Skip to content Skip to footer

العرب والإسلام في مواجهة الاستشراق الجديد مع د. عزيز العظمة

الاستشراق… أسطورة الجواهر الثابتة؟

عدنان: أعزائي عزيزاتي، أهلًا وسهلًا ومرحبًا. منذ حوالي نصف قرن تقريبًا، في دراسة شهيرة له، نشرت بمجلة “الكرمل”، كتب المفكر والمؤرخ السوري عزيز العظمة عن استشراق الأصالة، مشبهًا الخطاب الاستشراقي بالخطاب السلفي، على الأقل فيما يتصل بعلاقتهما بالتراث. فيم قرأت في تغطية لندوة له في الإمارات حديثًا عن استشراق القطب الواحد المهمين في زمن العولمة في سياق ما بعد 11 سبتمبر 2001. وما بين المقولتين سُجّل اسم عزيز العظمة كأحد أكثر المفكرين العرب مساءلة للاستشراق خطابًا ومعرفة وإيديولوجيا، بروح نقدية عالية.

ألم يقل عنه فيلسوف ما بعد التاريخ، الأمريكي هايدن وايت إنّه تجاوز حتى إدوارد سعيد نفسه في مهمة تعرية الاستشراق؟ ثم إنّ ضيفنا اليوم مفكّر مثير للجدل إلى حدّ أنّ هناك من يعدّه مستشرقًا عربيًا يأخذ بآراء المستشرقين ويستند إلى منطلقاتهم، لكن ينفي وجود استشراقٍ من الأصل. عزيز العظمة صاحب “ابن خلدون وتاريخيته”، “الفكر العربي والمجتمعات الإسلامية”، “الترات بين السلطان والتاريخ”، “الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية”، “مقدمة في أصول صناعة التاريخ العربي”، “ظهور الإسلام في أواخر العصور القديمة”، “أزمنة التاريخ: مباحث في كتابة التاريخ الإسلامي” وغيرها. دكتور العظمة، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بك.

العظمة: ألف شكر على الاستضافة.

عدنان: أنا الذي أشكر حضورك بيننا بكلّ ما تُمثّل، أنت المتخصص في الدراسات الشرقية، الدارس في الجامعة البريطانية والجامعة الألمانية. انطلاقًا من تجربتك الأكاديمية، كثيرًا دكتور عظمة، ما توقفتَ، في دراستك للتاريخ العربي الإسلامي عند مواقف المستشرقين، آرائهم، أحكامهم، ومُصادراتهم، بل وانتهيت في بعض خلاصاتك إلى أنّ مأزق المستشرق هو أنّ له مسافة تاريخية مع المادة أو الواقعة التاريخية، ومسافة ثقافية أيضًا. كيف ذلك؟ العظمة: أظن أنك تعزو إليَّ أشياء لم أقلْها ولم أعْنِها. يعني قضية ما تسميه مأزق المستشرق، هو أنّه المسافة التاريخية والمسافة الثقافية. أنا لا أعتقد قطعًا بأنّ المسافة هي مأزق. أعتقد أنّ المسافة مَعين للتعقّل، للفهم الواقعي لموضوع البحث ولموضوع الخطاب. ويبدو لي أنّ هذه النظرة تُضمِر نظرة أكثر عمومًا، وهي أنّ المعرفة وإنتاج المعرفة هما بمثابة الغريزة، الغريزة الاجتماعية والغريزة الثقافية، وأنّ هذه الغريزة كأنها نوع من البرنامج الجيني لك ولي وللمستشرق. ولا أعتقد أنّ هذا يُمثّل واقع سُبل التوصّل إلى المعرفة وإلى صياغة الخطاب؛ لأنّ المعرفة أولًا ليست غريزة اجتماعية. هناك معارف عامية وهناك معارف متوارثة. وهي تختلف داخل المجتمع الواحد. هناك اتجاهات مختلفة. أما أن نعزو إلى مجتمع مُعيّن نسميه مثلًا الغرب، ومفهوم الغرب بحدّ ذاته بحاجة إلى نقاش. أو نحن، أي العرب، أو ما تسميه أنت المجتمع العربي الإسلامي، أن نعزو نوعًا من التجانس في النظرة، والاستمرار مع الماضي، هذا، باعتقادي، كلام مجحف بحقّ الواقع. فلذلك المقاربة يجب أن تقوم، في نظري، يجب أن تقوم على إذكاء الحِسّ بالتمايز، وملَكة التمييز بين الأمور في علاقتها مع الواقع، بدلًا من الدخول في تعميمات لن توصلنا إلى أي مكان. فأرجوك أن تعيد صياغة السؤال.

عدنان: قلتَ لي قبل بداية التصوير بأنك ستناكفني، ولكن ما ظننتُ أنك من أوّل سؤال ستبدأ المناكفة.

العظمة: هذه ليست مناكفة، عزيزي. هذا فعلًا تساؤل عن سؤالك. وأعتقد أنه تساؤل مشروع.

عدنان: كلّ الأسئلة طبعًا مشروعة. ونحن هنا لكي نستفيد من قدرتك على مساءلة كلّ المعطيات المحمولة على محمَل البداهة، لأن البداهةَ حجاب، تحجب عنّا المعرفة. ولهذا، الأسئلة مُرحَّب بها، والمراجعة مُرحَّب بها. ولكن الفكرة أيضًا هي أنني أعرف بأنّ الاستشراق تريد أن تسائله كمقولة. ولكن أيضًا هذه المقولة لها ما يُثبتها فيما نقرأ، في الإنتاج الفكري الذي يقوم على أنّ هناك جوهرًا هو الشرق، وهناك خطاب قوي ومهيمن يحاول أن يتلاعب بهذا الجوهر ويُفسّره ويشرحه ويوجّهه وما إليه. لهذا أعتقد، ومع ذلك، بأن من حقي أن أستعمل مصطلح الاستشراق وأسائله وأتطارَحَهُ معك.

العظمة: بكلّ تأكيد، لذا سأعود للسؤال الأول أو إلى النقطة الأولى التي تتعلق بالتقابل، بل التشابه والتوازي بين الخطاب الاستشراقي -كما تسميه- قد ندخل في هذا الموضوع بعد قليل- والخطاب الأصولي. لأن الخطابين يُضمران قولًا بالجواهر الثابتة.

عدنان: صحيح.

العظمة: رقم واحد: الجواهر الثابتة، بمعنيين: بمعنى أن كلّ مجتمع من المجتمعات، أو من هذين المجتمعين المُفترَضَيْن، متجانس في آرائه، متجانس في ثقافته العامة، متجانس في منطلقاته، وفي نفس الوقت متجانس عبر الزمان، أي أنه يعيش في استمرارية مع الماضي، وخصوصًا مع الماضي السّحيق في سياق الإسلام، هناك تاريخ يعزى إلى القرآن، وأن لنا علاقة مباشرة بهذا التراث. أنا أعتقد أن هاتين النظرتين أسطوريتان؛ لأن التاريخ تحَوُّل، علاقتُنا بالماضي قد تكون علاقة حنين، ولكن في واقع الأمر هي علاقة مزيفة، أو على الأقل عَزْو التجانس مع الماضي هذا تزييف للتاريخ. ثم القول بأن لجميع المسلمين أو لجميع العرب نظرة واحدة إلى أنفسهم وإلى الأوروبيين، أيضًا باعتقادي هذا يُجافي الواقع، لأن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. ولذلك أنا أشدّد على قضية ملكة التمييز، أي التمييز بين الواقع والخيال، التمييز بين الواقع والتمني، والتمييز في النظر إلى ما هو حقيقي في عمل المجتمعات وفي بُناها وفي علاقاتها المتغايرة جدًا مع الماضي وفي إعادة صياغتها للماضي.

ولذلك فأنا أعتقد أن المنطلق يجب أن يقوم على محاولة الإلمام بالواقع بدلًا من عزو خصائص ثابتة إلى هذا الواقع.

 

تفكيك الثنائيات: عن وهم الجوهر في قراءة العرب والغرب

عدنان: صحيح، وفعلًا هناك شيء أصولي في الموضوع، وأنت توقفت عنده منذ مقالتك المضيئة “استشراق الأصالة” التي نشرتها فيما بعد في “التراث بين السلطان والتاريخ”، وكان من المهمّ أن شبّهْتَ فيها الخطاب الاستشراقي بالخطاب السلفي فيما يتعلق بعلاقته بالتراث أكثر. ما أحببت أيضًا أن ألفت إليه الانتباه هو أنك سجلت بأن المقال الاستشراقي هو كالمقال السلفي معياريان سجاليان، وكلاهما –والكلام لك– عبورٌ معرفي يتمُّ عبر مغايرة مطلقة. لو تشرح لنا هذه المقولة أكثر.

العظمة: على كلّ حال، هذا المقال بالمناسبة الذي صدر من أربعين سنة، كانت لدي في ذلك الوقت نظرة أكثر تبسيطًا للاستشراق عما استفدت بعد ذلك، عن طريق المعرفة والنضج، وإلى آخره. كان لدي نوع من الحماس العدائي للاستشراق الذي نراه الآن طبعًا، بالغ العموم في مجتمعاتنا عند بعض الفئات المثقفة وليس كلها. فبالتالي هناك قدر مُعيّن من المبالغة في ذلك الوقت، التي أعتقد أنني نجحت في تجاوزها والعبور إلى منطقة أرحب من مناطق التمييز بين الأمور. فأنا منطلقي يقوم على التمييز..

عدنان: ما أحببته هو رصدُك لنظام سجالي للمتقابلات يقوم على مفهوم معين لجوهر المجتمع العربي الإسلامي، يضع الإنسان مثلًا مقابل الإله، الدنيا مقابل الدين، الديمقراطية مقابل الاستبداد، العلم مقابل اللاهوت، القومية مقابل الطائفية، الثقافة مقابل الطبيعة. هذا النظام السِّجالي أريد أن نفككه، لأنه بالنهاية بنيةٌ أساسية تقوم عليها السّلفية ويقوم عليها الاستشراق.

العظمة: بكلّ تأكيد، هذه بنية وهي بنية واقعة في الواقع. يعني يمكن القول بأن هناك مناطق عبور بين السياسات وبين العبارة المعرفية عن السياسات. قضية التقابل بين الطائفية والقومية، بين الديمقراطية وبين الاستبداد، إلى آخر هذه المتقابلات، هذه كانت تُطرَح من قِبل الكثير من المؤلفين الأوروبيين والسياسيين الأوروبيين لمحاولة رصد الواقع العربي الذي ينظرون إليه ومحاولة تعليب هذا الواقع في إطار هذه المُقابِلات؛ لأن هذه المقابلات في نهاية الأمر هي متقابلات آيلة عن نظرة تطورية بأن المجتمعات العربية تنتمي إلى مرحلة سابقة من مراحل التطور البشري، وأن علينا – أي نحن الأوروبيين– أن نرصد هذا، وعلى العرب أن يسيروا في مسار التطور حتى يُصار لهم الوصول أو التوصل إلى ما نحن –أي ما نحن الأوروبيين– عليه اليوم. ولذلك، وهذا ليس غريبًا، هذا النظام من المتقابلات أو النظر إلى شعوب أخرى بالاستناد إلى المتقابلات والمتناقضات، هذه نظرة تجدها عند كلّ الناس، لدى العرب مثلًا نظرة إلى الأوروبيين قائمة أيضًا على المتقابلات أو على المتناقضات، الصينيون واليابانيون هناك نظرات أيضًا قائمة على المتناقضات. فبالتالي لا أعزو هذا إلى الاستشراق، ولكنني أعزوه إلى الطريقة التي تُثار بها صياغة تصوُّر الشعوب الأخرى لدى جميع الشعوب.

 

كيف رسم الاستشراق خرائط السياسة؟

عدنان: أنا معك، دكتور عزيز، وأنت تقول إنّها مسألة دارجة في فهمنا للشعوب، كلّ أنواع الشعوب. إنما ربما ما يجعلني أركّز على حكاية الاستشراق هو أنّ هذه التقابلات وهذا النظام يصير مهيْمنًا، وبالتالي يصير هو الذي يصنع السياسات، بدءًا من الاستعمار. تعرف،  مع نابليون وكَذا، كلّها منظومة من التمثّلات ذات تأثير؛ لأنّها تصير مهيْمنة، وإلا فالتمثّلات كانت دائمًا متبادلة.

العظمة: لا، هناك في الواقع عملية عطف بين الاثنين؛ بمعنى أنّ السياسات تعتمد في إعلانها عن نفسها على أسُس من هذا النوع، على أسس من المعارف العامية الموجودة في مجتمع من المجتمعات، ولا أقول مجتمعًا من المجتمعات، ولكن فئات مؤثّرة في مجتمع من المجتمعات؛ لأنّ المجتمعات ككلّ لا يمكن إطلاق أحكام عامة عليها، المجتمعات كلّيات بالغة التعقيد، وأنا، ومن أساسيات التمييز: التمييز المعرفي هو الوعي بتعقّد الواقع.

عدنان: صحيح.

العظمة: فهناك فئات لها نظرات كانتْ عن، مثلًا، لنأخذْ قضية المجتمعات الفسيْفسائيّة؛ يعني يقال إنّ المجتمعات المشرقية مجتمعات فسيْفسائيّة، صورة جذابة ولكنّها لا تعبر عن الواقع؛ لأنّها جامدة جدًا، والعلاقات بين عناصر الفسيْفساء لدينا أكثر تعقيدًا من ذلك، ولا تحتمل ذلك. من أوائل القرن التاسع عشر كان هناك كلام حول هذه المجتمعات الفسيْفسائيّة، واستخدمتْ بوصفها برنامجًا سياسيًّا للتحويل التاريخي في المشرق، وأهمّ من اشتغل على ذلك ليس فقط نابليون، ولكن نابليون الثالث، ثم السياسات الاستعمارية بنتْ على هذا التصور، وحاولتْ أن تجعل من هذا التصور واقعًا.

مثلًا، ترى في الدولة العثمانية المتأخرة نظم تعليم حديثة وعلمانية تابعة للدولة على نسق الليسيه في طور الإنشاء. من الذي اعترض عليها؟ اعترض عليها القناصل الأجانب؛ لأنّهم كانوا يحبّذون الاستمرار في التعليم الكنسي والطائفي، وإلى آخره، إن كان لدى المسيحيين أو لدى اليهود أو لدى المسلمين.

فبالتالي، هذه كانتْ مراحل في تنفيذ سياسة تفتيتية للدولة العثمانية، وبعد ذلك أصبحتْ وكأنها غريزة لدى وزارات الخارجية ووزارات المستعمرات في الدول ذات الاهتمام بالمنطقة: فرنسا وبريطانيا.

 

هل كتب برنارد لويس خارطة تفتيت الشرق؟

عدنان: نحن دائمًا في هذا الذهاب والإياب ما بين الفكر والسياسة، تبادل المواقع بينهما. وأنت تتحدث الآن، دكتور عزيز، عن التَّفتيت، أنا أفكّر في برنارد لويس في رصده لتاريخ العرب، وانتباهه إلى هذا الفسيْفساء الذي تفضّلت بالإشارة إليه. برنارد لويس في لحظة أشار إلى أهمية تعزيز هذه النعرات الطائفية؛ لأنّه يرى بأنّها أساسية للمزيد من التفكيك، بل في لحظةٍ ما، حينما أحسّ بأنّ الإسلام يمكن أن يُتلاعب به، قال إنّه يمكن تشجيع الحركات الإسلامية؛ لأنّها بالنهاية ستكون أداة في اسْتعداء هذه الأقليات وهذه المذاهب.

إذًا، لاحظْ: هذا مفكر ومؤرخ، ولكنه سرعان ما يمُرّ إلى منظّر لحركة سياسية بالنهاية استعمارية، مع أمريكا، ومع جورج بوش في لحظةٍ صار موجّهًا بمعنى من المعاني.

العظمة: هذا صحيح، بالمناسبة، أثر برنارد لويس كان، حاز على أهمية كبرى بعد عملية نيويورك في 11 سبتمبر. بعد تلك الفترة أصبحتْ هناك نظرة ليستْ فقط تفتيتية، ولكن نظرة عُصابية إلى العلاقات بين الحضارات، وبعد ذلك صدرت الكتب التي تتكلم عن صراع الحضارات وإلى آخره، وعملية تحويلها.

عدنان: كله منه، هو صاحب الفكرة الأولى.

العظمة: هو صاحب الفكرة الأولى، ولكنها لم تكنْ مقتصرة عليه؛ كانت فكرة منتشرة في أوساط كثيرة، وهي فكرة قديمة جدًا: فكرة أنّ هناك تمايزًا وجوديًّا -إن شئت- وتاريخيًّا، بين أوروبا والمشرق العربي أو المغرب العربي. هذه فكرة قديمة جدًا من أيام الصليبيين، هذه فكرة قديمة جدًا ومستمرة في مواضع مختلفة دون أن تكون فكرة دائمًا فاعلة؛ فكرة موجودة في المخيال العامّ ومتوارثة في المخيال العامّ، تُفعّل في بعض الأحيان، ليس بفعل شخص سيئ النية فقط، ولكن بسبب الصراعات القائمة. عندما تحتدّ الصراعات يُصار إلى استعادة تلك الأفكار، قد تكون نائمة ولكنها تستعاد.

كذلك الأمر في الصراعات الطائفية في المشرق، هناك عمومًا، كلّ الفئات الاجتماعية، وفي كلّ المجتمعات، إن كانت مناطق أو طوائف أو إثنيات، هناك نظرات معينة إلى الفئات الأخرى، قد تكون عدائية، ولكنها لا تمنع الحياة الطبيعية. في أوقات الأزمات تطفو إلى السطح وتصبح فاعلة في تكوين فئات جديدة، مثلًا في تحويل الجماعات الاجتماعية المرتبطة بفعل القرابة وبفعل التجاور المكاني الذي قد يكون طائفيًّا أو إثنيًّا، تتحول من فئات اجتماعية إلى أحزاب سياسية. وهذا الواقع في العراق، وهذا الذي يقع اليوم في سوريا، والذي كان موجودًا في لبنان، والسياسات الإسرائيلية في سوريا هذا اليوم تقوم على نفس الفكرة.

فيجب أن نعي هذا الأمر، وجود أفكار عدائية تجاه فئات أخرى ليس شيئًا غريبًا في أي مجتمع من المجتمعات، وفي أي فترة من فترات التاريخ. المهمّ متى وكيف تُستعاد هذه الأفكار وتصبح معينًا للسياسات ولتنفيذ السياسات.

 

الاستشراق… علم أم خطاب هوياتي؟

عدنان: هذا هو. إذًا، هذه الأفكار تكون في حالة كمون، وفي الغالب قد تكون راقدة في مَضَانِّ الكتب، ولكن هذه المدونة لا تحمل قيمة في ذاتها ولا خطورة في ذاتها، وإنما استعمالها، يعني تحويلها إلى مواقف وسلوكيات وما إليه، ربما هذه الفكرة. سؤالي هنا لكي أبني عليها وأعود بك إلى الاستشراق: يعني، ما لك حلّ برنامجي في الاستشراق..

العظمة: لا، لا يوجد حلّ، ولكن علينا أن نتفق على ما نعني بذلك.

عدنان: ولكن دعني أسأل: كيف أنّه مثلًا هذه المعرفة فيما يتعلق بي ويعنيني هي معرفة الغرب، يعني الصليبي، الغرب الاستعماري، الغرب الفكري التنويري وما بعده. هذه المعرفة بالشرق، هل يمكن اعتبارها معرفة استشراقية، أم أنه لا يوجد شيء معرفي أصلًا فيها؟ كلّ ما في الأمر هو نمط تصوّر وإدراك، وهذا هو كلّ الاستشراق، لا يوجد فيه شيء معرفي؟

العظيمة: أنا لا أسميه الاستشراق، لماذا نسميه استشراقًا؟ يعني ما الحكمة في إطلاق هذا النعت؟ يعني الاستشراق قد يكون واحدًا من عدة أشياء أو جامعًا لأشياء كثيرة، قد يكون نمطًا من البحث العلمي، البحث العلمي الذي يقوم في معاهد الدراسات الشرقية في جامعات أوروبية أو في جامعات عربية أيضًا.

عدنان: هذه فكرة ماكسيم و رودينسون، هو الذي يقول: هذا عالم مصريات، ماذا يعني مستشرق؟ هذا عالم صينيات، ماذا يعني مستشرق؟ هذا في ردّ رودينسون على إدوارد سعيد بالمناسبة.

العظيمة: وهذا صحيح، أنا لا أتفق كثيرًا مع إدوارد في هذا التعميم اللاتاريخي الذي يرى في الاستشراق شيئًا نشأ مع هيرودوتس على سبيل المثال، هذا باعتقادي لا يمكن أن يُقبل..

عدنان: لا، هو يقول إنّه نشأ مع أسخيلوس حينما كتب مسرحية “الفُرْس”.

العظمة: طيب، صحيح، هذا أيضًا، يعني هناك أشياء كثيرة ممكن أن تُقال عن اليونان، ولكن ليس الآن موضع الكلام في هذا الأمر.

فبالتالي، يعني، الاستشراق ممكن أن يكون علمًا بالمجتمعات التي تسمّى شرقية: المصريات، والدراسات البابلية، والدراسات الإسلامية، والدراسات في التاريخ العربي، وفي الصين، وفي اليابان، وإلى آخره، هذه كلها دراسات استشراقية، وأكثر الدراسات الاستشراقية في معرفتي وحسب معرفتي قائمة على أسس صلبة من البحث العلمي. قد يَشتطّ البعض في تأويلها على نواحي توافق المناحي السياسية في الكلام عن مصر أو سوريا أو عن الإسلام بشكل عامّ أو عن الصين ككلّ، يعني هذا كله كلام بالغ العموم، لا يؤدي في نهاية المطاف إلى معرفة واقعية وتاريخية بقدر ما يؤدي إلى خطاب إيديولوجي ناشئ عن موقع وموضع تاريخي وظرفي معين.

فبالتالي، هناك المعرفة التاريخية، ثم هناك التصورات العامة، ثم هناك النعت، والنعت بحدّ ذاته عندما يُطلق دون تحديد وبإطلاقه على مجتمعات كاملة، هذا بحدّ ذاته خيال، خيال ناتج عن بعض الناس المهووسين بقضية الهوية، والذين ليس باستطاعتهم أن يبنوا هوية إلا على أساس اختراع خصم يجب أن نبني أنفسنا عليه؛ لأنّه ليس لدينا الكثير لنبني عليه. الذي يفكر بهذه الطريقة يعبّر في واقع الأمر عن فقر ثقافي.

 

التاريخ بين الوقائع والسياق

عدنان: هذا الآخر اشتغل عليك في معارف مختلفة، مثل ما تفضلت الآن، هناك من اشتغل في التاريخ، هناك من اشتغل في الفقه، هناك من اشتغل في القرآن، هناك من اشتغل في السيرة، هناك من اشتغل في الإسلام المبكر، في اللغة، الفيلولوجيا، كله. ولكن تحس مع ذلك بأن هناك شيئًا ما ناظمًا، هو بعض المُسبقات التي تشكلت بشكل سابق على هذه العلوم. وبالتالي نحن لا نريد أن نُغرق في المعارف القروسطية، ولكن أريد مثلًا أن أسائل معك، وأنت المؤرخ والمتخصص في التاريخ: ما رأيك مثلًا في أن كثيرًا من المستشرقين، والذين يستهويهم جمع الأخبار والموادّ التاريخية، لم يكن لهم علم بالتاريخ واعتبروه مقابلًا للواقع، بينما التاريخ إنما هو –سأستعمل عبارتك-: إخبار بالواقع.

العظمة: الإخبار لا ينفي المعرفة بالواقع. أظنّ أن في هذا الكلام نوعًا من محاولة التفريق المتعمَّد بين الواقع وبين الإخبار عن الواقع، على أساس أن الواقع واقع، والإخبار وهم. أنا لا أشارك هذا الرأي، باعتقادي أن الإخبار عن الواقع هو صياغة للواقع في سياق، هذا هو الإخبار عن الواقع، قد يكون السياق مُستقى من الواقع، قد يكون السياق مفروضًا من الخارج لأغراض التنميط، هناك النوعان.

علينا دائمًا أن نكون حذرين فعلًا في إطلاق هذه الأحكام وفي إطلاق النعوت. قبل أن نطلق الأحكام على أي جسم من الخطاب أو من السرد علينا أن نُلمّ بالمنشأ، بالسياق، وبالمآل. دون هذا الإلمام سيكون إطلاقنا.. سنكون نطلق أحكامًا جزافًا دون التفكُّر في الموضوع. وأنا أعتقد أن في كثير من الأحيان هناك محاولة شبه متعمدة للعزوف عن التوصل إلى المعرفة الفعلية في هذه الأمور؛ لأن المعرفة الفعلية قد تخرّب من اتساق التسمية والنعت.

 

بين الشك واليقين: كيف نقرأ التاريخ دون وهم؟

عدنان: ونحن نتحاور الآن، أحسّ بأنّه من حيث المضمون لا أملك إلا أن أؤمّن على ملاحظاتك وعُمقها، وأراها هي المطلوب من جلسة مماثلة. فقط يمكن أنت لديك تحفظ على الاستشراق والمستشرقين، ولكن “مرّْق لنا إياها” كما يقول الإخوة في بلاد الشام؛ لأن سياق علاقة المستشرقين بالتاريخ، والتاريخ الإسلامي تحديدًا، مع ما تتفضل بالحديث عنه أنه أحيانًا نُجوْهِر الأشياء ونعطيها طبيعة تابعة وما إليه. ورأيي وظني أن جُلّ المستشرقين لم يقبلوا بالنظر إلى الإسلام في تغيُّره وفق السياقات التاريخية نفسها، بل نظروا إليه كطبيعة ثابتة لا تتغير. ما رأيك؟

العظمة: يصدق هذا الكلام على الكثير، ويصدق هذا الكلام خصوصًا على التصورات أو الكتابات أو الإنتاج العلمي الأكثر تقليدية. ولكننا نرى في العقود الأخيرة تحولًا بالغ الأهمية فعلًا في هذا المجال، وهو تحول جاء مع تطور العلوم الاجتماعية وعلاقة العلوم الاجتماعية بالعلوم التاريخية، فبالتالي أصبحنا في موضع آخر. المشكلة مع الكثير من إخواننا أنّهم ليس لهم كثير من الفضول للاطلاع على هذه الأمور، ويفضلون الركون إلى معارف متداولة بالغة الشيوع، ومضمونة إلى حدّ ما؛ لأنّها تدعو إلى شيء من اليقين، وتدعو إلى اعتماد هذه التعميمات التي تكلمنا عنها.

ولكن على كلّ حال، باعتقادي أن النقطة، الحلقة المفقودة في هذا النقاش بيننا هي قضية المعرفة؛ أي المعرفة كنصاب علمي وكممارسة علمية: هل هناك ممارسة علمية أم هناك كتابة كيفيّة في أمور التاريخ العربي؟ هذا باعتقادي الشيء الأساسي. وعندما نحكم على الاستشراق، إن اعتمدنا أحد التعريفات وهو أنه إنتاج المعرفة بمجتمعاتنا في المعاهد العلمية المتخصصة في الجامعات الغربية، يعني في أوروبا وفي أمريكا الشمالية أساسًا، إن اعتمدنا هذا، علينا أن نسائل الاستشراق عن مضامينه العلمية وعن المناهج التي يتخذها.

هناك شيء أساسي نتَج ليس فقط عن الاستشراق، ولكن عن تطور العلم التاريخي في القرن التاسع عشر، وهو التصور الوضعي للوقائع، ويتطلب هذا تقصّي كلّ الأخبار المتعلقة بالماضي أو الشهادات العينية، تقصّيها والتحقّق من مدى مطابقتها لواقع التاريخ.

هذا الشيء الأساسي في الوضعية التاريخية، تركّبتْ على ذلك اتجاهات مختلفة في التأويل، ولكنّ الأساس دائمًا كان تقصي الوقائع؛ يعني اتباع جملة من المناهج في التحقيق التاريخي التي توصلنا إلى: إمّا إلى الشكّ، وإمّا إلى اليقين، وإمّا إلى عدم القرار أو عدم اتخاذ هذا القرار أو ذاك.

فبالتالي، أنا باعتقادي، هذه القضية العلمية هي أساسية جدًا؛ إن لم نتكلمْ فيها لن يكون بوسعنا التكلم عن الاستشراق إلا باعتباره نعتاً عامًا أحيانًا يُستخدم في الخطاب العربي المعاصر وكأنّه شتيمة.

عدنان: تمامًا تمامًا.

العظمة: أن هذا مستشرق، هذا مستشرق، فعلًا علينا الحذر، خصوصًا وأن هذا النوع من الخطاب قد استفحل كثيرًا في السنوات العشرين الأخيرة، استفحل ليس فقط بسبب الحروب المتراكمة في منطقتنا، ولكنه استفحل أيضًا باعتبار انسداد الآفاق لدينا. وبالتالي هناك شيء من النكوص والارتجاع إلى الذات في سبيل إنتاج حدود دنيا من الاطمئنان. ولكن هذا لا يؤدي إلى معرفة.

 

نقد مزدوج: لا شيطنة للمستشرق ولا تقديسه

عدنان: لا، لا أبدًا، لا يؤدي، يعني مثل من يشرب “اسبرين” ويرتاح. لا، هو يمكن تحدّثْنا قبل بداية التصوير وقلت لك بأنّ هذا التبسيط الذي يجعل مجموعة من الناس يتحدثون عن المستشرق كما لو كان بُعبعًا وشخصًا بقرون، يعني شيطانًا، أو حتى الذين يُطبّلون ويرقصون للمستشرق كما لو أنّه حامل لواء النور في بلاد الظلام؛ هذان الموقفان معًا مرفوضان. وبرنامج في الاستشراق جاء تحديدًا لكي يمارس نوعًا من النقد المزدوج على الذات والآخر، ويدخل هذه المنطقة المُلتبسة التي تجيدون الآن الوقوف في أرضيتها، لأن هذا المطلوب، وكلّ مساءلة للمعرفة هي بالضرورة مساءلة لمناهج المعرفة.

وفي هذا الإطار، وأنت تتحدث الآن عن أهمية العلوم الاجتماعية والانفتاح عليها في دراسة التاريخ، أريد أن أسألك؛ لأنّ مجموعة من المؤرخين العرب في الآونة الأخيرة فعلًا حاولوا أن يخلقوا هذا التكامل الذي لا يمكن إلا أن نعتبره محمودًا ما بين علم التاريخ والعلوم الاجتماعية. ولكن ما رأيك في أنّهم أحيانًا يقعون ضحية الخلط بين هذه العلوم، ربما لعدم تبيُّن الحدود المنهجية لكلّ علم من العلوم؟ هل ترى الأمر كذلك؟

العظمة: لا، هذا كذلك، ليس فقط لدى المؤرخين العرب، ولكن لدى المؤرخين الأوروبيين أيضًا. هناك أحيانًا بعض الاختلاط، وأنا أتابع هذا الوضع عن قرب؛ أنا كنت لأربع دورات على مدى ثمانية سنوات في مجلس البحث الأوروبي، التابع لأوروبا كلها، وأتيح لي النظر في الاتجاهات الحالية في البحث التاريخي في جميع مجالات التاريخ. هناك كثير من التواجد للعلوم الاجتماعية في التاريخ، ولكن الكثير من الخلط كما تفضلت، فهذا الموضوع ليس مُنحصرًا بنا، هذا ما أحببت أن أقوله.

ولكن المهمّ، دعني أرجع قليلًا إلى النقطة السابقة، وهي أنّ المهمّ في هذا الأمر هو أن نجيد ونتقن النظر إلى البحث العلمي على أنّه ليس مرتبطًا ببلد المنشأ. البحث العلمي ستكون له نتائج متميزة إن كان البحث قائمًا في أمريكا أو في أوروبا أو في أمريكا الجنوبية أو في المغرب. البحث العلمي..

عدنان: مُحايد؟

العظمة: مفترض أن يكون محايدًا، وهناك قدْر كبير من الحياد. ترى كثيرًا من المؤرخين العرب الذين يعملون كمؤرخين محترفين ولا يدخلون في النقاشات الإيديولوجية والسياسية، والبعض منهم ينتج أعمالًا بالغة الأهمية وبالغة الموثوقية، وهي تُناظِر ما هو موجود على المستوى العالمي، ولكنها ليست ذائعة الشيوع لأنها متخصصة، ولكنها تعمل في هذا التخصص بنهج محترف ولا تتجاوز حدود هذا البحث.

أما الانتقال من هذا البحث إلى الدخول في الأمور الإيديولوجية والسياسية والتنموية والحداثة والنكوص وإلى آخره، فهذا كلام آخر.

 

المؤرخ العربي بين قيد الواقع وحرية التاريخ

عدنان: ولكن المؤرخ العربي مسكين أيضًا، أنا لا أتحدث عن مؤرخ عربي هكذا يستطيع أن يتجرد كليًا من ثقل الواقع ووطأة تحديات منطقته وبلده وما إليه؛ لأنك تحسّ بأن المؤرخ العربي مضغوط فعلًا بأسئلة تحديد: سؤال التنمية، مواجهة الضغوط، ثقل التراث، تعدد الحساسيات المذهبية والطائفية وما إليه. تاريخ ومؤرخ تكبلهما الضغوط، والتاريخ مجال للحرية كما يقول عبد الله العروي، وفحْصُ التاريخ يحتاج حدًّا أدنى من التحرر والاستقلالية، مثلما تفضلت الآن. دعك من هذا المؤرخ العربي النموذجي الذي تحكي عنه، المؤرخ الفعلي، كيف يمكن أن ينتج معرفة وسط هذه الشروط؟ خصوصًا وأننا نريد لهذه المعرفة أن تكون بديلًا عن تاريخ تقليدي قديم، عن القزويني مثلًا، وعن تاريخ استشراقي بين قوسين.

العظمة: يعني أنا دائمًا أُدهش عندما أسمع كلامًا عن المجتمعات وعن الفئات الاجتماعية بصيغة المفرد، المؤرخ العربي. أي مؤرخ عربي يا سيدي؟ علينا فعلًا.. هناك أنواع كثيرة من التاريخ..

عدنان: صحيح، صحيح.

العظمة: وهناك تمايزات بين المناطق في العالم العربي، وهناك مدارس تختلف من مكان إلى آخر، فعلينا التحرُّز باعتقادي في هذا الأمر.

أما ضغوط الواقع الاجتماعي والسياسية فهي أساسية، وهي أحد البواعث بالمناسبة على الاشتغال بالتاريخ؛ يعني مثلًا الاشتغال بتاريخ فرنسا في القرن التاسع عشر وما بعده، كان نتيجة لضغوط قيام القومية الفرنسية في القرن التاسع عشر، بكل تأكيد. القضايا الاجتماعية والسياسية تفتح آفاقًا للبحث، ثم تُطبَّق في هذه الآفاق جُملة من المعايير العلمية. النتائج قد تختلف، بمعنى أن هناك نتائج قد تقتصر على تقرير الوقائع، وهناك تأويلات، وهناك تأويلات بمعنيين: هناك تأويلات مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالواقع، يعني جمع الوقائع واستخلاص خيوط منها، وهناك ما يمكن أن يُدعى بالتأويل المزدوج (surinterprétation)، بمعنى أن نأخذ وضْعًا، أو نأخذ جملة من المعلومات ثم نُركّب عليها أمورًا قادمة من مكان آخر: تصوُّرات، تمنِّيات للمستقبل، تمنيات للواقع، خيال في صياغة الماضي، إلى آخره. فهذه كلّ هذه الأمور موجودة في الخطاب التاريخي. ولذلك، وهذا موجود عندنا نحن وموجود عند الأوروبيين، فبالتالي عندما نتكلم عن المستشرقين كعلماء وأساتذة جامعات وباحثين، يمكن تطبيق نفس الكلام عليهم، كلّ هذه الفصائل موجودة في كل مكان؛ لأن العلم في نهاية المطاف لا جنسية له ولا دين، إلا طبعًا إذا كان يعني علم كلام له دين، اللاهوتي المسيحي، إلى آخره، هذا موضوع آخر.

 

كتابة التاريخ: بين المناهج الحديثة والاعتذار للماضي

عدنان: هذا موضوع آخر. سنبقى مع التاريخ ومع فصائل المؤرخين العرب بمِللهم ونِحَلهم الفكرية والمنهجية، لنقل، هؤلاء كلهم اليوم تحسّ بأنهم يتحركون في فضاء يُوسَم بالعربي الإسلامي، مُشتعل متحرك، وهم بين نارين: بين المناهج، مناهج العلوم الإنسانية، يريدون تطبيقها، يريدون تجديد معارفهم ومناهجهم وآفاقهم الفكرية والبحثية والأكاديمية وما إليه، وأيضًا مع خلفيات، ماركسية -وأنت جرّبتَ أن تكتب من هذا المنطلق الماركسي وتؤلّف انطلاقًا منه- أو قومية، أو وطنية، أو حتى دينية. هل هذه الاشتباكات لهذه الطوائف والملل والنِّحل من المؤرخين مع هذه الاعتبارات المنهجية والخلفيات الإيديولوجية وما إليه، هل تمكنوا من أن يُوجِدوا لهم خطابًا جديدًا يمكن أن يعطينا قراءة جديدة لتاريخنا في النهاية؟ لأنه نحن نحتاج أيضًا أن تكون لنا نظرة خاصة لتاريخنا الخاصّ.

العظمة: يعني تحتاج أن تكون لنا نظرة واقعية لتاريخنا الخاصّ.

عدنان: هذا أسلم، صحيح.

العظمة: اسمعْ، هناك قضية أساسية جدًّا، وهو أن هناك الكثير من المُعانَدة في فضائنا الثقافي، الكثير من المعاندة لإحكام النّظر التاريخي في تاريخنا، النظر التاريخي الفعلي. بمعنى كتابة تاريخ يتّسم بالواقعية وليس بالاعتذار للتاريخ.

عدنان: وليس بالاعتذار له؟ اشرحْ لي أكثر.

العظمة: الاعتذار للتاريخ، الدفاع عن التاريخ الماضي، الدفاع عن التاريخ الماضي..

عدنان: تبريره؟

العظمة: تبريره، تبرير التاريخ الماضي، يعني مثلًا الإحجام عن النظر إلى وقائع فترة ما يُسمى بالخلافة الراشدة، بالمناسبة الخلافة الراشدة، العبارة من العصر العباسي وليست أبكر من ذلك، وفي مُعانَدة لبني أمية، وفي معاندة للأمويين. يجب أن ننظر إلى هذه الأمور وإلى الاصطلاحات التي نستخدمها، في سياق النشوء وفي سياق الغرض؛ كان هناك غرض سياسي وغرض إعلامي، لنستخدم تلك العبارة، في الفترة العباسية الأولى لإيديولوجية الدولة.

فعلينا أن ننظر نظرة فعلًا واقعية إلى تلك الخلافة، يعني لم تكن عصرًا ذهبيًا. الكثير يقولون إن هذا كان عصرًا ذهبيًا، وليس حقيقيًا، ليس هذا حقيقيًا على الإطلاق. وكثير مما يقال عن ما يُسمى بفقهاء المدينة، أيضًا كلام خيالي وتمجيدي لبعض الأفراد واستبعاد الكثير من الروايات الموجودة كلها في المَضَانّ التاريخية المتوفرة لدينا، موجودة في الطبري وفي غير الطبري، يعني موجودة ومتاحة للجميع، ولكن هناك عملية استبعاد للنظر الواقعي في وقائع التاريخ.

 

الاستشراق كتهمة: حين يُهمَّش المفكرون لاختلافهم

عدنان: هو في الحقيقة، دكتور عزيز، أحيانًا حتى، انظرْ، عندما نتحدث مثلًا عن القرآن وكذا، كيف، أشياء مثلًا حول القرآن، يعني بالنسبة لقرآن عثمان والحَجّاج وما إليه، هناك أشياء، يعني تقرؤها فعلًا لدى مستشرق فتقوم القائمة عليه، وهو بالنهاية أخذها من الطبري.

العظمة: هو بالنهاية، صحيح، معك حقّ، تمامًا، تمامًا، تمامًا. وبعد، يعني مثلًا، هل هشام جعيط مستشرق؟ يعني الكلام الذي قاله عن الفترة المُبكِّرَة للإسلام بالغ الوضوح. وليس وحده، هناك الكثير من المؤلفين العرب الذين كتبوا بهذا الوضوح، ولكنهم هُمّشوا..

عدنان: همّشوا أو تمَّ النظر إليهم على أنهم مستشرقون عرب، وأنا قرأت من يتحدث عن عزيز العظمة باعتباره مستشرقًا عربيًا يأخذ بآراء المستشرقين ويستند إلى منطلقاتهم ويعتمد مناهجهم في قراءة التاريخ العربي الإسلامي. وبعد ذلك يقول لك: لا يوجد مستشرقون، هناك علم فقط.

العظمة: بمعنى أنني أستخدم أدوات البحث التاريخي في النظر إلى ماضينا بكل بساطة. فبالتالي، نعت الاستشراقي هنا بمثابة الشتيمة كما تكلمنا قبل قليل..

عدنان: لا، هو فعلًا يُستعمل واستعمل في حقك، يعني بهذا المعنى..

العظمة: في حقي أنا وفي حق الكثيرين، صحيح، صحيح.

عدنان: ولكن نحن، كما أوضَحْت، أبدًا ليس الشتيمة ما يعنينا، يعنينا هذا الاهتمام بالتاريخ، بالتراث الإسلامي، بالتطور الذي يمكن أن يكون عرفه هذا التاريخ وعرفه هذا التراث، ومساءلة الدراسات بين قوسين (الاستشراقية) التي اشتبكتْ مع هذا التاريخ، إلى أي حدّ كانت المعرفة فعلًا هي المُوجِّه؟ هذا هو.

العظمة: أنا أعتقد أنّه عند الكثيرين المعرفة كانت الموجِّه، لدى البعض ممّن انطلقوا من مواقف مُسبقة من التاريخ العربيّ؛ يعني مثلًا السيدة باتريشا كرون لديها عداء أصيل فعلًا لتاريخ العرب، وهناك تَلوُّن لكثير من الأمور الهامّة التي أبرزَتْها في عملية هذا التأويل المزدوج الذي تكلمتُ عنه قبل قليل، هناك تأويل مزدوج للمعارف التي توصّلتْ إليها، وليست الوحيدة في هذا الأمر. ولكن في نهاية المطاف، أعتقد أنّ المؤرّخ مثلي أو عربيًّا آخر، من المهمّ جدًا أن يتخذ مسافة من تاريخه؛ دون المسافة لن تكون هناك معرفة فعلية، لأن دعوة الاندماج في هذا الكلّ المتجانس والمستمرّ عبر الزمان، هذه دعوة خيالية وتؤدّينا إلى مطبّات كثيرة. ولذلك أنا مثلًا لا أحبّ عبارة “التاريخ الإسلاميّ”، لا أحبّ عبارة “التاريخ الإسلاميّ”.

عدنان: ماذا تقترح؟

العظمة: لأننا عندما نستخدم هذه العبارة نستدعي تأويلات لهذا التاريخ، تأويلات دينية قد لا تكون لها علاقة بالواقع. عندما نسمّي التاريخ تاريخًا إسلاميًّا أو تاريخًا مسيحيًّا، فنحن بالفعل أدخلنا في عملية التأويل أمورًا لا علاقة لها بالتأويل، لا علاقة عقلية لها أو تاريخية لها بالتأويل. أنا أحبّذ مثلًا تاريخ المشرق في الفترة العباسية على سبيل المثال، هذا يعني.

عدنان: يمكن لأحدٍ أن يردّ عليك بأنّه إذا قلت “تاريخ المشرق”، فهنا أنت أقصيت المغرب، والحال أننا نحكي عن عالم عربي إسلامي أكثر شمولية.

العظمة: طبعًا هناك، إن أحببت أن نصوغ تحقيبًا لهذا التاريخ، ننطلق من فترة هي فترة الإمبراطورية الأموية التي كانت جامعة والتي استمرّتْ في الفترة الأولى، القرن الأول من الدولة العباسية، وبعد ذلك أصبحت التواريخ أكثر تفتتًا. شايف كيف؟ فبالتالي هناك ما يُسوّغ القول بتاريخ مستقلّ للمغرب الأقصى، يعني المغرب اليوم، المملكة المغربية، ثم لإفريقيا الأغلبية، يعني في حُكم الأغالبة..

عدنان: تعني بإفريقيا تونس طبعًا؟

العظمة: تونس بهذا المعنى. ثم المشرق، ثم المشرق بشقّيه العرَبي والفارسي التركي. فهناك تحقيبات ممكنة على هذا الأساس، وهي أكثر لُصوقًا بواقع التاريخ. أمّا تسمية “التاريخ الإسلاميّ”، ممكن، يعني هناك افتراض لنوع من التّجانس لم يكن موجودًا على الإطلاق.

 

الهويات حين تصير أحزابًا: الخطر المزدوج

عدنان: تحفّظُك على استعمال أو إلصاق نعت الإسلامي بالتاريخ هو جزء من تحفّظك العامّ على الخلط القائم ما بين العروبة والإسلام، بين كلمة “عربيّ” وكلمة “مسلم”، وأنت ترى بضرورة التفريق بين العربي والمسلم، وتقول بأنّه يجب أن نصرّ على أننا عرب وليس فقط مسلمين أو شرق أوسطيين. أريد توضيح هذه الفكرة.

العظمة: هذا الكلام ينطبق على القرن العشرين، كلامنا في القرن العشرين عندما نشأت الفكرة العربية وانتشرتْ في أصقاع كثيرة من العالم العربيّ؛ مصر كانت متأخرة، تونس والمغرب أكثر تأخُّرًا من ذلك، وحتى بعد أن وصلتْ كانت محصورة في فئات سياسية معينة، ليست موجودة بهذا الاتساع الذي نراه في المشرق. ولكن عندما أتكلم عن التاريخ العربي الحديث أستعمل ذلك على صورة اختزالية بعض الشيء لإعطاء قدْرٍ معين من التجانس، وليس التجانس، ولكن من التوافق بين تواريخ قائمة في أمكنة مختلفة ولكنها متضافرة. وبهذا المعنى مثلًا عندما يقال، عندما يشار إلى الكلام عن “الربيع العربيّ” على سبيل المثال، هو ربيع عربي بكلّ معنى الكلمة، لأن هذه كانت تواريخ متضافرة، كما كان في أوروبا عام 1848، شايف كيف؟ تواريخ فعلًا متضافرة. فالتأكيد هنا على التضافر. ثم هناك غرض سياسي في هذا الكلام، عندما تكلمت عن هذا الأمر، والغرض السياسي هو معاندة أو محاولة معاندة -لم تكن ناجحة- التّفتت، خصوصًا في مجتمعاتنا المشرقية.

عدنان: وعناصرُه موجودة في كلّ فضاء عربي إسلامي.

العظمة: صحيح صحيح.

عدنان: طالما لديك هويات وطالما لديك طوائف دينية وعرقية فالموضوع مطروح ـ…

العظمة: يعني الخطير في ذلك عندما تتحول الهويات المحلية إلى أحزاب سياسية، هنا الطامة الكبرى.

عدنان: وليس فقط التحول المباشر إلى أحزاب سياسية كتشكيلات، ولكن الاستثمار السياسي لها سواء كان داخليًّا أو خارجيًّا؛ لأنّه أحيانًا حتى الآخر يستعمل، وأنا لا أمنع نفسي من التفكير في الاستعمار وفي الإمبريالية وفي كلّ من لديه مصالح جيو-استراتيجية في المنطقة ويستعمل كلّ هذه الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية لصُنع المزيد من الفُرقة بما يحرُسُ مصالحه.

العظمة: هذا صحيح، ولكن علينا ألا ننسى التواطؤ المحلي في هذا الأمر.

عدنان: ما من شيء يتمّ بدون تواطؤ محلّي.

العظمة: انظر إلى العراق بعد الاحتلال الأمريكي، تواطؤ محلّي بكلّ تأكيد. فبالتالي قضية لوم الآخر دومًا غير مُجدية معرفيًّا وغير مجدية سياسيًّا، لأنها تُشوّه.

عدنان: فقط، نحن نحاول أن نحلل، نحن لا نلوم، نحيط بالعناصر، ولك أن تلوم أو أن تفرح أيضًا بصنيعه.

 

الباحث والمؤرخ في زمن الصراع: قراءة في دوافع الكتابة

عدنان: أريد فقط أن أنبّه وأشير إلى أنه مثلًا في تحفّظك على كلمة “التاريخ الإسلامي” لكي لا يظنّ من يتابعنا أنه عندك مسافة تامة مع الإسلام وثقافته، أنبّه إلى أنك اهتممت اهتمامًا بالغ الجدية بالماوردي وابن تيمية وابن خلدون ومحمد بن عبد الوهاب، وأنا أريد أن ألفت النظر إلى اهتمامك بهذا التراث. ما الذي كان يؤرّقك تحديدًا؟ هل الفكر السياسي كيفَ فهم التاريخ؟ أم ربما كنت مهتمًّا بالتاريخ لفهم الفكر السياسي؟

العظمة: لا، يعني ليس فقط الفكر السياسي، يعني أنا كما قلت لك، أعطيت مثال فرنسا والتاريخ القومي وتاريخ فرنسا، وطبعًا المثال الأفضل على ذلك هو كتاب بروديل الشهير (Histoire de la France) تاريخ فرنسا، كتاب قومي، ولكن كتاب لمؤرخ جدير وكتاب جدير جدًا.

المهمّ هناك بواعث فعلية التي تفتح مجالات البحث؛ يعني أنا ابتدأت بدراسة الفلسفة ثم تحولت إلى ابن خلدون، كنقطة عبور.

عدنان: في أكسفورد، ناقشتها، صح؟ في أكسفورد ناقشتها؟

العظمة: نعم. كنقطة عبور. ثم خطر لي أنني حتى أستكمل معرفتي بابن خلدون، وبعدها الأطروحة، علي أن أقرأ كلّ ما قرأ، فانكببت على ذلك لفترة طويلة.

عدنان: ماذا قرأ ابن خلدون؟ دعنا نعرف.

العظمة: كلّ شيء من التنجيم إلى الفقه إلى الطبّ إلى الحديث إلى آخره. قرأت هذه المَضانّ. وكتبتُ كتابًا في هذا الموضوع ليس مترجمًا إلى العربية. ثم رافق هذا العمل حدث أساسي جدًا في مجتمعاتنا، خصوصًا المشرقية، هو تنامي نفوذ الحركات الإسلامية السياسية التي خلطت بين الدين وبين السياسة، وأنا استشعرتُ منها خطرًا على سلامة مجتمعاتنا، ولذلك ازددت اهتمامًا بهذا الأمر، فدرست التراث، ثم طبعًا استمررت في هذا العمل، لديّ كتابات لم تُنشر بعد بالعربية حول نشوء الإسلام وحول القرآن، وإلى آخر ذلك، فاهتمامي فاعل ومستمر منذ عقود، ولكن مع مسافة معرفية، مع مسافة معرفية أكيدة، أعتقد أنها تمكنني من الإلمام بوقائع الأمور دون الاعتذار لها.

عدنان: على فكرة بهذا الاستطراد الذي قلت فيه المسافة المعرفية، اغتلتَ سؤالي، لأنني كنت سأقول لك: وها أنت ذا تتأثر بالواقع كمؤرخ، وليست بذلك الحياد التامّ..

العظمة: بكلّ تأكيد.

عدنان: وها أنت تتفاعل مع مقتضيات الواقع ومع رهاناته وحساباته وتريد أن تكون فاعلًا ومُؤثرًا ومُوجهًا.

العظمة: المهمّ أن يكون..

عدنان: المنهج؟

العظمة: أن يكون واعيًا لتعقيد الصورة، يعني واعيًا لقضية البواعث ولعلاقة البواعث بالمنتوج.

العظمة: وصارمًا في منهجه.

العظمة: بكل تأكيد، وأنت ذكرت قبل قليل هذه المجموعات من نصوص للماوردي وغير الماوردي، طبعًا هناك لأبي بكر الرازي وابن الرواندي وابن خلدون وآخرين، وإلى ابن تيمية وابن عبد الوهاب. كان الغرض من ذلك إعطاء القارئ فكرة أكثر شمولًا عن منتوج هؤلاء، لأنه عمومًا عندما يُقرأ ابن تيمية تُقرأ أشياء قليلة منه، فحاولت أن أعطي صورة أكثر عمومًا وأكثر إحاطة بكلّ واحد من هؤلاء المؤلفين، والأهمّ من ذلك هو المقدمات التي كان القصد منها إرشاد القارئ إلى كيفية القراءة والتحليل. هذا كلّ ما في الأمر.

 

الكتابة التاريخية بين الصحافة الفضائحية والتأويل المزدوج

عدنان: وهذا مهمّ جدًا.

العظمة: يعني تفضلتَ قبل قليل وتكلمتَ عن الناحية التعليمية، فهذه هي الناحية التعليمية البيداغوجية.

عدنان: طبعًا طبعًا، لا بُدّ من هذا الدور. أحيانًا إذا غابتْ.. حتى هذه الحلقات نُريدها.. لهذا تحدثتٌ قبل قليل، ولكن بيني وبينك، وأنت أشرتَ لها في الحلقة، تكلمنا قبل التصوير،  عن أن هناك هذا المقصد يعني أن هذه الحلقات يكون لها دور تعليمي تربوي تثقيفي ما شئت. وأريد هنا أن أتكلم على مسألة الانتماء وعدم الانتماء، لأنها مهمة جدًا؛ كيف أن تكون منتميًا وفي نفس الوقت تبحث عن نوع من المسافة مع انتمائك. هناك من يقول إنّ المستشرقين الذين كتبوا في تاريخ الإسلام ربما ما أفادهم وجعلهم أكثر موضوعية وعلمية، وبقاءً في حومة المعرفة دون أن يغادروها إلى الحومات الأخرى: الترافع أو الدفاع أو اللوم وما إليه، هو بالضبط عدم انتمائهم لهذه الثقافة. هل هذا صحيح؟ وما رأيك في السيرة النبوية التي تُعَدّ مرجعًا أساسيًّا في التاريخ الإسلامي؟ هناك من يُفرّق دائمًا ما بين تعاطي المستشرقين معها وتعاطي مؤرخي العرب والفضاء الإسلامي عمومًا؟

العظمة: هناك كثير من المستشرقين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مندمجين بمجتمعاتنا ومعنيين بها مع محبة، مثلًا ماسينيون في دراسته عن الحلاج، أو هنري كوربان في دراسته عن الفلسفات الفارسية، الإسلامية الفارسية، ولكن عمل فيه قدر كبير جدًا من البحث والتنقيب والموضوعية. يعني يجب الاعتراف بذلك. ومن الطرف الآخر هناك الكثير من العرب الذين درسوا التراث مع مسافة فعلية، يعني مثلًا بالنسبة للسِّيرة والفترة المحمدية عمومًا، هناك لهشام جعيط كتابه في جزئين عن السيرة الذي يعتمد مسافة فعلية مع المصادر وتنقية للمصادر وتمحيصًا للمصادر واستبعاد الخُرافي منها، وإلى آخر ذلك مما هو من متطلبات إنتاج المعرفة العلمية، ولو أنه في ناحية من النواحي اختار أن يتّخذ موقفًا أخلاقيًّا في دراسته للفتنة الكبرى، ولكن هذا لن يمنع على الإطلاق من أن تكون هناك فائدة فعلية وقيمة فعلية علمية لهذا الكتاب.

تجد نفس الشيء لديّ أنا، ولدى الكثير من الآخرين، وهناك الكثير من الآخرين الذين يكتبون في التراث بتجرّد، ولكن بتجرُّد عدائي، هناك الكثير من المُساجلة، الكثير من المساجلة عند بعض المؤرخين العرب في العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة، وكثيرٌ منها كتابة فضائحية حسب ما أرى، المهمّ نستبعد ذلك.

عدنان: تستبعد كلّ الكتابات التي تنطوي على مقاصِد دفاعية وسجالية نابعة من إشكالات مُتوهَّمة؟

العظمة: نابعة من إشكالات متوهّمة، البعض منها ليس نابعًا من إشكالات متوهّمة، ولكنه قائم على استخلاص الفضائح من التاريخ، وهي كثيرة؛ تاريخُنا وتاريخ جميع الأمم مليء بالفضائح وبالموبقات وإلى آخر ذلك، ليست التواريخ ملائكية، ليس هناك تاريخ ملائكي.

عدنان: الحياة، يعني حتى اليومي، كلّها فضائحي، ولهذا لدينا صحافة خاصّة بالفضائح.

العظمة: صحيح، صحيح. فيمكن أن تعتبر هذا الكلام الفضائحي نوعًا من الصحافة القائمة على تقارير حول الفترة المحمدية وما قبلها وما بعدها وإلى آخر ذلك، فبالتالي قضية المسافة أساسية جدًّا. أما عن المستشرقين عمومًا، كما قلتُ قبل قليل، هناك عمل علمي جدّي، وهناك تأويل مبني على نتائج العمل العلمي، ثم هناك تأويل مزدوج ينطوي على فرض تصوّرات معيّنة على ما ينتَج من البحث العلمي، شايف كيف؟ فهذه ثلاثة مراحل أو ثلاثة مستويات من البحث والتأويل يجب أن نأخذها دائمًا بعين الاعتبار.

لننظرْ على سبيل المثال، أعطيك مثالًا، وهو فترة ما بعد هجوم القاعدة على نيويورك؛ نجد في تلك الفترة اتساعًا اجتماعيًّا لمعارف معيّنة عن التاريخ العربي، وهي معارف قائمة على ما يُدعى بالمدرسة الشّكية التي تشكّ في مصداقية المصادر العربية، بل تعتبرها أنها كلّها مختلقة، كلّ المصادر مختلقة، وتعطف على ذلك نقطة أخرى وهي أن الإسلام والقرآن نشآ من الأديان التوحيدية السابقة عليهما، وأنه نوع من التلفيق بين الأديان المختلفة، فبالتالي عملية غشّ تاريخية عمليًّا. فتجد أن هذه النظرة، التي صدرت عن بحوث علمية جدّية، أصبح لها مجال للانتشار في الصحافة وفي دوائر صنع السياسة، وعلى وجه الخصوص في أمريكا، في الأوساط الإنجيلية، هناك الكثير من الكتابات التي نراها اليوم مُنتَجة بهذه الروحية، ومن الأمور الأساسية فيها اعتبار أن العرب بما أنهم مخلوقات غريبة وخارجة عن سياقات التاريخ كلّها، فبالتالي يجب أن تكون المصادر التي تتناول تاريخهم السابق لا بد أن تكون مصادر غريبة، فبالتالي من غير الممكن التعامل معها، وبالتالي يجب استبعادُها من مجال النظر.

فترى كيف أن بعض الحوادث وعمليات التأويل المزدوج ممكن أن تُبنى على عمل علمي، ولكنها تؤدي مهامّ إيديولوجية. وفي واقع الأمر لأن ذلك كان فترة “حرب الحضارات” تؤدي إلى حروب وتؤدي إلى تفكير في الاستراتيجية الدولية استنادًا إلى التّعادي بين الأمم، أو بين الأديان بالتحديد.

 

الاستشراق بعد 11 سبتمبر: صناعة المعنى في زمن الخوف

عدنان: صحيح، صحيح. ولهذا ربما، وأنت تعود طبعًا إلى 11 سبتمبر وما إليه، هذا هو، ما نسمّيه نحن في هذا البرنامج استشراقًا، هو تحديدًا قوة هذه الأفكار التي تصير رائجة ومؤثرة ومتعددة القنوات وتصلُ طبعًا إلى الجمهور العامّ، تُوسِّع قاعدة المؤمنين بها، فتمرّ من استشراق الإنتاج إلى استشراق التوزيع. وهنا أريد أن أُسائِل مفهوم “استشراق القطب الواحد” الذي أتيت به وسمعتُه منك في إحدى الندوات: في ظلّ هذا النظام المعولم، كيف صار لنا استشراق ذو قطب واحد أو أحادي القطب؟ ثم ما دور الإعلام في الترويج لهذا الاستشراق الجديد؟

العظمة: على كلّ حال، أنا لا أعتقد أن هناك استشراقًا، يعني بأي معنى “استشراق قطب واحد”؟

عدنان: والله هذا سؤالي لك.

العظمة: فعلًا، أنا غير فاهم هذا الكلام، يعني أنه لا يوجد استشراق في العالم غير الاستشراق الأمريكي؟ غير صحيح، والاستشراق الأمريكي أيضًا متعدد المشارب، ومتعدد الاتجاهات، وهناك اتجاهات متعاطفة جدًّا، نحن تكلمنا عن التعاطف الآن، متعاطفة جدًّا مع قضايانا بكلّ معنى الكلمة، وبعض منهم من اليهود، ويكتبون عنّا ويدافعون عنّا أكثر مما يدافع الكثير من العرب عنّا. على كلّ حال، هذا يجب الاعتراف به، فبالتالي هذا استشراق متعدّد المشارب، وليس هناك موقع واحد هو الولايات المتحدة. ولكن الذي نتج في الواقع في الولايات المتحدة هو شبكات توزيع هذه التأويلات التي تكلمت عنها قبل قليل. انتشرتْ من الولايات المتحدة. ومعروف من عمل على ذلك. برنارد لويس وتلاميذ برنارد لويس في جامعة برينستون، ثم اتّسع هذا المجال من المجال الأكاديمي إلى مجال الثقافة العامة، وتتغلغل في مجالات الثقافة العامة والخطاب العامّ الذي اقترن، وعلينا الاعتراف بذلك.

هذا ليس فقط عداءً من الآخر لنا، يعني يجب ألّا نقلّل من شأن هجمات 11 سبتمبر وأثرِها على الناس، على عموم الأمريكيين، وعلينا ألّا نقلّل من شأن الهجمات الإرهابية في أوروبا على الأوروبيين، ومن الهجمات الإرهابية في بلادنا نحن علينا جميعًا، علينا ألّا نُقلّل من ذلك، ولا نقول هذا لأنهم يكرهوننا. لا، قد يكون هناك شيء من عدم استذاقة المسلمين، ولكن تضاعَف أثرُ عدمِ الاستذاقة هذه من الأعمال التي أداها الكثير من المسلمين في أوروبا وفي الولايات المتحدة، ليس هناك ملائكة في هذه القضية.

ولكن المهمّ الذي أريد أن أكرره هو أن مجال انتشار هذا الخطاب توسّع إلى درجة بالغة بعد هجمات 11 سبتمبر، وما زال في التوسُّع، وأصبح الآن بإمكاني القول مُتوطّنًا في الثقافة العامة الأوروبية والأمريكية.

عدنان: هو أحيانًا ما يحصل معنا فعلًا كما تفضلت، 11 سبتمبر كان حدثًا رهيبًا، أشياء كثيرة إرهابية تحصل هي رهيبة في ذاتها بغضّ النظر عن أين تقع، ومع من تقع، حتى مثلًا جرائم داعش هي جرائم فعلًا مثيرة لاشمئزاز للكل. ولكن..

العظمة: وللخوف.

عدنان: وللخوف، ولكن تخاف أكثر حينما تعرف بأن داعش صناعة أمريكية.

العظمة: يعني صناعة أمريكية، ولكن الدَّواعش، أعداد العرب فيهم غير قليلة. أنا تكلمت قبل قليل عن التواطؤ، عندما نقول إن هذه المجموعة أو تلك صناعة أمريكية، قد تكون صناعة أمريكية، يعني المخابرات إن كانت أمريكية أو من دول عربية مختلفة متداخلة مع بعضها البعض.

عدنان: كلام صحيح. هناك أشخاص يقولون مثلًا: هؤلاء الناس، لماذا مثلًا ولا مرة لم نر داعش تواجه مثلًا إسرائيل أو تهاجم إسرائيل؟

العظمة: إن كان داعش أو كانت هيئة تحرير الشام، غير معنيين بالقضية الفلسطينية، لأن هذه حركات إسلامية لا تروم أساسًا الدفاع عن قضايا التحرر والديمقراطية في سوريا، هي في سوريا لأنها تريد أن تنشئ دولة إسلامية، والدولة الإسلامية لا جغرافية لها، بالغة التوسع، هناك دابق، ثم هناك القسطنطينية، وهناك روما، هذا المخيال الجهادي لا علاقة له بأرض معيّنة. فعلًا لا علاقة له بأرض معيّنة.

عدنان: يعني لا علاقة له ويقفز على فلسطين ويقفز على القدس.

العظمة: لا، القضية الفلسطينية لا تعني الكثير، فعلًا لا تعني الكثير لهم، لأن القضية الفلسطينية قامت أساسًا في سياق الفكر القومي العربي بمعناه الأعرض، والتضامن العربي بمعناه الأعرض، والتضامن السوري، يعني الشامي إن أحببت، إن أحببنا أن نستعمل..

عدنان: أو السوري باللفظ القديم يعني..

العظمة: لا، لا، لا، لا، لا، هذا ليس اللفظ القديم، اللفظ القديم هو الشامي، ولكن هذه جغرافية داعش، داعش تتكلم عن الشام، وهيئة تحرير الشام تكلمت عن الشام. أما المُعتمَد اليوم فهو سوريا، شايف كيف؟ لا علاقة لهم فعليًّا بالأرض وبالقضية الفلسطينية. وعندما ابتدأت الاعتداءات الإسرائيلية بعد استيلاء هيئة تحرير الشام على الحكم في دمشق، لم تكن هناك ردود فعل. حتى أن محافظ دمشق في ذلك الوقت، وحسب ما أعتقد، هو زوج أخت رئيس الجمهورية، قال…

عدنان: الرئيس السابق قصدك؟

العظمة: الرئيس الحالي، الرئيس الحالي، قال: إنه يعني هذه قضايا صغيرة، يعني يبدو أن الإسرائيليين متوترون قليلًا، أو يخافون منا، فما عليهش. لا حساسية لديهم للقضية الفلسطينية.

ولكن على كلّ حال، هذا موضوع آخر، يعني لنرجع إلى قضية الاستشراق.

عدنان: لا، علاقته بقضية الاستشراق، هو هذا، هو أن هناك تداخلًا ما بين أحداث ووقائع تجري فوق الأرض العربية، تحسّ بأنها غير مفصولة عن استراتيجيات تُصنع في مكان آخر.

العظمة: تُصنع في مكان آخر..

 

استشراق ما بعد 11 سبتمبر

عدنان: تحسّ فعلًا أنه.. لأن خطورة المعرفة الاستشراقية، ولماذا نسائلها نحن اليوم، أو على الأقلّ نسائل ما يعلَقُ بها من ترابطات ومخططات وخلفيات، يعني لها علاقة إما بالاستعمار في فترة سابقة أو بالإمبريالية فيما بعد، هو أن تحسّ بأن اليوم تطورت الأمور أمامنا وصار عندنا استشراق جديد، تفضلتَ بالحديث عنه الآن، كيف أنه الآن في أمريكا استشراق جديد ومؤثر، على الأقل في الرأي العامّ الأمريكي والغربي بشكل عامّ. فأنتج لنا مرحلة جديدة ما بعد كولونيالية، ولعلها مرحلة مُفارقة إلى الاستشراق الذي درسه إدوارد سعيد وأنور عبد المالك وغيرهما، سؤالي هو: ألسنا في حاجة اليوم إلى نقد جديد لهذا الاستشراق الجديد؟

العظمة: لا أعتقد أن هناك الكثير من الجِدّة في هذا الاستشراق الحديث، لأن هذا الاستشراق المتجدد هو في الواقع تجدد بعد 11 سبتمبر، وتجدد بمعنى أنه استعاد بعض المُسبقات التي كانت موجودة في العالم في عالم الدراسات الشرقية في القرن التاسع عشر، فهذه نظرة بالغة التخلف حتى في إطار إنتاج المعارف الشرقية أو المعارف التاريخية عن الشرق في المعاهد الشرقية في جامعات أوروبا. ولكن، دعنا لا ننسى أيضًا شيئين: أولًا، ذكرت داعش، دور ممارسات داعش في نشر هذه الصورة، لأنها كانت أفضل إعلان للتأكيد على هذه النظرة البالغة السلبية تجاه العرب وتجاه المسلمين والإسلام. سأقتصر على ذلك في هذه النقطة.

أما البواعث، أما التدخل الأجنبي في إنشاء هذه المجموعات، لنعُدْ إلى هذا الموضوع، طبعًا هناك تدخُّل أجنبي، هناك أجهزة تعمل، ولكن لم تكن فقط الأجهزة الأوروبية والأمريكية، هناك أجهزة تركية، هناك أجهزة تابعة لدول عربية دخلت أيضًا في تشكيل هذه الفئات. فلا يمكن أن نعزو ذلك، أولًا إلى مؤامرة خارجية، لأنه كان هناك استعداد داخلي، للدخول فيها. ولا يمكن أن نعزوها إلى طرف واحد. لأن الجميع دخل في هذه اللعبة.

 

ترامب والعولمة المتوحشة: هل فوجئنا فعلًا؟

عدنان: هو التاريخ هذا منطقه، لأنه حتى الذين يتحدثون عن فتح الأندلس ويربطونه بدخول طارق بن زياد في يومٍ بعينه عبر المضيق، لا يكفي، كان هناك طبعًا تفاعُل ما بين ضفّتي المتوسط، وفيه تجارة، وفيه كذا..

العظمة: بكلّ تأكيد.

عدنان: الأحداث طبعًا، وأنت سيد العارفين، لا يمكن مقاربتها باختزال. فقط نحن نعطي عناوين، داعش هي مجرد عنوان، وأنت كمؤرخ ومفكر مخضرم، عشت تحولات وعناوين كثيرة، عشت الحرب الباردة حتى نهايتها في عام 1989، انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. ألا ترى أننا اليوم نعيش لحظة فارقة من لحظات التاريخ؟ هذه العولمة السعيدة التي قادتها أمريكا، عولمة الاستقرار السياسي بين قوسين، الرّخاء الاقتصادي، حرية التجارة، حرية التنقل، ألا ترى أن تحولات جديدة حملتها ولاية ترامب الثانية تضعُنا إزاء وجه جديد للعولمة، وجه بشع، متعجرف، احتكاري، نفعي، مصلحي، شعارُه “أمريكا أولًا”؟

العظمة: طيب شعار “أمريكا أولًا” هذا تنويع على ممارسات قديمة، تتكلم عن التدخلات المباشرة والعجرفة وإلى آخره، لم تبدأ القضية منذ بدايتها: كوريا، فيتنام، إندونيسيا، أمريكا اللاتينية..

عدنان: العراق.

العظمة: ثم أفغانستان، ثم العراق، هذه سلسلة مستمرة ليس فيها جديد نوعيًّا، قد تكون هناك تنويعات بأشكال مختلفة في ظلّ ترامب، غير واضحة المعالم بعد، في مدى السماح لها بالتمادي. هذا الموضوع ما زال غير واضح بأعيننا، فبالتالي وجه الجدة أعتقد مُبالغ به، يعني الكثير، خصوصًا الأوروبيين، استغربوا ترامب، قالوا: ما هذا؟ غريب، يعني وكأنهم  لم ينظروا إلى اليمين ولا إلى اليسار ولا إلى الخلف، وكأنهم فوجئوا، وهذا أمر غريب جدًّا، ونفس الشيء لدينا هنا.

عدنان: لكن يحقّ للأوروبيين أن يفاجؤوا، لأنه كان عندهم جيش اكتشفوا أنه ليس جيشهم، كان فيه حلف أطلسي يحميهم، ويعتقدون بأنهم مُكتفون عسكريًّا بهذا الحلف، فسُحب هذا الحلف من تحت أقدامهم، ووجدوا أنفسهم إزاء خطر.

العظمة: كان لديهم سنوات من المعرفة بهذا الأمر أو على الأقلّ استشعار قدوم هذا الوضع الجديد ولم يستعدُّوا. يعني لن ندخل في نقاش الآن حول الاتحاد الأوروبي، وخارج عن مجال بحثنا اليوم.

عدنان: صحيح كانت لديهم معرفة بذلك ولم يستعدوا، لأن الاستعداد هو تحويل المعرفة إلى شيء آخر يضيء التاريخ.

العظمة: أو إلى سياسة.

عدنان: أو إلى سياسة. ونحن بين المعرفة والسياسة والمعرفة والإيدولوجيا، كنت سعيدًا بمطارحتك كل هذه المواضيع في فضاءٍ لم تكن مرتاحًا لعناوينه الأساسية، ولكن أرجو أنك ارتحت لديناميّة النقاش.

العظمة: أشكرك جدًّا على ديناميّة النقاش التي أحييتها بشكل نموذجي، ألف شكر لك.

عدنان: الله يبارك فيك دكتور عزيز، شكرًا على حضورك بيننا، وأنتم أعزائي عزيزاتي إلى اللقاء..