Skip to content Skip to footer

الكتاب الخاتم – سلسلة حلقات الكتاب – الجزء الرابع مع د. يوسف أبو عواد

مقدمة: هل الكتاب الذي أُنزل على موسى ومحمد كتاب واحد؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم، باسم الجمل، في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”، ونلتقي كالعادة مع الدكتور يوسف أبو عواد أهلًا بك دكتور.

يوسف: أهلًا وسهلًا بك دكتور.

باسم: في الحلقات السابقة، تحدثنا عن إنزال الكتاب، وأنت ذكرت أن الكتاب هو نفسه الذي أُنزل على النبي موسى، أو الذي أُوتي للنبي موسى، وأُنزل على النبي محمد، وهو هو نفس الكتاب. وميّزنا ما بين الكتاب وما بين القرآن والتوراة والإنجيل، على أنها خارج هذا التفصيل من الكتاب. حقيقةً، هي كانت بالنسبة لي معلومةً، أو يبدو لي حتى بالنسبة للمشاهدين أنها معلومة جديدة؛ أن نركز على أن الكتاب هو ذاته بنفسه، وأن هذا الكتاب أُنزل مرتين، أو أُنزل بطريقةٍ أخرى مشابهةٍ للطريقة الأولى مثلًا؟ هل الإنزال الذي أُنزل أو الذي أُوتي للنبي موسى هو نفس الطريقة التي أُوتي بها أو أُنزل بها على النبي محمد؟ طيب، ولماذا؟ لماذا احتاج رب العالمين أن يُنزل كتابًا واحدًا متشابهًا مرتين؟

يوسف: أولًا، نحن قلنا إنه كان الموضوع ينزل على شكل وصايا أو بيناتٍ أو زُبر بحسب حاجة الناس، وبطريقةٍ رشيدةٍ جدًا، ويُركَن في الباقي على الفطرة الأصلية للناس، حتى نزل أو أُوتي موسى عليه السلام الكتاب تمامًا. يعني، هل هناك ما يؤكد أن الموضوع قاطعٌ أم هو وجهة نظرٍ في فهم النص؟ الحقيقة يا دكتور، هناك آياتٌ كثيرةٌ وعديدة تدل على هذا تدليلًا لا لبس فيه.

باسم: لا لبس فيه بمعنى أن الكتاب ذاته نفسه الذي أُوتي للنبي موسى هو نفس الكتاب الذي أُنزل على النبي محمد؟

يوسف: وأن هذا الإنزال لا يوجد له ثالث، هما مرتان فقط. فمثلًا، في سورة القصص: “فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا”.. الآية التي قبلها: “وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” (القصص: 47). الآن لاحظ: “فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا”.. هذا الكلام على الرسالة الخاتمة، “قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ” (القصص: 48). ثم قال: “قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (القصص: 49). إذن، لو كان كتابٌ ثالثٌ نزل، لكان قال: قل فأتوا بكتابٍ غير هذه الكتب الثلاثة. لكن لاحظ نص الآية: “قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا”.

باسم: يعني، القوم الذين كانوا في عهد النبي الكريم كانوا واعين جدًا أن الذي أُوتي للنبي موسى هو نفس الذي أُوتي للنبي محمد؟

يوسف: فهموا هذه الفكرة تمامًا، كانت مفهومةً جدًا، ولا أدري كيف اختفت بهذه الطريقة.

باسم: ولماذا نسميهم بالجاهلية؟

يوسف: لا، هم وعوا هذا من النص القرآني. يعني وعوا..

باسم: هل وعوا من النص أم كانت لديهم تجربةٌ خاصةٌ مع الكتاب الذي أُنزل على النبي موسى؟

يوسف: التجربة كانت عند أهل الكتاب، الأميون ليس لديهم تجربة.

باسم: هل هؤلاء الذين يتحدثون في الآية أو الذين سِيق الحديث على لسانهم في الآية هم من أهل الكتاب أم من الأميين؟

يوسف: سورة القصص تخلط، يعني أحيانًا تتحدث بآياتٍ تشعر أنها تخاطب الأميين، وأحيانًا تتحدث بآياتٍ تشعر أنها تخاطب أهل الكتاب، فهي جمعت الفكرة. يعني، قال: “وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا”. ماذا قالوا؟ “لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى..”. على الأغلب أن هذا الكلام سيكون قاله من عنده معرفةٌ بما أُوتي موسى. يعني قالوا: لماذا نفس الموجود مع موسى ما نزل حرفيًا كما هو؟

باسم: أو ربما يكون هؤلاء الناس من الأميين الذين كانوا يعرفون أن عند أهل الكتاب كتابًا، وكانوا يتوقعون أن ينزّل عليهم كتابٌ آخر مشابهٌ له.

يوسف: أسماهم… هو قال: “أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا”. فهو إما من أهل الكتاب الذين كفروا بالكتاب، أو الأميين الذين عرفوا بالكتاب فلم يهتموا ولم يكترثوا له. يعني، جاءتهم معرفة. وهناك لدينا أدلةٌ تاريخيةٌ تثبت أن بعض من نزلت فيهم الرسالة الخاتمة كان يعرف برسالة موسى، مثل ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وغيرهما. ففيه أدلةٍ تشير إلى أن آثار الكتاب الذي أُنزل على موسى كانت موجودةً في الجاهلية. نعم، كانت موجودةً، لكن هل اكترثوا له؟ لا. خلاص أخذوا فكرة أن هذين “سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ”.

الشاهد: “قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (القصص: 49). فإذًا، “فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ” (القصص: 50). بعد ذلك قال: “وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ” (القصص: 51). يعني، ما جاء به النبي محمد عليه الصلاة والسلام هو صلةٌ بما جاء به موسى، متصلٌ به اتصالًا عضويًا وثيقًا. ولذلك قال في الآية التالية: “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ” (القصص: 52). مرة أخرى، ليس “أوتوا” ليس “أوتوا نصيبًا”، دقة اللفظ القرآني: “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ”، فيه تشريفٌ الآن “هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ”. بماذا؟ بالكتاب الخاتم. لماذا؟ “وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ” (القصص: 53). وصلت الفكرة؟ ألا يظهر مدى التطابق التام بين مضمون الرسالة الخاتمة والكتاب الخاتم والكتاب الذي أُنزل على موسى؟ واضحٌ.

عندما يسمعون هذا الكتاب، قالوا: “آمَنَّا بِهِ… إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ”، “إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ”. خلاص، يعني هو لم يدعنا إلى شيءٍ جديد، هو نفس الفكرة الموجودة في كتاب موسى، فنحن أصلًا مؤمنون بهذا، لا إشكال.

 

محور الكتاب: إقامة الدين كنظام للجزاء وتحقيق السلم العالمي

يوسف: وأيضًا، نرجع إلى الفكرة الأصلية، أن محور الكتاب الذي هو الإسلام، “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” (آل عمران: 19)، والذي هو “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” (الشورى: 13)، هو نظام الجزاء لما يحصل بين البشر من مشاكل، وهو أن تكون قاعدة هذا النظام الإسلام. أخللتَ بالإسلام فآذيتَ غيرك، يجب أن تُجازَى.

باسم: فاستحق عليك إقامة الدين.

يوسف: هذا واجبٌ فردي، وواجبٌ اجتماعي، وواجبٌ أممي وبشري، كما شرحنا هذا.

باسم: فاستحقت إقامة الدين.

يوسف: هذه إقامة الدين، تجعله قائمًا، ليست طقوسًا وكلامًا ليس له تطبيقٌ عملي. باقي الأمور نناقشها في سياقٍ من الأمن والسلم العالمي. هذه الصورة التي تنشدها الكتب أصلًا، وهذه الصورة التي… ألم يكن الناس أمةً واحدة؟

باسم: وهذا ما يثبت عالمية مقاصد النص

يوسف: طبعًا. ألم يكن الناس أمةً واحدة؟ لماذا نزل الكتاب؟ ليعود الناس أمةً واحدة.

باسم: فالعالمية موجودةٌ وموضحةٌ.

يوسف: طبعًا. يقول لك قائل كيف.. يوجد اختلاف آراء، وهناك اختلاف أذواق. هناك.. ما نريد الاتفاق عليه الإسلام، ما هو الإسلام؟ ليس إكراهًا على عقيدة، هو أن يُجازَى من يؤذي غيره إذا خرج عن حد إسلام الآخرين من شره. “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.

 

لماذا قالوا “كتابًا أُنزل من بعد موسى” وليس عيسى؟

يوسف: الآن، هناك آيةٌ تؤكد أيضًا، لاحظ: “وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ..” طبعًا، هنا لو تفتح كتاب، أي كتاب تفسير، هناك تساؤل يقول لك: لماذا؟ “وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى…” (الأحقاف: 29-30). يتساءلون: لم يقل “من بعد عيسى”؟ لأن عيسى أقرب إلى الرسالة الخاتمة. لأن عيسى، كما قلنا، لم ينزل عليه كتاب..

باسم: عُلِّمه تعليمًا.

يوسف: عُلّم الكتاب الذي أُوتيه موسى. انظر كيف الإثبات.

فلما تجمع الآيات، إشكالاتٌ كثيرةٌ جدًا كانت تُطرح، ويظن الناس أنها تناقضات. لماذا قالوا: “إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى”؟ لأنه لا يوجد كتابٌ أصلًا بين موسى ومحمد. هو الكتاب…

باسم: هو نفس الكتاب.

يوسف: هو نفس الكتاب.

 

ما أسباب إعادة إنزال الكتاب؟

يوسف: طيب، آيةٌ أخرى أيضًا في سورة هود: “أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ..” الذي هو القرآن “وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ” (هود: 17)، هذه هي القفزة؛ لأنه كما قلت لك يا دكتور، تساؤلاتٌ كثيرةٌ كانت تُطرح في الكتب، وكانت تُؤخذ على أنها تناقضات، ويقولون: غفلاتٌ وسهواتٌ من كاتب القرآن! وأنت لم تفهم القرآن. إذا جمعت الآيات، واضح الموضوع، سهلٌ جدًا جدًا جدًا.

باسم: عند تطبيق آيات الترتيل ومن ثم التدبر، تنكشف الغشاوة.

يوسف: جدًا، بسهولة. فقط أزل الضوضاء، أهم شيءٍ أزل الضوضاء في الأول، أبعد المشتتات وانظر في النص، ستجد الموضوع جدًا سهلًا، سهلًا. يعني، لا يوجد شيء أنزل على الأنبياء قبل موسى إلا وصايا بحسب ما يحتاج المجتمع، صغيرة. وأُنزل الكتاب تمامًا على موسى، وأُعيد إنزاله على محمد. ولماذا أُعيد إنزاله مرةً أخرى؟ نُذكّر، السؤال الذي طرحناه في البداية أيضًا، أنه ماذا؟ نحن قلنا ماذا؟ لأنه “وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ…” (آل عمران: 78). قلنا صار تحريفٌ صوتي، صار تحريفٌ في الكتابة: “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا…” (البقرة: 79).

هذا التحريف طبعًا ربطه القرآن في سياقٍ مع من كان يُفترض أنهم من أتباع النبي موسى. التحريف الأول، الصوتي، ربطه مع من يُفترض أنهم من أتباع النبي عيسى. التحريف الصوتي كان في سياق سورة آل عمران يتحدث. وقلنا أيضًا الإخفاء: “قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ” (المائدة: 15).

نقطةٌ أخرى، هذا ذكرناه في الحلقة السابقة، الاختلاف، يعني: “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ…” (هود: 110).

باسم: فاختلف فيه في عهد موسى؟

يوسف: في عهده ومن بعده.

باسم: ومن بعده.

يوسف: ومع أنه أُنزلت التوراة حتى تحسم هذا الاختلاف ويحكم بها النبيون، وقع الاختلاف مرةً أخرى في التوراة، فأُنزل الإنجيل، فوقع الاختلاف مرةً أخرى بعد الإنجيل. والاختلاف ما سببه كما قلنا؟ إما كتابة شيءٍ بأيديهم ونسبته إلى الله، أو تحريفٌ صوتي، أو إخفاء. فهذا ولَّد.. أو البغي، كما ستذكر آياتٌ كثيرة.

 

هل خُص بنو إسرائيل بالرسالات أم كانت للبشرية كافة؟

باسم: أريد أن أسأل سؤالًا تبادر إلى الذهن حاليًا: هذا الحديث أو هذه الآيات تشير وكأنه هناك تواصلٌ ما بين السماء والأرض، على سبيل المثال تجاوزًا، حول هذا الكلام، حول إرسال الكتاب والكتب الأخرى أو الإنجيل أو التوراة. وكأننا نتحدث عن نفس المجموعة البشرية التي تلقت كل هذه الاتصالات السماوية.

يوسف: صحيح.

باسم: بمعنى، عند نزول القرآن أيضًا، أيضًا هي نفسها التي قُصِدت بإنزال الكتاب في عهد موسى، والتوراة، والإنجيل، وتعليم عيسى، هي نفس المجموعة البشرية؟

يوسف: الله! يا عيني عليك يا دكتور، مئة بالمئة. والانفصام الذي يحصل كان عند قارئ القرآن أنه أنا أبدأ فأقرأ القرآن فيخاطب بني إسرائيل. هكذا الناس كانت تشعر: “طيب، أين أنا؟”. كأنه يحكي له قصةً عن أقوامٍ آخرين، وهذا خطأٌ فادحٌ جدًا. التسلسل سهلٌ جدًا. الكتب والرسل، حسب طريقة القرآن في الطرح، كانت لكل البشر. يعني، من بُعث إلى الناس كافةً ليس فقط محمد عليه الصلاة والسلام، لا، كل الأنبياء بُعثوا إلى الناس كافةً.

باسم: في عهدهم، في زمنهم.

يوسف: في عهدهم نعم. لأنه كان البعث لتصحيح ما حصل من خطأٍ من المجموعة الموجودة من الناس. الآن، كان الناس، الناس، أمةً واحدة. هذا يعني أنه لمّا بعث النبيين، بعثهم لمن؟ للناس. وسنأتي إلى آياتٍ كثيرةٍ تثبت هذا، ونُذكِّر به مرةً بعد أخرى.

بدأ الموضوع في عهد نوح، نزلت وصايا، ثم بعد ذلك الأقوام الأخرى وصولًا إلى موسى. الكلام على كل البشر. في عهد إبراهيم، وضَع النواة لتأسيس المجتمع، لكن ما زال المجتمع بمعظمه يرفض. عندما جاء إسرائيل وبنو إسرائيل، بدأ انتشار الرسالة، مع انتشار البشر، لأن البقية كان يُقضى عليهم خلاص.

 

ما حكمة إنزال الكتاب مجددًا؟

باسم: سؤالي كالتالي: هنا، صحيحٌ أننا غير معنيين بتحديد جغرافية الإنزال والتنزيل وانتشار هذه المجموعة البشرية التي أطلقنا عليها اسم أو وصف “إسرائيل” أو “بني إسرائيل”، لكن ربما، كوننا من أهل هذه الثقافة، من أهل هذه الجغرافيا، أصبح يمكن أن يكون لدينا تصورٌ للجغرافيا التي امتدت عليها هذه المجموعة البشرية. وممكن الاستدلال أيضًا أن الإنزال الأخير للكتاب أُنزل على المجموعة التي لم تتأثر بالكتب الأولى. يعني، هناك كانت مجموعةٌ مستثناةٌ من الكتاب الأول، ومستثناةٌ من الإنجيل والتوراة، فأُنزل القرآن على المجموعة التي أُطلق عليها اسم “الأميين”.

يوسف: جميل، وهذا تكملةٌ للأسباب التي ذكرناها، ممتازٌ جدًا. هو الكتاب، يعني لنقل، انتشر في جزءٍ من المجموعة البشرية كما ينبغي، وصلت فكرة الكتاب بغض النظر عن أنهم استجابوا وطبقوا عمليًا أم لا. لكن بقي الأميون، يعني فقط على فكرة الأمة، ما زالوا، لم يصلهم الكتاب كما ينبغي. فكان من ضمن أسباب إنزال الكتاب مرةً أخرى تغطية هذا الموضوع: “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (الجمعة: 2). “وَلِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ…” (يس: 6). لكن هذا لا يعني بحالٍ أن أهل الكتاب لا تشملهم الرسالة.

باسم: هذا السؤال الذي أريده، يعني يمكن تطوير الفكرة بشكلٍ أوسع، أن إنزال القرآن وإنزال الكتاب على النبي محمد أيضًا جاء ليخاطب المجموعة التي لم تنل قسطًا من الكتاب سابقًا، والمجموعة التي أُوتيت الكتاب، أو الذين أعطاهم توصيف أهل الكتاب.

يوسف: صحيح.

باسم: يعني الذي يشمل كل المجموعة البشرية.

يوسف: بالضبط، كل المجموعة البشرية بقسميها: أهل الكتاب والأميين. لأنا نحن قلنا: بني إسرائيل.. في حلقات سابقة بيّنا أن بني إسرائيل انقسموا إلى أهل الكتاب والأميين… أهل الكتاب هم الذين عرفوا الكتاب وفهموه ودرسوه وعرفوه جيدًا. الأميون لم تصلهم فكرة الكتاب جيدًا، يعني يمكن سمعوا به سمعًا.

مما يعني أنهم كانوا من الآخرين الذين فهموا الكتاب. ولكن الأميين لم يكن لديهم السؤال والاتصال بالكلام، فيما شاء الله، يعني يمكن سمعوا به سماعًا، لكن لم تصل الفكرة بشكلٍ جيد. فالآن لاحظ، الحديث عن النبي الخاتم: “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا…”. وفي آيةٍ أخرى يقول: “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ…” (المائدة: 15).

فهو بالنسبة لأهل الكتاب إظهارٌ لما أخفوا وتصحيحٌ لما تم تحريفه، وبالنسبة للأميين تمامٌ لإيصال الكتاب لباقي البشر. فهكذا تكون فكرة الكتاب قد وصلت لجميع المجموعة البشرية -يُفترض- في كل أنحاء الأرض. هذا هو باختصارٍ شديد.

 

هل مصطلح “العرب” في السياق القرآني وصف عرقي أم لساني؟

باسم: اسم “عرب” أو وصف “عرب” لهذه المجموعة التي تتشكل من بني إسرائيل وفق الفهم اللساني الذي قدمناه، وللأميين وفق أيضًا الفهم اللساني الذي قُدم والذي عبر عنه النص القرآني، هذه المجموعة التي سميت “عرب”، هل هي المجموعة التي تأهلت لاستقبال رسالة السماء الأخيرة؟

يوسف: أنا لا أقول “عرب” أبدًا، لماذا؟ لأن “عرب” هذا اسمٌ ظهر لاحقًا نسبةً إلى اللسان، يعني من يتكلم باللسان العربي يسمونه “عربيًا”، وصار كأنه عرق. والحقيقة أن القرآن لا يطرح فكرة العرق أصلًا.

باسم: أنا متفقٌ معك، لكن هذه المجموعة تحدثت باللسان، كانت تنطق باللسان العربي المبين.

يوسف: نعم، صحيح.

باسم: هل أُسقط وصف “عرب” عليها لأنها تحدثت بهذا اللسان مثلًا؟

يوسف: هو أُسقط لأنها تحدثت بهذا اللسان، لكنه تحول بعد ذلك إلى وصفٍ عرقي، يعني صار يقول لك: “يرجع إلى يعرب بن قحطان”، فحُصر في جدٍ معين اسمه يعرب بن قحطان… إلى آخره. بعد ذلك “عرب عاربة” و”عرب مستعربة”، فالقصة حُوِّلت عرقية مع أنها لم تكن يومًا في منطق القرآن هكذا.

باسم: لكن نتحدث عن نفس المجموعة البشرية.

يوسف: إي نعم، المجموعة البشرية التي نزل فيها القرآن بالأساس كان يغلب عليها من؟ الأميون.

باسم: وبنو إسرائيل.

يوسف: نعم.

باسم: من بني إسرائيل، صح. كان يغلب عليها الأميون، صح.

يوسف: يتبعون بني إسرائيل، لكن يغلب عليهم الأميون؛ لأن الكتاب لم ينتشر فيهم بالطريقة الموجودة عند بقية المجموعة البشرية، وهم أهل الكتاب.

لذلك أنت ترى انتشار البشر، يعني إذا رصدت البشر الذين انتشروا في الأرض قبل الرسالة الخاتمة، ستجد أنهم ما انتشروا إلا وفكرة الكتاب محمولةٌ معهم. يعني فكرة الكتاب موجودةٌ في جميع أرجاء أوروبا، فكرة الكتاب موجودةٌ في جميع أرجاء أمريكا. يعني، كفكرة. إذن، الانتشار البشري أصلًا لم يحصل بعد موسى وفي عهد بني إسرائيل إلا بعد ما وصلتهم فكرة الكتاب. فحتى لو سمع بعد ذلك بفكرة الكتاب الخاتم، هناك قاعدةٌ معرفيةٌ واصلةٌ إلى جميع أنحاء الأرض عند جميع البشر. فقالت الآية هنا: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ…” (العنكبوت: 46)، لأن القاعدة المعرفية بينكم عاليةٌ جدًا، ومن السهل جدًا حصول النقاش.

وبعد ذلك، هو الهدف أمرٌ بسيطٌ جدًا، يعني التفاصيل نقاشها لاحقًا، لكن الهدف الكبير، فكرة الدين، ما يُراد الاتفاق عليه أصلًا هو ماذا؟ الدين، الذي هو ماذا؟ الإسلام الذي هو ماذا؟ كف الأذى.

باسم: هذا استنطاقٌ جدًا عميقٌ للآيات، واستنطاقٌ لطيف، ويعمم فكرةً إنسانيةً على البشرية على اعتبار أنها تعود أو تنتمي إلى كتابٍ واحد.

يوسف: إي نعم، والكتاب الواحد ليس تفاصيل معقدة حتى يقول لنا الناس أنه… يعني الأساس واضحٌ وسهل. حتى في سورة الشورى، يا دكتور، عندما قلنا، لاحظ آية الشورى: “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ..” نبدأ التسلسل، القرآن عجيب أنه يعطيك الموضوع من أماكن كثيرةٍ جدًا حتى لا يبقى عندك شكٌ في صحة الفكرة، وهي سهلة. “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ…” من؟ “نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ…” (الشورى: 13).

ما معنى “مشرك”؟ يعني، لا يريد الإسلام، معناها أن عنده تقسيمًا للناس إلى من يسلم له ومن لا يسلم. هناك نوعان: أنا أسلم لمن في عرقي، لمن من أبناء دولتي، وهكذا، والباقي أستحله. هذا هو الإشراك.

طيب، “كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ…” (الشورى: 13)، لأن الموضوع سيقضي على مصالحه الشخصية أو الفئوية أو العرقية أو الجهوية، فكبر عليه الأمر. انظر الآن، من الذي يعارض تطبيق -كما قلنا- القانون الدولي، كما هو مكتوب؟ من يعارض؟

باسم: المشركون.

يوسف: لأنه يهدد مصلحته. من يعتدي مثلًا، من يأخذ أرض غيره ظلمًا، من يقتل شعبه ظلمًا، هو الذي يعترض على مثل هذه الأمور. فلذلك قال: “كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ” (الشورى: 13). ثم قال: “وَمَا تَفَرَّقُوا…”. هذا الكلام عن من؟ عن أتباع نوح وموسى وإبراهيم وأتباع الرسالة الخاتمة، لأنه قبلها: “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا…” إلى آخره. ماذا قال؟ “وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ…” (الشورى: 14). ليس الأمر الذي فيه التباس، “عِلْمٌ” يعني واضحٌ بطبيعته، واضح. لذلك لما قال لك: “يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ…”، يعني فقط ينقل هذا العلم، فقط يكرره مرةً بعد مرة حتى لا يبقى هناك التباس. ومن هنا جاء التشديد.

طيب إذن، “…إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ…”. لماذا؟ علَّل: “وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ…” (الشورى: 14). لماذا تفرقوا؟ هل لأنه غير واضح؟ أم بغيًا؟

باسم: “بَغْيًا بَيْنَهُم”.

يوسف: إذن، من الذي أفسد وأخل بنظام الوحدة الذي دعا إليه الدين جميع الأنبياء؟ أصحاب البغي. ألم يقل لك: الإسلام، الدين الإسلام، ما عكسه؟ البغي. هذا أهم عكسٍ تذكره الآيات، الاعتداء، الأذى. هذا الذي جعل هناك تفرقًا، ليس عدم وضوحٍ في الكتاب.

 

هل توجد فائدة لـ”حوار الأديان”؟

باسم: يعني، حاليًا، ما يُسمى بـ”حوار الأديان” عبارةٌ عن مضيعةٍ للوقت؟

يوسف: والله، أنا أعتبر هذا مضيعةً للوقت، حقيقةً.

باسم: طالما البشرية تتفق على كتابٍ واحد، أو طالما الكتاب أُوتي للبشرية تقريبًا ككل، لأن المجموعة البشرية التي انتشرت من بعد موسى وحملت الكتاب هي تشارك الجميع بالكتاب، وأن الكتاب أُعيد إنزاله ثانيةً على النبي الكريم محمد، وبالتالي أصبح هناك تعزيزٌ لهذا الكتاب عند إرساله للمرة الثانية، وأصبح انتشار الكتاب كثقافةٍ أوليةٍ للعقلية البشرية وفي الثقافة البشرية هو الأساس.

يوسف: إي نعم، يعني إذا أردنا أن نسمي، مثلًا، حوار التديّنات أو الملل، نحن نريد أمرًا واحدًا؛ أن يتفق الناس على موضوع الإسلام اتفاقًا حقيقيًا، ويتوقف البغي. أما التصورات، هذه يا دكتور لن.. يعني هذا الحوار، ما هي ثمرته؟ أن ألغي أنا تصوراتي والاختلافات الفرعية؟ هذا لن يحصل، هذه طبيعة البشر. الاتفاق المطلوب الذي يلغي التفرق، الذي يهدم، ما هو؟ الإسلام بمعنى كف الأذى، التوقف عن البغي، بمعنى التوقف عن الظلم. خلاص. بعد ذلك، يتحاوروا كما يشاؤون في المسائل الأخرى الجدلية، بدون.. مع هذه القاعدة القانونية العالمية التي ينبغي أن يؤسس عليها كل تصرفات وعلاقات البشر بعد ذلك.لكن طبعًا القرآن يطرح رؤيته في تفاصيل كثيرة، وهذا ما سنأتي إليه في المواسم اللاحقة أصلًا.

إنما الأساس الكبير هو عدم البغي، وهو الإسلام. يعني، ليقتصر حوار التديّنات على هذا، ينتهي خلال أسبوع ينتهي فقط. من الذي لا يريد هذا؟

باسم: ليتفق الناس على إقامة الدين.

يوسف: بالضبط. اتفقوا أنه لن يُسمح في العالم بالبغي، لن يُسمح في العالم بالظلم، لن يُسمح بالتعدي. يجب أن تقوم قاعدة العالم على الإسلام، إسلام الناس بعضهم لبعض.

باسم” مثلما تعبر الآية: “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ…” (آل عمران: 64).

يوسف: نعم بالضبط. هو يعبر القرآن في أماكن كثيرة ومن جوانب كثيرة، ولذلك لا يجوز التفرق في هذا. بعد ذلك، لماذا يتفرق الناس؟ لا أدري يعني. الموضوع واضحٌ تمام الوضوح.

يوسف: ولذلك، مع ذلك يقول لك: “وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ” (الشورى: 14). هو الشك الذي أحدث الريب ما له سببٌ إلا ماذا؟ البغي، كما قال. يعني، في داخله طموحٌ نحو البغي، هذا الذي يجعله يخالف.

 

ما هي العلاقة الجوهرية بين التمسك بالكتاب وإقامة الصلاة؟

باسم: الآية في سورة الأعراف، 170، التي تقول: “وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ” (الأعراف: 170). ربط إقامة الصلاة بالكتاب، أو مسك الكتاب بإقامة الصلاة؟

يوسف: هذه نقطةٌ مهمةٌ جدًا. دكتور، عندك شغفٌ أن نفتح جميع الموضوعات مرةً واحدة. موضوع الصلاة هذا موضوع كتاب، كتابٌ من الكتب. يعني طبعًا، “إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا…” (النساء: 103). فهو أحد الكتب، وهو كتابٌ مهم. تكرار الصلاة، لكن كما أرادها الله، لا اختزالها في طقوس. تكرارها في القرآن كثيرٌ جدًا، لأنه أمرٌ في غاية الأهمية. أمر الصلاة محوريٌ جدًا في الكتاب وفي الرسالة الخاتمة، لكنه يحتاج حقيقةً إلى معالجةٍ متأنية وحلقات. لكن هو مربوطٌ بالكتاب، يعني ليست فقط هذه الآية: “فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا…” (الأعراف: 169). هذه الآية في سورة الأعراف أيضًا. كيف يعني “يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا”؟ معناها يتخلون عن فكرة الكتاب بسبب عرضٍ أدنى قريب، مع أن الثمرة بعيدة المدى للتمسك بالكتاب أفضل للمجتمعات البشرية. لكن أحيانًا، المصلحة الفردية، طبعًا، أنا بالنسبة لي إذا حققت مصلحةً فرديةً وأنانية، طبعًا هذه مصلحةٌ قريبة، لكن يترتب عليها هلاك المجتمع البشري كاملًا. هذه المجموعة هي التي ستبغي.

لاحظ، يعني القرآن يشرح لك من الإنسان الذي سيبغي؟ من الإنسان الذي لن يقبل بمفهوم الإسلام؟ الذي عنده تقديم المصلحة الأدنى على المصلحة المجتمعية، الذي يقدم مصلحته الذاتية الفردية الأسرية الصغيرة على مصلحة مجتمعٍ وأمةٍ بشريةٍ كاملة. هذه قمة الانتهازية. لا يجوز للبشر أن يسمحوا له بهذا الفعل. ومع ذلك، لاحظ، يقولون: “سَيُغْفَرُ لَنَا”. يعني سيجد من يبرر له، سيخرج له أشياء تجعله يُغفر له. خلاص، “روح سبِّح، حجّ، اعمل… غُفرت ذنوبك وإن كانت مثل زبد البحر”.

باسم: يخلق مبرراتٍ للسلوك السيئ.

يوسف: إي نعم.

يوسف: في سورة مريم: “فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ…” أيضًا، كان الكلام على سياق الأنبياء، ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا” (مريم: 59).

إذن، نفس الخلف الذين ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى، هم الذين أضاعوا الصلاة. إذن، إضاعة الصلاة مرتبطةٌ ارتباطًا عضويًا وموضوعيًا بماذا؟ بترك الكتاب. معناها أن الصلاة مرتبطةٌ ارتباطًا موضوعيًا بالتمسك بالكتاب.

باسم: التمسك بالكتاب يعني إقامة الصلاة.

يوسف: هذا معنى مهمٌ جدًا وجوهري، هو جوهر الصلاة. ولذلك القرآن عبر عن الصلاة… هذه مقدمةٌ سنشوق السادة المشاهدين للتفاصيل، لكن القرآن، لاحظ لما قال: “أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ…” (الإسراء: 78)، بعد ذلك ماذا قال؟ “…وَقُرْآنَ الْفَجْرِ…” (الإسراء: 78). يعني، عطف قرآن الفجر على ماذا؟ على “أَقِمِ الصَّلَاةَ”، لأنه يربط الصلاة بالكتاب وبالقرآن ربطًا عضويًا وموضوعيًا، وكأنك يمكن أن تقول تقريبًا: الصلاة هي الكتاب، الصلاة هي القرآن.

باسم: كلامٌ مهمٌ واستنباطٌ جميل.

يوسف: طيب، “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ…”، هذه شرحناها، “مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ…” (المائدة: 48)، عندما شرحنا موضوع التوراة والإنجيل. لكن هذه الآية فيها إشارةٌ أن الكتاب الخاتم شمل حتى التوراة وشمل أيضًا الإنجيل. هذا السياق أيضًا شرحناه.

 

هل القرآن كتاب منفصل؟

يوسف: الآن، “إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ…” (النساء: 105). هذه نقطةٌ في غاية الأهمية. نحن قلنا الأنبياء: “… إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ…” (المائدة: 44).

قد يقول قائل: ألم ينزل مع الكتاب شيءٌ مثل ما نزل في التوراة والإنجيل؟ لأنه ما دام نزل الكتاب على موسى ونزل بعده التوراة والإنجيل، هل سيكون نزل ما يُحكم به بناءً على الكتاب كما نزل بالكتاب الذي أُنزل على موسى؟

باسم: معناه القرآن..

يوسف: القرآن هو المضاهي للتوراة والإنجيل في هذه الناحية، ولكنه مضمَّنٌ أين؟ في الكتاب نفسه.

باسم: يعني، القرآن لم ينزل منفصلًا عن الكتاب كما نزلت التوراة والإنجيل عن الكتاب؟

يوسف: إي نعم، كله مضمَّنٌ في نفس التنزيل. يعني يمكن أن نسميه كله معًا التنزيل: “حم *) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ” (الجاثية: 1-2)، و”الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” (غافر: 2).

باسم: هناك من الباحثين من توصل إلى استنتاج، وبالذات أتحدث عن الدكتور محمد شحرور، المرحوم، أن هناك آياتٍ قرآنية وأن هناك آياتٍ للكتاب. هل يمكن فهم ذلك بهذه الطريقة؟

يوسف: والله، أنا أرى أن هذه النتيجة ناتجةٌ عن استقراءٍ غير تام، حقيقةً. لماذا؟ لأن استقراء الآيات التي تتحدث عن الكتاب والقرآن.. يعني مثلًا في بداية سورة النمل: “طس ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ” (النمل: 1). في بداية سورة الحجر: “الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ” (الحجر: 1). تمام؟ معناها أن الكتاب والقرآن مدمجان. هذه الآيات هي تمثل الكتاب والقرآن في نفس اللحظة.

 

هل “الكتاب” و”القرآن” مصطلحان مختلفان أم وجهان لشيء واحد؟

باسم: متى يمكن اعتبار هذه الآية قرآنية ومتى اعتبارها من آيات الكتاب؟

يوسف: باختصارٍ أقول لك: إذا كنت تركز على الفلسفة النظرية التي تكتنزها الآية، يعني ما القانون الذي تتحدث عنه الآية، في هذه الحالة يغلب عليها مسمى أنها “كتاب”. إذا ذهبت إلى تمثلها العملي، فهي في هذه الحالة ماذا؟

باسم: قرآنية.

يوسف: “قرآن”. نعم. لذلك قلت لك…

باسم: القرآن هو يشكل الأداة التنفيذية أو (manual)، يعني الأداة التنفيذية لآيات الكتاب في الواقع.

يوسف: إي نعم، عندما أنظر إلى الآية كيف، أتخيل كيف تتحول إلى عمل، أنا بهذه الحالة يغلب على الآية مسمى “القرآن”، لأنه لاحظ: “إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ…” (الإسراء: 9)، يتحدث عن سلوك. لما قال عن الصيام: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ…” (البقرة: 185)، يتحدث عن عمل.

طيب، “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ…”، هنا ربط: “… وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ…” (التوبة: 111). هذا عمل، الذي هو طبعًا الدفاع عن النفس والحقوق، والذي شرحناه في أكثر من مكان.

فيأتي بكلمة “قرآن” عندما يركز على التمثل العملي للكتاب. لذلك الرسول ما قال: “إن قومي اتخذوا هذا الكتاب مهجورًا”.

باسم: قال: “إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا” (الفرقان: 30).

يوسف: ككتابٍ وأسطرِ كلماتٍ وحروفٍ وصفحات، موجود. كعمل؟

باسم: يعني هنا هجران القرآن ليس أننا كففنا عن قراءته ووضعناه في الخزانة وأغلقنا عليه.

يوسف: إي نعم.

باسم: أنه توقف الناس عن تفعيل الآيات الموجودة في الكتاب بالشكل القرآني.

يوسف: بالضبط. هذا هو. لذلك، من إعجاز، أو لنقل من كمال هذا الكتاب الخاتم، أن نفس الآية لها التمثلان: التمثل الكتابي والتمثل القرآني. وأنا أقول أيضًا، ولها تمثل الذكر، ولها تمثل الفرقان، وكله تنزيل.

وأيضًا، بالعكس أنا أتبنى أن كل آيةٍ محكمة وكل آيةٍ متشابهة، وكل آيةٍ كتاب، وكل آيةٍ قرآن، وكل آيةٍ ذكر. كيف؟ إذا جئت على جانب المحفوظية، تسميها “ذكرًا”: “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” (القمر: 17). إذا جئت على جانب كونها مكتوبةً ومسجلة، تسميها “كتابًا”. إذا ذهبت تبحث في الآية كيف أحولها إلى عمل، وهذا ما نسعى إليه أصلًا في برنامج “مفاهيم”، أنه نفهم الانعكاس الاجتماعي البشري لأي آيةٍ في الكتاب، هذا يُسمى الجانب “القرآني”. إذا ذهبت تبحث كيف تفرق بين حقٍ وباطل، فإنك في هذه الحالة تسميها ماذا؟ “الفرقان”.

يبقى موضوع المحكم والمتشابه، متى أُسمي الآية “محكمة” ومتى أسميها “متشابهة”؟ وهذه قضيةٌ حقيقةً شائكةٌ جدًا. وأيضًا أنا أظن أن الدكتور محمد شحرور، رحمه الله، سعى لنفس الفكرة؛ أن بعض الآيات يصنفها إلى محكم وبعضها متشابه. وهذا ليس هو فقط من فعل هذا، كثيرٌ من قبله حاولوا. وهذا الفعل أيضًا من وجهة نظري غير صحيح. لماذا؟ لأنه ما سبب الإحكام وما سبب التشابه؟ ولو أخذنا نظرةً شموليةً في القرآن، بداية سورة هود ماذا تقول؟ “…كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ…” كله، “…ثُمَّ فُصِّلَتْ…” (هود: 1). وبعد ذلك في سورة الزمر، في سورة الزمر، تقول الآية: “اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا…” (الزمر: 23).

باسم: يعني، الآية هي، وكأن كل الآيات القرآنية أو آيات الكتاب هي آياتٌ محكمة.

يوسف: وأيضًا آية الزمر، كلها متشابهة. كيف طيب؟ كيف نحل هذا اللغز؟ ما سبب الإحكام وما سبب التشابه أصلًا؟ وما معنى “تشابه”؟ “وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ…” (الأنعام: 141). التشابه معناه وجود اشتراكٍ بين شيئين في مساحةٍ كبيرة مع وجود فارقٍ دقيق. هذا هو التشابه. الآن، الإحكام معناه الإتقان، معناه أن الكتاب كله محكم. لكن، مثلًا، أنا أقول لك، الآيات المحكمات القرآن ماذا قال عنها؟ “…هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ…” (آل عمران: 7). طيب، ونريد أن نتذكر، والكلام يحتاج إلى تركيزٍ شديد، نحن لما قلنا لماذا أصلًا نزلت الكتب على الرسل مفرقة، وبعد ذلك نزل الكتاب التام، إلى آخره؟ لأنه “لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ” (الرعد: 38)، كان ينزل من الكتاب ما يناسب المدة الزمنية في ذلك العهد من حياة البشر، صحيح؟ ثم قال بعد ذلك: “…يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ” (الرعد: 39). لكن ما لا يمحى، وما هو موجودٌ في كل الكتب، “وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ”، يعني ماذا أم الكتاب؟ يعني القوانين المحكمة التي توضح المفاهيم الكلية لكل شيء.

الآن، توضيحٌ آخر، مثلًا، لما آتي إلى آيةٍ تتعلق بالنفس، فأجد آية: “يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” (النحل: 111)، أو “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا…” (الزمر: 42). بالنسبة لمفهوم النفس، هذه الآية آيةٌ محكمة. كيف يعني؟ يعني تعطيك توضيحًا لا مجال للشك فيه أن ما يخرج من الجسد عند الموت ليس الروح وإنما النفس. لكن بالنسبة مثلًا لفهم الملائكة، لفهم التوفي، لفهم المنام، لن.. ممكن أن تكون الآية ليست هي الآية الأم، ستبحث عن آيةٍ أم. إذا أردت أن تفهم موضوع الملائكة، ستجد الآية الأم التي تعطيك القاعدة. طيب، لماذا صار التشابه؟ لأنه تندمج المفاهيم في الآيات. يعني هنا التركيز كان على فكرة النفس، لكن أنا لا أستطيع أن أقول “نفس” وأعزلها. هنا سيدخل مفهوم الملائكة ومفهوم التوفي ومفهوم المنام. ففي كل آيةٍ يُعرض مفهومٌ أمُّ، تكون الآية بالنسبة لموضوع النفس محكمة، لكن بالنسبة لموضوعاتٍ أخرى ماذا؟ متشابهة.

باسم: وليست مُفصِّلة.

 

ما هو الفرق بين “التفصيل” و”البيان” في القرآن؟

يوسف: المفصَّل هو فصل المواضيع بعضها عن بعض، بحيث يبدو كل موضوعٍ منها واضحًا. لأن هناك إشارات: “إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” (السجدة: 25)، ما هو الفصل؟ الفصل هو العزل.

باسم: والتفصيل؟

يوسف: والتفصيل هو المبالغة في العزل.

باسم: مثل “كسْر” “تكسير”.

يوسف: إي نعم، هذا هو. لأن التفصيل من “فَصَّلَ”. بالضبط.

باسم: يعني “مفصَّل” لا تعني “مفسَّر”.

يوسف: لا لا لا، “مفصَّل” معناه كل كتابٍ يتعلق بحكمٍ معين، يمكنك أن تجمع آياته مفصولةً فتفهمه فهمًا واضحًا، بحيث المفاهيم الأخرى لا تحدث تشويشًا في دماغك.

باسم: يعني “مفصَّل” لا يعني موضحًا، يعني مفسَّرًا.

يوسف: الموضَّح، القرآن يعبر عنه بكلمة “بيِّنة”. هذا هو التوضيح. لماذا؟ ما الدليل؟ الدليل، لاحظ، والقرآن عجيبٌ جدًا، يعني هو مكتفٍ ذاتيًا. أنا قلتها والناس استعجبوا من هذه الكلمة. كيف؟ من أين فهمت أن “البيان” معناه التوضيح؟ لاحظ، قال موسى لقومه: “وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً…” (البقرة: 67). انظر، هنا يوجد إجمال. “…قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (البقرة: 67). “قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا…” (البقرة: 69)، “قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ…” (البقرة: 68). فصار يأتيك بما يسميه الناس تفاصيل. هذه التوضيحات هي البيان، هي التبيين. لما أذكر لك فكرةً كلية، بعد ذلك أبدأ أذكر لك تفاصيل تتعلق بها، هذا الصحيح أنه بيانٌ وتبيينٌ، وليس تفصيلًا. أما التفصيل، هو أن أعطيك فكرةً كاملة مفصولةً عن موضوعٍ آخر بدون أن تشوش عليه.

باسم: حتى عندما تذهب لتفصِّل قميصًا أو (جاكت)، يفصِّل شيئًا.

يوسف: نعم، يفصل الذراع عن الذراع الأخرى، عن الكتفين، عن كذا.

باسم: فهذا اللبس في المعنى، انظر…

يوسف: ومع ذلك، الكتاب تفصيله منه وفيه، صح؟ “أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ…” ماذا؟ “الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا…” (الأنعام: 114). نفس الكتاب مفصَّل. بعد ذلك، “كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ” (هود: 1). تمام؟ لأن الإحكام، كما قلنا، ما الذي يفعله؟ يتكلم عن فكرةٍ أمّ، ثم لا بد أن يدخل معها مفاهيم أخرى. هل تبقى المفاهيم الأخرى دون أن تُفصَل فتوضَّح في آياتٍ أخرى؟ لا، ستُفصَل فتوضَّح في آياتٍ أخرى.

باسم: يعني “تفصيل” لا تعني “تفسير” و”توضيح”.

يوسف: التفسير هو ظهور المعنى على أرض الواقع. “التفسير” معناه يتعلق بموضوع الأمثال. وأيضًا هناك مصطلح التأويل، طبعًا، هذه قضيةٌ أخرى، لأنه هناك بعض الناس يظن أن فهم القرآن لا يعلمه إلا الله، احتجاجًا بقوله: “…وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ…” (آل عمران: 7). لكن هي الآية في سورة آل عمران: “هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ…” (آل عمران: 7). ستقول لي: كيف “مِنْهُ آيَاتٌ”؟ قبل قليل قلت إنه كله محكم. نعم، إذن الموضوع نسبي، كل القرآن من أوله إلى آخره محكم؟ نعم. لكن الآية فيها وجهٌ، أستطيع أن أنظر إليها من وجهٍ محكمة، وفي الوجه الآخر متشابهة. كيف؟ مثلًا، تتحدث عن النفس كما قلنا، أو عن الروح. في هذا الجانب محكمة. يعني، هناك آيةٍ تتحدث عن مفهوم “السُنة”، محكمةٌ فيما يتعلق بمفهوم السُنة، صح؟ “سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” (الفتح: 23). أو “فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا” (فاطر: 43).

وضحت فكرة السُنة توضيحًا نهائيًا، فهي فيما يتعلق بالسُنة ماذا؟ محكمة. لكن لو أنا أردت “الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ”، لاحظ في نفس الآية: “سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ…”. طيب، من هم الذين خلوا من قبل؟ هنا يوجد تشابه، صح؟ يعني، يوجد أكثر… من هم الذين…؟ اذهب إلى آياتٍ أخرى محكمةٍ فيما يتعلق بمن؟ بالذين خلوا من قبل. هذه الآية وجهها في موضوع “السُنة” محكم، وجهها فيما يتعلق بـ”الذين خلوا من قبل” ما له؟ متشابه.

إذن، كل آيات القرآن محكمة، لكن علينا أن نبحث: محكمةٌ في ماذا؟ يعني هذه الآية المحكمة في النفس، هذه الآية المحكمة في الروح، هذه الآية المحكمة في بيان مفهوم الكتاب..

باسم: ولهذا فُصِّلت الآيات.

يوسف: وهذا البحث أين هو في جامعاتنا وعبر تاريخنا؟ وأيضًا فيها المتشابه. فإذًا، أنا إذا أردت أن أفهم أم الكتاب، أبحث عن الوجه المحكم لكل آيةٍ من آيات الكتاب، فأصل إلى المفاهيم.

وعلى فكرة، هذا أسلوبٌ أستخدمه دائمًا في التحضير للحلقات.

باسم: فالتفصيل هنا تحديد موضوع كل آية.

يوسف: إي نعم، التفصيل هو شرح موضوعٍ كاملٍ مفصولًا عن غيره بحيث لا يختلط به. ولذلك قال: “…وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ…” (الأنعام: 119)، يعني شرحه فصلًا فصلًا بحيث لا يلتبس: الميتة، الدم، لحم الخنزير، ما أُهل لغير الله به. انتهى. فهذه فصلها عن بعضها ولم يخلط معها شيئًا حتى تكون واضحةً تمام الوضوح.

 

هل كان حكم الرسول “بما أراه الله” إضافة تشريعية على الكتاب؟

يوسف: الآن، “إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ…” (النساء: 105). كيف؟ “…بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ…”. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه لن ينزل شيءٌ بعد الكتاب ليكون كالتوراة والإنجيل، من غير الكتاب، بحيث يُحتج أنه وسيلة للحكم. الحكم بالكتاب، لأنه متضمِّن أصلًا قواعد الحكم. يبقى فقط أمرٌ، وهو “بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ”. طيب، ما معنى “مَا أَرَاكَ اللَّهُ”؟ مهمٌ جدًا هذا الكلام. الرسول عليه الصلاة والسلام له مهمة الحكم، ومن يخلف الرسول في حمل الرسالة له نفس المهمة. الناس لا يصلحون بدون نظام حكم، طبعًا، صحيح؟ الآن، هل حكم الرسول إضافةٌ على الرسالة؟

باسم: لا.

يوسف: نعم، لماذا؟ لأنه “بما أراه الله”. طيب، كيف يري الله الإنسان الشيء؟ حسب الظروف، حسب الأشخاص، حسب الأوقات. لأنه قد يقول: لا، لا، الرؤية شيءٌ آخر بالنسبة للرسول. طيب، تعال ننظر في آية: “وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ…” (الأنفال: 44). إذن، أرى الله المسلمين أعداءهم بطريقةٍ غير ما هو في الواقع، لماذا؟ لأمرٍ آني.

باسم: ليقلل من قيمتهم.

يوسف: بالضبط. الأمر يتعلق بالظرف. الآن، سآتي أيضًا حتى يفهم السادة المشاهدون أننا لسنا منبتين عن التاريخ. هناك روايةٌ تبين هذا المفهوم بيانًا واضحًا جدًا. ما هو مضمون هذه الرواية؟ تقول: “أيها الناس، إنما أنا بشرٌ أقضي بنحو ما أسمع، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه أو بشيءٍ من حق أخيه فليأخذه أو يتركه، فإنما هو قطعةٌ من النار”. يعني يقول لهم: أنا بشر، قد اللحن في الحجة وأسلوب المحاماة الذي فيه محاباةٌ أحيانًا…

باسم: يؤثر عليه.

يوسف: قد يؤثر عليه. إذن، معناها عندما أنقل ما يُروى عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لا بد أني إذا أردت أن أفهمه فهمًا كليًا انقل لي معه كل الظروف وحيثيات الأشخاص التي حصلت، أو أقرأه بعد التمحيص قراءةً تاريخية، فأبحث فيه عما يناسب الكتاب، أو أستخدمه أيضًا كتجربةٍ سابقة وقبلية. لا يوجد إشكال. هذا يحصل في كل محاكم العالم، أنه عندما تصبح حيرةٌ في أمر…

باسم: يمكن قياسه على حالةٍ سابقة.

يوسف: على الحالات السابقة. أبحث عن أقرب شيءٍ إليها. نعم، هكذا يُفعّل دور ما يمكن أن نبحث عنه بعد التنقيح الشديد فيما يصح عن الرسول عليه الصلاة والسلام. لكن هذا ليس زيادةً على الرسالة، وإنما كما قلنا، هو الصورة التطبيقية التي سعى..

باسم: استرشاد.

يوسف: إي نعم، سعى لتطبيقها في وقت الرسالة.

باسم: طيب، ما المقصود بـ”…وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا” (النساء: 105)؟

يوسف: يعني لا تخاصم عن إنسان خائن. هذا نهي لكل محامٍ. طبعا هو خارج موضوع الحلقة لكن هو مهم. لا يجوز للمحامي أن يخاصم عن خائن، خلاص إذا توضح لك أنه خائن، لا تكن خصيمًا عنه.

 

ما هي الأدلة القرآنية على أن رسالة الكتاب كانت “للناس” كافة؟

يوسف: طيب، الآن دكتور، نركز على نقطةٍ مهمةٍ جدًا: من هو المشمول برسالة الكتاب؟ وهذه ذكرناها، جميع الناس، لكن هل توجد أدلةٌ عليها؟ عندما قلنا أول آيةٍ تحدثت تاريخيًا عن الكتاب: “…كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً…” (البقرة: 213)، إذن الموضوع عن الناس، صح؟ نأتي إلى عهد موسى: “وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ…” (الأنعام: 91). هذه الآية التي قلت عنها: “قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى…” (الأنعام: 91). هنا لم يقل “آتى بالكتاب”، لأن هنا لم يربط ربطًا مباشرًا بين موسى والكتاب، فهو أُنزل، ولكن أُنزل كيف؟ مكتوبًا في الألواح، أُعطيه موسى، ليس إنزالًا مباشرًا، وإنما أُعطيه من الألواح.

طيب، “…مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ…” (الأنعام: 91). لم تكن الرسالة يومًا ما، والكتاب محصورًا على مجموعة بشرية.

باسم: محددًا لمجوعة بشرية، صحيح.

 

ما هو الميثاق الذي أخذه الله على أهل الكتاب، وكيف تعاملوا معه؟

يوسف: طيب، “وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ…” (آل عمران: 187). لماذا “أُوتُوا”؟ ذم. حتى يفهم السادة المشاهدون لماذا جاء بصيغة المبني للمجهول؛ لأنه سيضعهم في سياق ذم. ” وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا…” (آل عمران: 187).

باسم: هل المقصود هنا بـ”الناس” من عاش أو من كان موجودًا في تلك الفترة؟

يوسف: لكل الناس، كل من يمكن أن يصله من الناس، ليس أحدٌ خارجًا عن هذا الخطاب. لأن نفس الخطاب…

باسم: يعني للناس الذين عاشوا في نفس المرحلة التاريخية مثلًا؟

يوسف: صحيح. لكن من هم الناس الذين عاشوا في هذه الحقبة التاريخية؟ هل هم مثلًا الناس في قارة أو في بقعةٍ جغرافيةٍ محددة وباقي البشر خارج الموضوع؟ لا، هو لكل الناس. بهذه الطريقة، هذا الأسلوب الذي شرحناه، هو بداية انتشار البشر أصلًا.

يعني، أنا أقول إن بني إسرائيل هي بداية انتشار البشر الحقيقية في الأرض، من البقعة الأولى التي كان فيها آدم، ثم نوح، والباقي قُضي عليه. هذا هو ما أراه في النص. نفس الأسلوب، هو نفس الأسلوب مع الكتاب الخاتم: “إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ…” (الزمر: 41).

يعني لا يوجد اختلاف، نفس الأسلوب.

لاحظ، “إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ…” (البقرة: 159).

باسم: للناس.

يوسف: “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ” (غافر: 53-54).

بعد ذلك: “ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ…” (فاطر: 32).

هذه طريقة تعامل من ورث الكتاب مع القرآن بأصنافه الثلاثة.

يوسف: لكن تبقى فكرة دكتور، عندما نقرأ النسخ في القرآن الآن: “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا…” (البقرة: 106). “وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ…” (النحل: 101).

 

ما حقيقة وجود نسخ في القرآن؟

باسم: سؤالٌ يطرح نفسه: هل النسخ المذكور في القرآن يشمل أو شاملٌ لآيات الكتاب أو آيات القرآن؟ أم كما اتفقنا أن آيات القرآن هي نفس آيات الكتاب؟

يوسف: لا يوجد نسخ فيه، لأن القرآن جاء في أجلٍ محدد، صح؟ “لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ” (الرعد: 38). القرآن جاء إلى نهاية حياة البشر، إذن لن يكون هناك نسخ. طيب، النسخ الذي يتحدث عنه القرآن ما هو؟ نسخ بعض ما كان في كتاب موسى. ألم يقل: “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو…”

باسم: “عَن كَثِيرٍ…” (المائدة: 15).

يوسف: خلاص، القرآن يفسر بعضه بعضًا بطريقةٍ واضحةٍ جدًا وسهلة.

“وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ…”. يعني الآية التي كانت في كتاب موسى كانت لذلك الأجل فقط، ولا تصلح إلى نهاية حياة الناس، أتى الله سبحانه وتعالى في الكتاب الخاتم بآيةٍ بديلةٍ عنها. قال لك لماذا؟ يعني صحيح هم عرفوا: “وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ…” (الرعد: 36)، وعرفوا أنه ماذا؟ أنه هذا نفس الكتاب الذي كان عندهم.

باسم: عند موسى.

يوسف: نعم. لكن بعض الفروقات، قال لك: لماذا هذه أُبدلت مكان هذه؟ ولماذا هذه نُسخت؟ فلذلك قال: “وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ…”، قال: “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا…”.

باسم: هنا النسخ تم ما بين، تجاوزًا بالتسمية، ما بين آيات القرآن وآيات الإنجيل وآيات التوراة؟

يوسف: نعم، في المجموع الكلي للكتاب، ليس في الكتاب الخاتم، القرآن.

باسم: ليس في الكتاب.

يوسف: لا. إذا نظرت إلى المجموع الكلي الذي هو الكتاب الأول الذي أُوتي إلى موسى مع الكتاب الذي أُنزل على النبي محمد، سأجد أن فيه بعض الأحكام أُلغيت وبعض الأحكام بُدِّلت، شيء مكان شيء.

باسم: طيب، هذه الأحكام التي بُدِّلت أو غُيِّرت مثلًا، نحن اتفقنا أن الكتاب أنزل إلى.. أُوتي إلى النبي موسى منفصلًا عن التوراة، وأن التوراة أُنزلت فيما بعد.

يوسف: نعم.

باسم: فالتغيير الذي جاء مثلًا في بعض التشريعات، هل شمل التغيير الذي في التوراة أو في الكتاب الذي أُوتي إلى موسى؟

يوسف: التغيير الذي جاء في الرسالة الخاتمة..

باسم: النسخ.

يوسف: النسخ نعم، قد يكون شمل كل ما سبق، يعني لا إشكال، لأن الكلام عام على كل ما سبق مما نزل من الكتب، سواء الكتاب أو ما لحقه من التوراة والإنجيل.

ما يهمنا من التوراة، يعني ما بقي من التوراة، ذكره القرآن في الآيات التي تحدثت عن أحكام التوراة التي شرحناها: “…وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا…” (المائدة: 45) كذا وكذا.

 

ماذا تعني “دراسة” الكتاب كما وردت في سورة آل عمران؟

يوسف: الآن تبقى نقطةٌ مهمة التي هي الكتاب يُدرس من مستويات. الناس يقولون: ما دام الكتاب مفصلًا ومبينًا، أنتم ماذا تفعلون في الحلقات؟ أنتم تفسرون وتشرحون وتوضحون. لا دكتور، غاية ما نحاول، أنا أقول للناس: احذف كل كلامي الشخصي، وأبقِ الآيات، وانظر فيها وحدك حتى ترى إذا كان الموضوع صحيحًا أم غير صحيح.

باسم: يأتي ذلك بعد الترتيل، بعد أن يرتل آيات الموضوع وفق الموضوعٍ المتفق عليه.

يوسف: مئة بالمئة. هذا التفصيل، هذا هو الفصل يعني. وهذا أيضًا في الكتاب الذي سيصدر إن شاء الله. يعني الكلام الذي أنا أكتبه على المستوى الشخصي اعتبره غير موجود، وتأكد أنت بنفسك.

هكذا تعليم الكتاب، فقط نقل الآية. لكن هذا ما نفعله ماذا يسميه القرآن؟ يسميه دراسة. طيب، ما معنى “درس” في اللسان العربي؟ هذه طبعًا نقطةٌ فيها إشكال، يعني الناس يعرفون أن الدرس، الدراسة المدرسية والجامعية وإلى آخره. لكن أيضًا معروفٌ جدًا من معاني “دَرَسَ” أنه انمحى أثره.

باسم: الآثار الدارسة.

يوسف: نعم الآثار الدارسة. طيب، ما الرابط؟ تتعجب في الموضوع، ما الرابط بين “دَرَسَ” معناها انمحى الأثر، و”دَرَسَ”.. الدرس هو باختصار، كما يوضحه ابن فارس، هو السير في الطريق مرةً بعد أخرى بشكلٍ متكررٍ جدًا حتى لا يبقى فيه أي نتوءاتٍ أو معالم، فيصبح كأنه ممسوح… الآثار. قالوا: “دَرَسَت”. ولذلك قالوا: “دَرْس”. إذن، ما معنى الدرس؟ أن تذهب وتأتي، وتذهب وتأتي، وتذهب وتأتي داخل النص نفسه. هذه هي الدراسة، حتى تفهم المعاني المطلوبة في كل جانبٍ من الجوانب.

طيب، الآن، أين الآيات التي ربطت الدراسة بالكتاب؟ “وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا…” (سبأ: 44). “أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ” (القلم: 37). “…أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ” (الأنعام: 156). الآن الآية الأهم: “مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ…”، لاحظ، ما جاء الرسول ليقول للناس: “كونوا عبادًا لي أنا”. “…وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ…” يعني العلاقة مع من؟ مع رب العالمين. “بِمَا…” الاستناد، “كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ” (آل عمران: 79).

الآن سنفهم. يعني، الرسول يعلِّم الكتاب، ومن بعده يعلِّم. هل يعني يعلِّم أن كل واحدٍ يشرح على رأسه؟ التعليم هو نقل علم الكتاب كما هو. والدرس، “وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ”، هو الذهاب والإتيان داخل النص مرةً بعد أخرى بتكرارٍ شديدٍ جدًا حتى لا يبقى أي غباش، فتصبح الطريق سهلةً سلسةً واضحةً مفهومة، يصبح المعنى مفهومًا جدًا.

 

لماذا حذر القرآن من اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا من دون الله؟

يوسف: “وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا…” (آل عمران: 80). إياك. لم يكن الملائكة الذين أُرسلوا بالوحي ولا الأنبياء جاءوا ليكونوا ربًا ثانيًا.

باسم: حاليًا يتخذون النبيين، يعني الكثير يتخذ النبيين أربابًا، ويتخذ الملائكة أربابًا، يتخذون جبريل أربابًا.

يوسف: هو هذا الباب الذي يفتح، أن يُقال على لسانه ما يُفسد الكتاب. هذه المشكلة. لماذا لا تتخذوا أربابًا؟ فتحت بابًا سيُقال بعد… هذا القول ما طبيعته؟ خاضعٌ لترجيحات البشر. ما دام خاضعًا لترجيحات البشر، إذن سيخضع أيضًا لأهواء البشر، صح؟ أين محفوظية الكتاب؟ أين الذي لن يتفرق الناس فيه؟ ما يُقال غير الكتاب كله تفرقٌ في تفرق، كله تفرقٌ في تفرق. فلا يجوز أن يُنظر إليه إلا بعين الكتاب وبعد أن يُدرس الكتاب دراسةً تامة. كما صرنا نأتي الآن ببعض الروايات، نأخذ ما يطابق تمامًا النص للاستئناس وللاستشهاد وإثبات أنه حُوِّل إلى واقعٍ عملي.

 

كيف يساعد تدبر خواتيم الآيات وسياقاتها على فهمها دون اختلاف؟

يوسف: طيب، الآيات تتُدبَّر أيضًا. معنى التدبر، الدَّبر هو آخر الشيء. ما معنى أن “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ…” (ص: 29)؟ لا تأخذ كلمةً وتقطعها عن السياق. يجب أن تصل إلى آخر الآية وإلى آخر السياق، ثم تدرس وتعود وترجع مرةً أخرى. هذا هو التدبر. لذلك ربط التدبر بالآيات، وربطه أيضًا بماذا؟ بالقرآن: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ…” (النساء: 82). لأنك متى ما تدبرت، لن تجد الاختلاف.

يعني، لاحظ، عندما تدبرنا فوصلنا إلى نهاية السياقات التي تتحدث عن الكتاب، صار واضحًا كيف نزل الكتاب على موسى ثم على محمد، وخلاص.

باسم: ولم نحتج لأي روايةٍ من خارج القرآن لفهم المقاصد.

يوسف: وهل وقعنا في الاختلاف وكثرة الأسئلة التي تُطرح؟ راحت كل الأسئلة تبخرت، كل الأسئلة تبخرت، لأنه استخدمنا آلية التدبر.

 

كيف يكون الكتاب “تبيانًا لكل شيء” ويوضح نفسه بنفسه دون مصادر خارجية؟

يوسف: البيان شرحناه. لكن هناك نقطة مهمة أيضًا، بعض الناس يقول: طيب، هي الروايات بيّنت الكتاب. أولًا، نحن قلنا: “…وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا…” (النحل: 89).

باسم: هو ذاته يبين.

يوسف: أرجو أن يلاحظ السادة المشاهدون أنه ليس “بيان”، “تِبْيَانًا”. “تبيان” مأخوذٌة من ماذا؟ من أبلغ فعلٍ يمكن أن تشتقه من الجذر الثلاثي “بَانَ”. يعني الجذر الثلاثي لكلمة “بيان” و”تبيان”، الثلاثة حروف الأصلية، ما هي؟ “بَانَ” أو “بَيْن”. ما هو البَيْن؟ البَيْن أنك تضع حدًا فاصلًا بين شيءٍ وآخر، صح؟ لماذا؟ حتى تظهر تفاصيل الشيء نفسه، كما قلنا عن قصة البقرة. طيب، الآن، لم يقل لك هذا الكتاب “تبيين” ولا “بيان”، “تِبْيَانًا”. “تبيان” مثل “تكرار”، مثل “تعداد”. “تكرار” من أي فعل؟ ليس من “كَرَّ” ولا “كَرَّرَ”، “تَكَرَّرَ”. و”تعداد” من “تَعَدَّدَ”. و”تبيان” من “تَبَيَّنَ”، ليس “بَانَ” فقط ولا “بَيَّنَ” فقط، “تَبَيَّنَ”. يعني عندما تقرأه، سيتبين لك كل شيءٍ منه وبه.

باسم: يعني عندما تدرسه، سيتبين. عندما تقرأه، سيتبين. عندما تتدبره، سيتبين.

يوسف: بالضبط، ليس فقط أنه يبين لك وينتهي، لا. فإذًا، هذا معنى البيان.

الآن، عكسه الكتمان. يعني، أنا إذا كان هناك أمورٍ فرعيةٍ تتعلق بشيءٍ فلم يذكرها القرآن، يقول لك، هم يقولون ماذا؟ يقولون إن الروايات بيّنت مجمل القرآن. “مُجمل” ليس عكس “البيِّن”. عكس “البيِّن”، “المكتوم”. هل يُتصور أن الرسول كتم شيئًا مما أُنزل إليه؟ “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…” (المائدة: 67). هذه إساءة. “وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ…” (آل عمران: 187). إذن، ما عكس التبيين؟

باسم: الكتمان.

يوسف: فلا تذهب وتقول لي: “الرواية بيّنت”. إذا قلت لي: “بينت القرآن”، إذًا القرآن فيه شيءٌ مكتوم، بنص القرآن. تقول لي: لا، بينت تفاصيل القرآن فصَّل كُل شيء. ما الذي ستأتي به يعني؟ هي تطبيقٌ عملي. والله، واضحةٌ الآيات وضوح الشمس. يعني.

باسم: ولم نحتج لأي شيءٍ خارج النص لكي نفهم المقصد وبسلاسة.

يوسف: نعم. وصف “البينات” دكتور، ليس فقط جاء مع النبي محمد، من أول ما كان يتحدث عن الأنبياء ماذا كان يقول؟ “…وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ…” ماذا؟ “الْبَيِّنَاتِ” (البقرة: 87)، صح؟

بيّنة، يعني هو أصلًا طبيعة الكتاب، لو كان وصيةً صغيرة أو آيةً واحدة، كانت تنزل بينة. ويأتي الشخص ويقول لك: لماذا أنزل الله القرآن غامضًا؟ ولماذا نحتاج الآخرين لتفسيره لنا وكيف نفهمه؟ وكيف؟.

يوسف: صحيح. “وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ…” بماذا؟ “بِالْبَيِّنَاتِ” (البقرة: 92).

كل الأنبياء، صح؟ “…وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ…”، “…أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ” (البقرة: 99). طبعًا، هم في الأخير بماذا… يقول لك: لا ما هو… “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ” (النحل: 44). يقول لك: انظر الآية كيف قالت. إنه أوكل مهمة التبيين لمن؟ للرسول. هو هكذا يفسرها. يقول إن التبيين معناه شيءٌ خارج الآيات.

طيب، “…كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ…”. من الذي يبين؟ الآن لاحظ الفاعل، من المبيِّن الأصلي؟ “…كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ…” (البقرة: 242). “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ…”. نقطةٌ في غاية الأهمية والحساسية. “”وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ…”. آه، إذن الوسيلة التي يبين بها الرسول ليست شيئًا خارج الكتاب، وإنما هو نقل الكتاب بلسان القوم، وهو بالنسبة للكتاب الخاتم، نقله بلسانٍ عربيٍ مبين.

انظر، ربط كلمة ماذا؟ فلما نقل الرسول عليه الصلاة والسلام الكتاب بلسانٍ عربيٍ مبين، هذا هو تبيينه الذي ذُكر في الآية: “…وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ…”. ولذلك يا دكتور، نحن حتى نفهم هذا التبيين، ماذا نُفعّل؟ اللسان العربي المبين الذي يكتنز كل هذه الأشياء.

طيب، “…وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ…” (النحل: 44)، هذه قلناها. “…قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ…” (الطلاق: 10-11). انتبه. “رسولًا” ماذا يفعل؟ مرةً أخرى، كيف يبين؟ يعني يتلو الآيات. البيان أين موجود؟ في نفسها. مجرد ما تلاها باللسان العربي المبين…

باسم: بانت.

يوسف: البيان في ذاتها، ليس في شيءٍ آخر. فتبيين الرسول هو أن يتلو الآيات بلسانها العربي المبين.

باسم: دكتور يوسف، للواقع يعني، الحديث لا يُمل، والوقت دائمًا يقطعنا.

يوسف: تمام.

باسم: دعنا إن شاء الله في حلقاتٍ أخرى نكمل، لأن الموضوع جدًا يحتاج إلى تركيز، والموضوع جدًا شيق. وتبين لنا أنه باستخدام آليات اللسان العربي المبين، فعلًا تبين كل الأشياء، ولم نحتج لا إلى قال فلان، ولا إلى قال علان، ولا إلى الرواية كذا، ولا إلى الرواية كذا، لا لسبب النزول، ولا لمسببات النزول، ولا لمناسبات النزول. وبالتالي، القرآن بيِّن، والكتاب بيِّن، واللسان العربي مبين.

يوسف: صحيح.

باسم: شكرًا لك، وإلى اللقاء في حلقةٍ جديدة من برنامج “مفاهيم”. شكرًا لكم، وإلى اللقاء.