مقدمة
عدنان: وأنا أقرؤك، توقفت عند “التأليف في نحو العبرية ولغتها”، قلت بأنه كان دائما ضعيفًا منذ عصر عزير، القرن الخامس قبل الميلاد، حتى العصر الإسلامي. وتقول بأن التأليف الحقيقي في اللغة العبرية لم يبدأ إلا مع العصر الإسلامي، وبتأثير من العلوم الإسلامية. لهذا مناسبة لكي أعرف منك كيف ساهم الإسلام وكيف ساهمت علوم الإسلام في تطوير اللغة اليوم؟
شحلان: تعرفون أن اليهودية كانت مبعدة عن علوم المجتمعات التي كانت تعيش فيها عن طريقين اثنين. الإبعاد الأول من الذين كانوا يعايشون اليهود، فلم يسمحوا لهم بالإطلاع أو المساهمة في الجوانب الفكرية. القسم الثاني أن أحبار اليهود أنفسهم أبعدوا اليهود لأن علوم تلك الشعوب كانت تلتبس بما يعتبرونه وثنية. إذن المجتمعات أبعدت اليهود عن ثقافة مديديا الأولى. إلا مجتمع، المجتمع الإسلامي. المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي مكّن اليهود في كل مواطنه المعرفية، حتى في المساجد وحتى في المجالس العلمية. ما الدليل على ذلك؟ أعلام اليهود الذين درستهم وهم كثرٌ، الكثير منهم يعرف القرآن، يعرف الحديث، يعرف التراث العربي الإسلامي. لا يمكن أن يعرف هذه من البيئة. لا بد أنه أخذها من مواطنها، وأن المجتمع سواء في الشرق وبالأخص في الغرب الإسلامي هو الذي فتح الأبواب لأعلام اليهود. ثم أن أحبار اليهود، ذاك التخوف الذي كان عندهم زال. لماذا؟ لأن الإسلام موحد أيضًا، فاليهودية موحدة والإسلام موحد. فالموانع الاثنان أبعدت. فأصبحت ديانة اليهودية ديانة أيضًا فيها فكر بفضل العلوم العربية الإسلامية.
من هو أحمد شحلان؟
عدنان: أعزائي عزيزاتي، أهلًا وسهلًا ومرحبًا. ما كان جهابذة الدراسات الدينية والفلسفية والحضارية من المستشرقين المتخصصين في فكرنا العربي الإسلامي ليبلغوا ما بلغوه من شأو، لولا انطلاقهم من أرضية فيلولوجية صلبة، بفضل تمكنهم من اللغات الشرقية القديمة. وضيفنا في هذا اللقاء أبى إلا أن يسامق المستشرقين في مجالهم، فهو المستكشف المتبصر لمجاهل الفكر العربي الإسلامي، انطلاقًا من تبحره في الحضارات الشرقية وتمكنه الشديد من اللغتين الآرامية والعبرية. هو الأمازيغي القح المتضلع في اللغة العربية، علومها وآدابها، صاحب الترجمات الرصينة عن الفرنسية والعبرية.
نحن اليوم أعزائي عزيزاتي في حضرة الأكاديمي الباحث والمترجم والفقيه اللغوي المتخصص في اللغات والحضارات الشرقية الدكتور أحمد شحلان، خريج السوربون والمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، عضو أكاديمية المملكة المغربية، مدير ورئيس تحرير سابق لمجلة اللسان العربي، المدير السابق لمكتب تنسيق التعريب التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. أبحاثه وترجماته وتآليفه أغزر من أن تعد أو تحصر في هذا المقام، لكن اسمحوا لي أن أستعرض لكم من بينها “مجمع البحرين من الفينيقية إلى العربية”، “قضايا من أصول موسى عليه السلام إلى البابا بنديكت السادس عشر”، “ابن رشد والفكر العبري الوسيط”، “التراث العبري اليهودي في الغرب الإسلامي”، “التوراة والشرعية الفلسطينية”، “اليهود المغاربة من منبت الأصول إلى رياح الفرقة”. إضافة إلى العديد من الأعمال التي نقلها عن العبرية والفرنسية إلى لغة الضاد. دكتور أحمد شحلان أهلا وسهلا ومرحبا بك.
شحلان: أهلا بك أستاذ ياسين، وأشكرك مرة أخرى على دعوتي لأن أسهم وأشارك في مسارك الفكري الاستشراقي، الباحث في الحضارات. ويسرني أن تقدمني إلى مجمع من العلماء الذين تحتضنهم أو تستقبلهم أو ينظرون إلى منصة مجتمع في لندن. شكرا جزيلا مرة أخرى.
اللغات العُربانية أم السامية؟
عدنان: بالعكس نحن نشكرك ونسعد بك بيننا. ومباشرة ندخل صلب الموضوع. دكتور شحلان، تعتبر اللغة العربية إحدى أهم اللغات السامية، إذًا لماذا تفضل –سي أحمد- أن تطلق على هذه الأسرة اللغوية اسم اللغات العُربانية بدل السامية؟ بل إنك تعتبر تسمية اللغات العُربانية أقرب إلى الحقيقة من الناحية الفيلولوجية كيف ذلك؟
شحلان: هذا هو الواقع، أجيبك سؤالك مباشرة، ثم أعود أو ربما أنتم تعودون إلى صاحب التسمية الأولى التي هي اللغات السامية. أنا ومجموعة من الباحثين العرب الذين اهتموا باللغات الشرقية واللغات، بين قوسين، (السامية) كلهم فضلوا أن يربطوا هذه اللغات بموقعها وموطنها الأصلي، وموطنها الأصلي كما تعلمون لا بد أن يكون الجزيرة العربية، بعد أن أصاب الجزيرة القحط، يعني الجذب والتصحر، هاجرت مجموعة من سكان هذه المنطقة إلى المناطق الأخرى في الشرق، منها العراق والشام ومصر، وأماكن أخرى. وما هو الشيء المشترك فيما يتعلق بهذه المناطق؟ هو شيء يمكن أن نطلق عليه عربات، أو العربة، ما هي العربة؟ العربة هي الصحراء. وقد ذُكر أو جاء هذا الاسم في الكثير من النقوش القديمة، وبالأساس، تكرر في العهد العتيق أن هذا اللفظ “العربات” هو موطن هؤلاء الناس.
ونجد اللفظ حتى في التراث العربي الإسلامي، فابن منظور في “لسان العرب” أتى بهذا اللفظ يعني العربات، وقال بأنهم سكان خارج الحضر الذين يسكنون ويحلون خارج الحضر. وعندما نتتبع هذا اللفظ في العهد العتيق، نجد أن المسمى ينطبق على هؤلاء الناس، بل حتى في ما صدر في آخر معجم، وهو المعجم التاريخي للغة العربية، ربما نتكلم عنه لأنه..
عدنان: كنت من الذين ساهموا فيه. أكيد سنتحدث عنه.
شحلان: سنتحدث عنه، فقد أورد المعجم 54 مدخلًا للعين والراء والباء، وضمن هذه الـ54، 354 استعمالًا لما جاء مشتقًا من عرب وعربة إلى آخره. وبهذا فإن العربة هي الجزيرة، ومعلوم أن الجزيرة، سواء في الجزيرة العربية، كانت تكون الصحراء 95%، وفي العراق كانت تكون الصحراء بنسبة 40%، وفي سوريا كانت تكون الصحراء 55%، وفي مصر 96%، وفي اليمن 57% إلى آخره. بمعنى سكان هذه العربات، هذه العربة هم الذين يرتبطون بهذه اللغة.
ولكن، هنا نستعملها على شساعتها، ولكن عندما نقصد العربية الفصحى، يمكن أن نربطها بلغة مضر، ولغة مضر هي التي كان مكانها وموطنها هو الجزيرة العربية واستمرت في الجزيرة العربية.
إذًا، هذه اللغة التي كانت عربية ثم أصبحت عربيات، ما هو السبب؟ المفروض منطقيًا أن اللغة كانت في منبت واحد، ولكن لأسباب اجتماعية واقتصادية، في وقت ما، يضطر سكان منطقة إلى أن يبتعدوا عن منطقتهم. عندما يبتعدون، يبتعدون بلغتهم، ولكن في هذه النقلة يحدث للغة ثلاثة أشياء: الشيء الأول أنها تفقد بعض المسميات التي لا تجدها في المكان الجديد، الشيء الثاني أنها تحتاج إلى إضافة مسميات وجدتها في المكان الجديد.
عدنان: لم تكن موجودة في المكان السابق.
شحلان: الشيء الثالث أن هذه اللغة ستجاور عائلات أخرى. فمثلًا، اللغة العربية ستجاور في فارس لغة هندو-أوروبية. لا شك أنه سيكون هناك تداخل بين هذه اللغات.
إذًا، بالنسبة لنا، بالنسبة للغة العربية، لماذا أصبح خلاف بين ما هو اللغة العربية، نعتبره لغة فصيحة، وبين ما سنسميه فيما بعد لغة أكادية، لغة آرامية، لغة سُريانية، لغة فينيقية؟ السبب في ذلك أن كل واحدة من هذه اللغات التي انطلقت من الأصل ستتخذ لها وجهة أخرى، ولكن تحافظ على البنية العُربانية التي فضلت أن أسميها عُربانية بدل سامية.
هل يعدّ توصيف اللغات السامية توصيفًا عرقيًا استشراقيًا؟
عدنان: بدل سامية. وأنا في الحقيقة، أريد أن أعود إلى: لماذا العُربانية وليس السامية؟ أنت أشرت قبل قليل إلى أن السامية أصلًا أُطلقت من طرف الألماني شلوتزر أو نمساوي هو، هناك من ينسبه إلى.. على كل حال، هو جرماني الثقافة واللغة. هو الذي أطلق على هذه الباقة من اللغات في نهاية القرن الثامن عشر توصيف اللغات السامية. هل تعتبر هذا التوصيف توصيفًا عرقيًا استشراقيًا؟
شحلان: شلوتزر الذي أطلق على هذه المجموعة من اللغات مسمى السامية. ونعرف للمستمع ماذا يدخل في هذه اللغات، طبعًا فيها: اللغة الأكادية، وفيها اللغة الآرامية، وفيها اللغة السُّريانية، وفيها اللغة الفينيقية، وفيها اللغة العربية، وفيها اللغة الأوغاريتية، وفيها اللغات الحبشية، ولغات أخرى صغرى.
عدنان: والعبرية أيضًا.
شحلان: طبعًا، والعبرية من اللغات الكنعانية. فشلوتزر في سنة 1781، انطلاقًا من إصحاح في سفر التكوين، الإصحاح العاشر، الذي تحدث عن أبناء نوح، أبناء نوح ثلاثة: سام وحام ويافث. فهو نسب مجموعة هذه العائلات، عائلة أبناء سام، سامية، عائلة أبناء حام فيها القبطية، وفيها الأمازيغية إلى آخره، إلى حام، واللغات الهندو-أوروبية إلى يافث. ترى أن كلمة يافث فيها جميل، ومن خلفيات بينها، يعني معنى يافث هو جميل. إي، هو جميل، نعم يافا الجميلة.
عدنان: إي.
شحلان: نحن لا نناقشه في تسميته، ولكن نناقشه في أن هذه التسمية غير سليمة من الوجهة التاريخية. لماذا؟ لأنها لم تضم أولًا كل اللغات السامية، ولأنها أخرجت من اللغات السامية، لغات هي سامية أصلًا. فالكنعانية سامية أخرجها، ثم اللغات الأخرى. الخلاف هناك استراب في نسبته هذه، والمؤسف أن كثيراً من الباحثين… طبعًا الغربيون تبنوا هذه التسمية، ولكن كثيراً من الباحثين العرب رفضوها. وأعتقد أنه عقد في ليبيا في سنوات غير بعيدة مؤتمر من أجل البحث، أو الاتفاق على اسم لهذه المجموعة من اللغات العُربانية التي تضم كل هذه اللغات التي تسمى سامية.
عدنان: التي تسمى سامية ولكن دعني، سؤال قد يكون صحفيًا أكثر مما هو فكري: هل مثلًا كل المتكلمين بهذه اللغات العُربانية هل كانوا عربًا كلهم؟
شحلان: أرجع بك إلى ما سبق أن قلته قبل قليل. قلت إن المنطلق كان الجزيرة العربية، ثم بعد ذلك كانت هذه الهجرات. هذه الهجرات هي التي ستدخل أناسًا لا ندخلهم في الجنس العربي، ولكن لغاتهم عربية أو أصول عربية.
عدنان: مثلًا؟
شحلان: سكان الجزيرة العربية هم لغتهم عربية وهم عرب، ولكن، الأراميون، ولكن السُّريان، ولكن الأوغاريتيون، ولكن الفينيقيون، لغاتهم عربية أو عُربانية، ولكن ليسوا عربًا.
هذه التسمية تأثرت بالتنقل الجغرافي، وتأثرت أيضًا بما طرأ على كل لغة. ولكن من هذه اللغات الأكادية والأوغاريتية والفينيقية والعبرية والأرامية والسُّريانية، كل واحدة أخذت لها صفات جديدة، ولكن الهيكل بقي هو الهيكل. الهيكل، مثلًا، أرجع بك إلى ما سبق أن قلت. لماذا وُضعت هذه العائلة؟ أو لماذا سميت هذه اللغة ووضعت في عائلة واحدة؟ لأن الدم مشترك بين هذه اللغات. معنى مشترك أن البنية اللغوية هي هي، مثلًا فعل ماضٍ، فعل مضارع، فعل أمر، المشتقات، جل جذور هذه اللغات ثلاثية، جلها إلى الفعل المزيد. كل هذه اللغات، جملها مبنية على تراتبية معينة، هي الفعل والفاعل والمفعول والصفات وما يأتي بعد ذلك. ثم إن هذه اللغات مشتركة في كل ما كان موجودًا في البيئة المشتركة. أسماء الحيوانات مشتركة، لأنها كانت مشتركة، يعني الضمائر لم تتغير. أنا، أنت، أنتم في كل هذه اللغات: العبري، أنت، إلى آخره، كلها بقيت مشتركة. ما يتعلق بأسماء الأماكن، بقيت دائمًا مشتركة. الأسماء التي بقيت هي نفسها موجودة في كل هذه الصحارى التي ذكرت وأشرت إليها، بقيت مشتركة في هذه اللغات.
لماذا تعتبر اللغة العربية أم اللغات العُربانية؟
عدنان: الأمر يتعلق بأسرة لغوية، الأمر يتعلق بشقائق، يعني هذه اللغات العُربانية، على مستوى بنية الجملة مثلما تفضلت الآن، النحو، المعجم وما إليه. يعني هناك تماثل واضح يجعلها تبدو كشقائق. إلا أنك، دكتور شحلان، لا تعتبر العربية شقيقة لهذه اللغات بقدر ما تصنفها كأم لهذه الأسرة اللغوية. مرة أخرى، كيف ذلك؟
شحلان: أصل اللغات العُربانية السامية دائمًا كانت في حديث ونقاش، من هي الأم لهذه اللغات؟ فإذا لم نقل بأن العربية هي الأم، فإن العربية هي المباشرة للأم. نفسر: عندما نأخذ العربية، نجد أنها احتفظت ببنية اللغة العُربانية، بمعنى حافظت على الإعراب، بمعنى أنها ميزت بين المثنى وبين الجمع، ميزت بين المذكر والمؤنث، احتفظت بمعجم ضخم جدًا. سنعود إليه فيما بعد، لا يتمثل في أي لغة من هذه اللغات.
عندما ننتقل إلى اللغة العبرية مثلًا أو إلى اللغة الآرامية، ماذا نجد فيها؟ نجد فيها أن ما طرأ على اللهجات العربية هو نفس ما طرأ على بنية هذه اللغات. فاللغة العبرية في بنيتها ليست إلا لهجة قد تكون شبيهة باللهجة المغربية أو اللهجة المصرية أو اللهجة اللبنانية أو الجزائرية أو إلى آخره. هي نفس البنية. افتقدت الإعراب، افتقدت التمييز بين المثنى والجمع، افتقدت الكثير من الأشياء، ثم أصبح معجمها أقل بكثير من معجم الأم.
إذن فاللغة الوحيدة التي تمثل العصر. أولًا، لأنه لا يمكن أن نقول بأن لغة معجمها لا يتعدّى بضعة آلاف أم للغة فيها 12 مليون. سنعود إلى هذا.
لا يمكن للفقير، يعني أصلًا ما طرأ عليه الفقر، أن يكون أصلًا للغني الذي لم يطرأ عليه الغنى، ولكنه هو غني أصلًا.
أيهما أقدم: العربية أم العبرية؟
عدنان: تمامًا، أنت الآن تتكلم كفقيه لغوي بمعطيات علمية بدءًا من المعجم وما إليه. ولكن أنت تعرف هذه المسألة اللغوية، يعني صار يساجل فيها الكثيرون، لاعتبارات أيديولوجية وأحيانًا دينية. وتجد مثلًا من يقول لك بأنه كيف يمكن للغة العربية أن تكون هي الشقيقة الكبرى للعبرية، والحال أن العربية لغة القرآن، والعبرية هي لغة العهد القديم ولغة التوراة. ويطرح لك السؤال هكذا بالبداية: أيهما أقدم؟ التوراة أم القرآن؟ وإذًا، فالعبرية أقدم من العربية.
شحلان: لا، هذا منطق مقلوب. يجب أن يفرق من يرى هذا الرأي بين أسبقية اللغة، أقدمية اللغة وأقدمية الكتابة. اللغة قدمها ثابت، والكتابة دائمًا متأخرة. وليس هناك ضبط للأصل اللغوي ومتى ظهرت الكتابة. كل الكتابات حديثة جدًا. فلغة القرآن ليست أحدث من اللغة العبرية. العربية قديمة جدًا.
عدنان: أقدم من التوراة.
شحلان: بآلاف السنين من لغة التوراة ومن التوراة. ربما يعرض لنا سؤال عن لغة موسى ربما. قد يأتي سؤال عن هذا. وهنا أبين. إذن فالتوراة الكتابة التي وصلتنا هي كتابة أقدم من كتابة القرآن، لا من لغة القرآن. فرق. فلغة القرآن هي أقدم، وحتى الكتابة، كتابة اللغة العربية أقدم. ولكن الناس أخذوا هذا الفكر، بما أن كتابة العهد القديم أقدم وأسبق من القرآن، فتكون العبرية أقدم. وليس هذا صحيحًا. كما قلت، اللغة العبرية والأرامية والسُّريانية ليست إلا بنات للغة العربية.
هل كان يعرف موسى العبرية؟ وهل هي لغة التوراة؟
عدنان: ويمكن أنت لك رد. أنا قرأت لك ردًا على هذا الطرح، استدرجتك إليه ولم تفصح. والآن سأسألك بشكل مباشر، لأنك تقول بأن من قال لكم أصلًا إن العبرية كانت لغة التوراة، وأنت تنفي عن نبي الله موسى أية معرفة باللغة العبرية. وترى أن النبي موسى كان يتكلم فقط لغتين: المصرية والعربية. أريد إضاءة أقوى على هذه المنطقة.
شحلان: شيء بديهي مع الأسف، والباحثون والعلماء منذ القديم لم يشيروا إليه. وهو بالمنطق يفرض نفسه. تحدثت التوراة عن يوسف، وتحدث القرآن عن يوسف. من الذي اشترى يوسف؟
عدنان: السيارة.
شحلان: من هي هذه السيارة؟ هم أعراب من مدين. سأعود إلى مدين. وهم تجار، وكانت التجارة رائجة بين مصر وفلسطين. الدليل على ذلك قصة الأعوام العجاف، حيث كان الفلسطينيون يذهبون إلى مصر ليكتسبوا في حياة يوسف. في فترة يوسف كانت العربية رائجة في مصر، لأن التجارة دائمًا تحمل معها اللغات. وقد يحتاج ردودًا، أشار في أماكن لهذه العلاقات. فاللغة العربية القديمة كانت معروفة ورائجة في أيام يوسف. يوسف كان قبل موسى بـ400 سنة، أربعة قرون، أو في التوراة 440. مرة أخرى. لذلك، بما أن اللغة العربية كانت في فترة يوسف، وأن الذين اشتروا يوسف هم من العرب، لأن العربية كانت رائجة. ولكن هناك من يرفضون هذا. ولكن نأتي بالدليل أكثر. نتحدث عن موسى. موسى وُلِد في مصر، عاش أربعين سنة في مصر، ثم حدثت الحادثة المعروفة بتركه لمصر. ماذا فعل موسى؟ رحل، إلى أين رحل؟
عدنان: إلى مدين.
شحلان: إلى مدين في الجزيرة العربية، في الشمال الغربي في الجزيرة العربية. ما هي لغة مدين؟ هي اللغة العربية. كم قضى موسى في مدين؟
عدنان: ثماني سنوات.
شحلان: أربعون. هو ثماني من أجل.. هو اتصال أو العقد فقط؟ الخدمة التي اتفق معها. ولكن الحياة أربعون سنة. ثم أولاده ولدان عربيان. وامرأته عربية. رجل يعيش أربعين سنة في مدين، وزوجته عربية، وابناه عربيان.
عدنان: ويشتغل عند شعيب الذي هو عربي…
شحلان: ويشتغل.. والذي يدل على أنه كان يعرف العربية من قبل. هو السؤال: لماذا لم يفر موسى من مصر إلى القدس، وهي على بعد كيلومترات قليلة، ويقطع كل صحراء سيناء ليأتي إلى مدين؟ معناه أن هذه الرحلة.. ثم لما أتى، سواء في القرآن أو في التوراة، هو في أثناء حديثه، لا يوجد أي دليل يدل على أن الذين كان يتكلم معهم، سواء البنات أو الرعاة، كانوا لا يعرفون لغته، أو هو لا يعرف لغتهم. فأنا أفترض بأن موسى، بصفته العسكري، بصفته الأمير الذي كان في مصر، كان يعرف اللغة المصرية، وكان يعرف لغة التجارة التي كانت في مصر، وهي اللغة العربية.
ثم الذين يرفضون لنا هذا، نقول لهم: ألا تكفي أربعون سنة، ولا يكفي زوجة عربية، وصهر عربي، ومنطقة عربية، وأبناء والرجل لا يعرف لغتهم؟ هذا من ناحية.
نأتي إلى اللغة العبرية. لا يمكن أن تكون اللغة العبرية لغة التوراة، لأن العبرية لم تكن موجودة في هذا الوقت. لا يوجد أي إشارة حتى في العهد العتيق، لم يأتِ اسم لغة، يعني اللغة العبرية. ما جاء في العهد القديم هو “بلاشون إيهوديت”، اللغة اليهودية.
بأي لغة نزلت التوراة؟
عدنان: وإذًا، إذا كان موسى لا يعرف العبرية، وعمليًا كان يتكلم المصرية والعربية فقط. بأي لغة نزلت التوراة على النبي موسى؟
شحلان: من المنطق أن الوحي لا يمكن أن يكون إلا بلغة الذين يتلقونه، وإلا لا معنى له. لا معنى لأن يتلقوه بلغة لا يفهمونها. إذًا، من المنطق أن الوحي، أن رسالة موسى، أن كتاب موسى سيكون بلغة المصريين، بلغة مصر. والدليل على ذلك أن ما جاء في العهد العتيق، وحتى إشارة في القرآن، أن اللقاءات التي كانت بين موسى وهارون وبين عامة الناس ورجال التوراة في مصر كانت دائمًا بلغة واحدة. لا يوجد أي دليل على أنها تلف. ثم إنه حتى كلمة “لغة عبرية” لا وجود لها حتى في التوراة. فاللغة في التوراة جاء اسمها “بلاشون إيهوديت”، باللسان اليهودي. هذا قد يكون فيما بعد بمعنى النوع، كما يحدث في مجتمعات متعددة. أن مجتمعًا من المجتمعات يتكلم بلغة مشتركة، ولكن تكون لها بعض الخواص، الخصائص، فقد تكون “بلاشون إيهوديت”، هي تلك الخصائص، ولكن اللغة هي اللغة المشتركة.
عدنان: هي خصائص تميز لغة اليهود من داخل المصرية.
شحلان: أقول قد، من داخل المصرية نعم، كما يكون عادة في المجتمعات. ثم إن اللغة في التوراة، كما وصلتنا في اللغة العبرية، أكيد أنها تختلف نصًا ولغة وكتابة.
27:47
توراة عزير وتوراة موسى
عدنان: وعلى كل حال، أنت تقول في كتاباتك بأن التوراة التي نعرفها اليوم هي التوراة التي دونها عزير.
شحلان: نعم، وهي تختلف، كما سبق أن قلت، عن توراة موسى. توراة موسى هي، سواء في التوراة أو حتى في القرآن، دائمًا إشارة إلى لوحين. هذان اللوحان جاء ما نزل فيهما في العهد العتيق، محتواهما، إما كلمات العهد أو الشريعة أو توراة موسى أو الكلمات العشر أو كلمات العهد العشر. وهذه المسميات المختلفة تدل على مضمون واحد، هو الذي ورد في اللوحين، ولا يتعدى عدد كلمات هذا بضع مئات، وهو الأقرب إلى الوصايا العشر. فمضمون الوصايا العشر هو المضمون الوحيد والحقيقي الذي يمكن أن ينسب إلى توراة موسى.
إنه في كثير من الأماكن إشارة إلى لوحين، وفي كثير من الأماكن في العهد القديم أيضًا يشار إلى أن هذه كتبت على حجر.
ولا يمكن لا للَوْحَيين ولا للأحجار أن تتضمن كل ما وصلنا الآن في العهد العتيق، الذي هو بين أيدينا، وباللغة التي هي اللغة العبرية. لغة العهد العتيق، التي ذكرت..
عدنان: الذي يمكن أن نسميه أيضًا العهد القديم.
شحلان: نعم، تأتي (القديم) و(العتيق) في التوراة، وفي العربية في توراتنا، نسميها التوراة. نطلق الجزء على الكل، لأن التوراة تتألف من ثلاثة أقسام: من التوراة، ومن الأنبياء، ومن المكتوبات، تختصر بالعبرية “تناخ”: “توراة”، “نيفيئيم”، “كتوفيم”. والتوراة هي القسم الأول، الذي فيه خمسة أسفار من “تكوين” إلى “التثنية”. التي هي خمسة: “تكوين”، “الخروج”، “الأعداد”، “اللاويين”، “التثنية”. هذه هي القسم الأول، وهذه هي الأقرب إلى فترة موسى، مع أنها، يعني، متضمن بها، سواء فيما يتعلق بما ورد فيها من شرائع، أو فيما يتعلق بها من أحداث، لا يمكن أن تكون أيام موسى. هذا موضوع آخر.
حتى هناك طبعة للعهد العتيق تسمى التفسير التطبيقي للكتاب المقدس. عندما ترجع إلى هذا الكتاب، وقد أعدته مجموعة كبيرة من رجال اللاهوت المسيحيين في المذاهب المختلفة، عندما يتحدثون عن سفر التكوين، لا يتحدثون عن سفر التكوين بأنه وحي، يقولون: من كتبه موسى. وكل الكتب الإصحاحات لا ينسبونها إلى وحي، دائمًا إلى فلان، إلى فلان، إلى فلان. لا يوجد أي إشارة فيما كتبوا أنها وحي إلى الله. وهذا من أهم الكتب، هو كتاب مهم جدًا، التفسير التطبيقي للعهد العتيق. هذا من ناحية ترجمته، فيها ما فيها، ولكن من الناحية التي يريد أن يعرف تاريخ العهد العتيق، نرجع إلى هذا الكتاب لأنه فيه وضع جيد. وإن كانت، كما قلت، الترجمة لا تعبر دائمًا عن النص الأصلي.
من كتب التوراة التي بين أيدينا اليوم؟
عدنان: صحيح ما تتفضل الآن بتوضيحه، أنا صادفته وأنا أقرأ كتابك الهام “قضايا من أصول موسى عليه السلام إلى البابا بندكت السادس عشر”. وفيه تقول بأن: التوراة قن، لكنها لا تتمثل إلا في العهد والوصايا، في كلمات لا تتجاوز بضع مئات، وأنها كانت مكتوبة بحرف غير الحرف المعروف الآن، ولغة غير العبرية”. إنما، ماذا عن التوراة التي بين أيدينا اليوم؟ هل هي وحي كلها، أم أن أغلب أجزائها تدوين لتاريخ بني إسرائيل كما صاغه الكتبة والمدونون؟
شحلان: سبق أن قلت قبل قليل بأن العهد العتيق ثلاثة أقسام: توراة، والأنبياء، والمكتوبات. وأن ما فيها يختلف اختلافًا كميًا، يختلف اختلافًا كبيرًا جدًا عن المضمون الأصلي.
أعطيكم، إذا أخذنا “الأعداد” مثلًا. التوراة التي نعرفها اليوم، والتي يمكن أن نسميها بالتشريع، قد يختلف عن الشريعة. الشريعة ننسبها إلى موسى، ولكن ما ورد في العهد العتيق الذي هو تشريع، هو ما أضيف.
العهد العتيق في الأقسام التي أشرت إليها يتضمن 34 إصحاحًا، في 955 فقرة، إذا لم أخطئ في 294 ألفًا و14 آية. هذه إحصاءات أخذتها من مصادر عبرية في دراسة التوراة، 54 ألفًا و892 حرفًا. رأيت الفارق الكبير بين الكلمات العشر، 300 كلمة. وهذه الأعداد، هذه هي التي وضعها، ونسبت إلى “عزرا الكاتب”. “عزرا الكاتب” هذا..
عدنان: نحن نسميه “عزير”.
شحلان: “عزير” تمامًا، هذا “عزرا الكاتب” هو الذي عاش في بابل في العراق، وعاش تحت الحكم الفارسي. والفرس هم الذين سمحوا بإرجاع “سبايا”. أنا عندي رأي في قضية السبي البابلي، هل كان سبيًا بالمعنى الذي نفسره، أم كانت له حدود؟ هذا موضوع آخر كتبت عنه في مقالات أخرى، لا يسمح الوقت بالحديث عنه.
عدنان: ولكن أعطنا فكرة.
شحلان: لا توجد أي إشارة إلى النفي بأعداد كبيرة من فلسطين إلى بابل، والذي يمكن أن يفهم أن نبوخذ نصّر لم يأخذ من فلسطين إلا بعض العمالة المختصين الذين كان في حاجة إلى صنائعهم، ولكن كسبي لكل الناس، لا يوجد ما يدل عليه. على أن هذا الرجل “عزير” كان من كبار الموظفين عند الفرس، ورجع إلى فلسطين، وهو الذي غير كل مفهوم اليهودية، ووضع اليهودية بشكل آخر، وبمنظور آخر. كتبت عن هذا في خطابي لتنصيبي في أكاديمية المملكة المغربية، وسيصدر الخطاب في كتاب، وسنقرأ هذا.
تضخيم التوراة
عدنان: ونسعد بك بيننا لكي نناقش هذا. إنما ما يهمني الآن، فيما تفضلت به، مثلًا مسألة مثل السبي البابلي، كيف أنها مفتوحة أيضًا على بعض المبالغات وبعض الخيال. وهذا يجعلني دائمًا أعود إلى أنه ربما التوراة في أصلها كوحي كانت نواة فقط، ولكن هذه النواة تم تغليفها بمرويات أسطورية غذاها خيال مدونيها الخصب، وربما “عزرا” أولهم. وكذا رغبة هؤلاء المدونين في تضخيم الذات وتأكيد سموّها. ألا تعتقد بأنه تعرضت هذه النواة إلى تضخيم؟
شحلان: هذا صحيح، أولًا، لأن الفارق بين تدوين الكتاب الموجود بين أيدينا الآن وعهد موسى حوالي تسعة قرون. ولا يوجد أي نص للتوراة للعهد القديم، بالتواتر إلى موسى. لا يوجد أي نص على الإطلاق. ففارق تسعة قرون، فارغة. كانت أمورًا شفوية أكيد، ولكنها ليست مكتوبة، ليست مثبتة، ليس عندنا. عندما جمع “عزرا” و”سبينوزا”، تشكك حتى في جمع “عزرا”. عنده فيه رأي، علينا أن نأخذ بأن “عزرا” هو الذي جمع العهد العتيق. ماذا فعل “عزرا”؟ أو ماذا نفهم مما فعله؟ أنه ممكن أخذ النواة، ولكن عندما نرجع إلى مكونات العهد العتيق، نجد أن آداب ما بين النهرين تكوّن فيها قسمًا كبيرًا كبيرًا كبيرًا جدًا. بل كتابة التوراة “أوغاريت”، هذه “أوغاريت” في سوريا، في جنوب حلب، اكتُشفت قبل ربما خمسين أو ستين سنة، ووجدت فيها آلاف المنقوشات وآلاف الكتابات. ووجدت في هذه النقوش وهذه الكتابات كثير من الأشياء التي وردت في العهد العتيق.
أنا أحد أساتذتي “سنيسر” كان يدرس اللغة الفينيقية، وله كتاب نشر فيه كثيرًا من النصوص الأوغاريتية. وهذه النصوص تتضمن أجزاء تكاد تكون هي هي الموجودة في العهد العتيق. بمعنى أن العهد العتيق، بالإضافة إلى النواة التي أشرت إليها، التي يمكن أن تُنسب إلى سيدنا موسى، إلى وقته، جمع كثيرًا من تراث ما بين النهرين، وتراث الشام، على اختلاف المناطق، وعلى اختلاف ما كان فيه من تراث وما كان فيه من مكتوبات.
اكتشاف النصوص المسمارية واعتبارها من التوراة
عدنان: وعلى كل حال، حينما ظهرت الألواح المسمارية في 1928 على الساحل السوري، يعني اكتشاف هذه الألواح التي تعود أكيد إلى زمن سابق على زمن موسى وهارون، وضع مقولة أن التوراة هي أقدم الكتب في موضع المراجعة لدى العديدين، خصوصًا وأنه تمامًا، يعني مثل ما تفضلت الآن، ما جاء في هذه النصوص يوافق ما جاء في التوراة، رغم أنها سابقة عليها. مرة أخرى، ما رأيك فيمن ينطلق من هذه النصوص المسمارية لكي يسميها أو يعتبرها توراة كنعانية قديمة؟
شحلان: أولًا، أنت تتحدث عن معنى المسمارية، وهذا يدفعنا إلى الحديث عن تطور الكتابة. الكتابة في أصلها كانت تصويرية، والتراث المصري العريق يدل على ذلك. فليسمي الإنسان، يصور صورة إنسان كامل. ومع الزمان، فهذه عملية لا تساعد على التطور. إذًا، بدل أن يرسم الإنسان كله، يرسم رأسه فقط ليدل على الإنسان. ثم هذه لا تدعو أو لا تساعد على التطور. فبدل أن يرسم صورة الرأس كله، فقط يعمل خطًا هكذا، الذي هو يعني قلة الرأس، نأخذ في “أولاف”، هذا يعني يبين أكثر. كلمة “ألف” هي باللغة الأكادية “ثور” “أولاف”. فكان في الأصل يصور “الثور” كله للدلالة عليه، ثم أخذ الرأس فقط، ولكن مختصرًا تقويس هكذا. ثم “قرنين” هي التي أصبحت “A”. لأن الإغريقية أخذت الخط الفينيقي. فإذًا، هذا الربط بين الكتابة، إذًا، اللغة، الكتابة المصرية كانت تصويرية، ثم تطورت. ولكن الذي تطور هو الكتابة المسمارية. ما معنى الكتابة المسمارية؟ أنها كانت ما بين النهرين، نظرًا لطبيعة الأرض، كانت طينية، وكان الماء. كانوا يشكلون ألواحًا من الطين، ثم أخذوا القصب، وكانوا يرسمونه، يصنعونه على شكل مسامير. وكانوا يضعون هذه المسامير فوق هذا الّلبِنْ، يعني الجاف، وكونوا مقاطع. إذًا، الكتابة المسمارية هي ليست ألفبائية، هي مقطعية.
عدنان: تصويرية.
شحلان: لا هي مقطعية مقطعية. ومثلًا، يأخذ شيئًا، مثلًا، أعطي مثالًا، “مس”، يرسم “مس”، فيكون يعمل “مس”، “مس” “مار”، “مس” “كان”، “مس” “رح”، إلى آخره. فتكون هذه “مس” تليق لمجموعة من الكلمات، فمئات من الرموز. لذلك تسمى الرموز، وليست حروفًا. هي رموز. فالكتابة المسمارية هي هذه.
الآن ننتقل إلى التراث الذي كان موجودًا في العراق بالأخص، كان كله بالخط المسماري. الكتابة المسمارية، ملحمة “جلجامش” كانت بالكتابة المسمارية. قصة الطوفان كانت بالكتابة المسمارية.
التشابه بين التوراة وقصص بابل
عدنان: أنا لا أريد أن تفوتني قصة الطوفان دون أن أتوقف عندها، لأنه مثلما تفضلت الآن، يعني “عزرا الكاتب” كان يعيش في منطقة ما بين النهرين، وقصة “جلجامش” وملحمة “جلجامش” كانت شهيرة هناك. وأنت توقفت في كتابك دائمًا “قضايا من أصل موسى” عند هذه القصة البابلية كما روتها ملحمة “جلجامش”، اسمح لي أن أقرأ من الملحمة: “أصعدت داخل الفُلك أهلي وأقاربي، حيوان الحقل وبهيمة الفيافي، دخلت الفلك وغلقت الأبواب. ثم مطلع الفجر تراءى في كبد السماء غمام أسود”. طبعًا القصيدة طويلة، “واجتاحت العاصفة البلاد، وجاء الطوفان”. أنت في كتابك قارنت هذه القصة، هذا الطوفان في “جلجامش” مع الطوفان التوراتي مع نبي الله نوح. كيف تفسر مرة أخرى هذا التقارب حد التطابق بين الطوفانين؟
شحلان: كما تعرف أن الكتب السماوية تتضمن شيئين اثنين: تتضمن الشرائع، وتتضمن الأحداث التاريخية.
عدنان: القصص، أساطير الأولين.
شحلان: ما تسمى أساطير، ولكن بعضها غير أساطير، هي حقائق. أرجع إلى قصة الطوفان، هذا حدثٌ حدث في التاريخ فعلاً. فما جاء في ملحمة “جلجامش” أو في التوراة أو حتى في القرآن هو متشابه كثيرًا. لا يدل على “نقول”، فالكثير من الذين ينتقدون القرآن، خصوصًا في مثل هذه، يقولون إن القرآن نقل قصة الطوفان عن العهد العتيق. هذا خطأ. العهد العتيق أخذ قصة الطوفان لأنها كما جاءت في ما ترجمته، ما أشرت إليه في الكتابات القديمة. هذا يدل على حدث حدث في التاريخ. وبما أنه حدث في التاريخ، فقد أتت به الآداب المكتوبة قديمًا قبل الكتب السماوية، وأتت به الكتب السماوية مثل التوراة، ثم أتى في القرآن. وأنتم تعرفون أن البحث الأركيولوجي أثبت فعلاً وجود الطوفان في هذه المنطقة، بل حددوا حتى، طبعًا في الكتابة القديمة، على أنه طوفان عام. ولكن ليس، لا يطلب من الكتب القديمة، من طبيعة الكتب القديمة أن تحدد لنا ما هو هذا الطوفان العام. هي تحدثت عن حدث من أجل أغراض، من أجل مغازٍ، لا تدخل فيها.. خصوصًا القرآن، كما تلاحظون أن القصة التي جاءت في “جلجامش” أو في العهد العتيق عن الطوفان، في العهد العتيق تختلف اختلافًا كبيرًا عن ما جاء في القرآن.
ما جاء في القرآن منتقى انتقاءً، فيه إرادة، فيه إشارة، فيه بلاغ من أجل مغازٍ. بينما دخلت التوراة في كثير من التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل.
عدنان: ولكن دخول التوراة في تفاصيل التفاصيل هو الذي قرّبها من ملحمة “جلجامش”.
شحلان: تمامًا. هذا يدل على هذه النقلة. إذًا، وجود طوفان في “جلجامش”، وما كان سابقًا، وفي التوراة، وفي القرآن، يدل على أنه حدث حقيقي، حدث فعلاً. ويقال بأن السفينة وجدت في “أرارات”، يعني في الآن، تركيا الموجودة الآن، إلى آخره.. ولكن الذي يدل، لماذا كان هذا التشابه؟ لماذا كان هذا التطابق؟ الجواب سهل، لأنه حدث تاريخي حقيقي، حدث في التاريخ.
التشابهات بين جلجامش والعهد القديم
عدنان: وكان فيه أيضًا، مثلًا، حتى شخص، يعني لنكون واضحين، مثلًا “جلجامش” كان يبحث في الملحمة البابلية عن عشبة الخلود. نبي الله نوح شرب في القصة التوراتية جرعة من كأس الخلود وعاش ألف عام. فالتقابلات كثيرة في الواقع.
شحلان: قضية الخلود، لأن الإنسان، ولد أهدافه الخلود، ولكن طبيعته غير دائمة..
عدنان: الفناء، طبيعته الفناء.
شحلان: الفناء. فلذلك هناك دائمًا تطلع. “نوح” يعتبر “آدم الثاني”. فهمنا بأن الطوفان كان طوفانًا عامًّا، أن الخلق انتهى، وأن الذي بقي هو نوح وأسرته. منهم كان البشر الثاني. إذًا هذا امتداد للإنسانية لكي لا تنقضي. والغريب أن قصة نوح من حيث هي فيها شيء أعظم لننتبه إليه، بأن العلوم الإنسانية التي نسير بها اليوم كانت معروفة عند الإنسان القديم. لأن البناء الذي بُنيت به سفينة نوح، أن العلوم التي بُنيت بها، أن الهندسة التي وضعت بها، هي نفس العلوم، هي نفس الهندسة التي تُبنى بها اليوم سفن العصر الحاضر. ولذلك أنا أعتبر دائمًا، أعتبر ما قبل نوح كان حضارة الزراعة والفلح والزرع، وأن مع نوح تبدأ حضارة الصنائع، حضارة الصناعة، يعني ومن بعد مع نبي الله موسى تطور آخر، ولكن يبدأ مع القرآن حضارة التفكر، وحضارة الفكر، والنضج، والحضارة المبنية على المنطق كله.
ملحقات التوراة والتطابق مع قانون حمورابي
عدنان: على المنطق.. أنا سأعود بك دائمًا إلى التوراة. تكلمنا عن الجانب الذي فيه القصص، وقصص الأولين وحكاياتهم، ولكن هناك جانبًا آخر يتعلق بالشرائع. ودائمًا نتكلم عن التوراة التي خلفها “عزرا الكاتب”. وحينما نمر من القصص ومن تأثير، مثلًا، ملحمة “جلجامش” على قصة نوح، هناك أيضًا تأثير آخر فيما يتعلق بالتشريعات. تأثير قانون “حمورابي” على تشريعات موسى. ومرة أخرى نجد تطابقًا شبه تام ما بين القوانين، بدءًا بقانون العين بالعين والسن بالسن، وانتهاءً بقانون نطحة الثور. وأنت فصّلت في هذه القوانين في كتابك “القضايا”. مرة أخرى، كيف تعلق على هذا التطابق؟
شحلان: هذا يبين ما سبق أن أشرنا إليه قبل قليل، هو أن العهد العتيق يتضمن جماع الآداب والتراث المكتوب في ما بين النهرين وفي الشام. نرجع إلى الوصايا العشر. الوصايا العشر التي هي أساس في العهد العتيق. بعدها ورد مجموعة طويلة ملحقة، أعتبرها ملحقة من الشرائع العبرية اليهودية. هذه الشرائع الملحقة للوصايا العشر، واضح من التأليف أنها كلها مضافة، لأن ما تدل عليه اجتماعيًا واقتصاديًا لم يكن بطبيعة الحال أيام موسى على الإطلاق، والأوصاف التي وردت فيها لم تكن موجودة في ذلك المجتمع. إذًا، فهذا استقطاب. هذا..
عدنان: هل يمكن أن تعطينا مثالًا لكي تتضح الفكرة أكثر؟
شحلان: مثلًا، الحديث عن ملكية العبيد، الحديث عن سرقة الأشخاص، الحديث عن قتل ثور، الحديث عن الاغتصاب، أشياء كثيرة جدًا تتعلق بالحياة الاجتماعية. ما كان من الضروري أن تكون موجودة في الوحي الأول المشار إليه، الذي جاء، كما قلت لك، في عدد قليل من الكلمات. فإذًا، عندما نرجع إلى الوصايا العشر، وهذه اللواحق للوصايا العشر، وهي كثيرة جدًا، نجد أنها تضمنت كثيرًا من قوانين ما بين النهرين خصوصًا قانون “حمورابي”. ففي الوصايا العشر قارنت أولًا بين قانون “حمورابي” وما ورد في هذه الملحقات التوراتية. كثير منها يكاد يكون هو.
عدنان: هناك تطابق في الكتاب، يا ليت تقربنا، ولكن فعلاً هناك تطابق.
شحلان: كامل، كامل، كامل، كما جاء في قانون “حمورابي”. ورد فيه 282 بندًا. هذا القانون كان مكتوبًا، وكان موضوعًا في المدينة. هذا يدل على أن سكان المدينة كانوا يقرؤون، وكان مكتوبًا بالخط المسماري، الذي تحدثت عنه، بالرموز المسمارية. هذا النموذج موجود حتى الآن في اللوفر، متحف الوفر. يمكن، إذا كان مسموحًا، أو كان طريقة من الطرق أن نضيف صورة لهذا.
عدنان: سنحاول.
شحلان: وفي هذا القانون، الذي فيه 282 بندًا، فيه البند 117: الرجل الذي لا يستطيع رد الدين، يساوي ما ورد فيه في التوراة، سفر الخروج، الإصحاح 21. عندما إذا اشتريت عبدًا عبرانيًا، ولم يخدم، يصبح ملكًا بدينه.
هناك البند 195، الذي يتحدث عن ضرب ابن أباه، وأنه تقطع يد الابن. في 15 في الوصايا المقابل تمامًا البند 14 في قانون “حمورابي” بالحرف في الملحق للوصايا العشر. للبند 16: خطف الإنسان. البند في قانون “حمورابي” 196 بالضبط هو نفس ما ورد في العهد العتيق في الـ 23 ملحق الوصايا.
البند 197 في قانون “حمورابي” هو بالضبط ما ورد في الخروج 94: العين بالعين، الذي أشرت إليه.
البند 199 هو نفس البند بالضبط الذي ورد في 26.
كثير، كثير، كثير، كثير. 200، 250. يعني أخاف من الوقت. بالحرف..
عدنان: نحن سنحيل القراء على كتابك، بكل صراحة.
شحلان: هي بالحرف. بالإضافة إلى ما سبق أن قلت لك، ما نشره الأستاذ “سنيتزر” وأورد في الكتاب مجموعة النصوص الأوغاريتية التي حققها، ونشر ترجماتها. نصوص كثيرة، كثيرة، كثيرة تتشابه بالحرف مع ما ورد في العهد العتيق. ويجب أن نشير أيضًا أن كثيرًا من نصوص العهد العتيق وردت بالحرف في الأناجيل، بالحرف كما هي.
إذًا هناك، هذا توارد، هناك هذا تداخل، هناك هذا النقل من، أو نسميه الإرث الحضاري الإنساني، الذي تمثل في قضايا وأحداث وردت سواء في الكتابات القديمة ما قبل الكتب السماوية، أو نرجع إلى المكتوبات، المخطوطات النقوش المسمارية، وهي بالملايين، كثيرة جدًا، كثيرة كثيرة بشكل. الخط الأوغاريتي.. يعني لم أشر من قبل أن الخطوة أو التطور الذي حدث في الكتابة من الخط المسماري انتقل مباشرة إلى لغة عربانية سامية، كانت هي الأوغاريتية، وكانت في سوريا. هي أول من نقل من الكتابة المقطعية إلى الكتابة الألفبائية، اللغة الأوغاريتية، ولكن احتفظت بالرسم المسماري.
والذي ابتعد نهائيًا عن الرسم المسماري، وجعل الحرف حرفًا، هو اللغة الفينيقية. أول حرف كان حرفًا فينيقيًا، لأسباب واضحة موجودة. الفينيقيون كانوا تجارًا، التاجر في حاجة إلى سرعة التسجيل، وفي حاجة إلى خفة المنقول لينقله في تجارته. ولذلك وضع الفينيقيون 22 حرفًا، التي هي ألفا، بيتا، من بعد الإغريق أخذوها. ألف، بيت، جيم، ميل، داليت، إلى آخره، الألف والباء والتاء والجيم والحاء والخاء والدال، ألفا بيتا جاما دلتا، إن الإغريق ورثوا من الحضارة الشرقية الكثير. أول ما ورثوا أعظم ما ورثوا هو الألفبائية. أنا كنت كتبت موضوعًا عن ما ورثه الإغريق من الشرق، سواء في الطب أو في الرياضيات أو في الهندسة أو في علم الفلك إلى آخره. هذا لم تتحدث عنه كتب الغرب، لم تتحدث كتب الغرب إلا عن حضارتهم وأنها هي الأولى، الحضارة الإغريقية، ولكن الحضارة الإغريقية مفعمة بالتراث الشرقي، بدءًا من أهم أداة، التي هي ألفا، بيتا، جاما، ألف، باء، تاء، جيم إلى آخره.
سرقة الغرب للحضارة الشرقية
عدنان: هو في الحقيقة، دكتور شحلان، نحن نحس كما لو أن الغرب، يعني الغرب بشكل عام، الذي في أوروبا وأمريكا اليوم، سرقوا من الشرق الثقافة الإغريقية، لأنها، الثقافة الإغريقية هي بنت الثقافة الشرقية القديمة، وعاشت في تماس مع الثقافة المصرية والثقافة الفارسية، وثقافات المنطقة ولغاتها وحضاراتها. ولكن، أبى الغرب إلا أن يسلها سلبًا، وينسبها إليه، ويبني عليها ثقافته في قطيعة معنا، وإلا نحن ضيعنا أن نستفيد من الثقافة الإغريقية والثقافة اليونانية باعتبارها صلة وصل ما بين الشرق والغرب؟
شحلان: صحيح، كما قلت لك، الحضارة الإغريقية، الفكر الإغريقي هو نتاج الفكر والحضارة الشرقية. حتى كتبنا القديمة، يعني، انظر إلى ابن النديم، فهرس ابن النديم، أو انظر إلى ابن حزم أشار إشارات، ولكن أكثر الذي أشار إلى العلاقة بين التراث الشرقي بالتراث اليوناني هو ابن النديم، في كتاب الفهرس وكتب أخرى. ومن يرجع إلى هذه الكتب القديمة يجد العلاقات المتينة، علميًا وثقافيًا، بين الشرق والغرب.
وتاريخ هيرودوت، يوضح ذلك. هيرودوت تحدث عن نقل الماء، طريقة القنوات، بين الشرق والغرب، ولكن الغريب أن الغرب سكت عن ثمانية قرون من حضارتنا العربية الإسلامية، لم يؤرخ لها وتركها هملًا.
نحن لم نهتم، مع الأسف، بالعلوم الأركيولوجية، لم نهتم باللغات القديمة الشرقية، تركنا الغرب ينظر في هذه ويستنتج منها ما يوافقه هو. عندما نرجع نحن إلى هذه، ونكون نحن الذين يعمدون، الذين ينتجون، ستكون النتائج شيئًا آخر.
أسس التاريخ والفيلولوجيا
عدنان: ولهذا كنا حريصين على أن تكون معنا هنا، لأنه حقيقةً، حتى وأنا أفكر في الاستشراق وتشعباته، كنت دائمًا أقول: الاستشراق يقوم على قدمين في الواقع، منهجين: المنهج الفيلولوجي والمنهج التاريخاني. يمكن أن أستضيف هنا مؤرخين، ولكن ماذا عن الفيلولوجيا؟ أحتاج فيلولوجيا عربيًا أستقوي به هنا، ولهذا كنت حريصًا على وجودك بيننا. ومن يوم ما بدأت هذه المغامرة، وأنا أطاردك، دكتور شحلان لكي تحضر معنا.
شحلان: الذي ننتبه إليه هو أن التاريخ، خصوصًا، تاريخ هذه الحضارة التي نتكلم عنها، ما هي أسسه؟ هي فقه اللغة، هي الفيلولوجيا. فكله مبني على الفيلولوجيا، على الدراسات الفيلولوجية، على التفسيرات اللغوية، لأنه لا يمكن أن نفهم الكثير من الأمور. أعطيك مثالًا ينفع في التاريخ: نتحدث عن سد مأرب في الحضارة الشرقية. وماذا نقول؟ ما هو سد مأرب؟ إن الاسم الذي أُطلق على هذا السد هو مأرب. الأمر خطأ، هذا ليس اسم السد، هذه صفة ما حدث للسد، السد انفجر. وفي اللغة العربية، ماء رب، ماء كَثُر، والقرآن يفسر، لننتبه: “فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ”. مع رب، سيل ماء، العارم، ربا يربو. فالتاريخ مبني، بنوا هم التاريخ على الفيلولوجيا، ولذلك اهتموا به كثيراً.
فالفيلولوجيا، عندما نتكلم عن بيروت، لماذا بيروت؟ بئر أوت، البئر علامة. البئر كان دائمًا تقع حوله الناس، إذن فسموه، العلامة هي بيروت. البئر أوت، البئر العلامة. لبانون، الجبال البيضاء، لماذا سُميت لبانون؟ لأنها بيضاء دائمًا؟ فالمسشرقون بنوا التواريخ، تواريخ الكتب وتواريخهم على الفيلولوجيا، على التحليلات اللغوية، صحيح سيدي، ما أشرت إليه، وهذا هو الذي يجب علينا أن نقوم به الآن نحن.
العلاقة ما بين العبرية والأرامية والتداخل بينهما
عدنان: وإذًا، نحن سنستثمر وجودك بيننا، كفيلولوجي متخصص في اللغات الشرقية القديمة، لكي نشتغل في المنطقة التي تعرفها ربما أكثر من غيرك، وهي العلاقة ما بين العبرية والأرامية والتداخل بينهما. أنت تقول، دكتور أحمد شحلان، بأن اللغة العبرية ماتت في أفواه أصحابها، وأنها لم تعمر في حياتها التداولية أكثر من خمسمائة سنة، لأن الأرامية أصبحت بدءًا من النفي البابلي لغة اليهود. إليها ترجمت التوراة، وبها كتب التلمود. كيف ذلك؟
شحلان: سبق أن أشرنا إلى أن اللغة الأصلية للتوراة لم تصلنا، وبالتالي أن عزرا الذي كتب التوراة، كتبها بلغة هي العبرية التي وصلتنا. ولا يوجد الذين أرخوا لمولد اللغة العبرية، فكل ما كتبوه هو غير واضح جدًا. كيفما كان الحال، فإن مولد اللغة العبرية يعني هو مولد حديث بالنسبة لما بين موسى وظهور اللغة العبرية. قد نربط اللغة العبرية بفترة داود وسليمان، وما بين هذه الفترة إلى حوالي خمسمائة وكذا وثمانين قبل الميلاد، وهي فترة النفي البابلي. فهذه الفترة الزمنية القليلة من القرون، حوالي خمسة، يعني كانت العبرية، وليس لنا الكثير من آثار هذه الفترة، من مكتوبات هذه الفترة، ما يدل ماذا كانت تضم، ما هي الآثار التي تركتها إلى آخره. انتهت اللغة العبرية، وأصبحت اللغة الأرامية في بابل هي لغة اليهود، ولذلك نجد أن التوراة…، ما يدل على أن العبرية لم تكن مفهومة في بابل. أن اليهود كانوا يذهبون إلى الكنائس، وكان الربي يقرأ التوراة بالعبرية، وبجانبه مترجم يترجم إلى الأرامية. وهذه هي أول ترجمة باللغة الأرامية، وتسمى “ترجوم”، يعني “رجم”، لفظ “رجم” نرجع للفيلولوجيا. لفظ “رجم” في أصله في اللغة الفينيقية هو “تكلم”، “رجم”، والقرآن جاء بهذا المعنى الخاص بالتكلم، يعني قضية أصحاب الكهف “رَجْمًا بِالْغَيْبِ”، أي قولًا بالغيب. هنا العربية استعملت..
عدنان: الكلمة الفينيقية.
شحلان: دائمًا العربية، القرآن أتى، قبيل أشرت إلى سد مأرب لم أنته منه، يعني القرآن ترجم قال “مع رب سيل عرم”. “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ”. إذًا، أين ترجم إسماعيل؟ “إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ”، “شِمَعَ إلْ”. إِن إِسْمَاعِيل مُؤلفة مِنْ سمع واسم الجلالة الذي هو الله، “إل” “سَمِعْ إل”، “جبرا إل”. كل هذه الأسماء تنسب إلى الله. إذن “شمع إل”، “سمع إل”، هاجر لما تعرضت له، ووهبها الله ابنًا، سمته “الله سمع”. “شمع إل”. القرآن، يعني: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ” “شمع إل”.
فالقرآن أتى في كثير من الأحيان بلغة الحدث، منها مأرب ومنها إسماعيل، ومنها الكلمة التي ذكرناها الآن. إذًا، هذا الحضور للغات القديمة دائمًا موجود مع المشهدية لخط اليهود في فترة بابل، أصبحت اللغة الأرامية هي اللغة المعروفة، ولذلك ترجمت التوراة من اللغة العبرية إلى الأرامية، فسميت هذه الترجمة “الترجوم”. ونظرًا لأن..
عدنان: التلمود.
شحلان: قصة التلمود أيضًا، كتابة التلمود موجودة. تعرفون بأن اليهود يعتبرون أن التوراة هي وحي مكتوب، وأن التلمود وحي شفوي. ولكن ما معنى التلمود؟ التلمود هو الكتابات المتوارثة عن أجيال من الأحبار، وجُمعت هذه الكتابات بالأخص في العراق. كانت هناك في العراق مدارس كبرى، أيام الإسلام، في العهد الإسلامي. فكتب التلمود، والتلمود هو في الحقيقة ينقسم إلى قسمين: قسم يسمى “مشناة” ومعناه “تثنية”. هذا مكتوب بعبرية متأثرة بالأرامية. والقسم الآخر يسمى “جيمارا”، و”الجيمارا” معناه بالآرامية هو التتميم. وهذا كله مكتوب بالآرامية. ما هو مضمون التلمود؟ هو نفس مضمون العهد العتيق. ما هو مضمون العهد العتيق؟ العهد العتيق، كما سبق أن أشرنا، هو شرائع وهو أحداث. كذلك التلمود هو شرائع وأحداث. لذلك ينقسم انقسامًا من ناحية المعنى إلى إلى “هلخ”، و”هجد”. كلمة “هلخ” هي تشريع، ونرجعه إلى فقه اللغة، هو “هلخ”، وباللغة العربية “هلك”، وباللغة العبرية “هلق” هو التشريع. إذًا، في العربية “شرع” هو “مشى”، و”هلك” هو “مشى”، لأن “هلك” هالك وترك مالًا. غُيرَ في اللغة العربية، يصبح “مشى” بدون رجوع، ولكن في اللغة العبرية “هلخ” هو يمشى ويأتي. هلخلت إلى البيت تبت، ذهب هلك ذهب وتاب وتبت ورجعت..
عدنان: من الإياب.
شحلان: من الإياب. إذًا نرجع. قلت: التلمود مضمونه “هجد” وهو التواريخ، وما جد على بني إسرائيل، و”هلخ” هو التشاريع. هذه كلها كتبت، هذا القسم باللغة الآرامية، ثم كتبت كتابات أخرى، يعني اجتهادات كلها باللغة الآرامية، وانتهت اللغة العبرية نهائيًا.
الأثر العربي الإسلامي على اليهودية
شحلان: متى ولدت من جديد؟ يمكن أن أقول بأن هنا ملاحظة: اليهودية قبل الإسلام كانت ديانة طقوس، اليهودية بعد الإسلام أصبحت يهودية فيها فكر، لأن كل المكتوبات ما قبل الإسلام كانت تتعلق بشرائع، وبهذه الأساطير إلى آخره. يقولون بأنه كان فيها فلسفة وإلى آخره، كانت فيها بحوث وعلوم، لا. كل العلوم العقلية اليهودية هي وليدة الأثر العربي الإسلامي وسماحة الديانة الإسلامية.
قد نقول: لماذا لم تظهر هذه الطفرة العلمية عند اليهود إلا مع الإسلام؟
عدنان: وأنا أقرؤك، توقفت عند “التأليف في نحو العبرية ولغتها”، أصلًا غير الجانب اللغوي. قلت بأنه كان دائمًا ضعيفًا منذ عصر عزير في القرن الخامس قبل الميلاد حتى العصر الإسلامي. وتقول بأن التأليف الحقيقي في اللغة العبرية لم يبدأ إلا مع العصر الإسلامي، وبتأثير من العلوم الإسلامية. لهذا مناسبة لكي أعرف منك كيف ساهم الإسلام، وكيف ساهمت علوم الإسلام في تطوير لغة اليهود؟
شحلان: وأنا أقول أيضًا: ما السبب؟ تعرفون أن اليهودية كانت مُبعدة عن علوم المجتمعات التي كانت تعيش فيها عن طريقين اثنين: الإبعاد الأول من الذين كانوا يعايشون اليهود، فلم يسمحوا لهم بالاطلاع أو المساهمة في الجوانب الفكرية. إذًا، كان الوسط هو الذي يحد من معارف الجاليات أو الطوائف اليهودية في المجتمعات التي عاشوا فيها. القسم الثاني أن أحبار اليهود أنفسهم أبعدوا اليهود، لأن علوم تلك الشعوب كانت تلتبس بما يعتبرونه معارف وثنية. فقد كانت معارف وثنية، والأحبار أرادوا أن يبعدوا اليهود عن المعارف الوثنية. حتى المسيحية بالنسبة لليهود فيها “تثليث”، بالنسبة لهم التثليث وثنية. إذًا، المجتمعات أبعدت اليهود عن ثقافة مديديا الأولى. أحبار اليهود أبعدوا اليهود عن الثقافة الأخرى خوفًا من رواسب وثنية.
إلى مجتمع، المجتمع الإسلامي. المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي مكّن اليهود في كل مواطنه المعرفية. وقد أقول حتى في المساجد، وحتى في المجالس العلمية. ما الدليل على ذلك؟ الأعلام، أعلام اليهود الذين درستهم وهم كثر، الكثير منهم يعرف القرآن، يعرف الحديث، يعرف التراث العربي الإسلامي. لا يمكن أن يعرف هذه من البيعة.
عدنان: لا.
شحلان: لا بد أنه أخذها من مواطنها. وأن المجتمع، سواء في الشرق، وبالأخص في الغرب الإسلامي، هو الذي فتح الأبواب لأعلام اليهود لكي يستقوا من المعارف اليهودية.
إذًا، هذا التسامح من جهة المحيط، ثم أن أحبار اليهود ذاك التخوف الذي كان عندهم زال. لماذا؟ لأن الإسلام موحد أيضًا، فاليهودية موحدة والإسلام موحد. فالموانع الاثنان أبعدا، فأصبحت الديانة اليهودية ديانة أيضًا فيها فكر بفضل العلوم العربية الإسلامية. لأننا عندما نأخذ التأليف، في جميع أنواع التآليف: في التفسير، في اللغة، في العلوم الرياضية، في الفيزياء، في الكيمياء، في العلوم اللاهوتية، كلها تتلمذ فيها اليهود. بدؤوا في المشرق، ولكن بصفة أساسية.
عدنان: بصفة أساسية في الأندلس.
شحلان: في الأندلس، لذلك هم يسمون عهدهم في عهد الأندلس العصر الذهبي للغة العبرية.
إذًا، العهد الأول للغة العبرية التي ماتت، كما سبق ورأينا، انتهى في ذلك، وبدأ في الشرق مع الإسلام، مع سعديا الفيومي، الذي كان في القرن التاسع في مصر، وتتلمذ على العلوم العربية الإسلامية، وأصبح من كبار علماء مدارس العراق، التي هي مدارس التلمود، وأدخل فيها العلوم العربية الإسلامية، وألّف باللغة العربية بحرف عبري. النص عربي ولكن الحروف عبرية.
إذًا، اليهود أخذوا في الشرق وفي الغرب الإسلامي كل العلوم الإسلامية، كما سبق أن قلت لك، وظهر فيهم كبار العلماء. وحتى هناك كتاب جميل جدًا كنت حققته، هو كتاب “المحاضرة والمذاكرة”..
عدنان: عندي عندي.
شحلان: لأحد أعلام اليهود، وهو موسى بن عزرا. وهذا من أجمل الكتب التي بيّنت يعني تأثير الثقافة الأدبية الإسلامية في الفكر اليهودي.
وهناك كتاب آخر تحدثت عنه، وهو “الهداية إلى فرائض القلوب”، وهو أول كتاب في التصوف اليهودي، ليحيى بن باقودة السرقسطي، أيضًا متأثر فيه بالتصوف الإسلامي. تأثرًا كبيرًا جدًا، بل هو وضع كتابه بناءً على ما ورد في “إحياء علوم الدين”، أخذ القسم الرابع من “إحياء علوم الدين”، وبنى عليه هذا الكتاب “الهداية إلى فرائض القلوب”.
أول وأكبر عالم علماء النحو، هو أبو الوليد مروان بن جناح، الذي كتب كتاب “اللمع” في النحو، وهو على غرار سيبويه. هو بدأ إذًا، المدارس النحوية والمدارس الفلسفية والمدارس اللغوية كلها ظهرت مع الإسلام..
عدنان: في الغرب الإسلامي.
شحلان: في الغرب الإسلامي وفي الشرق. لأن أول مجتمع، أول ديانة أفسحت المجال لليهود ليأخذوا من ثقافتها هي الثقافة الإسلامية العربية.
كيف جددت العبرية ذاتها؟
عدنان: الثقافة الإسلامية العربية.. وجددوا لغتهم.
شحلان: نعم، هذا موضوع آخر كبير جدًا.
عدنان: أنا لماذا أقول جددوا لغتهم؟ لأنه لا أتحدث ولا أفكر فقط في الزمن الأندلسي، ولكن أفكر في هذا التجديد المتواتر للغة. وربما عيني على الحاضر، لأن العبرية الحديثة أيضًا تعرف تجديدًا، وهو يمتد على نحو قرن من الزمان الآن. إنما كيف جددت العبرية ذاتها هذه المرة أيضًا؟ لأنك تقول، يا دكتور شحلان، أن معظم جديد العبرية، واسمح لي هنا أن أقتبس كلامك حرفيًا: “دخيل من اللغات التي كان يتحدث بها يهود الشتات في بلاد كثيرة من المعمور. وقد سماها دارسو اللغة العبرية أنفسهم “كوكتيلا”.” خليطًا لغويًا، مثل الخليط البشري.
شحلان: نعم، صحيح، قلت بأن اللغة العبرية في الأندلس جُددت نعم، جل المصطلحات العلمية في جميع العلوم هي بنت… في العبرية، هي بنت ما صنعه يهود الأندلس، كما قلت في كثير من العلوم. ومع سقوط الأندلس 1492، حتى الفكر اليهودي من قبل، رحل من الغرب الإسلامي وانتقل إلى أوروبا. ومع نقلته، ستتغير معالم الفكر والثقافة اليهودية، وظهرت حركة في هذه النقلة، التي هي حركة الترجمة، ترجمة العلوم العربية الإسلامية إلى اللغة العبرية، لأن حركة الترجمة للغة العبرية لم تظهر في الأندلس. يهود الأندلس كانوا يتعاملون مع العربية كأنها لغتهم، لكن أحفادهم عندما ذهبوا إلى الغرب ووجدوا أن اليهود لم تكن لديهم تلك الثقافة، أرادوا أن يدخلوا في الثقافة، فترجموا لهم ما نقلوا معهم من مخطوطات، هي عربية ولكن مكتوبة بالحرف العبري، كما أشرت إليه. فترجموها إلى اللغة العبرية. فهذه الترجمة كانت جديدة، وإضافة إلى اللغة العبرية.
ثم هذه الترجمات العبرية احتاجتها أوروبا، فترجمت إلى اللغة اللاتينية. ومنها إذًا، نقلت علومنا إلى اللغة اللاتينية. والسبب في كون إيطاليا هي مهبط النهضة.
عدنان: مركز النهضة.
شحلان: نهضتها، لأن فيها تأخرت الحضارة العربية. لهذا كانت إيطاليا هي منطلق الحضارة الغربية. فكل ثمار الفكر العربي الإسلامي بفضل بعض المتنورين في إيطاليا، كفردريك الثاني، وملوك صقلية، بفضلهم نقلت معارفنا العربية الإسلامية إلى إيطاليا، ومن إيطاليا كانت النهضة الغربية.
اللغة العبرية وتاريخها
عدنان: نعود إلى اللغة العبرية اليوم.
شحلان: اليوم.. حتى الحادث هيرتزل، واقعة دريفوس..
عدنان: في فرنسا.
شحلان: في فرنسا. دريفوس كان ضابطًا يهوديًا إسرائيليًا.
عدنان: كان ضابطًا يهوديًا وحوكم.
شحلان: وحوكم، انقسمت الآراء: هل حوكم لأنه يهودي أم لأنه كذا؟
عدنان: هي التي استدعت تدخل إيميل زولا الشهير برسالة “زا كوز” “إني أتهم”.
شحلان: في هذه الفترة، كان صحفي من النمسا الذي هو هيرتزل يعيش في باريس، ولما عاش الأحداث. وضع سؤالًا: كيف يمكن لبلد هو صاحب الشعارات الثلاثة: “حرية، وعدالة، ومساواة”، أن يحدث فيه ما يحدث؟ فألف الكتاب المشهور لتجويف دولة اليهود، يقال، في ثلاثة أيام. وعلى إثر هذا كان هذا أول انعقاد في سبعة وتسعين، في 1897، أعتقد 1897 أول مؤتمر في سويسرا.
عدنان: في بازل.
شحلان: في بازل. نعم، من هنا بدأ الحديث عن القضية اليهودية. ولكن كان أحد أعلام اليهود اسمه ابن يهودة، كان في باريس، وكان مع جماعة من اليهود في مقهى. وكل واحد منهم يتكلم بلغة تختلف عن الآخر، لا يعرفها. في لحظة من اللحظات، وجدوا أن كل واحد منهم يجمعهم لغة واحدة، وهي اللغة العبرية التوراتية كما هي. فقال: هذا هو الحل، إذن لا بد من أن نوجد لغة مشتركة، لأنه لا يمكن أن يكون هناك قيام سياسي إذا لم تكن هناك لغة جامعة.
هذا هو ابن عزرا هو الذي بدأ وكوّن مجموعة لجان، وهو أول من وضع معجمًا من 16 جزءًا للغة العبرية الحديثة. وكل ما استفاد فيه في هذا المعجم هو من تراث عربي إسلامي. كانت المعاجم العربية الإسلامية هي مصدره ومرجعه. ويعتبر ابن يهودة هو أب اللغة العبرية الحديثة.
ولكن ماذا وقع؟ هذه اللغة العبرية عندما وضعت للتداول، كانت أجناسٌ مختلفة في فلسطين. من يتكلم بالألمانية، من يتكلم بالروسية، من يتكلم بالألمانية، ومن يتكلم بالبولونية. فلما كانوا في حاجة إلى استعمال لغة واحدة، لا شك أن الدخيل من كل هذه اللغات دخل هذه اللغة العبرية الحديثة.
والنتيجة لهذا، أنه مثلًا أنا ترجمت عدة كتب وسطوية، لكن أستاذًا في الجامعة العبرية لا يستطيع أن يترجم عبرية العصر الوسيط.
عدنان: التي تتقنها أنت
شحلان: لا يستطيع. لماذا؟ لأن اللغة العبرية الحديثة لم تصبح لغة سامية، عربانية، بل أصبحت لغة ليست فقط هندو-أوروبية..
عدنان: لغة أخلاط.
شحلان: لغة اخلاط، تمامًا، وهذا هو… ولكن كانت هناك جهود كبيرة جدًا. أنا كنت قد وضعت مشروعًا، كنت ذهبت إلى نيويورك، وهيأتُ مجموعة مواد لأؤلف كتابًا حول نشأة اللغة العبرية الحديثة. مواد مجموعة، ولكن ليس لدي وقت حتى الآن لأحررها تحريرًا نهائيًا. ولكن أصبحت لغة خليطًا كما قلتم. تختلف اختلافًا كبيرًا عن اللغة العبرية الوسطوية والقديمة.
عدنان: إذًا لاحظ معي بأنه عندنا لغة عبرية تم استعمالها لمدة خمسة قرون قبل النفي البابلي، وعندنا لغة عبرية وسيطة تبلورت..
شحلان: وأصبحت غنية.
عدنان: في الأندلس. وصارت غنية. وربما هي اللغة الأثيرة والقريبة إلى قلبك. عندنا لغة بدأت من 1922 إلى اليوم، مع المعجم وكذا.
شحلان: تمامًا.
عدنان: لاحظ معي أننا نتكلم عن عدة لغات تشكّل لغة واحدة. كل عمرها باحتساب قبل النفي البابلي إلى اليوم، اللغة العبرية عمرها 600 سنة وليس أكثر.
شحلان: في كل ما يشمل..
عدنان: في كل هذا الشيء كاملًا، وليس أكثر.
شحلان: والحديثة لا تتعدى كما قلت
عدنان: 100 سنة، قرن من الزمان.
شحلان: تمامًا.
كيف جعل اليهود من اللغة العبرية عقيدة؟
عدنان: أنا بصراحة لكي أكون واضحًا، لماذا هذه اللغة التي كما قلنا لا يتجاوز عمرها 600 سنة، لغة الناس الذين يتكلمونها بالنهاية قلة داخل بلد صغير. ولماذا مع ذلك تمكن أصحابها من أن يدرسوا بها اليوم الطب وكل العلوم الحديثة والمعاصرة؟ ونحن اللغة العربية نتحدثها من المحيط إلى الخليج، والمفروض أنها لغة عريقة وبمعجم… ومع ذلك نحن عاجزون عن أن نجعل منها لغة العصر، نحن عاجزون عن أن ندرس بها العلوم، وعن أن.. هناك مفارقة في الموضوع.
شحلان: صحيح، لأن هؤلاء جعلوا اللغة عقيدة، وربطوا بينها وبين الكيان، وركزوا هذا في الأذهان. في 1919، ألمانيا أسست معهدًا للفلاحة، للزراعة في حيفا، ووضعت له برامج باللغة الألمانية. فقامت قيامة ضد هذا البرنامج باللغة الألمانية، وقالوا: لا يمكن أن ندرس إلا باللغة العبرية.
كلية الطب هناك أُسست قبل قيام الدولة، وبدأت تدرس باللغة العبرية، وفرضت اللغة العبرية. وكانت مظاهرات من أجل أن تُكتب، أو كل ما يكتب على الدكاكين، وما يكتب على الشركات، وما يكتب، لا يكتب إلا باللغة العبرية. وكان الموظف في الدولة، إذا لم يكن يتكلم العبرية، ويستعمل في وظيفته لغة من اللغات، يتقاضى أجرًا. ولا يُرفع أجره إلا بعد أن يستعمل اللغة العبرية، فكان حتى الترقي الاجتماعي كان مربوطًا باستعمال اللغة العبرية.
جعلوا من اللغة العبرية عقيدة، وهم الذين ساعدهم أنهم كيان واحد، واجتمع حول عقيدة واحدة. وبدؤوا في التفكير في معجم تاريخي منذ قبلنا بكثير. أنا كنت في نيويورك في حوالي 1998 أو 1997 في مكتبة، واطلعت على النسخة الأولى للمعجم التاريخي العبري، واطلعت على كل الإعدادات التي كانت تعد، لأنهم بدؤوا فوضعوا المعاجم المختلفة في العلوم المختلفة من 1800 وما بعد.. وكانت معاجم مفرقة، إلى أن أسست أكاديمية اللغة العبرية. ومن هو رئيسها؟ أعتقد أنه باق لحد الآن، هو باراشير، مغربي من الصحراء. باراشير هذا حتى في معرفتي الأخيرة كان هو رئيس المجمع، وأخوه أيضًا كان من كبار المؤرخين الآن. فكونها عقيدة جعلتهم…
ما مشكلة اللغة العربية؟ وما أهمية تعريب العلوم؟
نحن اللغة العربية. ما هي مشكلتها؟ اللغة العربية غنية جدًا وهي قادرة على تعليم كل العلوم، خصوصًا العلوم الحقة، لسببين. السبب الأول: إن كل العلوم الحقة لا تحتاج إلى لغة، الرياضيات رموز، الفيزياء رموز، الكيمياء رموز. الطب، الذي فيه لغة. من حسن حظنا أن اللغة غنية جدًا. لماذا؟ لأن جل فلاسفتنا أطباء، فقدرتهم اللغوية كانت متمكنة أيضًا في علومهم الطبية، فتركوا لنا غنى في اللغة. هذا من ناحية.
ثم، كل لغة تمثل شيئين اثنين: تمثل لغة التواصل، وتمثل لغة المصطلح. وكل لغة، كيفما كانت، لغة فقيرة أو غنية، في حاجة إلى هذين الاثنين.
هل اللغة الإنجليزية غنية؟ وهي التي تدرس بها العلوم كلها الآن. لا. فأكبر عالم في هارفارد، إذا أراد أن يكتب عن “البلغة” المغربية، عن الحذاء المغربي، هو في حاجة إلى المصطلح. إلى الجلد، وإلى المخياط، الشفاق، القرمير، كثير من الأمور. إذًا، كل لغة فقيرة، لما لم تصنعه، وكل لغة غنية في لغة التواصل.
إذًا، اللغة العربية قادرة أن تعلم كل العلوم. أنا مؤخرًا نشرت مقالة تعالج هذا الأمر الذي أشرت إليه، هو لماذا نتهم اللغة العربية بالعجز في تعليم العلوم؟ وعنونت المقالة، فيما أعتقد، بـ”حقل المعارف مثله مثل الحقول الطبيعية”. فالحقل الطبيعي حاجته هي التربة والبذرة والفلاح والماء والعناية. تعليمنا، سواء تعليمنا نحن، يتمثل في هذه التربة: الأسرة والمدرسة. لا بد أن يكون توازٍ في هذه، وأن يشعر التلميذ بنفس الراحة في الأسرة الفقيرة وفي المتوسطة وفي الغنية، أكلًا وشربًا ولباسًا وسكنًا. إذا أردنا أن يصل إلى نفس الذي يصل إليه من هو غني.
بالنسبة للمدرسة أيضًا، المدرسة مدارس، هناك مدارس عادية عامة، وهناك مدارس خصوصية، وهناك مدارس أجنبية. ورفاه هذه المدارس مختلف جدًا. كيف أريد من تلميذ يعيش في مدرسة عادية، وأخرى خصوصية، وأخرى أجنبية، بهذا التفاوت الكبير جدًا، وأطلب منه أن يعطيني نفس الثمرة؟ إذاً، البذرة هي التي تعيش هنا، هذه البذرة يجب أن نعتني بها نفسها.
هناك من أستطيع أن أضعه في مكانة عليا علميًا وأسير مع عقله، وهناك من يجب علي أن أوجهه توجيهًا يسير مع قدراته العقلية. إذًا، لا بد أن أنتبه إلى هذا. ثم نأتي إلى الماء الذي سميته ماء، الذي يتمثل في شيئين اثنين: يتمثل في المواد المعرفية التي نعلمها، ولكن بالأساس يتمثل في اللغة. ليس في إمكان كل لغة أن تعطي ما تعطي لكل طالب، لكل تلميذ. لماذا؟ لأن اللغات مهيأة تبعًا للتكونات الدماغية.
في العائلة العربانية السامية. هذه اللغات، البنية العقلية، الدماغ، تمكُّن اللغة، تموضع اللغة فيه يختلف عن تموضع اللغات الهندو-أوروبية.
هذه اللغات عاشت زمنًا طويلًا، وتأثرت بطول الزمان، فلا يمكنني أن أطلب من تلميذ هو في العائلة العربانية السامية أن يأخذ علمًا بلغة هندو-أوروبية ويفهمه في نفس اللحظة. لا يمكن أبدًا، لأن الحفريات الموجودة في دماغ الهندو-أوروبية تختلف عن الحفريات الموجودة في الدماغ العربانية.
عدنان: من هنا، ضرورة تعريب العلوم؟
شحلان: ضرورة تعريب العلوم. والتعريب لا يمكن أبدًا أن يُنعت بالضعف، ولكن بشرط. كما قلت أنا ذاك الماء، قلت: المواد لا تعنيني، ولكن اللغة جزء منه. ولكن أقسمها إلى قسمين. بالنسبة لنا، اللغة العربية، كل المواد التي تدرس يجب أن تدرس بالعربية، لأن التلميذ لا يضيع الجهد. لأنه عندما ينتقل من عائلة إلى عائلة، فهو في حاجة إلى 50% من الوقت ليترجم الرموز الهندو-أوروبية. والمترجم يشعر بهذا. كل مترجم لا يكتب ما ترجمه مباشرة، لابد أن يترجم أولًا ويكتب ثم يغمض عينيه. ماذا يعني أن تغمض عينك؟ أنك تعدل البنية، لكي تنزل في نفس المكان. لذلك قلت: فلابد من اللغة لأن تربح الوقت. ولكن بشرط، من الابتدائي وأنا أدرس اللغات درسًا قويًا. الابتدائي، مثلًا، بالنسبة لنا المغاربة، قد تكون الفرنسية، وبالنسبة للإعدادي والثانوي قد تكون الإنجليزية، الفرنسية وهكذا دواليك. بمعنى أن التلميذ عندما يدرس بعربيته لا يضيع وقتًا، لأنه يسير بنفس الوقت. وعندما يحتاج إلى الاطلاع على العلوم الأخرى، فعنده الأداة، عنده اللغة الأجنبية، بشرط أن الترجمة تصبح مادة مهمة في كل مستوياتنا التعليمية، لأن الترجمة هي الخيط الناظم لأوصل تلميذي الذي يدرس باللغة العربية الفصيحة إلى الجامعة.
أقول فصيحة، لأن الكثير من الناس يقولون: الدارجة. أنا لا أريد أن أدخل في هذا، لكن أنا أنظر إلى الإمكانيات. أعطوني معاجم. اليوم عندنا في المغرب لدينا خمسة وخمسون معجمًا في جميع العلوم المختلفة، من علم اللغة إلى علم كرة القدم. الوباء الذي كان..
عدنان: الكورونا.
شحلان: وضعنا معجم بثلاث لغات، ولكن بدأت تُستعمل. فاللغة العربية غنية جدًا، تحتاج فقط إلى الاستعمال.
كيف صنع البروتستانت تاريخ اليهودية؟
عدنان: صحيح، بصراحة، هذا الموضوع أنت مهيأ للتبحر فيه، ودورك في مكتب تنسيق التعريب، حينما كنت تديره، كبير جدًا. ومجلة اللسان ما زالت تحفظ مجهودك. وطبعا، هذه المعاجم التي أسعد بأن مكتبتي حقيقة تتضمن عددًا منها، حتى في الطب، وحتى في العلوم التقنية.
شحلان: في كل المجالات.
عدنان: يجب أن تعمم، ويجب أن تصل إلى المعاهد. ولكن لا أريد لهذا الاستطراد أن يخرجني عن موضوع هذا اللقاء في الواقع. قبل قليل كنت تتكلم بأن قوة العبرية هو أنها حولت اللغة إلى عقيدة. وأنا أخشى أن يساء فهم كلمة عقيدة وتُؤخذ فقط في بعدها الديني البسيط، لأن الأمر أكبر من ذلك وأوسع. لأن العبرية، مثلًا، في القرن الثامن عشر، حينما لم يجد اليهود تاريخًا شاملًا خاصًا بهم، صنعوا يهودهم، صنعوا تاريخهم. والمفارقة هي أن هذا التاريخ الذي ساهم في صنعه هم البروتستانت الذين اختاروا العهد القديم ليكون قطب رحى مسيحيتهم. ثم كل هذا المنتوج، ما الذي سيسطو عليه فيما بعد؟ ستسطو عليه حركة أيديولوجية إلحادية تسمى صهيونية. وكانت هذه الحركة تبحث عن تاريخ أسطوري يخدم مشروعها، فوجدت في هذا التاريخ الديني ما يفي بالغرض لتؤسس عليه مشروعها السياسي الاستيطاني.
لاحظ معي أنها مسيحية من جهة، حركة إلحادية من جهة أخرى، ولكن كلها أخذت هذا التاريخ وهذه اللغة، وصنعت منها عقيدة.
شحلان: هذا موضوع مهم ومتشعب، ولكن يمكن أن أحيل إلى مؤلَّف مهم جدًا ألفه عن اليهود شلومو ساند. شلومو ساند هذا مؤرخ يهودي..
عدنان: صاحب كتاب “كيف اختلق وجود الشعب اليهودي”.
شحلان: هذا هو الكتاب، تمامًا كتاب “كيف اختلق وجود الشعب اليهودي”. وشلومو ساند، كان رفيق.. هذا مؤلف الكتاب، كان صديقًا للشاعر محمود درويش. ومحمود درويش أهداه قصيدته المعروفة “جندي يحلم بالزنابق البيضاء”، فعنده علاقة. فهذا المؤرخ في كتابه هذا، الذي هو كتاب مهم جدًا، تتمثل أهميته في أن اليهودية ليست عرقية، وإنما هي دعوية. بمعنى أن اليهودية كدين انتشرت كما انتشرت الديانات الأخرى.
عدنان: إذا كانت دعوية، فهي مثل الإسلام والمسيحية. نحن نعرف بأنها عرقية.
شحلان: ما جعلونا نعرفه أنها منغلقة وأنها عرقية وتنتقل من أم إلى ابن، لأن الإرث في الديانة اليهودية لا ينتقل، الدين لا ينتقل عن الأب، بل ينتقل من الأم. الديانة اليهودية تنتقل من الأم. هذا موضوع كنت أشرت له في بحث لي.
عدنان: أنا عندي الكتاب، صدر، ما زلت لم أقرأه، ولكن أتوقع بأنه فيه أسئلة مهمة في هذا الباب، ما يتعلق بالأم.
شحلان: وشيء بسرعة، لأنه موضوع شائك وطويل جدًا. تحدثت من قبل على أن موسى كان يعرف العربية، وأنه تزوج امرأة عربية، وأنه كان له أبناء عرب.
عدنان: يعني بمنطق اليهود أبناء موسى هم أبناء الأم العربية
شحلان: تمامًا. ولكن هنا مشكلة بالنسبة إليهم، اليهودية لا تنتقل إلا عن الأم. إذًا، لا يمكن أن تنتقل من أبناء موسى. وأثارني شيء في العهد العتيق. في العهد العتيق تحدث عن أبناء هارون، وقال: أبناء هارون فلان وفلان وفلان وفلان. وتحدث عن أبناء موسى، وقال: ومواليد موسى: نقاط فارغة. لا وجود. أنا فصّلت هذا كثيرًا في هذا الكتاب، وواضح منه أن عزرا، الذي يعتبر مجددًا لليهودية، ومن أول ما قام به عندما رجع إلى فلسطين من وظيفته في فارس، أنه فرض على كل عبري متزوج من غير عبرية أن يطلق زوجته، وأن يرفض أبناءها. هذا الحكم الذي أصدره جعله في مشكل مع، يعني..
عدنان: موسى.
شحلان: إرث من الأم. فتصرّف في كتاب العهد العتيق، ونقل السلالة من سلالة موسى، من أحفاد موسى إلى أحفاد هارون. إذًا، امتدت اليهودية في أحفاد هارون. لماذا؟ لأن زوجة هارون هي عبرية، ولم تمتد… وهذا موجود في التوراة، ليس غريبًا وإلى آخره. لم تمتد في أبناء موسى.
اختلاق وجود الشعب اليهودي بين البروتستانت والصهيونية
عدنان: على فكرة، هذا استطراد مهم، ويمكن أن نعود بعد أن أقرأ الكتاب ونحكي في الموضوع. ولكن أريد أن أعود بك إلى شلومو ساند وإلى اختلاق وجود الشعب اليهودي بين البروتستانت والصهيونية الملحدة.
شحلان: كما قلت، يتحدث عن اليهودية باعتبارها دعوية. ومنظوره الكامل أن كل ما نعرفه عن اليهودية هو غير سليم، غير صحيح. بل حتى تاريخ اليهود المكتوب ليس هو التاريخ الحقيقي لليهودية. بل التاريخ اليهودي هو مولود في القرن… البروتستانت، في القرن الثامن عشر، هم الذين وضعوا خطاطة هذا التاريخ اليهودي.
ولذلك، تحدث ساند في فصوله المختلفة، وفي الفصل الثاني، تكلم عن ميلاد تاريخ الشعب اليهودي. وفيه أشار إلى عمل البروتستانت في هذا التاريخ. ولكنه في فصول أخرى، تحدث عن ما سماه الظلال المختفية لوجود اليهود، ما هو قريب من هذا. فأشار بأن اليهودية كانت في الجزيرة العربية، فهذا من الظلال الموجودة في تاريخ اليهودية، وأن اليهودية كانت في اليمن، وهذا من الظلال المخفية في تاريخ اليهودية، وأن اليهودية كانت في شمال إفريقيا، وهذا من الظلال المخفية. وهو بيّن كل هذا، وأراد أن يقول إن هذه الديانة اليهودية في هذه المناطق هي دعوية، ولا علاقة لها بالعرقية. وأن التصور العرقي هو تصور صهيوني لهدف مقصود، هدف سياسي أرادوا به أن يقولوا بأن اليهود كلهم من امتداد واحد.
ما الأصل في تسمية يهود أشكيناز ويهود سفارديم؟
شحلان: يجب أن نشير إلى شيء مهم جدًا عندما نتحدث عن يهود أشكيناز وعن يهود سفاراد. ما الأصل في هذه التسمية؟ أحد كبار أعلام اليهود كان في الأندلس، هو يهودا اللاوي، لديه كتاب مهم جدًا اسمه “الكوزاري” أو عنوان آخر “الحجة والدليل لنصرة الدين الذليل”، يتكلم فيه عن هذا الفرع الثاني من اليهودية. يقول في الكتاب إنه الخزر، الخزر يسكنون في منطقة جنوب آسيا.
عدنان: في آسيا الوسطى.
شحلان: هؤلاء، أيام العهد العباسي، أيام هارون الرشيد، هو يقول إن ملوك هؤلاء، أحد ملك الخزار رأى حلمًا يقول له فيه ملك بأن نيتك حسنة ولكن آمالك غير حسنة. فبدأ هذا الملك يبحث عن من يفسر له هذا الحلم. فذهب إلى فيلسوف في الفلسفة اليونانية، وذهب إلى مسيحي، وذهب إلى مسلم، ثم في الأخير لم يجد الجواب إلا عند حبر يهودي. والكتاب هو هذا كله، هذا الكتاب يعطي بأن الخزر هؤلاء تهودوا في العصر العباسي، فهؤلاء لا علاقة لهم أصلا عرقيًا باليهودية، فهم أشكيناز، أصولهم تعود إلى المناطق..
وجل الذين دخلوا اليهودية من ألمان إلى آخره ينسبون إلى هذا الفرع. إذًا، فالأشكيناز هم الفرع الألماني. ثم السفارديون، فهم اليهود العرب أو الذين عاشوا في المنطقة..
أصول اليهود المغاربة
عدنان: وأنت تحدثت في كتابك “اليهود المغاربة: من منبت الأصول إلى الفرقة”. تحدثت عن اليهود المغاربة واعتبرتهم مغاربة أقحاحًا، رفضوا الوثنية منذ قديم الزمان واعتنقوا التوحيد الموسوي لما بلغتهم الرسالة. مثال آخر.
شحلان: مثال آخر، عندما أنا ترجمت، كما تعرف، كتاب “حاييم الزعفراني” “يهود الأندلس والمغرب”. هناك كتاب آخر الآن، أنا مع المجموعة التي أشتغل معها، نترجمه للغة العربية، سيظهر إن شاء الله قريبًا. يتحدث عن الأصول، فالأصول في التواريخ التي كتبها اليهود عن أنفسهم، عن تاريخ اليهود، غير واضحة جدًا.
وقضية الهجرة الكبرى من الشرق، هجرة اليهود الكبرى من الشرق إلى الغرب الإسلامي أو إلى المغرب، هذه تدخل أيضًا في باب الخرافات. لا يوجد في التاريخ شيء يدل على هجرة كبرى جاءت من المشرق إلى المغرب. لا يوجد. إذًا، اليهودية وصلت إلى الغرب الإسلامي، ووصلت إلى المغرب عن طريق التجارة مع الفلول الفينيقية.
فهؤلاء الفينيقيون الذين جاؤوا إلى المغرب، وهم تجار، جاءت معهم أيضًا مجموعة من اليهود التجار. وهؤلاء كانوا يهودًا، فدخلوا المناطق، فبدؤوا ينشرون اليهودية. فكان المغرب في ذلك، ابن خلدون أشار إلى إحداها، فكان المغرب وثنيًا، ولكن المغاربة كانوا منذ زمان عقلاء، يبحثون عن تفسير عقلي لكل ما يحدث، وخصوصًا للمعتقد. فاعتقدوا اليهودية في ذلك الوقت، لأنها كانت هي الدين المستقيم إلى آخره.
شحلان: فالجزء الكبير من يهود المغاربة هم من أصول مغاربة محضة. شلومو ساند تحدث عن هذا في كتابه عن اليهود المغاربة الذين لا علاقة لهم بيهود الشرق ولا بيهود فلسطين. حتى عن الكاهنة، خصص فصلًا كبيرًا .
عدنان: التي كانت يهودية.
شحلان: كانت يهودية إلى آخره. إذًا، يهود المغرب، كما أشرت، في الكتاب الذي كتبته، هم مغاربة. وحتى الكاتب عمران..
عدنان: إدموند عمران.
شحلان: إدموند عمران أشار في كثير من كتابه إلى هذا.
دعوة لليهود المغاربة
شحلان: ولكن أنا مع إشارتي إلى هذا في ذهني بعض الجروح.
عدنان: مثل ماذا؟
شحلان: هؤلاء الذين هم من تربة مغربية، ويحملون آمال أبناء المغرب، ويعتبرونهم إخوة في الوطنية، وإن اختلفوا في الدين. أتمنى أن تكون لهم نفس المواقف التي عند إخوانهم المسلمين فيما يتعلق بقضاياهم الوطنية، وفيما يتعلق بقضاياهم الإنسانية الكبرى، وخصوصًا القضية التي نعيشها الآن. فالمغرب له دين على أولئك الناس.
عدنان: صحيح، ما داموا أبناءه أصلًا.
شحلان: أصلًا هم أبناء المغرب، ويقولون إنهم يحنون إلى المغرب.
وعدنان: وممكن يعملون سياحة الجذور ويأتون.
شحلان: فآمل أن يحنوا أيضًا إلى قضايا..
عدنان: المغاربة
شحلان: المغاربة أجمعها.
عدنان: وقضاياهم العربية الإسلامية.
شحلان: وقضاياهم العربية. أخص السفارديين، لأنهم يعتبرون أنفسهم، أنا عندما تحدثت عن من ننسبه إلى فلسطين في كتاباتي، خصوصًا في كتابي “التوراة الشرعية الفلسطينية”، قلت إن اليهود العرب السفارديين هم أصحاب الأرض، هم أصحاب فلسطين أنا أقولها، مثلهم مثل الفلسطينيين الذين تمسحوا، وكانوا يهودًا، وأسلموا، وكانوا مسيحيين، وكانوا.. فهم عرب. إذًا، العرب المسيحيون في فلسطين هم تمامًا يساوون اليهود السفارديين في فلسطين. مشكلتنا مع الأشكناز.
عدنان: صحيح. مستوطنو الأشكناز.
شحلان: ولذلك، إذا كنت أعتز وأؤرخ ليهود المغرب، فآمل أن يكون لهؤلاء الناس مشاركة في عواطفنا أيضًا.
لماذا رحب يهود الأندلس بالفتح الإسلامي؟
عدنان: أنا معك تمامًا. وأنا عندي نفس الطلب. أنت لم تؤرخ فقط ليهود المغرب الأقصى وإنما اشتغلت على يهود الغرب الإسلامي بضفتيه. اسمح لي أن أتوقف معك قليلًا مرة أخرى، نرجع بك إلى يهود الأندلس. وهذا سؤال كان غريبًا يطرحه التاريخ، تاريخ الأندلس: لماذا اصطف يهود الأندلس، جميعًا، تقريبًا جميعًا، مع الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية؟ لماذا انقلبوا، تقريبًا كلهم، على المسيحيين، حتى إن هؤلاء اتهموهم بالخيانة؟ ثم لماذا تدفق معتنقو اليهودية من كل أرجاء جنوب أوروبا نحو الأندلس الإسلامية، التي أصبحت ملجأً مفضلًا لليهود وملاذًا آمنًا؟
شحلان: القول والحديث عن يهود إسبانيا أو وجود اليهود في إسبانيا كان قديمًا، بطبيعة الحال، قبل الإسلام، من العهود ربما حتى قبل المسيحية. ولكن علينا أن نتذكر موقف الكنيسة، سلطتها الدينية، ليست فقط من الطوائف اليهودية، بل حتى من الطوائف المسيحية، لأن الفرائض التي كانت تفرضها الكنيسة على كل الناس، كانت فرائض ثقيلة جدًا إلى حد الاستعباد. فالذين تخلوا عن السلطة الكنسية هم المسيحيون الإسبان أنفسهم. وبالتالي فإن اليهود قارنوا، لما وصل الإسلام إلى الغرب الإسلامي، قارنوا ما كانوا يعيشون عليه مع السلطة الكنسية في إسبانيا، سواء في الشمال وخصوصًا في الجنوب، وما أصبحوا يعيشون عليه مع المسلمين.
أول تجربة ديمقراطية في العالم
شحلان: وأنت تعرف، كما سبق أن قلنا قبل قليل، أن كل مجالات المعرفة ومؤسسات المعرفة كانت مفتوحة لليهود في الأندلس. وأشرت إليك بأنهم كانوا يعرفون القرآن، وكانوا يعرفون الحديث، وكانوا يعرفون التراث العربي الإسلامي. لماذا؟ لأن المجتمع، لأن الحكم الإسلامي في الغرب الإسلامي أتى بتجربة. ما هي التجربة؟ أن الحكم في الشرق كان مبنيًا على عصبيات عربية: الدولة الأموية، الدولة العباسية، إلى آخره. ولاحظوا أن الحكم أو السلطة التي بُنيت على العصبيات لا تعيش هناءً عقليًا أو حتى سياسيًا. فوجدوا أن الأفضل هو تساوي الناس أو نوع من ديمقراطية لم تكن معروفة في الغرب. فالغرب الإسلامي هو أول من خلق الديمقراطية.
ما هي الميزة التي اتصف بها الغرب الإسلامي؟ فالأمراء أو الذين جاؤوا من المشرق إلى المغرب كانت معهم تجربة ربما قاسية. لماذا؟ لأن الحكم والسلطة في المشرق في تلك الدول الكبرى كانت مبنية على عصبيات: العصبية العربية مع الأمويين، والعصبية الفارسية مع العباسيين. وهذه العصبيات جعلت السلطة الكاملة تعيش نوعًا من القلق. هذا القلق لا يظهر أو لم نستطع أن نؤرخ له.
هذه التجربة التي جاء بها الوافدون إلى الأندلس حاولوا أن يبعدوها، لذلك خلقوا أول ديمقراطية في التاريخ الإنساني، وهي ديمقراطية التساوي المبنية على المعرفة العقلية، وعلى معرفة التدبير، وعلى القدرة على المساهمة والمشاركة في المجتمع من أجل الوصول إلى غاية واحدة، هي الرفاه في الاقتصاد، الرفاه في الفكر، الرفاه في السكن. شيء غريب.
عدنان: وفي الفن والعيش.
شحلان: هذا الذي جعل من الأندلس، وإلى اليوم، قمة الحضارة الإنسانية، سواء في المطعم، سواء في الملبس، سواء في فن الحدائق، سواء في
عدنان: الموسيقى
شحلان: الموسيقى، في أشياء كثيرة. الديمقراطية العربية الأولى في الأندلس هي التي خلقت هذه الحضارة، وهي التي مكنت اليهود من أن يدخلوا -سؤالك الذي وجهته إلي- باب المعارف العربية الإسلامية، وعانقوها معانقة، لأنها رفعتهم، كما قلت، من طقوس إلى فكر وتدبير وتعقل.
حفاظ العبرية على تراث ابن رشد
عدنان: الحقيقة، المحاور عندنا متداخلة، ونحس بأننا نتقدم، ولكن نعود إلى بعض ما ذكرناه. وقبل قليل، كنا نتحدث عن التداخل ما بين الثقافتين العبرية والعربية الإسلامية في الزمن الأندلسي. أنا يهمني كيف أنك في لحظة فكرت في ابن رشد، وأنت تشتغل على الثقافة العربية الإسلامية والعبرية أيضًا في تماسّاتها. ووجدت نفسك مجبرًا على العودة إلى العبرية لتستعيد منها ابن رشد. ترجمت من العبرية “الضروري في السياسة” لابن رشد، تلخيص ابن رشد لكتاب النفس لأرسطو، تلخيص ابن رشد للأخلاق النيقوماخية لأرسطو”. ما السر، أولًا، في أن العبرية هي التي حافظت على هذا التراث الرشدي الأندلسي، فيما كانت العربية وأهلها قد ضيعوا هذا التراث؟
شحلان: ابن رشد في عالم الحضارات يعتبر قمة في الولوغ، أو في وضع المسالك من أجل النظر في الحضارات وفي تعاونها وفي اشتراكها من أجل خلق مجتمع متساوٍ في كل شيء. ونحن لم نعطِ لابن رشد القيمة التي يستحقها، لم نعره ما يستحق. تعرفون، سيدي ياسين، أنه اليوم هناك جمعية عالمية فيها الأمريكان، وفيها الإيطاليون، وفيها الإسبانيون، وفيها الفرنسيون، وفيها أصدقاؤنا الذين.. تعرف كلها من أجل إحياء تراث ابن رشد.
كان أحد العلماء الأمريكيين، “ويل فيرسون”، قبل الحرب العالمية وضع مخططًا من أجل إعادة نشر ما نشر لابن رشد، وترجمة ما يوجد في العبرية إلى لغات أجنبية لابن رشد. وكل التراث الإنساني الذي اهتم به ابن رشد. لماذا؟ لأنه، كما تعرف، يقولون: الغرب اللاتيني لا يُبين قيمة لابن رشد. يقولون إن أرسطو شرح الطبيعة، وإن ابن رشد شرح أرسطو. وهذا هو الصحيح، إن ابن رشد شرح، وأبين، لم يترجم، لم يكن يعرف الإغريقية، ولكن كان عنده عقل جبار سنتكلم عنه. هو شرح كل الكتب، كل كتب أرسطو إلا كتاب واحد، لم يجد كتاب “السياسة” لأرسطو. كما قال هو في كتاب الجمهورية.. “السياسة الأفلاطونية”، سياسة أفلاطون كانت تُسمى سياسة أفلاطون ومعروفة بالجمهورية الأفلاطونية، والذي نشرناه أولا نشر بـ”الضروري في السياسة”، ثم أعدت نشره في “جوامع سياسة أفلاطون”. لماذا هذا أقوله؟ لأن ابن رشد شرح كل المدونة الأرسطية: ما بعد الطبيعة، المنطق، كل المنطقيات، وهي كتب متعددة، وكتب الأخلاق، بالإضافة إلى كتب أخرى.
عدنان: طبعًا هو لم يكن يعرف اليونانية.
شحلان: هو لم يكن يعرف اليونانية، ولكن الغريب أن الذين درسوا فيما بعد قالوا: كيف هذا الرجل الذي لم تكن بين يديه النصوص الإغريقية، أو على الأقل الترجمات الإغريقية، كانت ترجمات في العصر العباسي، يعني ترجمة جل كتب أرسطو إلى العربية، لكنها لم تكن ترجمات جيدة كما بينتُ أنا في تحقيقي. واستطاع ابن رشد أن يصل إلى عمق هذه المؤلفات، فكانت شروحه هي الوسيطة التي أرجعت الفكر اللاتيني ثم الفكر الغربي إلى تراثهم الإغريقي، وخصوصًا إلى التراث الأرسطي. ولذلك، فالطبعات الأولى لأعمال أرسطو التي ظهرت في إيطاليا، في فينيسيا، في البندقية، كل تلك الطبعات كانت مشفوعة بشروح أرسطو..
عدنان: بشروح ابن رشد.
شحلان: كانت أول طبعات لأعمال أرسطو، ولكنها كانت مشفوعة بابن رشد. لماذا؟ لأن شروح ابن رشد، هي الشروح التي بينت للغرب وسهلت عليهم فكرهم الإغريقي الذي وردهم في ما أتي في المدونة الكبرى الأرسطية، في ما وراء الطبيعة، في المنطقيات، وفي الأخلاقيات، وفي علوم أخرى.
عدنان: يعني، شروح ابن رشد كانت حاسمة بالنسبة للغرب في تلقي وفهم أرسطو؟
شحلان: ليس فقط في فهم أرسطو، بل في رجوعهم إلى إرثهم الإغريقي. كانت حاسمة، لماذا؟ لأن آخر مدرسة أرسطية رشدية تأخرت في إيطاليا، في الجامعات الإيطالية في باليرمو، وفي الجامعات الإيطالية. ولذلك، كما سبق أن قلت، فردريك الثاني كان عنده صراع مع البابا، وكانت الطريقة الوحيدة لانتصاره على البابا هو استعمال الفكر العبري العربي، الفكر العربي المتقدم. فهو الذي حتى دفع كثيرًا من المترجمين ليترجموا التراث العربي إلى العبرية، ثم حتى الكثير من المترجمين ليترجموا إلى اللاتينية.
الفيلسوف الكبير ميكائيل سكوت، لأن البابا في فترة من الفترات، بداية القرن الثالث عشر، منع الفلسفة ومنع الأرسطية في فرنسا، في باريس، ففردريك الثاني احتاج، فهي ترجمات لأعمال ابن رشد، وبعثها مع هذا الفيلسوف الذي قلت له، هو ميكائيل سكوت. فميكائيل سكوت حمل معه الترجمات، يعني أعمال ابن رشد، إلى الجامعة اللاتينية في فرنسا، في باريس. فلما اطلع عليه هؤلاء الناس، قالوا: نحن كنا نفهم أرسطو فهمًا خطأً. فالآن، رجعت بفضل ابن رشد، رجعت الفلسفة ورجعت الأرسطية إلى الجامعة الباريسية. السوربون لم تكن تسمى في ذلك الوقت السوربون، كانت تسمى الجامعة اللاتينية. رجعت الفلسفة إلى الجامعة اللاتينية.
فابن رشد أنقذ الفكر الإغريقي، وأرجعه إلى أهله بطريقة واضحة.
لماذا ضيع العرب تراث ابن رشد؟
عدنان: وأنا أفكر في إرجاع آخر، هو أيضًا هذا لكي تجيب عن سؤالي. ما زلت لم تجب عن سؤالي بصراحة، هو كيف أننا نحن أهل اللغة العربية ضيعنا هذا التراث؟ وهذا ربما خلق لك مشاعر خاصة وصعبة وأنت تستعيد لنا ابن رشد من العبرية، لأنه ما معنى أن تستعيد نصًا إلى لغته الأصلية من لغة وسيطة؟ أتصور أن المهمة شاقة، وأتصور أنها طرحت عليك مجموعة من التحديات الخاصة كمترجم. أريد أن أسلط الضوء عليها.
شحلان: قلت لك بأن اليهود اهتموا بالتراث الأندلسي كله، ولكن خصوا ما يتعلق بهم، ما ألّفوه إما بالعربية ومكتوب بحرف عبري، أو ما ألفوه بالعبرية. ولكن كل هذه التآليف، مواردها، كلها موردها عربي إسلامي. صحيح أنها تتناول التراث اليهودي، الفكر الديني اليهودي، ولكن كلها مبنية على المعارف العربية الإسلامية. المعارف العربية الإسلامية مكنتهم من منهج. فالمنهج استفادوا منه.
كثير من تراثنا، خصوصًا من ترجماتنا، الترجمات العربية إلى العبرية، خصوصًا النصوص التي فُقدت من العربية وبقيت في العبرية، ظلت مجهولة، لا لأنهم أهملوها، لكنهم لم يستطيعوا ترجمتها.
كما قلت لكم قبلًا، لغات الأندلس، العبرية تختلف اختلافًا كثيرًا عن العبرية الحديثة. فالأستاذ في اللغة العبرية الآن لا يمكنه أن يترجم نصًا وسيطًا من العصر الوسيط. كانت إحدى الأستاذات الفرنسية أرادت أن تترجم من العبرية “المجسطي”، شرحًا في “المجسطي” لابن رشد، وكان مفقودًا. تقريبًا كل كتب ابن رشد مفقودة في أصلها العربي، وبقيت في ترجمات عبرية. لماذا لم يترجم هؤلاء؟ لأنهم لم يستطيعوا ترجمتها. ولكن يمكن أن تقول لي لماذا أنا؟ لست عبقريًا. عندما كنت أشتغل، قضيت في إعداد أطروحتي 15 سنة. 15 سنة، لماذا؟ كثيرٌ جدًا. ولكن لماذا؟
عدنان على فكرة، الحارث بن حلزة قضى 15 سنة في كتابة المعلقات. هذه تقول كثيرة جدًا، ولكن كلنا إلى اليوم نحفظ معلقات الحارث بن حلزة.
شحلان: أنا عندما قلت، عندما أخذت هذا الطريق، وجدت النصوص العبرية صعبة، الوسطوية. وأنا أمام نصوص موجودة بالعربية وبترجمتها العبرية، ونصوصًا فقط عبرية. ماذا فعلت؟ أخذت النصوص الموجودة عربية وعبرية، وصنعت لي معجمًا منها.
عدنان: عجيب.
شحلان: مثلًا، تصور كتاب “تهافت التهافت” لابن رشد. كتبته أنا وزوجتي، لأنه تعرف كم يحتوي. طبعًا، في ذلك الوقت لم يساعدنا الحاسوب، كتبناه بخط اليد. ثم تحت كل سطر نكتب، كان من سوء حظنا أن “تهافت التهافت”، توجد ثلاث ترجمات عبرية. فكنا نكتب لكل ترجمة سطرها الخاص. قضينا سنوات، يعني أصبح أمامي لفظ عربي ومقابله العبري. فصنعت هذا مثل نموذج عملت هذا في كتاب “تهافت التهافت”، “تهافت الفلسفة” يكشف عن ملايين الأدلة، كتاب الشعر، كتاب إلى آخره. فصنعت معجمًا من كل هذه وضعت الجدادات، أخذت هذا أمامي، فرجعت للنصوص المفقودة في العربية أصلًا.
فإذًا، عندي مورد. لما تنظر إلى اللفظ عندي هنا، وهو غير موجود، فرجعت تعرف بأنه موجود هنا، لأنه كله من لغة العصر الوسيط. نعم، كنت اشتغلت على أكثر من 99 مخطوطًا عبريًا، من أجل إعداد هذه المدونة. وعندي مشروع، إن شاء الله، مع الآن أساتذة، كانوا طلابي، سنضعه، نبدأه الآن، وإن شاء الله، وربما مع الأكاديمية الملكية المغربية المعجم الوسطوي العبري العربي.
لماذا؟ لأنه، كما قلت لك، بقي عندنا كثير من النصوص العبرية التي فقدت، افتقدت..
عدنان: أصلها العربي.
شحلان: أصلها العربي، وعلينا أن نعيدها..
عدنان: أن نستعيدها.
شحلان: نستعيدها. فما هي أهمية عملي هذا؟ هذا وضع علي مشكلًا آخر كبير جدًا. ترجمتي، أعطيك مثالًا في “جمهورية أفلاطون”: “الضروري في السياسة”، ترجمه مترجم يهودي في 1331 إلى اللغة العبرية في جنوب فرنسا، وهو نفسه الذي ترجم “تلخيص الأخلاق النيقوماخية”، المفقودين الاثنين. ولكن وجدت في ترجمته كثيرًا من الأخطاء. هذه العملية التي عملت جعلتني أعرف ما هي المواقع التي يمكن أن يخطئ فيها المترجم. مثلًا، كلمات التي هي نفس الوزن، وزن الكلمة، نفس الحروف، ولكن المعنى أصبح يختلف. كنت قبل أتكلم معك عن “هلك”، “هلك” في اللغة العبرية تعنى الذهاب والإياب، ولكن لم يعد لها هذا المعنى في اللغة العربية، فإذن المترجم عندما يترجم هو ليس عنده هذه المعرفة العربية التي عندي، هو سيذهب مع.. وهذا كثير جدًا، في الكتابين وجدت مئات مئات من هذه الأخطاء، وصوبتها في الهامش.
“الضروري في السياسة” ترجمه مترجمان إلى الإنجليزية: ترجمه جوتان تال، روزان تال، وليرنر. روزان تال هو الأول، وأراد ليرنر أن يصحح ما فات. وكلاهما وقع في المئات من الأخطاء، لأنهما لم ينتبها إلى هذه العلاقة التي وقعت بين نقلة اللغتين. وهذا عمل صعب.
صعوبات الترجمة
عدنان: لا يعرفون ربما الضروري من العربية في العبرية. نعم، كيف أصبحت المعاني هي نفسها من ناحية، هو النظير، ما نسميه النظير. مثلًا، النظير أحيانًا يكون قريبًا، وحين يكون بعيدًا. مثلًا، القريب هو “شاروش” “ثلاثة”، هذا قريب. مثلًا، “الغسق” في اللغة العبرية “حشخ”، إذًا، هذا بعيد نسبيًا. وهكذا دواليك. لكي تستطيع أن تترجم من هذه النصوص في هذه الفترة، لا بد أن تكون لديك قدرة على معرفة هذا العميق في اللغة العربية ومقابله. تراجم اليهود، لأنه كما قلت سابقًا، مع الأسف، اليهود الذين كانوا في الأندلس، الذين كانت لغتهم العربية قوية جدًا، لم يترجموا أبدًا. كما سبق أن قلت، لأنهم لم يكونوا في حاجة للترجمة. الذين ترجموا أحفادهم، أحفادهم أصبحت عندهم اللغة العربية ضعيفة جدًا، وجلهم يقول بأنه اعتمد المعاجم. ولذلك، يمكن أن أقول: كل ترجمات الفكر العربي الإسلامي الذي ترجم للعبرية فيه المئات، المئات من الأخطاء. وعندما نقل إلى اللاتينية، وفكرنا انتقل إلى الغرب عن طريق اللاتينية، انتقلت بكل تلك المئات، المئات من الأخطاء. مهمتنا الآن، اليوم، أن نعيد، أن نصحح، كما فعلت أنا في الكتابين، ولكن هذا تراث كبير جدًا آمل، إن شاء الله، الأكاديمية الملكية المغربية ستأخذ هذا المسار، هذا التاريخ، أن نصحح كل هذه الأعمال.
أنا والذين معي لأنها كثيرة، كثيرة، كثيرة جدًا. أتمنى أن أضع فقط الخطوات الأولى، ويقوم بها من يأتي فيما بعدي.
عدنان: ونحن حاولنا فقط أن نقف معك ونلاحقك في هذه الخطوات. لاحظ معي بأن زمن هذا اللقاء تجاوزناه، وتجاوزناه، ومع ذلك ما زال في الجعبة الكثير. أنا أتمنى فقط أن تعود إلينا الدكتور أحمد شحلان، لأنه ما زال كثير من الأسئلة في جعبتي، وبودي أن أستمتع بمجالستك.
شحلان: شكرًا سيدي ياسين، وأشكر الطاقم الجميل الجيد الذي يرافقنا في هذه المسيرة. رأيت جهودهم وأملهم في أن تكون هذه الحلقة بالمواصفات التي يجب أن تكون، فأجزل لهم الشكر. وأنا سعيد بأن يرافقني في بضع دقائق، أو بعض لحظات من زماني الذين يتتبعون منصة “مجتمع”، لندن، فإليك الشكر وتحياتي إليهم، وأدعو لهم بالصحة والعافية. وأدعو للمنصة بمزيد من التوفيق، وأدعو لرفقائك بالصحة والهناء، فهم أشخاص يهتمون بك.
الله يحفظك، الله يحفظك، الدكتور أحمد شحلان، نحن سعداء بك. وأنتم، أعزائي وعزيزاتي، إلى لقاء.