Skip to content Skip to footer

الاستشراق الوبائي.. كيف تشكّل العنصرية سياسات الصحة العالمية؟ مع د. عبد النور خراقي

كيف أسس الاستعمار لسياسات صحية تمييزية؟

عدنان: أعزائي عزيزاتي، أهلا وسهلا ومرحبا. يعد كتاب “الاستشراق الوبائي” لمؤلفه ألكسندر وايت دراسة عميقة تتناول العلاقة المعقدة بين الطب والسياسة الصحية والاستشراق، مسلطة الضوء على الكيفية التي صيغت بها الاستجابات للأوبئة تاريخيا وفقا لرؤى استعمارية تمييزية. ويتتبع الكتاب تطور التشريعات الصحية الدولية منذ نشأتها، كاشفا عن الأسس الثقافية والسياسية التي شكلت تعامل القوى الاستعمارية مع الأمراض في المناطق غير الأوروبية.

ليخلص المؤلف إلى أن التصورات الغربية عن الصحة والمرض لم تكن محايدة، بل شكلت جزءًا من منظومة أشمل ترمي إلى ضبط المجتمعات المستعمرة وإعادة تشكيلها وفقًا لمعايير الهيمنة الغربية. ويقدم الكتاب قراءة نقدية لدور منظمة الصحة العالمية في تكريس هذه الأنماط من التصورات حتى بعد انحسار الاستعمار التقليدي. كما يتناول الكيفية التي تم بها تصوير بعض المناطق في الشرق وإفريقيا وآسيا باعتبارها بؤرًا دائمة للأوبئة.

مما سوغ فرض أنظمة رقابة صحية قسرية وسياسات تدخلية ذات طابع سياسي واقتصادي أكثر منه طبي بحت. كما يحرص ألكسندر وايت على إعادة تعريف مفهوم الاستشراق في سياق الصحة العامة. إذ لم يعد الاستشراق في هذا الكتاب مجرد خطاب أيديولوجي حول الشرق، بل اتسعت مساحة دلالته وقوة ضغطه ليصير أداة تنظيمية تؤثر في المسارات المتعلقة بالسياسات الصحية والنظم الطبية.

للاقتراب أكثر من هذا الكتاب الهام الذي ترجمه إلى العربية مؤخرا الأستاذان عبد النور خرّاقي وعبد الرحيم فاطمي. يسرنا أن ندعو لهذا اللقاء أحد المترجمين.

الدكتور عبد النور خراقي، مدير مختبر التواصل التطبيقي، ورئيس خلية بحث في الدراسات الثقافية والترجمة بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة محمد الأول بوجدة، والمترجم الحاصل على جائزة المغرب للكتاب سنة 2015، وجائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز للترجمة عام 2022.

سيد عبد النور أهلا وسهلا ومرحبا بك.

خراقي: شكرا جزيلا أخي عدنان وأشكرك جزيل الشكر على هذه الضيافة الطيبة. كما أشكرك كثيرا على إصرارك على أن يخرج هذا الكتاب إلى النور. كنت دائمًا تسألني عن تطورات الترجمة، فالحمد لله.

عدنان: صحيح من يوم حدثتني عن الكتاب وأهميته، ربما حتى كنت قلت لك سبّقه، كانت لديك مشاريع أخرى فقلت لك أرجوك أريد هذا الكتاب.

خراقي: هناك أشياء كثيرة فوق الطاولة ولكن نزولًا عند رغبتك.

عدنان: وأنا يسعدني تفاعلك وتسعدني استجابتك ومرحبا بك لكي نناقشه اليوم في “في الاستشراق”. ورد في التقديم سيد عبد النور أن كتاب الاستشراق الوبائي ليس مجرد تحليل تاريخي. بل هو دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها الصحة والمرض في سياق العلاقات الدولية. وكتاب يكشف عن التداخل العميق بين المعرفة والسلطة. ويقدم رؤية نقدية لكيفية استمرار الموروثات الاستعمارية في تشكيل الواقع الصحي العالمي اليوم. كيف ذلك؟

خراقي: أولا يجب أن أطلعك على طرفة، كنت أشتغل على الاستشراق وتذكرت عبد الرحمن بدوي رحمه الله وحسن حنفي. فقلت لو كان بيننا لقال من الأحسن أن تدرس هذا الكتاب، من ناحية كونه وباءً، يعني الاستشراق كونه وباءً، لأن عبد الرحمن بدوي وحسن حنفي على ما أعلم لهما نظرة سلبية عن الاستشراق وأهدافه. فربما سيقولان الاستشراق وباء. يعني بدلا من تعريفنا لهذا المفهوم الجديد الذي يتناول علاقة الغرب بالشرق من ناحية صحية.

فقبل أن أتحدث عن أو قبل أن أجيب على سؤالك، فأنا أرى أن نفكك العنوان، عنوان الكتاب، لأن بعد تفكيكه يتبين لنا الأهداف التي وراء أطروحة ألكسندر وايت. فعنوان الكتاب هو “الاستشراق الوبائي”. هذه العبارة الأولى. العبارة الثانية هناك رأس مال، هناك إشارة للأوبئة، وهناك عرق. يعني كل هذه المفاهيم مجتمعة تعطي لنا مفهوم الاستشراق الوبائي. فالاستشراق الوبائي معناه تلك الرؤية أو ذلك الخطاب الذي يتبناه الغربي حول الذات الأخرى، حول الشرق الذي هو دائمًا موبوء، هو دائمًا سقيم، هو دائمًا عليل، في مقابل الغرب الذي هو دائمًا معافى وسليم.

إذن هو خطاب استعلائي، هو خطاب ثنائي كما هو الحال بالنسبة للاستشراق..

عدنان: ثنائيات الاستشراق الشهيرة.

خراقي: الاستشراق كما نعلم، وكما يعلم الجميع هو دراسة للفنون والآداب..

عدنان: والعلوم والمجتمع والمجتمعات الشرقية بشكل عام.

خراقي: هو ميدان، وأنا يعجبني هنا تفطن مفخرة المملكة المغربية عبد الإله بلقزيز لما قال إن الاستشراق ميدان، يعني التعريف مهم في ميدان الاستشراق. فقال هو ميدان لم يقل مدرسة، لأنه هو ميدان لأنه ميدان كبير، هو يضم مدارس: المدرسة الفرنسية، المدرسة الأمريكية، البريطانية..

عدنان: الهولندية، مختلف المدارس..

خراقي: ولكلّ أهدافه من وراء البحث في الاستشراق. فعودة إلى العنوان، فالعنوان فيه كلمة عرق، بمعنى هناك تفوّق عرقيّ يرى الوباء موطنه الشرق، وهناك ذات سليمة معافاة هي التي يخوّل لها أن تدير هذا المرض، هي التي يخوّل لها بعلمها بمعرفتها بسلطتها، هي التي لها الوصاية كي تقضي على هذا الوباء، وهناك كلمة رأس مال: أنا أدير هذه الأمراض ليس فقط بالمجان، أنا أدير هذه الأوبئة..

عدنان: بموازنات مالية.

خراقي: بأنّك يجب عليك أن تدفع، يجب أن تدفع لأحميك، من كلّ شيء، أحميك من عدوّ، أحميك من وباء، أحميك.. فهذه هي إدارة الأمراض المعدية أو الأوبئة. فلما أدير هذه الأمراض يجب أن تدفع مالًا، ويجب أن أتزوّد بالمعادن النفيسة التي تمتلكها، وهذا ما جرى في القرن التاسع عشر، وحتى القرن الرابع عشر، والقرن الثامن عشر، فكان الغرب يتوجّه إلى هذه الأماكن أو المواقع الموبوءة، ويتزوّد منها من الموادّ النفيسة، مزوّدًا هو بعلمه، وهذا العلم هو الذي يخوّل له السيطرة، والذي يخوّل له الإدارة.

 

لماذا الربط بين الاستشراق والوباء؟

عدنان: نعود إلى مفهوم الاستشراق دائمًا، وأعود إلى ربط ألكسندر وايت في الكتاب ما بين الاستشراق والوباء، يعني مثل ما تفضلت الآن في هذه التوطئة، سؤالي هو: لماذا هذا الربط؟ هل بسبب ما ركّز عليه إدوارد سعيد من تلازم ما بين القوة والمعرفة في السياق الاستعماريّ؟ أم ربما لحرص الكاتب على توضيح كيف تعمل الأفكار على إنتاج التأثيرات المادية من خلال توظيف الخطاب في ممارسات السيطرة، وفق المعرفة العلمية بشدة؟ تطبيق المعرفة العلمية كان تطبيقًا شديدًا قد يبلغ أحيانًا درجة القمع في مجال مكافحة الأمراض المعدية على المستوى الدوليّ.

خراقي: نعم أخي عدنان، هناك علاقة وطيدة بين المعرفة وبين السلطة أو ممارسة السلطة، وهذا قال بها فوكو من قديم، طبعًا قال بها الكثير قبله، لكن هو أسس لها ونظّر لها فلسفيًّا بشكل عميق، فهذه العلاقة يجب أن نربطها بعلاقة إعادة تشكيل المعرفة، فالآن من الذي يعيد تشكيل المعرفة؟ الإعلام، قديمًا كان الفلاسفة. نحن في عهد الإغريق والرومان والقرن التاسع عشر، الفلاسفة هم الذين يحددون، بل إنه حتى الفلاسفة، كنا نحترمهم، ولكن عندما نتفحّص التاريخ فأقول إن التاريخ أستاذ مؤدّب ومخزون لا ينضب، وإذا استنطقناه لا يكذب، بمعنى لو تحدّثنا إلى التاريخ لأجابنا بكلّ صراحة: من هم هؤلاء الفلاسفة الذين حرّضوا الغرب على الشرق؟ فنرى العديد: نرى مونتسكيو، نرى فولتير، نرى هيغل، يعني فلاسفةً كنا نحترمهم..

عدنان: ولا نزال..

خراقي: ولا نزال ولكن في هذه الجزئية من الجوانب في الحقيقة لا نحترمهم، حتى أن كارل ماركس وإنجلز شجّعا على استعمار الجزائر واستعمار الهند.

عدنان: في طفولتهما الفكرية، فيما بعد، انتبها إلى خطورة الاستعمار وبدآ يأخذان مسافةً منه. ولكن فعلا أنا معك: شجّعا وبرّرا استعمار الهند والجزائر وما إليه، هذا صحيح.

خراقي: كيبلينغ حتى هو برّر الاستعمار البريطاني للهند، بالعكس هو كان سيد الإمبريالية البريطانية، هذا كيبلينغ هذا. وهذا كيبلينغ لديه قصائد جميلة جدًّا، هو الذي قال في قصيدته We and They:

Father, Mother, and Me,

    Sister and Auntie say,

All the people like us are We,

    And everyone else is They.

يعني هذا الشرخ ما بين هم ونحن.

عدنان: صحيح.

خراقي: يعني كان قديمًا ولا يزال، كان مع هيرودوتوس، كان مع هوميروس، هم الذين أسسوا للهمجية والتحضّرية، هم الذين قالوا بأن الفرس همج، وأن الغرب متحضّر، وبعد ذلك يأتي العديد من الفلاسفة: أبقراط مثلًا، أبو الطب هذا أبقراط، كان يقول من ذلك التاريخ، هو الذي كرّس أننا كشرق موبوؤون، وأننا ضعفاء وغير شجعان، وأن الشرق سليم..

عدنان: وأن الغرب قصدك.

خراقي: وأن الغرب سليم وشجاع. أبقراط أبو الطب هذا، يعني لابدّ من استقراء التاريخ، لأن التاريخ يعطينا العديد من الحقائق التي نفهم بها الواقع.

 

كيف وسع ألكسندر وايت مفهوم الاستشراق؟

عدنان: صحيح، إذن التاريخ من جهة، وهناك الجغرافيا من جهة أخرى.

خراقي: نعم طبعًا، التاريخ والجغرافيا لا ينفصلان.

عدنان: وأنا سأطرح ربما السؤال بشكل أوضح: كيف وسّع ألكسندر وايت تعريف الاستشراق الذي جاء به إدوارد سعيد؟ وكيف وسّعت نظريته حول الاستشراق الوبائيّ مدار إدوارد سعيد جغرافيًّا على الأقلّ؟ لأن الاستشراق الوبائيّ سيتجاوز الشرق وآسيا إلى إفريقيا السوداء وأمريكا اللاتينية.

خراقي: هذا من مساهمات ألكسندر وايت، يقول في معرض حديثه عن نظرية سعيد إنّه استفاد منها أيما استفادة، ويقول إنّه أراد أن يوسّع أكثر لكي تشمل ليس فقط الصين واليابان والكوريتين يعني الشرق والعرب، بل يجب أن تشمل كذلك إفريقيا. ألكسندر وايت إفريقيّ يعني إفريقيّ أمريكيّ، يعني يتحدث بحرقة في ذلك الكتاب.

عدنان: أمريكيّ من أصول إفريقية، نعم.

خراقي: هو أمريكيّ من أصول إفريقية، وهو يتذكّر تجارة الرقيق ويتذكر المعاناة التي مرّ بها أجداده، فيحاول أن يوسّع رقعة الذات الوضيعة، يعني شمال إفريقيا، إفريقيا الوسطى، أمريكا الجنوبية، وكلّ من يخالف رؤية الغرب، فهذه الرؤية لألكسندر وايت هي رؤية شاملة، ولكن إذا تأمّلنا فيها سنرى أنها أو أننا ملزمون أن ندخل إفريقيا ضمن نسيج الشرق، لماذا؟ لأن في إفريقيا مسلمين كثر، ولهم ثقافة مشرقيّة، فلا بدّ وأن تدخل في هذا الإطار، الذات المُهيمَنة في مقابل الذات المُهيمِنة، هذا يعني باختصار المساهمة التي قدّمها ألكسندر وايت، إضافةً إلى مساهمة طبعًا…

عدنان: صحيح، لأن فكرته عن جغرافيا، مثل ما تفضلت، ممكن أن تصير إفريقيا جزءًا من الشرق على أساس أن ما يعنيه ليس الشرق كحيز جغرافيّ، وإنما هو معنيّ بالعمق الأسطوريّ للشرق والاستشراق.

خراقي: الفكرة، الخطاب..

عدنان: الخطاب، وحتى تلك الرؤية الأسطورية التي بلورها هذا الخطاب لعالم غربيّ صحيّ يحتاج إلى حماية من باقي العالم الموجود.

خراقي: هذه فكرة تتكرر من بداية الكتاب إلى نهايته: أن هناك أسطرةً للجانب الغربيّ، وهناك حرص كبير من أن يبقي العالم..

عدنان: باقي العالم.

خراقي: يعني العالم الغربيّ، أن يبقيه في حماية..

عدنان: حماية ممن؟

خراقي: من الأمراض.

عدنان: ولكن الأمراض تأتي..

خراقي: والأمراض تأتي من الآخر.

عدنان: لأنه هناك ثنائية الغرب وباقي العالم، هذه هي الثنائية الجغرافية الجديدة التي يتحدث عنها الكتاب.

خراقي: نعم، نعم.

عدنان: ليس شرق غرب، غرب وباقي العالم.

خراقي: نعم وباقي العالم. هذا التقسيم قام به هيرودوتوس منذ القديم: الغرب من جانب وما تبقّى شرقه، هذا له أصول يونانية. الآن كلّ ما نشهده في الغرب هو من أصول يونانية. أفتح القوس: هناك من شكّك حتى في التراث اليونانيّ، لما درس ورأى بأنّ فيه عنصريةً في التاريخ العميق للدول الغربية، قال: إن التراث اليونانيّ لا ينتمي إلى التراث اليونانيّ، وليس لمعجزة. هناك كتاب مثلًا The Black Athena ، معروف هذا The Black Athena.

عدنان: أثينا السوداء كتاب بالغ الأهمية.

خراقي: أثينا السوداء، يقول فيه صاحبه.

عدنان: مصر، أهمية دور مصر، يتحدّث عن دور مصر في صناعة الفكر..

خراقي: Afro-asiatic Roots (الجذور الأفرو-آسيوية). قال إن كلّ ما قدّمه اليونان إنما هو من:

عدنان: الفرس والمصريين..

خراقي: الفرس والمصريين وآسيويين، يعني Afro-asiatic Roots ..

عدنان: الجذور الأفرو-آسيوية..

خراقي: الجذور الأفرو-آسيوية..

عدنان: للحضارة اليونانية.

خراقي: نعم. Black Athena بمعنى Black Africa يعني إفريقيا السوداء.

عدنان: هو يريد أن يقول أثينا السوداء..

خراقي: نعم أثينا السوداء..

عدنان: على أساس هذه الجذور التي تفضلت بالإشارة إليها. يعني التاريخ مهمّ في هذا الباب.

عدنان: مهمّ في أنه يفكّر في أشياء كثيرة، ويعيدها إلى أعراق وما إليه. ولكن المشكلة هو حينما تتحول هذه الاعتبارات العرقية إلى عنصرية، هذا هو الخطير، لأنه حينما تعود إلى التاريخ مثلًا، دائمًا في موضوع الأوبئة، التاريخ يوضح لنا كيف صُرفت مجموعة من المواقف العرقية العنصرية كلّما تعلق الأمر بوباء جديد. مثلًا الكتاب يذكر بحرق اليهود وطردهم من المدن الأوروبية في إطار..

خراقي: في القرن الرابع عشر..

عدنان: طبعًا تصدير الطاعون في القرن الرابع عشر.

 

كيف تتفشى النزعات العرقية مع تفشي الأوبئة؟

عدنان: أنا عندي سؤال: هو لماذا تتفشّى بالضبط هذه النزوعات العرقية كلما تفشّى وباء جديد؟

خراقي: في الحقيقة أخي عدنان، هي العنصرية متجذّرة قبل الوباء، وأعطيك مثلًا من الكتاب من كيب تاون في جنوب إفريقيا، فقبلها كان محافظون متطرفون بيض في كيب تاون كانوا يكرهون السود، مع العلم أنهم كانوا يعيشون في كيب تاون بسلام وأمان، ولما جاء الطاعون تأجّجت تلك العنصرية، وأصبحت أكثر من ذي قبل، وكانت فرصةً، للتخلص من شعوب كيب تاون، فصار هناك عزل وتقتيل، حتى أن أطباء من بريطانيا أسّسوا لهذا الفصل، قالوا: لا بدّ من هذا العزل لأن في ذلك صفاء ونقاء للعنصر الأبيض، لأنه في بعض الأحيان كان هناك تزاوج، لكن بعد ذلك صار فيه عنصرية، وصار فيه عنف، وصار فيه فصل.

 

ما هو دور الأوبئة في تأسيس نظام الأبارتهايد؟

عدنان: المثال الذي سأعطيه في الواقع ربما يخدم فكرتي أكثر، ويؤكد على أنه.. صحيح أنه كان هناك طبعًا، كان هناك عنصرية يمكن في كيب تاون على الدوام، يعني في طيلة الزمن الاستعماريّ لها، ولكن الكتاب دائمًا يقول بأن هناك كيب تاون لم تعرف في زمن الاستعمار البريطانيّ تلك التفرقة العنصرية الحضرية الممنهجة إلا مع تفشي وباء الطاعون بها. يعني الاستشراق الوبائيّ يمكن القول بأنّه ربما كان المسؤول الأول والمباشر على قيام نظام الأبارتهايد.

خراقي: أنا أوافقك، هذا النظام الأبارتهايد كانت أصوله في القرن التاسع عشر، لما كان هناك وباء، وكان هناك حجر صحيّ، وكان هناك فصل، يعني ذاك الفصل رافق هذه المدينة حتى الآن، يعني العنصرية والمحسوبية، والآن يطالبون بالحكم الذاتيّ إلى يومنا هذا..

عدنان: والعجيب هو أنه يعني كيب تاون عاشت مشكلتها، ومثلما تفضلت ما زالت تعيشها إلى اليوم، ولكن كانت مدن إفريقية أخرى في منطقة غرب إفريقيا، المدن التي استحدثت فيما بعد والتي يمكن أن نعتبرها مدنًا استعماريةً تمامًا سوف تُصمّم أصلًا بطريقة تفرض تفرقةً عنصريةً، وبسبب الوباء دائمًا، وهو الملاريا؛ فلمنع انتشار الملاريا، هذه المستوطنات الأوروبية مثلًا وُضعت على مرتفعات أعلى من تلك التي يسكنها السكان المحليون.

خراقي: نعم لتكريس تلك التفرقة، أمّا الوباء، فالوباء هو سبب فقط..

عدنان: أو ذريعة يمكن.

خراقي: أو ذريعة (pretext)، والغريب أن هذا موجود حتى الآن في الدول الأوروبية، الآن الدول الأوروبية تصمّم مدنها انطلاقًا من مناطق يقطنها المهاجرون ومناطق يقطنها الرجل الأبيض، مع الأسف. الآن في فرنسا بل إن بريطانيا الآن تبحث المشورة من فرنسا لكي تقوم بهذا المشروع. هذه سياسة ممنهجة منذ القديم.

 

كيف تُستخدم الأوبئة كذريعة لتكريس التفرقة العنصرية؟

عدنان: ومنذ الاستعمار، الاستعمار في الواقع انطلق من هذه المخاوف الاستشراقية القائمة حول العرق، وسهّل أشكالًا قمعيةً جديدةً لإدارة السكان، كان يدير السكان بأشكال قمعية انطلاقًا من مخاوف استشراقية، ودائمًا هناك الوباء في الخلفية، دائمًا هناك تهديد غامض لوباء ما، إمّا موجود أو متخيّل أو مرعوبون منه حتى في غيابه.

خراقي: نعم هذا في المخيال الأوروبيّ: أنت دائمًا سقيم، وأنا دائمًا سليم، وأخاف من وبائك، أخاف من أن يمتدّ وباؤك وينتشر في بلدي، وبالتالي يأتي على شعبي.

عدنان: تمامًا، وهنا تنتج خطابًا وتنتج فكرًا. والكتاب في الواقع..

خراقي: فكرًا عنصريًّا.

عدنان: نعم؟

خراقي: فكرًا عنصريًّا.

عدنان: هو فعلا مثل ما تفضلت هو فكر عنصريّ..

 

كيف يؤجّج الإعلام الخطاب العنصري خلال الأوبئة؟

عدنان: والكتاب يفضح مبالغة هذا الفكر الذي تم إنتاجه في مجال الصحة العامة حول الأمراض المعدية في التركيز على العالم النامي، والتمييز -كما قلنا- ما بين الغرب وبقية العالم. لكن المصيبة ليست هنا، المشكلة هي في الخطاب العلميّ الذي يبرّر كلّ ذلك، وفي الكتاب هناك حديث عن علوم طبية عنصرية تم ابتكارها ربما لتسند هذه المواقف الاستشراقية العنصرية.

خراقي: نعم، هناك أطباء يقولون بهذا الفصل ما بين الغرب الطبيعيّ والشرق الموبوء، يعني علميًّا يحاولون أن يدرسوا هذا، حتى استند بعض الفلاسفة إلى هذا العلم، -يعني هذا إذا كان علمًا- حول اختلاف الأجناس البشرية، فهناك كتاب ألّفه أرثر دوغوبينو حول اختلاف الأجناس البشرية، عن عدم المساواة بين الأجناس البشرية (مصطلح فرنسي)، يقول: إن الغربيّ والشرقيّ مختلفان تمامًا، يعني طبيعيًّا، نحن متفوقون طبيعيًّا. وإذا ما تحدثنا على هذا الجانب العلميّ سنرى أن هناك أطباء، في ذلك الوقت يعني في القرن التاسع عشر، من يبرّرون قابلية الشرق للمرض، وللضعف والهوان، وقابلية الغرب للقوة والبسالة والمعافاة، فهذا مع الأسف، وربما هذا يرافقهم حتى الآن.

عدنان: لا طبعًا يرافقهم حتى الآن، ونحن كورونا ليست بعيدةً عنا، لأنه إذا لاحظنا مثلًا أيام كورونا كيف أن أكثر من صحيفة غربية لم تترددْ في نشر الصور الساخرة للعلم الصينيّ، تم فيه استبدال النجوم الصفراء المميزة لهذا العلم بصورة لفيروس كورونا، المقالات، النكات التي كانت تروى في الغرب عن الصينيين، في الوقت التي حتى الولايات المتحدة الرسمية لم تترددْ في إلقاء اللوم على الصين وتحميلها مسؤولية نشر المرض. يعني هنا تحسّ بأنك أمام غرب غير محصّن نهائيًّا عن الردة العنصرية كلما حلّت بالعالم جائحة أو وباء.

خراقي: أتفق معك أخي عدنان في هذه النقطة: نقطة العنصرية التي يؤجّجها في الحقيقة الإعلام، وكما ذكرت مثال النجوم الصفراء التي تزيّن علم الصين استبدلت بصور كورونا..

عدنان: صحيح.

خراقي: يعني قمة العنصرية، وما زلنا نذكر تصريحات الرئيس ترامب (China Virus) (الفيروس الصيني).

عدنان: صحيح: الفيروس الصينيّ.

خراقي: الفيروس الصينيّ، يعني مباشرةً يحملها المسؤولية عن الفيروس. والحقيقة لحدّ الآن لم نعرفْ أصل هذا الوباء، بل لم نعرفْ لحدّ الآن أصل كوليرا، وباء الكوليرا الذي كان في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، لم نعرفْ لحدّ الآن. فكانت هناك نكات ضدّ الصين، كانت هناك سخرية ضدّ الصين، غير أن فولتير نفسه كان يسخر من الزنوج، كان ينعتهم بالقرود، ولعلّ ما يحدث في الملاعب، ملاعب كرة القدم يردّني دائمًا ذلك، هو الذي كان يضحك ويسخر وينعتهم بالقرود، فولتير، وما أدراك ما فولتير!

فأنا هنا أردّ على الغرب، يعني هم يقولون إن الصين قذرة، هذا يقولونه في أدبياتهم. أنا مازلت أذكر مهمة ماكارتني، مهمة ماكارتني هذا كان سفيرًا لبريطانيا في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، في القرن التاسع عشر بالضبط. هو الذي ذهب إلى الصين وطلب منها أن تتاجر معها، وقال له الملك آنذاك، ملك بريطانيا، إذا لم تنجح في مهمة إقناع الإمبراطور بتجارة الأفيون فمهمتك خاسرة. فانظر الأفيون الذي سوف يتسبب في أمراض كثيرة، فهو الذي ذهب إلى الصين واطلع على أحوالها وقال إنهم يبصقون في الغرف، إنهم يفتقرون لدور المياه، إنهم يأكلون الثوم وكذا وكذا.

يعني أنا أرد بثلاث نقاط، النقطة الأولى: إذا كان الغرب يحرص على أن يكون الغرب معافى سليمًا من الأمراض فلماذا (ماكارتني) ذهب إلى الصين ليقنعها بتجارة الأفيون؟ وهذا له ما له من تداعيات على صحة الإنسان، وأرغموه على خوض حرب، حرب الأفيون الأولى والثانية، وهزموه وتمت تجارة الأفيون. إذن من المسؤول عن المرض؟ النقطة الثانية: إذا كانت الصين متخلفة وعاجزة ومريضة فلماذا هبت لنصرة إيطاليا في وقت تخلى عنها الغرب. فلقاح كورونا الصيني هو الذي حد من هذا الوباء الكبير. النقطة الثالثة..

عدنان: أو الرابعة الآن.

خراقي: أو الرابعة، إذا كنتم تقولون إننا قذرون، إننا غير نظيفين، وهذا يتسبب في أمراض جمة، فلماذا كانت باريس في القرن الرابع عشر عاصمة النفايات؟ وكانت تفتقر إلى دور مياه، وكانت تفتقر إلى المراحيض، وكانوا يقضون حاجاتهم في الطرقات في الشوارع. لماذا كان شارل الثالث لا يستحم؟ ويقال إنه غيّر ملابسه فقط ثلاث مرات في حياته. أين هي الآن؟ ويذكر كذلك تقي الدين الهلالي في كتاب قد ترجمه عن مدنية المسلمين في الأندلس، وهو يتحدث عن قشتالة ويتحدث عن الملكة إيزابيلا الثانية، قال إنها لم تستحم، ولم تغير ثيابها لمدة ثلاث سنوات حتى توفيت بالمرض. من هو النقي والنظيف ومن هو المعافى؟ يعني كي تقدم نفسك على أساس أنك متحضر وعلى أنك تصدر لي الحضارة.. أنت تذكر كيبلينغ ماذا قال؟ the white man’s burden الإنسان الأبيض، بمعنى وكأنه يقول لدينا عبء ثقيل هو تحضير العالم..

عدنان: صحيح.

خراقي: تحضير العالم، يعني ويتأسف ويقول يجب علينا..

 

كيف قاد تفاؤل الغرب بشأن الأمراض المعدية إلى الغطرسة؟

عدنان: الغرب بالنهاية، يعني الغرب كانت لديه هذه الفكرة تحضير العالم من جهة وحماية العالم أيضًا، وحماية العالم من الأمراض والأوبئة ما دام هذا هو موضوعنا، وربما كان هناك نوع من الفخر لدى الغرب بعد استئصال الجدري، بعد استئصال شلل الأطفال، السيطرة على داء فقدان المناعة المكتسبة بالإيدز، فكان هناك نوع من التفاؤل بأن عصر الأمراض المعدية قد انتهى، على الأقل بالنسبة لهم بالنسبة للغرب، كيف قادهم هذا التفاؤل -الساذج في الواقع- إلى بلورة قراءة متغطرسة لتاريخ الصحة العامة في الغرب في القرن العشرين؟ وهي طبعًا القراءة التي نسفتها كورونا نسفًا.

خراقي: مسألة مهمة يجب أن نتفق عليها، وهو أن الغرب له أفضال على الصحة العالمية، باختراعاته، بنزعته الحداثية التي جاءت لكي تقهر المرض وتقهر الطبيعة. هم قدموا خدمة كبيرة في مجال الطب. الآن الطب وصل إلى إجراء عمليات أونلاين، يعني عبر..

عدنان: صحيح.

خراقي: لا ننكر ذلك، وقدموا خدمات في إنهاء شلل أطفال، وفي إنهاء زيكا، في إنهاء كوليرا، يعني العديد من الأوبئة. لكن دائمًا هناك قوة فوق قوة الغرب، جاءت كورونا فأرغمتهم على أن يعيدوا..

عدنان: حساباتهم.

خراقي: حساباتهم في استعلائهم وفي علمهم المطلق، ليس هناك علم مطلق..

عدنان: وأهم شيء هو حينما تقرأ تاريخ الصحة العالمية بغطرسة، تتعامل معه بنوع من الغطرسة..

خراقي: ومن العقلانية، أنت تمثل العقلانية وغيرك يمثل الجهل، حتى تأتي كورونا فتردك إلى مكانك الصحيح.

عدنان: وكورونا قوتها أيضًا فاجأت الغرب لأنها عبرت الحدود والقارات، ومع ذلك كان لديهم إحساس مثلًا من بعد الجدري وشلل الأطفال وكل هذه الأشياء، كانت هناك طبعًا أوبئة، ولكن يقولون مثلًا إيبولا هذا خاص بغرب إفريقيا، زيكا لديه علاقة بأفريقيا الجنوبية والوسطى، لديهم إحساس بأنه حتى الأوبئة الكبرى اليوم هي أوبئة تخص الآخر ولا تعنينا لأننا خلاص أسطورة التفوق الغربي على المستوى الصحي تحققت، ونحن فعلًا صرنا محميين، هذه الثقة في التفوق الغربي هي التي هزتها ربما كورونا.

خراقي: ولكن لماذا لم يتحدثوا عن الجدري وهو ضرب أوروبا؟ لماذا استثنوا من الحجر الصحي؟

عدنان: لماذا؟

خراقي: لأنه سوف يغلق أبواب أوروبا، وبالتالي سوف يتضررون اقتصاديًا. يعني يكفيهم أنهم أدخلوا الطاعون، وأدخلوا الكوليرا، وأدخلوا وباء آخر ثالثًا، أدخلوه ضمن هذه الأوبئة التي تسترعي وتستدعي الحجر الصحي. يكفيهم هذا.

حتى بريطانيا عارضت، عارضت هذا الحجر الصحي لأنها عندها مصالح كبيرة اقتصاديًا مع الهند، والهند كانت بؤرة طاعون، بؤرة للكوليرا. توفي منها 25 مليون نسمة، ومع ذلك كانت تصر بريطانيا على أن لا يكون هناك حجر صحي.

يعني أعود إلى الجدري: كان هناك تفشٍ كبير في أوروبا، ولكن لم يتحدثوا عنه بل غضوا عنه الطرف. يعني هناك الكيل بمكيالين في قضية اعتبار هذه الأوبئة ذات استجابة سريعة وأوبئة ذات استجابة بطيئة.

 

كيف تؤثر السياسات الصحية على تنظيم الاستجابة للأوبئة؟

عدنان: الكيل بمكيالين يعني في فضاء الاستشراق هو صار قاعدة جاريًا بها العمل. يعني لا بد من الكيل بمكيالين، ولا بد من أن تحرك مصالح ما كل ما ينتج، إن على مستوى الفكر أو على مستوى التدابير. وإذا عدنا إلى التاريخ دائمًا ما سنجد أن أولى المؤتمرات الدولية التي سعت لتأسيس نظام عالمي صحي، دعت إليها الإمبراطوريات الكبرى الاستعمارية في أوروبا. يمكن كانت معها في تلك الفترة الإمبراطورية العثمانية. ولكن يعني ما بين 1851 و1938. كل تلك المؤتمرات التي حاولت أن تواجه الطاعون والكوليرا وطبعًا الحمى الصفراء هي التي تحدثت عنها قبل قليل. أنا أريد أن أتوقف عند هذا السياق: كيف أن تدابير الحجر أو عدم الحجر أو كذا كله محسوب بحسابات إمبراطوريات استعمارية.

خراقي: المؤتمرات في حد ذاتها التي أقيمت هي علامة تحضرية يجب أن لا ننكر ذلك. يعني كانت بداية التفكير في إدارة الأمراض المعدية والأمراض بشكل عام، لكن إدارة الأمراض المعدية هي التي عجلت بتلك المؤتمرات، فكان هناك 14 مؤتمرًا ما بين 1851 إلى 1938، كان هناك 14 مؤتمرًا. كان أول المؤتمرات في باريس يعني المهمة كانت في باريس، والثانية كانت في 1866 في الإمبراطورية العثمانية. يعني كانوا دائمًا يبحثون عن الحلول التي هي كفيلة لإدارة هذه الأمراض وتوقف انتشار الأمراض. فاتفقوا على الحجر الصحي كما قلت، ولكن كان هناك مقاومة من بعض الدول، خاصة بريطانيا، لأنها كانت رقعة البلاد أو المواقع التي تستعمرها كبيرة جدا، بمعنى سيكون اقتصادًا كبيرًا، وإذا أقيم الحجر معناه أن الاقتصاد سوف ينكمش وهذا لا يخدم المصالح الإمبراطورية العظمى، إمبراطورية بريطانيا.

على هامش هذه المؤتمرات في مصر، في اسطنبول، لاسترضاء الغرب كي يحدوا من تنقل الحجاج، حتى لا يحسون بضغط الغرب الذي كان دائمًا يتربص بهم الدوائر، خاصة بالإمبراطورية العثمانية.

في تلك الفترة كانت بداية الاصطدامات، هو أولًا. وفي فترة سابقة كانت بينه وبين المغرب، وبينه وبين مصر. ونعرف أن المغرب آنذاك لم يستطع أن يتصدى للأوبئة بشكل حازم. لماذا؟ لأنه كان مشغولًا بالحرب بينه وبين الصليبيين في إسبانيا. وكانت رقعته كذلك رقعة كبيرة لا يستطيع أن يلبي رغبة كل هذه المواقع وهو في حرب.

وكذلك مصر كانت في حرب مع الفاطميين فلم تستطع أن تراقب وتمول إدارة الأوبئة، فصار ما صار وصارت هناك كارثة إنسانية آنذاك.

عدنان: وهذا على مستوى التدابير طبعًا؛ لأنه يمكن فشلت التدابير هنا أو هناك لاعتبارات كل بلد على حدة طبعًا لأن الخصوصية..

خراقي: ولكن توصلوا إلى حلول يعني بعد مخاض كبير توصلوا إلى حلول واتفقوا. اتفق الغرب لأول مرة في وضع لوائح تشريعية تضبط وتنظم هذه الاستجابات العالمية. وسوف تلقي بظلالها لاحقًا على ما سوف يتمخض عنه اجتماع الأمم المتحدة من تأسيس لمنظمة الصحة العالمية يعني لاحقًا.

 

ما هو دور منظمة الصحة العالمية في إدارة الأوبئة؟

عدنان: صحيح، سنعود إلى منظمة الصحة العالمية لأنها تستحق وقفة خاصة. ولكن في ظل هذا الوضع، استجابة هنا واستجابة لم تكن هنا، ومن المؤهل للاستجابة وغير المؤهل للاستجابة. مفهوم الخطر الوبائي استخدم لكي يعيد قراءة وتقسيم خريطة العالم. فلم تعد فقط الحدود الإمبريالية أو الجغرافية هي القائمة، وإنما صارت هناك حدود أخرى انضافت، وتقسيم العالم إلى فضاءات آمنة وأخرى موبوءة. وهنا بالصدفة سنجد أن الغرب هو الآمن، وبالصدفة سنجد أن الشرق وإفريقيا وأمريكا الجنوبية هي غير الآمنة. فإذا أردت أن تقول ننتج خطابًا، هذا الاستشراق الوبائي كخطاب، لكي نعود إلى نفس التقسيمات القديمة بناء على معايير جديدة، نوع من التلاعب.

خراقي: الغريب أن هذا -دائمًا أقول- المسؤول عنه الإعلام، يكرسه كثيرًا. لأنه لماذا؟ وطبعًا بمعية من الدول، لأن الدول تخاف أن ينتشر هناك وعي بينها، وبالتالي سينصف مثلًا هؤلاء. فتحاول، انطلاقًا من نظرية “مصطلح إنجليزي” ترتيب الأولويات. فتحاول أن تبني خطابًا من خلال الإعلام، ترسخه حتى تقتنع أنت بهذا الخطاب وبنظرية الدولة في التعامل مع قضية من القضايا. وبالتالي تكون مؤهلًا لأن مثلًا تقول بأن الشرق يجب أن يكون دائمًا في تلك البقعة، وأنا يجب أن أكون دائمًا في تلك البقعة. لماذا؟ لأن الآخر موبوء وسوف يعديني..

عدنان: تمامًا.

خراقي: لا من حيث الفكر ولا من حيث الأمراض المعدية ولا من حيث كل شيء، ليس فقط على مستوى المرض، يعني على كل جانب أفقي وعمودي.

عدنان: تمامًا، مادام الأمر يتعلق بالمرض فأنا مثلًا كغرب قادر على إنتاج معرفة يعني بهذا المرض، قادر على إنتاج أشكال مقاومة هذه الأوبئة، قادر على بلورة خطط وسياسات لمحاربتها. بالتدريج ننتقل من إنتاج المعرفة إلى السيطرة السياسية، بل حتى إنتاج المعرفة ذاته يصير لأغراض السيطرة السياسية. وبهذا المعنى مقاومة الأمراض المعدية اندرجت ضمن الإستراتيجية العامة التي كانت استعمارية في ذلك الوقت.

خراقي: وهذا ما ينظر إليه ميشيل فوكو. ميشيل فوكو يتحدث عن، ربما استبق الأحداث، ولكن ميشيل فوكو فيلسوف فرنسا، هو الذي يتحدث عن ربط السلطة بالمعرفة. وهو الذي اقترح لكي يفسر لنا السلطة وكيف تشتغل وكيف تعمل داخل المجتمع، اقترح علينا مفهومين: المفهوم الأول هو السلطة الحيوية “Biopower”. وكذلك اقترح علينا السياسة الحيوية “Biopolitics”. فـ: “Bio” حياة، و”Power” هي سلطة. السلطة التي سوف تسيطر على الحياة. و”Biopolitics”، يعني السياسة التي سوف تسيطر على الحياة. “Biopolitics” هي التقنيات التي سوف تستخدم لتحقيق هذه السلطة، لتحقيق هذه المراقبة.

مثلًا: أنت من خلال مدارس، أنت من خلال دور الضرائب، أنت من خلال الجامعات، من خلال مؤسسات الدولة، أنت تقنن هذه السلطة، وتراقب هذه السلطة، بل حتى في داخل السجون الآن الإنسان مراقب. إذن كل هذه السلط، كل هذه المؤسسات تفرز لدينا ما يتحدث عنه فوكو من أن السلطة والمعرفة هما متلازمتان.

ويأتي بعده شيلي مبيمبي الذي سوف يتحدث عن “Necropolitics”، سوف يبني على ميشيل فوكو ويتحدث عن “Necropolitics” بمعنى “Necro”: الموت، “politics”: سياسة. بمعنى سياسة الموت. هنا سوف نتحدث عن أن بعض الناس الموبوئين سوف يكون مصيرهم الموت، وبعض الناس الآخرين، الغرب مثلا، يكون مصيرهم الحياة. وبعض الناس الآخرين سوف يكونوا بين بين.

مثلًا: السود في المزارع الأمريكية كانت حياتهم بين بين، لأنهم كانوا يُسخرون حياتهم لخدمة الأبيض، ويقال إن العبيد كانوا 12 مليون نسمة. مليونان قضوا في الطريق والأوبئة، في تلك التجارة من أوروبا إلى جزر الكاريبينو، و جزر الهند الغربية. لماذا؟ لأنهم كانوا يُستقدَمون للخدمة في المزارع وإنتاج السكر. كان الغرب في حاجة إلى تحلية القهوة والشاي. يقال إن واحد طن من السكر كان يكلف حياة عبد من العبيد. حتى قضى عشرة ملايين في المزارع، حتى طبعًا بالأوبئة.

نفهم لماذا مبيمبي استعمل هذا. هو كاميروني إفريقي، فيلسوف معروف وسياسي، استعمل هذا الخطاب، هذا المفهوم، لكي يفسر لنا غطرسة الغرب وهمجية الغرب، وكيف كان يتعامل مع الدول حتى الآن. كان يبقي من يبقيه..

وأنا في الحقيقة أقول إن هذا المفهوم غير دقيق. لماذا؟ لأنه قال “سياسة الموت”، لكن في شرحه يقول: هناك من يموت وهناك من يحيى. في الحقيقة يجب أن ينحت مفهومًا يكون فيه الموت والحياة، ليس فقط الموت. لأن “نيكرو” هي الموت. “سياسة الموت” مفروضة على السود، مفروضة على الأفارقة، مفروضة على من هم تحت وباء كورونا..

في أمريكا مثلًا، من الذي مات في أمريكا في 2020؟ من هم الذين قضوا أكثر من غيرهم؟ هم الأقليات السود. ولهذا ترى الاحتجاجات في لويزيانا، ترى الاحتجاجات في ألباما، ترى الاحتجاجات في العديد من..

عدنان: الولايات فيها ربما أغلبية سوداء.

خراقي: أغلبية سوداء.

 

كيف تحوّل الأوبئة إلى مجال للمضاربة الاقتصادية؟

عدنان: هو في الحقيقة تفضلت بالحديث على مبيمبي، لأن مبيمبي أيضًا وهو يتحدث عن “سياسة الموت” كان يفكر في أن الوباء صار مجالًا للمضاربة. وفعلًا يعني انتبه إلى أن البنك الدولي قام بإنشاء سوق للمضاربة على الأوبئة، بل وخلق آلية جديدة حين أطلق عليها اسم “سندات الوباء”. يعني من حق مفكر وفيلسوف إفريقي أن يتخوف. هو يرى بأن الأوبئة ومخاطرها صارت لها سوق اليوم، وهذه السوق ربما صارت مربحة توفر عائدات مهمة لمن يستثمر فيها.

خراقي: وهو ما دفع صاحب الكتاب ألكسندر وايت ليبني على هذا المفهوم “Necropolitics” ليتحدث عن “Necrofinance” (تمويل الموت). وأنا أقول: لو أنه استخدم “Necroeconomy” (اقتصاد الموت) كان أفضل، ولكن ربما هو قال “Finance” لأنه يتحدث عن البنك الدولي وعن صندوق النقد الدولي. يعني للإشارة أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي شيئان مختلفان: صندوق النقد الدولي يتحدث عن الاستقرار المالي، هذا هو همه. أما البنك الدولي فيبحث عن كيفية تنمية الدول النامية. هذا يعني بعجالة.

بالنسبة لربط الاقتصاد أو ربط رأس المال بالأوبئة، البنك الدولي استحدث ما يصطلح عليه سندات. ونعرف أن في السوق هناك ثلاثة أنواع من المعاملات: هناك سندات، هناك (الأسهم)، وهناك الصكوك. هذه ثلاثة تعاملات، يعني لم يكن رابع. فهذه السندات هي السندات أداة للدين، خصوصًا هناك سندات سيادية، تقوم الدولة بإصدار سندات. هذه السندات، يعني تستدعي المستثمرين لها، تقول لهم: أنا سوف أذهب إلى سوق معينة مثلًا سوق بورصة معينة، وأضع فيها السندات، وأنتم اشتروا عليها السندات، مثلًا 50 مليون دولار أو 20 مليون دولار.

وكذلك البنك الدولي يقوم بالعمل نفسه، ويستقدم شركات، خاصة شركتان مهمتان معروفتان في إعادة التأمين، هما “آير سويس” و”آير ميونيخ”، معروفتين في إعادة شراء التأمين.

فالمشكل أن يومًا ما البنك الدولي قام بإصدار سندات وتم شراء هذه السندات في أوروبا وأمريكا، ولكن لم تُسخر تلك الأموال في استجابة لإيبولا. لماذا؟ لماذا لم يتم الاستثمار في إيبولا، مع العلم أن جمهورية الكونغو الديمقراطية أعلنت عن وفاة ألفي شخص من جراء إيبولا؟ لماذا لم تتحرك منظمة الصحة العالمية؟ في الأول كانت منظمة الصحة العالمية قائمة بدورها المنوط بها، لكن سرعان ما أصابها بعض الضعف، لأن ضعف التمويل وكذا وكذا، ربما نتحدث عن هذا لاحقًا.

فقط أقول إن هناك بعض الأمراض التي تنال دعمًا ماليًا، من لدن البنك الدولي ومن لدن أطراف أخرى، وهناك من الأوبئة من لا يعير لها أي أحد أي اهتمام لأنها غير مربحة.

 

كيف تتعامل منظمة الصحة العالمية مع الأوبئة؟

عدنان: أنت سألت الآن عن دور منظمة الصحة العالمية، لأن منظمة الصحة العالمية، بالنهاية حينما تحققت، كانت استمرارًا لتلك المؤتمرات الاستعمارية الأولى. فكانت أداة دولية عالمية إنسانية مهمة، ولكن بعد خروج عدد من الدول من قبضة الاستعمار في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات في القرن الماضي، بلورت المنظمة رؤية متوازنة نسبيًا للرعاية الصحية لجميع الشعوب. لكن هذه الرؤية ستتم مقاومتها. وبدأت بمجموعة من المناورات، كانت المناورة الأولى لخفض التمويل من طرف إدارة الرئيس ريغان، على أساس حينها أن المنظمة العالمية، ومعها كل منظمات الأمم المتحدة في الواقع خاضعة لسيطرة التحالف من الدول النامية في العالم الثالث ودول الكتلة السوفييتية. وانتهاءً بقرار ترامب الأخير بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية. إذن الوضع الخاص بالمنظمة يعني..

خراقي: لا يُحسد عليه.

عدنان: هذا هو.

خراقي: منظمة الصحة العالمية هي تأسست في عام 1947 من اقتراح البرازيل والصين. يجب أن نعود بالذاكرة إلى الماضي، ولهذا دونالد ترامب قال لها: إنك تتحيزين إلى الصين، أنت تتعاملين مع الصين وكأنها أفضل من أمريكا. مع العلم أنني أقدم 500 مليون دولار، والصين لا تقدم إلا 39 مليون دولار. فاتهمت، ولكن اتهمت وبالتواطؤ معها في إخفاء تقارير عن كورونا. وهدد دونالد ترامب بالانسحاب، هدد في تلك الفترة.

عدنان: في ولايته الأولى. أما الآن مارَس الانسحاب.

خراقي: الآن مارس الانسحاب، انسحب منها كليًا. لماذا؟ لأنها غير مربحة، بالنسبة له غير مربحة، وكرّس القومية. بمعنى قال: سوف أسخر تلك الأموال لشعبي. إذن هنا: القومية تتكرس.

عدنان: والانغلاق..

خراقي: والانغلاق.

عدنان: والخروج من العالم. مع العلم أن منظمة الصحة العالمية بذلت مجهودات كبرى للتكيف مع هذه البيئة النيوليبرالية في الواقع، في نهجها، في سياستها، حاولت التكيف. ولكن مع الأسف يبدو أن كل محاولاتها راحت سُدى.

خراقي: هي منظمة الصحة العالمية، هي قامت بما يجب، لا ننكر أفضالها، قامت بما يمكن القيام به. هي مقرها في سويسرا، تتلقى الدعم من الدول الأعضاء. ولكن في بعض الأحيان، تتخلف يعني عن تقديم مستحقاتها المساهمات بعض الدول، فتربك عمل المنظمة. فتضطر يعني المنظمة أنها تستجيب لبعض الأوبئة الآنية والضرورية، وتترك بعض الأوبئة التي لا يمكن يُستجاب لها لأنها تتطلب أموالًا كثيرة.

وهي تعمل وفق برامج. هي في 1978، حاربت شلل الأطفال ونجحت في ذلك. بعد ذلك في 1988 حاربت داء الجدري ونجحت في ذلك، وهي تقدم التوجيهات، تقدم الخبرة للدول في المجال الصحي، هذه مهمتها، فتحاول أن تتكيف مع الميزانية المخصصة لها، والتي في النهاية تتحصل عليها من خلال..

عدنان: الدول المانحة، وهي جزء من هذه الدينامية على كل حال.

خراقي: على الرغم من أنها في بعض الأحيان تجد نفسها مضطرة فتدخل في لعبة قذرة، في بعض الأحيان يُضغط عليها.

عدنان: هي جزء من سياسة صحية عالمية. نحن في هذا اللقاء حاولنا أن نبرهن كيف أنها محكومة بخلفية..

خراقي: محكومة بخلفية، جمعية الصحة العالمية، لأنها سلطة غير تنفيذية، الذي يقرر في مصيرها هي الجمعية، جمعية الصحة العالمية، وطبعًا لها خلفية، هي التي تصنّف الأمراض على أساس يجب الاستجابة إليهم أو لا. هي التي لم تستجب لوباء إيبولا، لماذا؟ لأنها افترضت شروطًا: يجب أن يكون هناك 250 قتيلًا موزَّعًا على العديد من الدول. كل دولة يجب أن يُقضى فيها على الأقل 20 قتيلًا. آنذاك تتحرّك. وهنا نتحدّث عن “سياسة الموت”، كنا نتحدث عن “سياسة الموت”، أو تسليع البشر. هذا مصطلح الآن أصبح دارجًا: تسليع البشر. ولعلّ جورجيو، الفيلسوف الإيطالي (المقصود جورجيو أغامبين Giorgio Agamben) تحدّث عنها كثيرًا، تحدّث عن استباحة الإنسان، الكتاب هذا، استباحة الإنسان. الآن الإنسان مُستباح في هذه المواقع التي تحدّثنا عنها، أنت تعاني وتموت في صمت بإيبولا، لن نعيرك أي اهتمام.

عدنان: أنت في غرب إفريقيا.

خراقي: وهذا ما قال به، جون لوك، وما قال به هوبز، عندما تحدّثا عن العقد الاجتماعي. يعني العقد الاجتماعي، أين هو؟ العقد الاجتماعي فقط في الحدود الغربية، في الحدود التي تؤمن بالديمقراطية، أمّا عدا ذلك فيتوقّف ذلك العقد.

عدنان: يصير معلَّقًا.

خراقي: يصير معلَّقًا في المواقع التي لا يوجد فيها غرب، وكأنّ الديمقراطية، وكأنّ القانون موجود فقط ضمن الحدود الغربية، ولا يوجد ضمن حدود الشرق..

 

كيف يساهم الأدب في فهم الاستشراق الوبائي؟

عدنان: تمامًا، نحن في الحقيقة، ناقشنا الموضوع الآن، سياق النور من زاوية المعرفة، من زاوية الفكر، من زاوية حتى السياسات الصحية الدولية، ولكن لا يمكن الحديث عن
“الاستشراق الوبائي” دون أن نتوقّف عند الأدب. حتى إدوارد سعيد نفسه، في استشراقه، كان الأدب أساسيًا، واستحضر المادة الأدبية. ألكسندر وايت بدوره عاد إلى الأدب، وبالضبط إلى رواية الخيال العلمي الشهيرة “The Last Man”، “الرجل الأخير” لماري شيلي، الصادرة سنة 1826، ومنها استنبط العناصر الأولية لما سيُطلق عليه فيما بعد “الاستشراق الوبائي”. لماذا الأدب بالذات؟

خراقي: قبل أن نتحدّث عن هذا، وقبل أن أجيب عن سؤالك، لا بد من التذكير برسالة الأدب: الأدب هو رسالة إنسانية. هو يحاول أن ينحت الواقع بشكل خيالي، يوظّف الخيال من أجل بلوغ قضايا اجتماعية. والأدب هو ليس فقط للمتعة. وهذا ما قاله ميشيل فوكو، مازلت أذكر في حوار أجرته معه إحدى القنوات سنة 1966 يقول: (جملة بالفرنسية).. بمعنى،

عدنان: اكتشفنا بعد 50 سنة..

خراقي: بعد 50 سنة الأدب ليست وظيفته المتعة أو الترف أو الترفيه، بمعنى أنّ الأدب يجب أن يقدّم خدمة للمجتمع، أنا أقول هو ليس فقط للترفيه. لأنه ضروري من الترفيه، الأدب، خصوصًا الشعر. ولكن فوكو هنا يحاول أن يتحدّث عن تفاعل القضايا الاجتماعية ورسالة الأديب. وهنا يحضرني فكر إدوارد سعيد، إدوارد سعيد كان قبل حرب 1967 كان يدرس الأدب الإنجليزي من أجل المتعة أظن أجل المتعة، لكن بعدها..

عدنان: على فكرة هو ناقد أدبي بالأساس، يعني مادة اشتغاله الأساسية هي الأدب.

خراقي: لكن بعدها بعد حرب 1967 أحسّ بذاته، وكأنّ ذاته كانت مغيّبة. أحسّ بذاته حتى صار يتعلّم اللغة العربية يعني من جديد. لماذا؟ لأنه أيقن بأن هناك علاقة وطيدة بين الواقع والأدب. وهو الذي قدّم لليهودي المعروف إريخ (إريش أورباخ) في كتابه “المحاكاة” (Mimesis).  لأنّ هذا إريش أورباخ كان معروفًا بربط الحياة بالأدب، ربط المجتمع بالأدب، وتأثّر به كثيرًا إدوارد سعيد من خلال كتابه “المحاكاة”. إريش أورباخ قدّم كتابًا رائعًا، ربما لا يعرفه الكثير ولكنه رائع جدًا في الأدب، وقدّم له إدوارد سعيد مقدمة من 21 صفحة كاملة، وعنونها بـ”تمثيل الواقع”. كانت مقدمة رائعة بمناسبة مرور 500 عام على إخراج هذه النسخة الإنجليزية إلى الوجود.

طبعًا هذا بالنسبة لإدوارد سعيد، لكن ماذا عن الكاتبة التي وظّفها الكاتب.. ألكسندر وايت؟ الكاتبة شيلي وظّفت الخيال من أجل تقديم رسالة مفادها أنّ البشرية مقبلة على الدمار. وهذه الرواية رواية قوطية، ولما نتحدّث عن الرواية القوطية نتحدّث عن خيال، وهذا الخيال فيه رعب: من فيضانات، من أوبئة، من كوارث لا حصر لها. هذا يقال له “أدب الكوارث” أو “أدب ما بعد العالم” “Apocalyptic Literature”.

عدنان: أدب قيامي.

خراقي: نعم، فهذا الأدب سوف تسخّره شيلي وسوف تتحدّث فيه عن أسرة أو عائلة تحارب، تصارع من أجل الوجود، طبعًا بمساعدة ربّ البيت، ولكن في النهاية الكل يموت إلا “The Last Man”، إلا “الرجل الأخير”.

وقد استوحى منه ذلك فوكوياما. أنا الذي أعرف عن فوكوياما أنّه ألّف كتاب “The End of History”.

عدنان: “نهاية التاريخ”. وكان مقالًا ثم وسّعه ليصير كتابًا.

خراقي: ولا علم لي بالشق الثاني. الشق الثاني كان “And The Last Man”، فقلت لزوجتي: والله إن فوكوياما أخذ هذه الفكرة من شيلي. وأنا لا أعرف عنوان الكتاب بأكمله، فرحت أتصفّح كتاب فوكوياما فوجدت “The End of History and The Last Man” بالمصادفة. يعني فعلا أخذه من هذه الرواية.

عدنان: عجيب.

خراقي: تلك الرواية التي تقول نهاية البشرية من جرّاء… يعني هذا أدب تنبؤي، يعني سوف تموت البشرية وسوف تنقرض..

عدنان: كل ما يهمّني أنا في رواية شيلي ليس جانبها التنبؤي، ولكن: من أين جاء كل ما جاء؟ لأنه من المستعمرات جاء الطاعون الذي سيبيد البشرية.

خراقي: نعم، هي استلهمت ذلك مما حدث، مما عاشته من ويلات، من أوبئة، فهي تنبّأت لما سوف يحدث. وفعلا هي تتحدّث عن الأوبئة، هي تتحدّث عن 2097.

عدنان: تمامًا.

خراقي: هناك الجدري، مر الطاعون، مر كورونا، مرت حادثة ناغازاكي، وحادثة تشيرنوبيل، والحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية. كل هذه الكوارث كانت تتنبّأ لها، ولا ندري ماذا سوف يحدث، نحن لم نصل إلى 2097 يا أخي عدنان، فلا ندري ماذا سوف يحدث مع الذكاء الاصطناعي. الآن نتحدّث عن نزعة وقالوا لها: نزعة “Transhumanism”، “النزعة الإنسانية المتحوِّلة”، التي لا تعترف بالإنسان، وتحاول أن تستقدم الروبوت، وتُعطي له قيمة إنسانية وتُعطي له حقوقًا. الآن نتحدث عن.. وربما هي التي سوف يكون لها الضوء في الاستجابة إلى الأمراض المعدية والأمراض الفتاكة، سوف نصير فقط متفرّجين. نحن لا ندري ماذا سوف يحدث في أفق 2097.

يعني هذا، في عجالة. ماذا يريد ألكسندر وايت من توظيفاته للرواية؟ والهدف هو أن هناك أوبئة في المستقبل سوف تأتي على الأخضر واليابس، يجب الاستجابة إليها، يجب أن يكون هناك مساواة على مستوى توزيع اللقاحات على مستوى الاستجابة، يعني كل هذه القيم يريد أن ينبّه إليها.

عدنان: ونحن معه، نريد أن نحارب كل هذه الأوبئة لكي لا تأتي على الأخضر واليابس، بشرط فقط أن لا يُنظر إلى الغرب على أنّه الأخضر، وأن لا يُنظر إلينا على أننا اليابس. دكتور عبد النور خراقي، شكرًا لأنك حملت معنا في هذا اللقاء ولجمهور، هذا البرنامج مفهوما جديدًا، مستفزًا ومثيرًا، وهو مفهوم “الاستشراق الوبائي”. شكرًا جزيلًا لك.

خراقي: مرحبًا أخي عدنان.

عدنان: وأنتم أيضًا أعزائي عزيزاتي، شكرًا لكم على المتابعة، إلى اللقاء.