القصص: 43).

معناها: القرون الأولى التي كان نزل فيها الوصية ونزل فيها البيّنات وإلى آخره، أُهلكت كما شرحنا. والانتشار البشري لبني إسرائيل الذين تقبّلوا الفكرة وبدأوا بعد إبراهيم أو في زمنه مباشرة، ولكن بداية ضعيفة، لأنّه، دكتور، قوم إبراهيم لا يوجد في القرآن إشارة صريحة إلى أنهم عوقبوا، أو تُذكر عقوبتهم كعاد وثمود وقوم نوح، لكن يوجد ما يدلّ على أنهم عوملوا بنفس المعاملة، في سورة (الحج: 42-44): “فَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ” لاحظ: إلى موسى. “فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ”، الضمير مفرد عائد على الله. الآن العقوبة كانت من الله مباشرة وليس بالتدافع: “فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ”.

إلى عهد موسى لم تزل العقوبة تنزل من الله، وما يزال من يستجيب إلى رسالة السماء قليلًا جدًّا. لكن إبراهيم وضع البيت الحرام، وإسرائيل أسّس الإسراء إلى الله، وهو مزامن أو بعده مباشرة. ثم بدأ الانتشار البشري وتقبّل الفكرة. في عهد موسى لم يزل بنو إسرائيل، الذين هم ذرّية من حملنا مع نوح ومن أسرّوا إلى الله، لا يستطيعون مجابهة قوّة من رفضوا الفكرة، فكفروا، الذين هم فرعون وقومه. فأيضًا تدخّلت قوّة الله فأهلكت فرعون، وبعد؟ انتهى، خلاص. “أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ..”..

باسم: أنّه انتهى فرض العقاب المباشر من ربّ العالمين.

يوسف: نعم، لأنّه صار هناك من التكتّل البشر ما يكفي أن يقوموا بمدافعة أهل الباطل. خلاص.

باسم: تولّى المؤمنون الدفاع عن الإيمان مقابل الذين…

يوسف: مئة بالمئة. هذا هو الذي حصل، والقرآن متناسق جدًّا، والفكرة واضحة مع أنّها غائبة.

باسم: طيب في حال تَقاعس المؤمنون، ماذا سيصير؟

يوسف: سيعود الأمر فيعم الفساد، بما هو غياب للسِّلم والأمن في الأرض. نتيجة طبيعيّة جدًّا يعني. وأيضًا نحن أشرنا إلى أنّ هناك سُنّة: “وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ” (محمد: 38). ثم “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ” (البقرة: 216).

 

هل تتوافق قواعد الإسلام مع حقوق الإنسان؟

باسم: إذن، الآية التي تقول: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ”، ليست موجهة مثلًا للمجموعة البشرية التي عاشت في عهد النبيّ محمد، هي موجهة لكلّ المؤمنين؟

يوسف: هي موجهة من بعد موسى، هكذا. من بعد موسى. لكن لماذا؟ وهذا شرحناه في حلقة منفصلة. إذا لاحظت أنّ الاعتداء… هم أصلًا الرسالات نحن قلناها أتت لتقضي على الاختلاف الذي يولّد الاقتتال بأساس واحد: الإسلام. “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” (الشورى: 13). يعني القاعدة التي ينبغي أن يُحكم فيها أيّ بقعة جغرافيّة في العالم، أو التي تكون أساسًا لمحاكم العدل الدوليّة والأمن الدوليّة، أمر واحد: الإسلام. “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” (آل عمران: 19). “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” (الشورى: 13).

ما معنى الإسلام؟ يعني من لم يُسلم فآذى غيره بغير حق ينبغي أن يُدان. هذا الدين. الآن. بعد ذلك تناقشوا فابحثوا عن الحق والباطل في كلّ شيء في الدنيا، لا إشكال. لكن أن يصل الموضوع إلى الأذى، هذا الذي ينبغي أن يتّفق عليه البشر.

ما هي الرسالة التي يُنادى بها للجميع؟ يعني ما الإسلام؟ أنا لما أقول للناس، أريد أن أعرض الإسلام الآن، ما الذي سأعرضه على المجتمعات الأخرى؟ أنّه قانون الجزاء الذي سيحكمنا جميعًا كبشر..

باسم: يجب أن يكون هو..

يوسف: الإسلام.

باسم: ولهذا، هل يمكن إدراج مثلًا لائحة حقوق الإنسان وقوانين الأمم المتحدة في ضبط مثلًا سلوك المجتمعات تجاه بعضها وتجاه احتلالات دول لدول أخرى؟ كيف تتصرّف مع المحتل؟ وكيف تتصرّف في حقوق الإنسان؟ يمكن اعتباره جزءًا أيضًا؟

يوسف: طبعًا. هي كقوانين نظريّة مطابقة تمامًا لفكرة الإسلام، لكن طبعًا الإشكال أنّنا نعرف أنّه في التطبيق العملي ليس دائمًا يسير في اتجاه واحد.

باسم: لا، أتحدث عن المنظومة كمنظومة موجودة، بغض النظر عن…

يوسف: كمنظومة، أنا أقول: هي أعظم ما وصل إليه البشر من الفكر القانوني بالفطرة، وهي متوافقة تمامًا مع الإسلام الذي أراده الله، لأنّه هو أيضًا الفطرة، هو الفطرة. تخيّل أنها لو طُبّقت، كلّ إنسان ينال حقوقه الكاملة وحريّاته الكاملة، وتنتهي حريّتك عندما تبدأ حرية غيرك.

باسم: يعني يحقّ للشعوب أن تثور ضدّ الدول التي تتعدّى على القانون الدولي مثلًا؟ يعني لو أردت أن تطبّق هذا المفهوم على واقعنا الحالي.

يوسف: نعم

باسم: إذن. الشعوب التي تثور وتتظاهر في الشوارع ضدّ طغيانٍ دوليٍّ على القانون الدولي، يعني وكأنّه جزء من التطبيق الحقيقي الفطري، للفهم الفطري للإسلام؟

يوسف: يعني يمكن أن نقول يجب أن يكون في القانون الدولي ما يمنع الظلم حتى الذي تتعرّض له الشعوب. ليس من المعقول مثلًا، أنّه أنا والله أسيطر على شعب كامل، فأمنع عنه مثلًا الإنترنت، وأمنع عنه الاتصال بالعالم، وأمنع عنه حرّية التملّك كذا، ثم يقول لك: ليس لنا أن نتدخل في سياسة داخليّة. لا، ما أراده الله هو أنّه ما دام البشر يتعرّضون إلى ظلم يجب إنقاذ المظلوم من الظلم. هذه هي فكرة الإسلام، ليس إكراهًا على عقيدة، ولا إكراه…

باسم: لا لا لا، صحيح.

يوسف: لاحِظ الفرق، دكتور، بين الدعوة للإسلام. عندما تسمع الدعوة إلى الإسلام ونريد من الناس أن يدخلوا في الإسلام، الموجود في العقل الجمعي الآن شيء، والذي يعطيك القرآن إيّاه من نوح إلى من بعده شيء، مختلف تمامًا.

باسم: شيء مختلف كليًّا، صحيح.. صحيح .

يوسف: مسائل الأفكار يقول لك: تناقش فيها أن تصل إلى ما تريد، لكن ضمن مظلّة الإسلام الذي يحقّق السلام في المجتمع.

 

لماذا انتشرت الرسل والكتب بعد موسى؟

يوسف: طيب، “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ” (البقرة: 87). إذن انتشار الرسل أيضًا بشكل كبير لم يحدث إلّا بعد مَن؟ بعد موسى. ولماذا قال: “قفّينا”؟ لأنّ كلّ مَن بعد موسى لم يأتِ بشيء جديد إلّا على قافية ما جاء به موسى، فهو نفس الكتاب.

باسم: صحيح، صحيح.

يوسف: ولذلك قال: “وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ” (البقرة: 87). طبعًا عيسى، ما الذي أوتيه؟ لننتبه إلى هذا. يعني عيسى عليه السلام أوتي البيّنات، أوتي الإنجيل: “وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ” (المائدة: 46)، “وَآتَاهُ اللَّهُ الْبَيِّنَاتِ” (البقرة: 253). أمّا الكتاب فلم يُؤتَه مرّة أخرى. عُلِّمه تعليمًا فقط.

باسم: “عُلّم الكتاب”.. صحيح.

يوسف: “وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ” (آل عمران: 48)، نفس كتاب موسى. فقط أوتي الإنجيل، لأنّ “الإنجيل” سنتكلم عنه الآن في المرحلة اللاحقة.

لكن قبل هذا، بما أنّ موسى أوّل من أوتي الكتاب تمامًا، هل يطرح القرآن الطريقة التي أوتي بها موسى الكتاب؟ ونركّز على كلمة: أوتي. نلاحظ في سورة البقرة: “وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ” (البقرة: 51-53). إذن هناك مواعدة، فصلتها آية سورة الأعراف. لاحِظ كيف القرآن يفصّل بعضه: “وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ” (الأعراف: 142).

طبعًا هناك إشارة هنا. لماذا؟ لماذا أربعين ليلة؟ ولماذا ثلاثين ثم أتممناها بعشر؟ أنا أقول: إنّ هذا يحتاج إلى تهيئة. يعني هذا أمر ثقيل. يعني حتّى الرسول محمّد عليه الصلاة والسلام لمّا نزل عليه القرآن قال له: “يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا” (المزّمّل: 1-5).

فالتهيّؤ النفسي والجسدي الذي احتاجه نبيّ الله موسى قبل أن يؤتَى الكتاب احتاج ثلاثين يومًا، فلم يكن بعده تهيّأ، فأتمّها الله، فطلب منه أن يزيد هذه التهيئة لتكون أربعين يومًا. إذن الإنسان، وهذه فكرة قلناها: قبل أن أُقْبِل أنا على الكتاب والقرآن لا بدّ أن أُبعِد عن عقلي وذهني الضوضاء، لأنّ هناك كمّية كبيرة من الضوضاء.

فلذلك قال: “قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ” (سبأ: 46)، أقصى حد، أو فرادى وتتفكر. هنا لمّا تتفكّر في المضمون بعيدًا عن المشوّشات والضوضاء سترى: هل هذا كلام مجنون؟ هل هذا كلام ساحر؟ هل هذا كلام مشعوذ؟ وإلّا كلام فيه إصلاح للبشرية وفيه توافق تامّ مع الكون.

باسم: الآن “وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً” (الأعراف: 142). المقصود بالميقات: يعني هل هو مثلًا ضَرَب موعدًا مع الله مثلًا؟

يوسف: إي نعم، وقت، الميقات من الوقت، وهو عبّر عنها بالوعد أوّلًا: “وواعدنا”. يعني فيه مواعدة معيّنة..

باسم: ثم حدد له الوقت.

يوسف: محدّدة بالزمن. أوّلًا أُعطي ثلاثين فلم يتمّ التهيّؤ، “وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً”. الآن ما الذي حصل؟ “وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ” (الأعراف: 142).

هذا مختصر الرسالة طبعًا، لأنّ ما زال بنو إسرائيل في حالة يعني يحتاجون يعني ولادة، أنا أقول ولادة الاستجابة لرسالة الله. فلذلك قال لهارون “اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ”. “وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا”، الذي هو الوقت الذي حدد له “وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ” (الأعراف: 143).

هنا لأنّ هذه الطريقة كما قلنا تشرح لنا سرديّة أو قصّة إنزال الكتاب على موسى أو إيتاء الكتاب لموسى. كيف كلّمه ربّه؟ هذه نقطة مهمّة. نرجع إلى آية سورة الشورى: “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ” (الشورى: 51). معناها كما لا تتخيّل أنّ الموضوع موجات صوتيّة تطرق الأذن، “إِلَّا وَحْيًا”، الوحي هو أنّ المعلومة تذهب إلى الدماغ مباشرة، فلا تدري كيف ذهبت، فقط انتهى تتشكّل المعلومة في الدماغ. وسنأتي لشرح كلمة: وحي، بالتفصيل، لأنّ فيها كلامًا مهمًّا جدًّا جدًّا.

طيب، وعلى فكرة موسى أُوحي إليه أشياء. يعني: “فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ” (الشعراء: 63)، وغيرها من الأمور. لكن: “إلّا وحيًا”، هذه واحدة، “أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ”. من وراء حجاب معناها: هناك عمليّة تحوّل، لأنّ التواصل، الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، لكن الفكرة التي يُراد إيصالها إلى موسى، أو فكرة الكتاب أو الكلام مع موسى، لا بدّ أن يخضع لعمليّة تحويل بحيث يطرق أذن موسى بطريقة يفهمها. هذا الذي حصل. فهذا الحجاب هو نوع من التحويل أو الجَعْل، لا يعرف حقيقته إلّا الله. هو الذي حصل. فالطريقة الثالثة: “أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ”، التي يعبّر عنها القرآن بجبريل، الذي هو ملك الوحي، أو ملك الروح.

 

هل كلّم الله موسى مباشرة وكيف كان إيصال الكتاب له؟

باسم: هل يمكن الفهم حاليًّا أنّ الكلام، بمعنى كلام الله مع البشر، يمرّ عبر ثلاثة أشكال وليس كلامًا منطوقًا كما تحدثت؟

يوسف: إي نعم.

باسم: الهدف منه هو إرسال الرسالة أو توصيل الرسالة..

يوسف: بالضبط.

باسم: لكن إمّا عن طريق الوحي، أو من وراء حجاب، أو من..

يوسف: إي نعم. ولذلك في نفس الآية ماذا قال؟ “قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ”. فماذا قال الله؟ “لَن تَرَانِي”. لماذا؟ لأنّه لا يوجد فكرة شيء اسمه، “أراك من وراء حجاب”. الآن الرؤية، ما هي الرؤية؟ سقوط الشعاع الضوئي على شبكيّة العين من الجسم المرئي. طيب والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، ولا يوجد شيء اسمه شعاع يسقط على الله وينعكس في شبكيّتك.

فقال لو هذه فكرة الرؤية ليس فيها مجال. لكن حوّله إلى ما يهمّ، قال: “وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا”.

هنا هذه الآية أربطها بقوله تعالى: “لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ” (الحشر: 21). معناها: بما أنّ الله سبحانه هو أصل وأساس كلّ القوانين الموجودة في الكون، إذن فكرة أنّك تعرف الله، أو إذا أردت أن ترى الله، إذا أردت أن تستفيد ممّا وضع الله من أسرار في هذا الكون، لا تبحث عن ذات الله؛ لأنّ ذات الله فوق إدراك العقل. العقل في النهاية يأتيه، يستقبل المعلومات كلّها على شكل موجات، والموجات مخلوقة. إنّما البديل، أن أنت الله… ما تريده، أو ما ينفع البشر من الله، أنزله في القرآن. يمكنك، إذا فهمت قوانين الكون، أن تجعل الجبل يتصدّع.

“فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا” (الأعراف: 143). وعلى فكرة: البشر بقوا يبحثون في هذه القوانين التي وضعها الله في الكون، فصار في وُسع البشر الآن أن يجعلوا جبلًا، في لحظة…

باسم: أن يدكّوا جبلًا.

يوسف: فيخرّ متصدّعًا خاشعًا، معناها يسقط سقوطًا كاملًا. فلاحظ طريقة القرآن كيف أنّه لفت موسى بدلًا من أن تفكّر في ذات الله، وهذه مشكلة طبعًا، أكيد أنّ الله يعلم أنّ البشر سينشغلون بالبحث في ذاته. وتاريخ الأمّة، دكتور، من القرن الثاني وبداية القرن الثالث، انشغلت الأمّة في البحث في ذات الله، وأُلِّفت آلاف المجلّدات كلّها تبحث عن ذات الله، كيف يسمع؟ كيف يُبصر؟ لا، يبحثون في الذات، ليس في أثر سمع الله. ولذلك نحن سنخصّص مجموعة من الحلقات عن صفات الله، كيف نفهمها بما يفيدنا؟ يعني أنا ما أريده من فهم ذات الله هو ما ينعكس على حياة البشر، وما هو على قدر حواسّهم وعقلهم. فالله لفت موسى، اترك ذات الله، لأنّه لا قبل لك بها، وابحث في تجلّي الله على الخلق، لأنّه ما يمكن أن تستفيده أنت والبشر.

باسم: فلهذا، عندما تجلّى الله، بمعنى تجلّت القوانين التي تمهّد بإمكانيّة أن يُدكَّ الجبل وأن يتصدّع.

يوسف: إي نعم.. ظهر فعل القوانين التي أقام الله عليها الوجود، أثرُها ظهر. إلى أيّ مدى يمكن أن..

باسم: وكأنّه أشار له أنّ هناك قوانين يمكن استخدامها للوصول إلى هذه النتيجة.

يوسف: بالضبط. يعني أنت عوضًا عن أن تبحث في ذات الله، ابحث عن الخلق والقوانين الموجودة في الخلق، هذا غاية ما يفيدك.

باسم: ما مطلوب منك.

يوسف: الباقي بحث عبثي لا قيمة له. وماذا فعل؟ يعني أقول لك مثلًا: هناك شخص اسمه الجعد بن درهم، قالوا: ضحّى خالد بن عبد الله القسري بالجعد بن درهم كما يُضحّى بالكبش يوم الأضحى. لماذا؟ لأنّه قال: إنّ الله لم يتّخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلّم موسى تكليمًا. طبعًا كان الصراع: ماذا؟ أنّه هل كلّمه بصوت وحرف، أم لا.

ما معنى: كيف يعني اتّخذ الله إبراهيم خليلًا؟ ودخل الصراع في ذات الله.

باسم: والآية توضّح بالضبط الطرق والوسائل التي يتكلّم الله مع الناس.

يوسف: بالضبط. فصاروا يقتل بعضهم بعضًا، ويُكفّر بعضهم بعضًا. والصراع الذي تسمعه الآن بين: يقول لك: أهل الحديث، والأشاعرة، والمعتزلة، والجهميّة، والماتُريديّة، كلّ هذه الفِرَق، كلّ البحث لا تظنّ أنّه ما يصلح المجتمع، ما يبني الأمّة، ما يعطينا حضارة. لا، هو بحث: الله، كيف له يد؟ كيف رحيم؟ يعني: الرحمة ضعف؟ كيف الله رحيم؟ كيف كلّم موسى؟ هذا والله هذا البحث هو الذي شغل الناس كلّ هذه الفترة. فلذلك هذا ممّا صرف الناس عن فهم القرآن، يعني باللسان العربي المبين. هذه مشغلة عظيمة شغلت الأمّة فترة، وهناك من يريد إحياءها الآن، للأسف، في هذا الزمن.

 

كيف نفهم كلام الله مع البشر من دون البحث في ذاته؟

باسم: الآن ننتقل لمرحلة النبيّ عيسى والكتاب، واتّفقنا أنّ عيسى لم يُنزل عليه الكتاب، إنّما عُلِّمه تعليمًا.

يوسف: صحيح.. بعدما قال الله لموسى: “فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ” (الأعراف: 144-145). يعني أخذ الألواح، ولذلك سُمّي هذا إيتاء.

بعد ذلك بقي هذا الكتاب، فعُلّمه عيسى: “وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ” (آل عمران: 48). هذا واضح.

باسم: نحن نتعلّم في المدرسة، ويعلّمنا معلّم.

يوسف: نعم.

باسم: كيف عُلّم عيسى الكتاب؟

يوسف: العلم باختصار، يا دكتور، هو نقل المعلومة كما هي. فقط. هذا هو العلم.

باسم: فقط؟

يوسف: إي نعم، بدون أيّ زيادة ولا إنقاص. لأنّ العَلَم على الشيء هو العَلامة. يعني أنا أعطيك هذا الشيء بعلاماته كما هو، هذا هو التعليم. لذلك، حتّى من مهمّة الرسول أنّه يعلّم الكتاب. ما معنى يعلّم الكتاب؟ أي يعلمه لي إعلامًا شديدًا، يكرّر هذا الإعلام مرّة بعد مرّة حتّى يرسخ في ذهني.

باسم: يعني ليس يوضّح لي أو يفسر لي؟

يوسف: الكتاب واضح. نفس الآية الأولى: “وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ” (الأعراف: 145). من أوّل ما أُوتي موسى الكتاب.

باسم: يعني ما تُرك مجال حتّى لأن يجتهد النبيّ.

يوسف: إي نعم، النبيّ اجتهاده في تنفيذ الكتاب وليس في أنّه يزيد عليه مبادئ. لا، الرسالة، نحن نقول: رسالة الله في الكتاب. أمّا النبيّ والرسول فدوره تنفيذ هذه الرسالة، ونحن معنيّون أن نبحث في أصدق تاريخ لهذا التنفيذ. نعم، لكن معنيّون أن نفهم أنّ هذا ليس زيادة على الرسالة.

باسم: نعم، صحيح.

يوسف: هذا هو.

طيب، الآن كما قلنا: “يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا” (مريم: 12). أيضًا هذا حصل مع يحيى.

 

ما معنى نزول الكتاب “مسطورًا”؟

يوسف: الإنزال الثاني للكتاب حصل على نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ” (آل عمران: 3). لاحظ.. لم يقل: آتاك الكتاب؛ لأنّه لم ينزل مكتوبًا أو يُعطَ في صحف كما حدث مع موسى، وإنّما نزل منطوقًا. هذا هو الأصل في نزول الكتاب في المرّة الثانية. لكن هل كان يعني مَلَكُ الوحي يُري الرسول عليه الصلاة والسلام صورة الآية؟ هذا ما أميل إليه أنا، لأنّه كما ذكرنا في الحلقة السابقة: وُصف الكتاب” “وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ ” (الطور: 1-2). فحتّى لو لم ينزل في صحف مكتوبة، يبدو أنّ شكل الآية كان ينزل كما هو، يبدو.. الموضوع يحتاج إلى مزيد من التدقيق حتّى نُثبت هذا أو ننفيه.

باسم: كون الكتاب نزل مسطورًا يعني أنّه باللغة التي يفهمها الناس، نزل مكتوبًا؟

يوسف: نزل مسطورًا. الآن، مكتوب معناها نزل في ألواح أو في صحف، يمعنى أُعطيَه مع الصحف، مع الألواح. لا، هذا لم يحصل في الرسالة الخاتمة، هذا حصل في كتاب موسى.

باسم: ما المقصود يعني مسطورًا؟

يوسف: طبعًا. دكتور، هذا فيه استحثاث للبحث. يعني إذا كانت الألواح التي أُعطيت لموسى، والتي أُعطيها مباشرة، يعني أُعطي الكتاب مكتوبًا على الألواح، نحتاج إلى بحث أركيولوجي عميق جدًّا إلى أن نعثر على هذه الألواح إن كان في الإمكان. فإذا عُثر عليها ستكون متطابقة تمامًا مع الكتاب الذي هو بين أيدينا في المصحف. أمّا “المسطور” معناها ليس شرطًا أنّه نزل إليه الكتاب، إنّما هو مسطور، معناها مكتوب على شكل أسطر، حروف.

 كلمة “سطر”، توحي لك بنقش الحرف في صحيفة. هذا معنى السطر. فحتّى لو لم يكن أُعطيه على شكل كتاب، هو رأى طريقة الكتابة، أُريَ طريقة الكتابة، إن صحّ. يعني ما زال هذا افتراضًا على كلّ حال، لا أستطيع أن أجزم به.

يوسف: طيب، في سورة العنكبوت: “اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ” (العنكبوت: 45). ثمّ قال بعد ذلك: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (العنكبوت: 46).

يعني نقطة مهمّة جدًّا أنّ هذا الإنزال الثاني لا يجوز أن يستخدمه أتباع الرسالة الخاتمة وسيلة، لماذا؟ للتعالي على أصحاب الكتاب الأوّل. ليقول لهم مباشرة: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”. الحالة الوحيدة التي يتوقّف فيها هذا الأسلوب: “إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا” (العنكبوت: 46)، لأنّه سأعود إلى فكرة “إنّ الدِّين عند الله الإسلام”.

الظلم يعني نقضت مبدأ الإسلام كما قلنا في حلقة سابقة: “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ”، ما الذي نريده في الرسالة الخاتمة؟ “ألَّا نَعْبُدَ إلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” (آل عمران: 64). يعني نحن لن نعبد إلّا الله، وأيضًا مسلمون لله، ومسلمون لكلّ البشر بمن فيهم أنتم، فلن نؤذيكم.

يبقى النقاش مفتوحًا إلى النهاية، لكن هذا النقاش لا يستبيح.. لا يبيح الأذى. لأنّ هذه مهمّة جدًّا. لأن فيه للأسف لأن في كثير من الفقه الإسلامي: نحن ماذا يقول لك؟ ادعُهم إلى الإسلام فإن رفضوا فالجزية، فإن رفضوا فالسيف. ما هذا؟ عجيب يعني، والقرآن يقول لك: لا، لا تجادله إلّا بالتي هي أحسن، إلّا إن ظلمك فقط. وهذا واضح تمام الوضوح.

 

ما هي آداب الحوار مع أهل الكتاب وأهل الملل؟

باسم: هل في تعبير “الذين أوتوا الكتاب” أو “أهل الكتاب” أيضًا يشمل أصحاب الملل؟

يوسف: لا، الملل الآن فيها انحرافات، وهذه الانحرافات كلها ظالمة. يعني لما تذهب لفكرة الملل باستثناء مِلَّة إبراهيم، لما تذهب لملّة اليهود أو ملّة النصارى، أنت ترى دائمًا في الآيات ما يشير إلى تصرّف ظالم. هذا التصرّف الظالم، هكذا خضع لملّة اليهود أو النصارى. إذا خرج عن التصرّف الظالم رجع إلى مسمّى “أهل الكتاب”، حتّى لو لم يؤمن بالكتاب الخاتم.

باسم: يعني أنت تميّز ما بين “أهل الكتاب” و”أهل الملل” أو “أتباع الملل”؟

يوسف: نعم.

باسم: هل أتباع الملل مثلًا -بلحظة ما- يمكن أن يكونوا دائرة من الدوائر التي تشكّل أهل الكتاب؟

يوسف: هناك فكرة ظلم، تخلّص من الظلم، يصبح المسمّى الذي يُنادى به: أهل الكتاب. يعني أنا أقول وفق منطق القرآن لا يجوز أن تقول لواحد: يا يهودي، إلّا إذا كان هناك تصرّف من التصرّفات التي ربطها القرآن باليهود وكان مقترفًا له.

باسم: صح صح، وضحت الصورة.

 يوسف: وهكذا الكلمة “يا نصراني”.

باسم: وضحت الصورة. صح صح.

يوسف: أمّا هم “أهل الكتاب” لفظة عامّة جدًّا.

“وَقُولُوا” -لاحظ- “وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ” -لاحظ- “وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ” ماذا؟ “وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ..”

باسم: “مُسْلِمُونَ”.

يوسف: أي لأجله “مُسْلِمُونَ” (العنكبوت: 46)، لكلّ البشر.

فكرة مهمّة. “ونحن له”، لماذا؟، لأجل الله، ليس لأجل قانون، ولا لأجل أنّه نحن شكّلنا فرقة بشريّة بمفردنا فقلنا: نحن أتباع الرسالة الخاتمة فنحن نسلّم بعضنا، والباقي نحاربهم أو نفرض عليهم جزية. ما في هكذا. “ونحن له مسلمون” أي لجميع البشر، فلن ينال أحدًا منّا أذى حتّى لو رفضتم.

طيب، “وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ” (العنكبوت: 46-47).

لاحظ.. أنا قلت في حلقة سابقة: “الَّذِينَ آتَيْنَاهُم” تشريف. انظر الخطاب كيف تحوّل.

باسم: نعم، فهمت.

يوسف: هو قرأ الكتاب، يتلو الكتاب حق تلاوته، حين يرى مضمون الكتاب، يقول ما هو هذا الذي أنزل على موسى.

كما يُروى أنّ ورقة بن نوفل لمّا سمع عن أوّل ما أُنزِل على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ماذا قال؟ “هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى”. فقال: هو نفسه، هذا هو نفسه. طبعًا لمن يعلمه علمًا حقيقيًّا بعيدًا عن التحريفات في الألفاظ أو التحريفات في المعاني.

باسم: على الجانب، يعني هذا يردّ على الذين يقولون إنّ القرآن أعاد تكرار ما جاء في التوراة والإنجيل، بمعنى، سرق منهما، وأنه تمّ تشكيل دين أو تديُّن جديد بسرقته ما جاء في الكتب الأخرى، بينما هي عبارة عن..

يوسف: هذا الذي يقول هذا يتخيّل أنّ هناك أكثر من إله، وبالتالي أكثر من رسالة وأكثر من نبيّ، وسيُعطي كلّ الناس غيرها بناءً على خيالٍ خطِر..

باسم: يعني هذه الآية تردّ على… تسفّه هذه الأفكار أو من يقول بها.

يوسف: بالضبط. لكن في ذات الوقت يقصُّ عليهم أكثرَ الذي فيه يختلفون. يعني الذي به خِلافٌ وانحرافٌ يُبيِّنه القرآن كما سنشرح. هذا السبب أصلًا، لماذا أُنزِلَت الكتب؟ هذا السبب الذي لأجله نزل الكتاب؛ لأنّه كان هناك: “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ” (المائدة: 15). صحيح؟

باسم: وكأنّه حدَّد مهمّةً للنبيّ محمّد؟

يوسف: بالضبط: لأعيد إنزال الكتاب؛ لأنّه حصل إخفاء لبعض الكتاب. وكان هناك أمور أيضًا كان لها أجلٌ فانتهى، كما قلنا: “لكلِّ أجلٍ كتاب”. فعفا عنها الكتابُ الخاتم. فلذلك قال: “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ”.

وأيضًا قال: “يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ” (النساء: 46) و”مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ” (المائدة: 41). فمادام صار هناك تحريفٌ وصار هناك إخفاءٌ لبعض أجزاء الكتاب، كان لازم أن ينزل كتابٌ يُحفَظ هذه المرّة، فسمِّي هذا الكتاب: الذِّكر. “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (الحجر: 9).

باسم: حتّى لا يقع أيُّ تلاعبٍ فيه سواءٌ بالمعنى أو بالتركيب؟

يوسف: طبعًا. التجربة البشريّة الأولى والوحيدة في إنزال الكتاب على موسى، ماذا جرى فيها من أخطاء البشر؟ الإخفاء وتحريف الكتاب عن مواضعه، ومن بعد مواضعه. إذن تصحيح هذه التجربة جاء بكتابٍ يُحفَظ فلا يُنسى منه شيء.

باسم: فالتحريف الذي تمّ هنا، سواء من مواضعه أو من بعد مواضعه، لا يُقصد به تحريفٌ بالنصوص، إنّما تحريفٌ بالمفهوم. أم تحريفٌ بالنصوص أيضًا؟

يوسف: والله هناك سياقان أيضًا في هذا الموضوع، لاحظ: “وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ” (آل عمران: 78). هذه واحدة. بمعنى: ما الذي يفعله؟ يعني يأتي إلى نصٍّ في الكتاب فيُحرِّفه في طريقة النطق، حتّى هذا التحريف يُعطي معنى للكَلِمة غير المعنى الذي تفهمه لو نُطِقت كما نزلت. فكان الكتاب الخاتم نزل منطوقًا للحفاظ على هذه الفكرة، وحُفِظ أيضًا مذكورًا. إذن هناك تحريفٌ في طريقة النطق مع أنّه لا يغيِّر كتابتها، إنّما غيَّر طريقة النطق فصارت كلمةً أخرى.

 

هل تحريف النصوص يعني تحريف التوراة والإنجيل؟

باسم: الترند الجاري حاليًّا عند بعض المسلمين، أو عند كثيرٍ من المسلمين الذين فهموا مقاصد الآيات خطأً، يرى أنّ الإنجيل محرَّف، والتوراة محرَّفة. وبالتّالي: هل القصد هنا أنّ التوراة التي أُنزِلَت حقيقةً هي التي تم تحريفها؟ أم هناك صيَاغات كتبٍ أخرى وسُمِّيَت كذا وكذا؟ هذه..

يوسف: لا، لا، لا. ما يذكر القرآن أنّه حُرَّف هو الكتاب الكامل التامّ الذي نزل على موسى، ليست التوراة والإنجيل، التوراةُ والإنجيلُ والقرآن..

باسم: إذن التوراةُ والإنجيلُ تخرجان من تصنيف “كتاب”؟

يوسف: طبعًا تخرج من تصنيف “كتاب”. هي ليست “الكتاب”، وهي لم تُحرَّف، على الأقلّ أقول: إلى عهد نزول الرسالة الخاتمة، لم تُحرَّف. وسنثبت هذا بأدلّة واضحة جدًّا.

باسم: الذي لم يُحرَّف”الكتاب”، وليس الإنجيلَ والتوراة؟

يوسف: الذي حُرَّف “الكتاب”، الذي لم يُحرَّف التوراةُ والإنجيلُ. لأنّ الآية ماذا تقول؟ “وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ” (آل عمران: 78). صحيح؟ وآية أخرى: “فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ” (البقرة: 79). إذن هاتان صورتان للتحريف، أوّلًا: تحريف طريقةَ نُطق الكلمة مع أنّها مكتوبة. لكن تنطق، ويتوارث النطق بشكل يغير من معناها. هذه واحدة. يعني مثلًا أنا عندي آيات كثيرة في القرآن: قاتِلوا قاتَلوا. تخيّل أنّ شخصًا حرّفها في النطق فجعلها: اقْتُلوا. المعنى يختلف اختلافًا كُلّيًّا. لكن الكتابة لا يغيّرها. ماذا يفعل؟ يغيّر في طريقة النطق، فيحصل التحريف. جميل، هذه واحدة.

الثانية: “يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا”. إي نعم.

الطريقة الثالثة: الإخفاء. هو موجود، لكن يحاول من يقومون على الكتاب ألا يُظهروه للناس. فلذلك قال: “قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ”.

 

لماذا كان الإنزال الثاني على النبي محمد؟

يوسف: الآن بما أنّنا دخلنا في موضوع، لماذا أصلًا نزل الكتاب؟ وهاتان المرّتان؟ ولماذا أُنزل المرّة الثانية؟ وفهمنا السبب، وهو ليس تغييرًا، وإنّما تصحيحًا للخطأ الذي حصل في التجربة البشريّة. هناك آية في سورة الأنبياء تقول: “لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” (الأنبياء: 10).

الآن هناك كثير جدًّا من الآراء في تفسير الآية: أنّه أيّها العرب -لاحظ كيف- لقد جاءكم كتابٌ يرفع ذكركم بين الأمم. عجيب. يعني عاد فقزّم الكتاب والرسالة إلى مجموعة أنّه “العِرقيّة” تعود مرّة أخرى في التفسير! الكلام موجّه للبشر، جميع البشر.

باسم: ليس لمجموعة محدّدة، ليس لمجموعة بشريّة.

يوسف: بالضبط. أيّها البشر: لقد جاءكم كتابٌ فيه ذِكركم. معناها: لو لم تتّبعوا الكتاب، ما عكس الذِّكر؟ النسيان، سينقرض المجتمع البشريّ.

باسم: يعني ليس كما يفهم البعض: أنّ فيه ذِكركم، بمعنى: فيه ذِكرٌ للعرب؟

يوسف: نعم. أو رفعٌ لصِيتهم وكذا. طبعًا هذا تقزيمٌ وإلغاءٌ لعالميّة الرسالة، يقضي على الرسالة قضاءً تامًّا. إنّما هو كما قلنا: “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ” (الأنعام: 133).

هو إذا لم تصل الاستجابة للكتاب سينتشر الاقتتال، وإذا انتشر الاقتتال سيقضي البشر بعضُهم على بعض، فإذن يصبحوا، يصبحوا عِرقًا أو جِنسًا منقرضًا. أمّا هذا الكتاب هو ما سيحافظ على ذِكر البشر.

 

هل التوراة والإنجيل خارج تصنيف “الكتاب”؟

باسم: يعني أوّلًا دعني أفهم شيئًا، أنّ التوراة والإنجيل والقرآن خارج نطاق تصنيف “الكتاب”.

يوسف: نعم، خارج نطاق تصنيف “الكتاب”، لأنّ..

باسم: هذه أشياء غير “الكتاب”..

يوسف: صحيح.

باسم: وأنّ “الكتاب” الذي أُوتِيَ للنبيُّ موسى، وعُلّمه عيسى، هو نفسه الذي أُعيد إنزاله على النبيّ محمّد؟

يوسف: نعم، مع إظهار ما أُخفِيَ، والعفوِ عن بعض الأشياء.

باسم: بالتأكيد نعم. وأمّا التوراةُ والإنجيلُ والصُّحُفُ والألواحُ والزبورُ أو الزُّبُرُ هي عبارةٌ عن أجزاءٍ أو فصلية أو فصول من “الكتاب” نُزّلت مثلًا على مراحل، أو لأهدافٍ محدّدة، أو لمعالجة قضايا محدَّدة بشريٍّة مثلًا؟

يوسف: طيب، لنبدأ بكلمة “التوراة”، نأخذها لِسانيًّا: توراة. لاحظ: ما معنى “تورية”؟ أن تجعل شيئًا وراء شيء. ولذلك “التورية” في علم البلاغة أنه يوجد معنيان، معنى أمامك، ومعنى في الخلف. إذن نزل “الكتاب” ونزل بعده ما هو وراؤه، ورّى الله الكتاب بالتوراة، فسُمِّيت: التوراة.

طبعًا يقول لك: يا أخي، كلمة “توراة” جاءت من العبرانية، وهكذا سيقولون، وهم لا يعلمون أنّا نحن نتبنّى فكرة أنّ اللسان العربيّ أصلًا هو أساس الألسن كلّها.

باسم: وأنّ التوراة نزلت باللسان العربيّ المبين أيضًا.

يوسف: يعني على كل حال.

باسم: “الكتاب” على موسى نزل باللسان العربيّ المبين، والتوراةُ نزلت باللسان العربيّ المبين.

يوسف: هو نزل بلسان قومه.

باسم: ولهذا، من قال إنّ الأناجيل لم تُحرَّف أو حُرِّفت، الأناجيل المكتوبة، أنّ الأناجيل الموجودة حاليًّا ثابتٌ أنّها أوّل ما كُتبت كُتبت باللغةٍ اليونانيّة، ولم تُكتب باللغة الحقيقيّة التي نزلت فيها أو التي أُوتِيَت للنبيّ عيسى.

يوسف: إي نعم، طبعًا هذا إشكال تاريخيٌ كبير، دكتور أنت تعرفه ومتعمّقٌ فيه أكثر منّي، لكن كلسانٍ عربيٍّ: “التوراة”، واضحٌ صار معناها: يعني ما ورّى الله به كتابَ موسى، يعني: ما جعله وراءه. لماذا؟ في سياق سورة المائدة: “إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ” ما قال على موسى: ” يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا” (المائدة: 44). إذن، مرّةً أخرى: ما هو الدِّين الذي جاء به موسى، فورثه النبيُّون؟ الإسلام، الذي هو دينٌ من؟ إبراهيم، الذي هو دينٌ من؟ نوح. الذي هو ماذا؟ كفُّ الشرّ عن الناس، وأن لا يُدانَ إنسانٌ إلّا إذا ظلم أو آذى.

باسم: وفق هذا السياق، هل يمكن الاستنتاج مثلًا زمنيًّا أنّ التوراة نزلت من بعد “الكتاب”؟ من بعد ما أُوتِي “الكتاب” إلى النبيّ موسى؟

يوسف: بالضبط، مئة بالمئة نزلت بعد “الكتاب” وبعد عهد موسى؛ لأنّ الذي حَكَم بها ونزلت للحُكم. حصل التباسٌ في تحويل آيات “الكتاب” إلى أحكام. فماذا حصل؟ نزلت التوراةُ “يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا” في التطبيق العمليّ “لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ” -معطوف على “النبيّون” هذا- يحكم بها النبيُّون والربّانيّون والأحبار. لمَن؟ لِلَّذِينَ هَادُوا: يعني الذين تبِعوا موسى. هذا أصل “هادوا”، كما قلنا: “إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ” (الأعراف: 156). طيّب: غير “اليهود”. “اليهود” لا تأتي إلّا مع صفةِ ظلمٍ أو صفةِ ذمٍّ، هذا هو. أمّا “الذين هادوا” فالأصل فيها أنّ من تبع موسى سمّاه القرآن: “الذين هادوا”. “بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ” (المائدة: 44). هذه قاعدةٌ مهمّة. كيف يحكمون بالتوراة؟ “بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ”.

إذن التوراة مستندةٌ على ما حُفِظ، من ماذا؟ من كتاب الله الذي أُوتيه موسى.

باسم: يمكن أن نستنج كالتالي: أنّ “الكتاب”، كان هو عبارةً عن الدستور الحاكم، والتوراةُ هي القانون؟

يوسف: التفصيل العملي.

باسم: التفصيل العملي.

يوسف: المناسب للوقت الذي كان موجودًا فيه هؤلاء الأنبياء. فقط هذا هو. هو فيه منه طبعًا أشياء مناسبةٌ إلى النهاية. سنأتي الآن؛ لأنّ الآية اللاحقة ماذا قالت؟ “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا” في التوراة. أنت تريد مضمون؟ القرآن أعطاك ماذا يوجد في التوراة ممّا ستحتاجه إلى نهاية البشريّة: “أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (المائدة: 45). لأنّ عدم إجراء القصاص يؤدّي قطعًا إلى ماذا؟ إلى الظلم.

ثمّ قال بعد ذلك مباشرة: “وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى” على أثر من؟ النبيين، هناك عندي موسى، عندي بين موسى وعيسى نبيون حكموا بالكتاب.

باسم: بالتوارة.

يوسف: والتوراة مستندة عليه، ثم بعد ذلك من جاء؟

باسم: عيسى.

يوسف: “وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا” -أي الإنجيل- لأنه قال عن عيسى الإنجيل: “وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ” (المائدة: 46-47).

باسم: وكأنّ الإنجيل جاء لتطوير بعض الحاجيات مثلًا في التوراة؟

يوسف: نعم، ما الذي فصَّل هذا؟ انظر القرآنُ يُفَصِّلُ بعضُه بعضًا. في سورةِ آلِ عمران، ماذا قال؟ “وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ” (آل عمران: 50).

واضح. بعضُ الأشياء التي كانت مُحرَّمةً لتناسبُ تلك الحقبةِ البشريّة انتهى الغرضُ من تحريمِها، فنزل الإنجيل.

والإنجيلُ تحليلُه اللِّسانيُّ على وزن “إفعيل” من “النَّجْل”، النجل هو التولُّدُ النافع. هذا هو “النَّجل”، والناسُ تُسَمِّي “النَّجيل”.

باسم: نعم، نجيل أو نَجْل، نجلُ فلان.

يوسف: يعني نجلُ فلان.. يعني..

باسم: هذا استنتاجٌ يعني، لا أتبناه، إنما يمكن أنّ ما يُسمّى حاليًّا بالاناجيل لا علاقةَ لها بإنجيلِ عيسى؟

يوسف: تقريبًا؛ لأنّ الإنجيلَ هو شيءٌ صغيرٌ جدًّا: فقط تصديقٌ للتوراة، وإحلال أو تحليل بعضِ ما كان مُحرَّمًا في التوراة. فقط هذا هو الإنجيل، وليس كتابًا كبيرًا، وفيه…

باسم: أو أربعُ كتبٍ أو اثنين وستّين كتابًا كما هو موجود.

يوسف: ولذلك أنتَ لمّا تقرأ في الأناجيل الموجودة الآن ترى أقوالًا أصلًا في نفس الإنجيل، لما تُحلِّله تحليلَ خطَاب، ليس كلُّه لا على لسانِ الله، ولا على لسانِ عيسى عليه السلام، ولا.. تعرف لسانَ التلاميذ..

باسم: نقلًا عن مَن عاصر النبيّ عيسى.

يوسف: إي نعم. لكن لماذا قلنا -مرّةً أخرى- ما الذي يثبتُ أنّها ليست مُحرَّفة؟ الآيةُ تقول لك: “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ” (المائدة: 47). كيف يُحيلُهم إلى مُحرَّف؟

يوجد علينا أن نتحمّل عناءَ البحثِ التاريخيّ حتى نعثر على هذا الموجودِ غيرِ المُحرَّف.

التوراةُ، قال: “وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ” (المائدة: 43). صحّ؟ “ثمّ يتولَّوْن”. “قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” (آل عمران: 93).

إذن لا يوجد في القرآن أبدًا أيُّ إشارةٍ إلى أنّ التوراةَ والإنجيلَ حُرِّفت. إنّما التحريفُ عن مواضِعِه، ومن بعد مواضِعِه، والإخفاءُ حصل للكتاب الأصلي. ثمّ الآية اللاحقة في سورة المائدة ماذا قالت؟ “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا”، مهمٌّ جدًّا، “لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ” (المائدة: 48). الهيمنةُ ليستِ السَّيطرة؛ هل هناك صراعٍ كي تصير سيطرة؟ هو نفسه. الهيمنةُ هي الحفظ: أي إنّه يحفظ هذا “الكتاب” حتّى لا يُحرَّف، وما أُخفيَ منه يُعيدُ إظهارَه، وإلى آخره. واضح.

لذلك لما تُكمِل الآية -وهذه سياقاتٌ عجيبةٌ جدًّا في القرآن-: “فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ”، ما قال: ولا تتبعِ التوراةَ والإنجيل. قال: “وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ” (المائدة: 48)؛ لأنّه خُلِطَ معها الأهواءُ، خُلِطت مع الكتاب.. طبعًا.

باسم: انظر الدقة المصاغ بها النص.

يوسف: إي نعم، دقّةٌ واضحةٌ جدًّا. وفعلًا تشعر بالحسرة أحيانًا: أنّ غياب هذا المعنى لسنواتٍ طويلة، مع أنّه كيف ممكن كان يكون انعكاسُه لو أنّه طُبِّق وفُعِّل حقيقةً؟

باسم: لأن الوقت سيّئٌ أو قصير. شكرًا دكتور. فعلًا الحديثُ ممتعٌ وشيّق. دعنا نلتقي في حلقةٍ جديدة نُكمِل حول الإنزالِ الثاني “للكتاب”. لأنه حقيقةً يحتاجُ إلى تركيزٍ أكثر، لأنّه ما تبيَّن من مفاهيم ومعلومات عند قراءة النصّ وِفْقَ هذا اللسان يعني مُذهل، حقيقةً مُذهل. إن شاء الله نلتقي بحلقة جديدة لإكمال الإنزالِ الثاني “للكتاب”.

شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقةٍ جديدة من برنامج “مفاهيم”، وكالعادة مع الدكتور يوسف أبو عواد. إلى اللقاء.