Skip to content Skip to footer

ما لم يقله دارون.. لماذا أساء العرب والمسلمون فهم نظرية التطور؟ مع د. رنا الدجاني

كيف يفهمنا علم الجينات أنفسنا والكون من حولنا؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقةٍ جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي عالمةً أردنية من أصولٍ فلسطينية، الدكتورة رنا الدجاني، والاسم معروف، الدجاني معروف. أنتِ متخصصة في علم الأحياء الجزيئية وباحثة في مجالات الجينوم والخلايا الجذعية. لو أردنا أن نلخص في بعض الجمل المفيدة عن هذا العلم.

رنا: الحقيقة علم الجينات هو تابعٌ لعلم الأحياء وعلم الطبيعة التي حولنا.

باسم: إنه علم الأحياء (Biology).

رنا: وإذا أردنا أن نلخص هذا كله في بعض الجمل، فهو فهم الطبيعة التي نحن نعيش بها، وفهم أنفسنا، وفهم علاقاتنا مع الكائنات المختلفة الموجودة حولنا وكل الكون؛ لأنها كلها متواصلة مع بعضها البعض. فهذا هو، سنقول باختصار. طبعًا، وهذه مثل دعوةٍ لأن يغوص، لكي يكتشف..

باسم: يعني هو تعمقٌ أكثر في علم الأحياء. كلما تطورت أدوات البحث العلمي، كلما تمكن الإنسان من الغوص أكثر.

رنا: نعم، وفهمٌ على مستوى… نحن نرى الظواهر حولنا. علم الأحياء، وبالأخص علم الجينات، هو أن نغوص لنفهم كيف الجزيئات، على مستوى الجزيئات، وعلى مستوى الذرات بل، كيف هي تتفاعل مع بعضها البعض، كيف تتواصل مع بعضها البعض، حتى يظهر الإنسان بشكله، والكائنات الحية كلها بشكلها، والكون كله بأشكاله. كلها مبنيةٌ على علاقاتٍ صغيرة بسيطة. وهي دلالة على عظمة رب العالمين؛ أنه من شيءٍ بسيطٍ جدًا يخرج شيءٌ عظيمٌ جدًا.

 

هل يقودنا العلم إلى اليقين بوجود خالق عظيم؟

باسم: يعني الدلالة التي استنتجتِها، دلالةٌ على عظمة الخلق ودقة الخلق. هل يمكن الاستنباط فعلًا أن علم الأحياء أيضًا أحد أدوات أو أحد أوجه العلوم التي تشير فعلًا إلى دقة الخلق في الكون أو إلى التناسق في الخلق في الكون؟

رنا: مئة بالمئة. أصلًا الآية: “…إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ…” (فاطر: 28) هي فعلًا التي تجعلنا كلما فهمنا الطبيعة واكتشفنا القوانين التي تحكم الطبيعة، كلما ازددنا يقينًا أنه يوجد خالقٌ عظيم وضع هذه القوانين البسيطة؛ لأن العظمة في البساطة دائمًا. أن شيئًا بسيطًا، قانونًا بسيطًا، يخرج منه كل هذا الشيء العظيم المختلف المتشكل الذي… عندما تنظر إلى البيئة، اذهب إلى غابةٍ وامشِ فيها، انزل في البحر واطلع إليه، اطلع إلى الكون، الكواكب، المجرات. هذه كلها قوانين بسيطة. فالاستنتاج أنه لا بد أن يكون هناك شيءٌ عظيمٌ هو الذي وضع هذه السنن والقوانين، ومن خلالها بعد ذلك خرج كل شيءٍ آخر.

فأنا الحقيقة، والقرآن عندما يقول: “تعقل”، “تفكر”، “انظر”، هذه كلها تخاطب العقل، أنه: “استعمل عقلك، فكر، كن فضوليًا، اسأل أسئلة، استكشف، جرب؛ لتكتشف هذه الأشياء”.

فأنا بالنسبة لي، اكتشاف القوانين والعلاقات على مستوى العلم الذي أدرسه، الجزيئات والذرات، أنا أعتبرها عبادةً في الحقيقة، يعني أشعر بنشوةٍ ويقشعر بدني عندما…

باسم: تكتشفين شيئًا.

رنا: أكتشف شيئًا، نعم.

 

هل يتفق كل العلماء على وجود قوة عظمى خلقت الكون؟

باسم: هذا الشعور يتولد عندكِ لأنكِ مسلمةٌ أصلًا. هل يتولد هذا، نفس الشعور، أو هذه الإيمانية، دعنا نسميها، بدقة الخلق في الكون، والاستنتاج أنه هناك خالقٌ خلف هذا الكون العظيم الهائل؟ هل العلماء الآخرون أيضًا يمرون بهذا الشعور، أم أن هناك جمودًا تجاه هذا؟ لأنه يوجد علماء يقولون لك: “لا، أنا أرى أن هذه الطبيعة هي متناسقةٌ أصلًا”.

رنا: الحقيقة، إذا سألت هؤلاء العلماء وجلست معهم على راحتهم، كلهم يصلون إلى نفس النتيجة؛ أنه توجد قوةٌ عظيمة لها قدراتٌ عظيمة صنعت هذا الكون ووضعت السنن. أنا أسميها “الله سبحانه وتعالى”، وهم يسمونه شيئًا آخر، أن هناك قوة عظيمة..

باسم: لكن النتيجة هي نفسها.

رنا: نعم.

باسم: أي عالمٍ حقيقي سيصل إلى هذه النتيجة.

رنا: نعم، نعم. أي عالمٍ حقيقي بالمعنى الحقيقي، يعني يكتشف شيئًا جديدًا، يصيبه نفس الشعور بالنشوة والعظمة، أن هذا الكون هائلٌ ورائع، ووراءه قوةٌ وقدرة، استطاعت أن تضع هذه القوانين. كما قلت لك، الذي ليس مسلمًا، يعني يؤمن بإلهٍ آخر، يسميه باسمه.

باسم: أو بمسمى آخر.

رنا: بمسمى آخر، والذي ليس لديه.. لا ينتمي إلى دين ويعتبر نفسه..

باسم: لا ديني.

رنا: لا دينيًا أو ملحدًا، لكن في الأخير هو ينبهر بالقوانين التي خُلقت، حتى عندما يعزوها، يسميها “الطبيعة”. يعني، في الأخير يعزوها إلى الطبيعة، فهو فقط يعطيها اسمًا آخر، لأنه هو أو هي لديهم مشاكل مع الدين من أصله، من طريقة تربيتهم، فبالتالي يتجنب.

باسم: يعني، تبدو هذه المشاكل مع التديّن وليس مع الدين.

رنا: نعم. أنا يعني، باللغة العربية، نعم، هي مع التديّن والشكل… الذي يُفرض به.

باسم: الذي تمارس به بعض الطقوس.

رنا: فهذا يجعلهم ينفرون ويبتعدون عنه، فيسمونه باسمٍ ثانٍ يرتاحون معه.

 

من هو “العالِم” الحقيقي في منظور القرآن؟

باسم: وهذا يقودني لسؤالٍ حول الآية التي استخدمتِها: “…إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ…”. يعني هنا المقصود بالعلماء، يعني علماء المختبرات، علماء الفيزياء، يعني ليس عالم الدين الذي يجلس في زاويةٍ يُعتبر عالمًا، مثلًا؟

رنا: لفتتُكَ جميلة، لأنه ما هو تعريف العالم؟

باسم: بالتأكيد، بالضبط.

رنا: وأنا أعتبر أن تعريف العالم حتى يمكننا أن نستنبطه من الآيات القرآنية المختلفة.

باسم: يعني، العالم ليس هو الحافظ؟

رنا: لا، طبعًا. العالم الذي يتفكر، العالم الذي يسأل الأسئلة. العالم الذي أنا آخذ مثالًا آياتٍ أخرى، التي هي في سورة البقرة، عندما سأل سيدنا إبراهيم رب العالمين، قال له: “…رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي…” (البقرة: 260). الآن، أنا عندما توقفت وقرأت هذه الآيات وأنا كبيرة، هذه الآيات يعني أخذت عقلي.

باسم: تعيد الوعي للفرد.

رنا: آه، أتعرف لماذا؟ لأن إبراهيم، الذي هو خليل الرحمن، يسأل رب العالمين. ليس أنا وأنت أصحاب، ليس أنا وأنت يعني زملاء. هذا يسأل رب العالمين، ويقول له: “أرني”. هو يشك. فالله لم يقل له: “ممنوع”. لم يقل له: “هذا خطٌ أحمر”. لم يقل له: “يجب أن تؤمن بطريقةٍ عمياء”. ولا حتى. قال له، يعرف لماذا سأل السؤال، ليس ممنوعًا. لماذا؟ قال: “…لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي…”. طبعًا، هناك تفسيرها باللغة العربية، لكن هناك شك أو يريد أن يطمئن. فرب العالمين ماذا قال له؟ قال له: “…فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ…” (البقرة: 260). يعني يعطيه الطريقة العلمية في البحث العلمي..

باسم: صح صح.

رنا: أحضر شيئًا ماديًا، أحضر شيئًا ماديًا واعمل هكذا، وافعل هكذا، وانظر هكذا.

باسم: والنتيجة ستقودك…

رنا: …ستقودك إلى استنتاجك. معناها العالم هو الذي يسأل أسئلة، فعنده فضول ويمارس تفكيرًا نقديًا، وبعد ذلك لا يسأل ويتفلسف فقط وهو جالسٌ على الأريكة، بل يذهب ويجرب ويذهب ويوسخ يديه، يعني ينزل في الطبيعة، في المختبر، في أي مكان، ويصير يجرب، يجرب يجرب ليجد الجواب، لأن الجواب دائمًا موجود، لكن أنت يجب أن تسعى لتجده. وقدراتنا محدودة، فيمكن اليوم أنا سعيت وصلت إلى هنا، غدًا، بعد سنتين، بعد مئة سنة، يأتي عالمٌ آخر بناءً على العلوم التراكمية، يأتي ليسأل السؤال مرةً أخرى بطريقةٍ أخرى بأدواتٍ جديدة، فيكتشف شيئًا جديدًا. وهذا وارد. وهذا يقودني إلى من هو العالم؟ الحديث المشهور الذي يقول إن المجتهد إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا لم يصب فله أجر. يعني هذه صلاحية: اسأل وجرب وأخطئ، كله لا بأس به.

 

هل نقل الآراء دون تجربة يتماشى مع المنهج العلمي؟

باسم: بمعنى يعني أن هذا الوصف، يعني وصف “عالم”، يجب أن يُطلق على الشخص الذي ذكرتِ أوصافه، الذي فعلًا هو الذي ينتج علمًا، وليس الذي ينتج طقوسًا مثلًا، أو يعني يعمي على الناس المعارف، أو يشكل حدًا للناس أن يفكروا أو يمنع الناس من التفكير.

رنا: نعم. وبناءً على ما حكيته، أيضًا توجد آياتٌ أخرى يمكن أن نستشهد بها لهذا الشيء. أنه لا يجوز أنا أن آتي بآراءٍ مبنية على أفكارٍ لم تُجرَّب. والآيات التي في سورة الحجرات، ألا تقول، يعني أنا لست حافظتها بالضبط، لكنها تقول إنه يجب أن تذهب أنت وتتحرى، يجب أن… يجب أن ترجع للمصدر. لا يجوز فقط أن تنقل كلامًا لمجرد أنه يوجد رأي. هذا بالنسبة لي هذا في صميم العلم، أنه أنا يجب أن آتي…

باسم: والمشكلة أن كل رأي علماء الدين أو التديّن هو نقل.

رنا: آه. فيجب أن تكون هناك مراجع. وأنا أبني رأيي بالتجربة والخطأ حتى يتحول من الفرضية إلى النظرية، أن يكون هناك شيءٌ مجرَّب على الأقل ضمن الحدود الموجودة عندي، وضمن الإمكانيات التي عندي، وضمن الأدوات التي عندي.

والآية الثانية التي تؤيد أيضًا الكلام الذي حكيته، أن يظل رب العالمين في القرآن يقول لنا: لا تأخذوا ما حكاه آباؤكم، أنتم يجب أن تأتوا بفكر جديد. هذه ليست معمولة للكفار، هذه معمولة لنا. أنه ليس أي شيء خلاص، فلان قال، جدي قال، أنا متعودٌ هكذا. لا، الدنيا مفتوحة. فكر بطريقةٍ جديدة. وكما قلنا، أخطأت لك أجر، لم تخطئ لك أجران. وهذه الروح المنفتحة، يعني هذا أصلًا الذي يشكل العالم ويشكل الجيل الواعي الذي لا يُضحك عليه، لأن لديه أدوات التفكير النقدي والفكر النقدي التي استنبطها من القرآن، التي من المفترض أن يفهمها هكذا. لأنه أصلًا كلمة “اقْرَأْ”، التي هي أول آيةٍ من القرآن، هي ليست “اقرأ” لتفك الحرف، هي “اقرأ” لتتغير، “اقرأ” لتتفكر، “اقرأ” لتغير كل نفسك وكل المجتمع الذي حولك.

باسم: من استخدام القلم.

رنا: أيضًا، نعم. لأنك أنت، القراءة إذا بدأت تدخل في المخ ويصير هناك استيعاب ويصير هناك بعد ذلك تفكر، وبعد ذلك تذهب وتكتب نتيجة هذه الأشياء.

باسم: والقلم، حسب رأي المرحوم الدكتور شحرور، القلم مقصودٌ به تصنيف الأشياء وفق أصولها.

رنا: آه، نعم، جميل.

باسم: ومن ثم، حتى يكفي عندنا مثلًا نقول “دار القلم”.

رنا: نعم.

باسم: “دار القلم” ليس المكان الذي فيه قلم يكتب به، بل التي توجد فيها أشياء مصنفة وفق معايير محددة، التي يسمونها التصنيف (classification) وبعد ذلك التعريف (identification) ، التصنيف والتعريف. هذا هو المقصود بالقلم. ونحن نسمي القلم الذي نكتب به قلمًا لأننا نقوم بتمييز أفكارنا وفق مفرداتٍ خاصة نعطي المعاني لها. هذا المقصود بالقلم.

رنا: جميل.

باسم: هنا توجد قراءةٌ، لمقارنة الأشياء، ومن ثم استخدام القلم، التي هي التصنيفات الموجودة. ومن أجل هذا تذهبين إلى “دار القلم”. السيارة، السيارات، حفظ السيارات مثلًا، في سجلات، السيارة، الرقم واللون والشاصيه. هذه أيضًا تقليم.

رنا: صحيح، صحيح. لكن أنا أريد أن أثير موضوعًا بهذا الشيء لأزيدك، كما يقولون، من الشعر بيتًا. يمكن نحن أن نصنف الأشياء في مرحلةٍ ما، بعد ذلك يأتي شيءٌ جديد بتصنيفٍ جديد وفكرٍ جديد ونظرةٍ جديدة. فكذلك التصنيفات ليست تصنيفاتٍ ثابتة، إنما تتغير وتتطور بتطور الظروف وتطور أنه أتى ناسٌ جدد على الساحة أنا ممكن أنظر إليهم وأصنفهم بطريقةٍ مختلفة. وهذا الذي يثري ويعطي اختلافات، ليثري العلم، ليثري المعرفة. وكذلك هذه لها شواهد في القرآن، أنه الاختلاف… لولا اختلاف الناس لفسدت الأرض. فنحن بحاجةٍ للاختلاف. وأيضًا ليس فيه آية، في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “اختلاف أمتي رحمة”. الاختلاف ضروريٌ للتطور.

باسم: ليس الاختلاف بالرأي أو بطريقة وضع الأيدي.

رنا: لا، لا. إنه…

باسم: الاختلاف بالاجتهاد بالرأي.

رنا: بالاجتهادات، بالنظرة للأمور. وألا نتحجر ونقول: “خلاص، هذا هو الرأي الوحيد ولا يوجد رأيٌ آخر”. إنما لا، أنا أحترم، ممكن أن يأتي رأيٌ آخر من أي أحد، لكن بشرط، له شروطه.

 

كيف غير العلم الحديث نظرته للطبيعة من السيطرة إلى التناغم؟

باسم: يعني، نرجع لعملية التقليم والقراءة. يعني أنتِ كعالمة أحياء، كعالمة بيولوجيا، أنتِ في مختبر، بالتأكيد ستلاحظين أشياءً وتبدئين فعلًا في إعادة تقليمها كما تفضلتِ حاليًا.

رنا: آه، مئة بالمئة. مثلًا، أعطيك مثالًا. الآن، نحن بالعلم المعاصر الذي ظهر بعد الثورة الصناعية في أوروبا، وما يسمونه بالتطور الذي ظهر، طبعًا هذه كلها مسمياتٌ أوروبية. بالنسبة لهم كان تطورًا، بالنسبة لهم كانوا يسمونها (the Enlightenment)..

باسم: التنوير.

رنا: التنوير، حقبة التنوير، بالنسبة لهم، لأنهم هم كانوا بالعصور الوسطى.

باسم: غير متنورين.

رنا: بالنسبة لنا متنورون من زمان، ولكن للأسف مرّات…

باسم: لكن الآن انطفأنا.

رنا: نعم، ولكن أقصد أننا نحن نستعمل مسمياتهم وكأنه كل العالم كان في العتمة إلى أن أتوا هم لينقذونا. فكثيرًا مهمٌ أن ننتبه ما المفردات التي نستعملها ونتذكر تاريخنا، الذي طبعًا يجب أن نظل نعمل، لا يجوز لنا أن نعيش على أعتاب الماضي. لكن الذي أريد أن أحكيه أنه ظهرت نظرتهم عندما ظهرت الثورة الاقتصادية والعلوم تطورت في أوروبا في آخر 200-300 سنة، كانت نظرتهم للطبيعة منبعثة من النظرة الدينية التي هي المسيحية اليهودية لديهم، التي هي أنه توجد سيطرة على الطبيعة، ليس تناغمًا مع الطبيعة. هذا أساسٌ فلسفي. فبالتالي عندما أتوا على الطبيعة، أتوا يريدون أن يسيطروا عليها، فيريدون أن ينظموها ويضعوها في علب، يريدون أن يقولوا: “هذا هكذا، هذا هكذا، هذا هكذا”. اليوم، العلم المعاصر، الحديث –دعنا نقول- مقارنةً بالمعاصر، يكتشف أن هذا لا يمثل الطبيعة. الطبيعة ليست علبًا وفئات (categories) وتصنيفات (classification). الطبيعة متصلة..

باسم: ومحبوكة، فيها حبكةٌ

رنا: حبكةٌ كاملة. فأنا لا أقدر أن أقول: هذه نبتةٌ ما لها علاقةٌ بالنبتة تلك، بالشجرة، بالنوع (species). هذه كلها متصلة. وعندما أنت ترجع وتنظر إلى الدنيا والكون والطبيعة بالنظرة هذه الفلسفية، من الإطار المعرفي النابع من أن كل شيءٍ متصل، أولًا تكتشف أشياء ما كنت قد اكتشفتها من قبل، لأنك كنت واضعًا كل شيءٍ في علبة، وتحل مشاكل ما كنت قادرًا على حلها، لأن نظرتك كانت ضيقةً جدًا، ونظرة أن “أنا أريد أن أهيمن، أسيطر”، لا أنه “أنا في تناغم”.

باسم: لا أن أفهم أولًا.

رنا: لا أن أفهم، ويكون هناك تناغم. وهذا أصلًا يعمل تحريكًا (Shift). ما هو دور الإنسان في الطبيعة؟ هل أنا موجود من أجل أن أسيطر، أم أنا موجود لأكون خليفةً على الأرض لأعتني بهذا الكون؟ يعني ما تعلمناه اليوم، ما أتعلمه في مختبري، أنني إي نعم، أنا تعلمت الأدوات وطريقة البحث العلمي التي تُطرح في الجامعات الغربية، ولكن اكتشفت أن هذه، ابن الهيثم أخرجها قبل ألف سنة أولًا، صح؟ التي هي الطريقة العلمية في البحث.

باسم: هو إبراهيم أخرجها قبل…

رنا: طبعًا، طبعًا.

باسم: ولهذا سُمّي أمة.

رنا: طبعًا. ومن أين أتى بها ابن الهيثم إلا من آيات سيدنا إبراهيم؟ بالتأكيد. فهي موجودةٌ أصلًا. ولكن أنا تعلمت أن أنقد الفكر والمعرفة والعلم الغربي، أنقده إذا أنا رأيت شيئًا لا يركب على عقلي. وهذا مهمٌ جدًا، أننا نحن، كل إنسانٍ يأتي على هذه الكرة الأرضية، هو أول شيء، حمضه النووي (DNA) مختلفٌ عن أي أحدٍ آخر عاش من قبل، يعيش اليوم، وسيأتي في المستقبل. بالتالي هو يأتي بشيءٍ جديد، نظرةٍ جديدة، له الحق.

باسم: يعني الحمض النووي (DNA) يختلف.

رنا: له الحق في أن تكون له نظرةٌ مختلفة. أن ينقد. الآن، صح أم خطأ، هذا يتبين مع التجربة والخطأ. ولكن ليس أنه خلاص، إذا فلان عالمٌ خرج بهذا العلم، معناه انتهى الأمر، من أنا لآتي وأنقد؟ لا، أنا ممكن أن يكون عندي رأي، لكن لا يجوز أن أحكي آراءً، يجب أن أذهب وأعمل الشغل، كما إبراهيم عليه السلام قاله اذهب اشتغل. أما أن نقعد على أريكةٍ وأنقد يمينًا وشمالًا، هذا ليس صحيحًا.

 

كيف يجب أن نقرأ نظرية داروين قبل الحكم عليها؟

باسم: نتحدث في علم الأحياء (Biology). هل يمكن أن نستنتج أن مثلًا نظرية النشوء عند داروين كانت جزءًا من النظر الأوروبي الكلاسيكي للنظر للحياة الطبيعية مثلًا؟ مجرد فقط تقسيمٌ جامد، يابس، جاف، دون الأخذ بعين الاعتبار أن الحياة هي عبارة عن حبكةٍ متكاملة ومنسجمة؟

رنا: الحقيقة، هذه نريد أن نشرحها لنعطيها حقها. أولًا، نظرية التطور كما شرحها داروين هي بأصلها تعكس التناغم الموجود في الطبيعة. لمن يذهب ويقرأ، من يذهب ويقرأ “أصل الأنواع”، حقًا، يذهب ويقرأها مضبوطًا، يرى أنها عبارةٌ عن نظرةٍ وفكرةٍ رائعة تعكس تناغم الطبيعة. الآن، لكن كأي فكرةٍ علمية، يمكن أن تُؤخذ وتُستخدم لأحداثٍ أخرى، هذه واحدة. وممكن أن تُؤخذ وتُفسر بطرقٍ أخرى. فلذلك، نحن لا يجوز أن نلوم العالم الذي خرج بالفكرة ونجهضها أو نهاجمها ونحن أولًا لسنا فاهميها.

باسم: أو أن الغالبية لم تطلع عليها، سمع شخصٌ ما يقول كذا.

رنا: أو هل أنت حقًا قرأت كتاب “أصل الأنواع” قبل أن تأتي وتنقد لي داروين؟ أنت قرأت الكتاب؟ ما لم تقرأ الكتاب، لا تأتِ وتتحدث معي، لأنك أنت تعمل عكس الدين. الدين يقول لك بالقرآن: اذهب وتحرَّ، اذهب واقرأ قبل أن تحكي أي كلمة. واعمل واجبك أنك تذهب وتقرأ وتفهم كل شيء، بعد ذلك تعالَ ناقشني. أما عن فلانٍ عن فلانٍ عن فلان سمعت وتأتي وتنقد، وبعد ذلك الإسلام يقول لك: يجب أن تذهب إلى أصل المعرفة، هل أنت أصل المعرفة؟

باسم: على المنبع.

رنا: على المنبع. فأنت أصلًا لا تمارس الدين لتأتي وتنقدني في شيءٍ أصلًا أنت لم تعمل ما عليك فيه. هذا أول شيء.

باسم: كلام سليم، صح.

رنا: الآن، نرجع إلى داروين. فداروين هو عالمٌ مثل كل العلماء على الكرة الأرضية من الإنسانية على مر العصور. يعني، أن تكون عالمًا هو ليس بالضرورة مربوطٌ في دينٍ معين، لأن قصة أني أنا أبحث عن العلم، هذه بالفطرة موجودةٌ عندنا. يعني نحن كجنسٍ بشري، موجودٌ عندنا عقل، وهذه فطريًا، نحن عندنا فضول، نحب أن نسأل، نتطلع: “لماذا السماء زرقاء؟”، “لماذا هذا هكذا؟”. فداروين أحد أجيال العلماء الذين صاروا يتفكرون: “طيب، لماذا هذه الطيور هكذا؟”، “لماذا هذه السلحفاة هكذا؟”، “لماذا الشجر هكذا؟”. فسأل وتفكر وخرج بفرضيةٍ يشرح ويفسر قانونًا كونيًا، كيف خرجت الاختلافات بين الكائنات الحية، تمام؟ وهو لم يبنِ على الفاضي، يعني هو قرأ ما قبله وفرض هذه الفرضية، وعنده رسائل وعنده أشياء.

الآن، فرضيته هي ببساطةٍ هي ببساطةٍ تقول إن كل الأنواع، الكائنات الحية الموجودة اليوم، الموجودة بالماضي، وستوجد في المستقبل، كلها تشبه بعضها البعض إذا نحن فتشنا، ولها بالتالي، منطقيًا، أصلٌ واحد، الذي هو بداية الخلق. وهو لا يتكلم عن الخالق، ولا يتكلم عن القوة التي بدأت، ولا يناقشها. يقول: “هذه مسألةٌ تحتاج إلى شغل، ما أحد يعرف الجواب لها، كيف بدأ الخلق”. هو فقط يقول كيف تطور الخلق بعدما بدأ، وخرجت الأشكال المختلفة التي نراها اليوم.

فبالتالي هو لا يذكر كلمة هل يوجد الله أم لا. وكلمة الإلحاد. الآن، يمكن هو بطلت عنده ثقة بالدين لأنه كان مسيحيًا.

باسم: ممكن ثقة بالتدين؟

رنا: التديّن، للدين الذي هو…

باسم: المؤسسة التي كانت قائمة عليه الكنيسة المسيحية.

رنا: لأنه هو بالنسبة للمؤسسة الكنسية التي هو تابعٌ لها، وطبعًا يوجد منها عدة أنواع، نحن نتحدث عن المدرسة التي هو تابعٌ لها، وهذا ليس من علمي، أنا لست عالمة أديان، إنما هذا كلام داروين نفسه والعلماء الذين يبحثون بهذا الأمر. أنه كانت المدرسة الكنسية التي هو تابعٌ لها كانت تقول إن عمر الأرض قصير وكل شيءٍ خُلق فجأة. بالتالي كلام داروين يناقض هذا الكلام. بالتالي هو إما أن يكون ملحدًا، وإما أن يكون مؤمنًا. فهو لأنه معتقدٌ أن فرضيته هي الأصح، فبالتالي هو ملحدٌ بنظرتهم.

باسم: كفر بقول الكنيسة.

رنا: نعم، نعم. أما الإسلام، هو لم يدرس الإسلام، فنحن لا نعرف أصلًا ما رأيه لنأتي ونفرض، نفرض نحن كمسلمين أنه آه، اسمه… المسيحية اعتقدوا أنه ملحد، معناه أيضًا نحن نعتقد أنه ملحد. وأنا أرى أن السبب أن العالم الإسلامي رفض داروين واتهمه بالإلحاد، لأنه ما أحد ذهب وقرأ الكتاب. لأن الذي قرأ الكتاب، عندما ظهر كتاب داروين، عندك علماء مسلمون قرأوه، مثل الجسر في لبنان. والجسر، كان بالعكس، ما رأى أي شيءٍ ينقض أو يتناقض مع الدين.

باسم: نديم الجسر.

رنا: نديم الجسر، نعم. ما رأى تناقضًا مع الدين. وبالعكس، حاور “أصل الأنواع” ككتاب، وما كان فيه تناقض ولا اتهام بالإلحاد، لأن ديننا..

باسم: القرآن.

رنا: القرآن، لا يوجد تناقضٌ بينه وبين نظرية التطور، التي هي بدأت فرضية وفيما بعد أصبحت نظرية، بمعنى أن كل الإثباتات تثبت أن هذه صحيحة.

 

هل نظرية التطور حقيقة علمية مثبتة؟

باسم: يعني أنتِ كعالمة أحياء (biologist) وأنتِ تعملين معظم وقتكِ في المختبرات..

رنا: نعم.

باسم: تقدرين أن تقولي إن نظرية أصل الأنواع علمية بحتة، تجريبية، أصلية.

رنا: نعم. مئة بالمئة. وهي مثبتة..

باسم: وهي مثبتة علميًا؟

رنا: مئة بالمئة ضمن، طبعًا، العلم الذي عندنا والأدوات التي عندنا. لأننا نحن كعلماء دائمًا يجب أن نكون.. ماذا يقولون؟ متواضعين وجاهزين للانتقاد، وجاهزين لأن يقول لي أحد إن رأيي خطأ، لأن هذه علامة العالم. ولكن ضمن جميع الظروف والتجارب والأدوات وحدود العقل الإنساني، نظرية التطور لتفسير كيف نشأت الكائنات الحية بمختلف أنواعها هي أفضل وأصدق، دعنا نقول، تفسير نعرفه اليوم.

باسم: يا سلام.

رنا: ما لم يأتِ احد بعد 100 سنة ويقول شيئًا جديدًا.

باسم: رغم كل الهجوم الذي مُورس ضد هذه النظرية..

رنا: أنا الآن أفسر..

باسم: هل يوجد هجوم على فكرة…إنه أشيع أن داروين يقول إن أصل الإنسان قرد، فبالتالي هوجم على هذا الأساس؟

رنا: وهذه خطأ. هو لم يقل ذلك. هذه مقولةٌ..

باسم: ألصقت أو ألبست له.

رنا: نُسبت له وهو لم يقل ذلك أبدًا. والذي يحكيها هذا إنسانٌ لا يعرف ما هو التطور. ولهذا أقول له: قف، توقف، اذهب واقرأ ما هو التطور، تعلم عنه ما هو، بعد ذلك تعالَ نتناقش. لأنه لا يجوز أن أناقش واحدًا هو ما عنده الأساسيات. يعني مثل واحد يقول لي: “واحد زائد واحد يساوي عشرة”. ماذا سأناقشه؟ أقول له: أول شيء اذهب وادرس الرياضيات، واحد زائد واحد يساوي اثنين. وإذا أنت تقول يساوي عشرة، يعني يجب أن تعطيني لماذا، كيف، بعد ذلك نقعد ونتحاور أنا وأنت. أما ما لم يذهب الشخص الذي ينقد ليكون دارسًا وعارفًا، وهذا دينه يأمره به، قرآنه يأمره به، بعد ذلك نأتي ونتناقش في الأمر.

إنما أنا أعطيك تفسيرًا لماذا الرأي العام صار ضد داروين. أولًا، يعني يوجد تفسيرٌ تاريخي.. كما قلت، أول شيء المدرسة المسيحية كفرته وعملته ملحدًا. ولأنه في ذلك الوقت، الذي هو منتصف الـ 1800 (منتصف القرن التاسع عشر)، عندما ظهر كتابه، كان العالم الإسلامي في اندثار، يعني ما كان عنده علماء، ما كان عنده… خلاص، كانت نهاية الحضارة العربية الإسلامية. بالتالي، ما كان يوجد عالم أحياء مضبوط، يقرأه مضبوطًا ويقول: “لا، هذا لا توجد فيه مشكلة” أو “توجد فيه مشكلة”. فمن كان موجودًا؟ علماء الدين. وعلماؤنا في الدين أيضًا كانوا في مرحلة اندثار وانحطاط، ليسوا هؤلاء العلماء الذين نعرفهم. والمسيحيون أهل كتاب، ونحن نعتبر أننا وإياهم توجد كثيرٌ من الأشياء المشتركة بيننا. فإذا هم كأهل كتاب كفروه، فنحن..

باسم: أولى بهذا..

رنا: أيضًا نكفره. يعني أهل كتاب، وفيه رب وفيه رسل، وهذا اعتبروه ملحدًا، إذًا نحن نعتبره ملحدًا. ثانيًا، الإمبريالية والاستعمار أخذت نظرية التطور من داروين واستخدمتها كحجة، وأخذها أكثر من سياقها وقال: “نعم، معناه أن الجنس الأبيض أحسن من الجنس الآخر”. طبعًا، هذا لم يقله داروين، وهذا ليس صحيحًا في التطور أصلًا. واستخدمها كحجة أنه: “أنا سأذهب وأستعمر وأحتل وأقتل وأقمع”.

باسم: اعتمادًا على أن العرق الأبيض أكثر قدرة.

رنا: وهذا خطأ طبعًا، ليس له أساسٌ علمي بتاتًا. ولكن هذه الإمبريالية استغلت…

باسم: يعني استُخدمت نظرية أصل الأنواع أو نظرية النشوء التي كتبها داروين من قبل الاستعمار للتمييز ما بين البشر..

رنا: وتبرير الاستعمار والاستغلال، والذي يسمونه… اللا إنسانية.

باسم: والعنصري، العنصرية البيضاء.

رنا: ما هو… (Dehumanization) (تجريد الإنسان من إنسانيته) أنت أقل، فبالتالي أنا يحق لي أن أستغلك. طبعًا…

باسم: ربما هذا أحد الأسباب التي جعلت الكثير من الرجال يهاجمونها، أو الناس العاديين.

رنا: طبعًا. أنا مستعمَرة ويقتلني الاستعمار، وقالوا إن داروين هو الذي أعطاهم التبرير، فأنا طبعًا سأكره داروين، ضد نظريته، ضد كل شيء.

باسم: لكن هو بريءٌ مسكين.

رنا: هو بريء. أنا أتذكر، ذهبت إلى جامعة كامبريدج، المكان الذي كان هو فيه، وجلست هناك، وواضعين كرسيًا، وهذه كانت الحديقة، وهكذا… حزنت عليه، لأنه كثيرًا ما يصير هكذا، علماء يخرجون بأفكار وتُستخدم في شيءٍ سيئ. فنحن يجب أن نكون واعين أن العلم شيءٌ وكيف نستخدمه هو شيءٌ آخر. فهذه بعض الأسباب التي من أجلها وُضع داروين بهذه الصورة السلبية، الملحدة، غير الجيدة. فمعهم حق. من أجل هذا، نحن يجب أن نتحرى، نقرأ الكتاب، نفهم، ونميز الأمور عن بعضها البعض.

وشيءٌ آخر، الذي هو عندما صار هناك علماء يريدون أن يروا لماذا يوجد رفضٌ لنظرية التطور في العالم العربي، طبعًا، ليسوا علماؤنا؛ لأن علماءنا العرب ما زالوا في طور التطور، دعنا نقول. أتى علماء من الغرب يريدون أن يفهموا لماذا نحن نرفض التطور، لأن هذا ما سمعوه من رجال الدين. وبالنسبة لهم، هذا شيءٌ يبرر أكثر أننا لسنا واعين كفاية، مع أن الناس عن جهلٍ يحكون هكذا، ليس عن وعي. ويريدون أن يبرروا أن الدين الإسلامي ضد التطور، مع أنه هو إسلامنا ليس ضد. أصلًا لو ترجع بالتاريخ، تجد أن الجاحظ حكى أشياء شبيهة، ليست نفسها، لكن أنه يوجد تطور، يوجد تغيير. إخوان الصفا، حتى الرازي كان في كلام… آه، إذا ترجع للوراء وتقرأ كتبهم، توجد إشاراتٌ لأشياء تشبه نظرية التطور. هل كُفِّروا؟ هل قيل إن هؤلاء خرجوا عن الإسلام؟ لا، هؤلاء علماء يجتهدون، يعني، وعادي، يجتهدون، ليس لها علاقة.

فبعد ذلك، فلما أتى هؤلاء العلماء الغربيون، الآن يريدون أن يقولوا: “آه، رأيتم؟ الإسلام ضد التطور، فالإسلام رجعي”. ماذا يفعلون؟ يأتون باستبيانات يوزعونها على البلاد العربية والإسلامية. والاستبيانات، ليعملوا الدراسة، والاستبيانات ماذا تقول؟ تسأل أسئلة مترجمة عن الإنجليزية، فهي ليست…

باسم: ترجمةً دقيقة

رنا: ليس فقط ترجمة دقيقة، ليس لها المحتوى، يعني من أين أتت؟

باسم: الخلفية الثقافية لها.

رنا: الخلفية الثقافية. فيأتي السؤال: “هل أنت تؤمن أن الله خلق الأشياء؟”. حسنًا، (Do you believe in God create it?) يترجمونها. طيب، أنا، أنا، أنا التي أوافق على نظرية التطور، إذا سألني أحدٌ هذا السؤال أقول له: “نعم، الله خلق الأشياء”. ولكن كيف ولماذا وكذا… فهمت علي؟ فالسؤال يجب أن يُمحَّص. أنه أنت تؤمن بوجود خالق؟ نعم، أنا أؤمن بخالق، ولكن إيماني بخالق لا…

باسم: ينفي أنه توجد تدرجية.

رنا: التدرجية. لكن السؤال يأتي هكذا، فالكل يقول: “نعم”. فيقول: “ها، رأيتم؟ كلهم هؤلاء مثل المسيحية المنحرفيين الذين رفضوا دراوين”، فيظهر أننا كلنا رافضون لداروين، ومنهم أنا أيضًا. لكن لأن السؤال ليس مفسرًا بالطريقة الصحيحة، عرفت علي؟ وطبعًا، ما أحد في الغرب، اذهب وانظر إلى كل دراساتهم إلا فيما ندر، يذهبون ويفتشون: “طيب، لماذا المسلمون يفكرون هكذا؟”. لا توجد أبحاث، لأننا نحن قدمنا على منحة (grant) أننا نريد أن نعمل بحثًا نفسر لماذا المسلم بشكلٍ عام يفكر بهذه الطريقة.

 

هل الروايات الإسرائيلية سبب سوء فهم الخلق في الثقافة الشعبية؟

باسم: هناك نقطةٍ ثانية. أنا أحب أن أثير هذا الموضوع. لماذا المسلمون أيضًا؟ ليس المسلمون بشكلٍ عام، لماذا من قاد هذه الفكرة، هذا الموقف في الثقافة الإسلامية حول نظرية التطور، أن المسلمين أخذوا نظرية الخلق من الأسفار اليهودية…

رنا: طبعًا ممكن.

باسم: التي تقول إن الله خلق الإنسان من مجموعة تراب، خلطه بماء، نفخ فيه، ووقف وانتفض، وبعد ذلك أخذ من ضلعه امرأة، وبالتالي صار..

رنا: نعم، مئة بالمئة.

باسم: أنا في رأيي هذه إحدى الإشكاليات، أنه انطبع في العقل الإسلامي الشعبي، التي ليس لها أي أصلٍ مطلق، لا في القرآن ولا في أي مكانٍ حتى.

رنا: مئة بالمئة، أنا أصلًا يأتي طلابي ويحكون ما حكيته بالضبط. أسأله من أين هذا أتيت به؟ هذا موجودٌ في القرآن؟ لا. ليس موجودًا. بحديث؟ قلت له: “ذهبت تحققت من هذا الحديث، ما متنه وسنده؟”. لا. لأن معظمهم إسرائيليات، بالضبط كما حكيت. فبالتالي، نحن، عندما يأتي أحدٌ عندي ويقول لي: “يوجد تناقضٌ بين القرآن ونظرية التطور”، أقول له: “تعالَ هنا”. أولًا، أولًا، أنا لا أستخدم القرآن لأثبت شيئًا علميًا، هذا أول مبدأ.

باسم: القرآن ليس كتاب علم، بمعنى ليس كتاب تجريب.

رنا: وإذا كان فيه كل الأجوبة، لماذا الله وضعنا على هذه الأرض؟ لماذا أعطانا عقلًا لنفكر؟ إذا كانت كل الأجوبة موجودة. الله أعطانا في القرآن مثل…

باسم: إشارات.

رنا: إشارات لتثير فضولنا، لكي نظل نبحث.

باسم: وأنت اذهب وابحث.

رنا: اذهب وابحث كما قال لإبراهيم، أنه اذهب وابحث. والآيات كلها “فكّر، فكّر، فكّر”، ليست “آمن، آمن” بدون تفكّر. بالتالي هو ليس كتاب علمٍ أجد فيه كل تفسيرٍ علمي وكل نظريةٍ علمية. فهذه أولًا. ثانيًا، إذا أنا أردت أن أقول: “والله القرآن ينقض التطور”، أعطوني كل الآيات. أنا كل آيةٍ تُعطى لي، أنا أنظر إليها، أقدر أن أفسرها بطريقةٍ مختلفة بحيث أنه لا يوجد تناقضٌ أبدًا مع نظرية التطور. وإذا أحضروا لي تفسيرًا قديمًا، لأنه كل واحدٍ يفسر…

باسم: كل التفاسير قديمة للأسف.

رنا: كل التفاسير قديمة. لا يوجد تفسيرٌ آتٍ من عالمٍ يفهم علم الأحياء (biology) ويفسر في نفس الوقت. ويمكن ليومنا هذا لا يوجد عالمٌ يقدر أن يجمع كل العلوم.

باسم: بالتأكيد.

رنا: فبالتالي، يجب، مثل لجنة، مجموعة من العلماء: عالم أحياء مع عالم لغةٍ عربية مع عالم تاريخ مع عالم فقه، كلنا نجلس مع بعض ونناقش. أنا أقول ما هو علم الأحياء، وهو يقول ماذا كذا، ونخرج باستنتاج ما يمكن أن تعنيه هذه الآيات. إنما لو أنا أرجع إلى أي تفسيرٍ موجود، اجتهدوا وبارك الله فيهم وجزاهم الله خيرًا، علماؤنا في الماضي، اجتهدوا ضمن..

باسم: ضمن مستواهم المعرفي في ذلك الوقت.

رنا: وما كان العلم بذلك الوقت. أما اليوم، هو إنسانٌ مثل أي إنسان يفسر، والإنسان عندما يفسر يخطئ وممكن يصيب. فبالتالي كلام المفسر ليس قرآنًا منزلًا. فأنا آخذه، أنظر إليه، ممكن أستفيد منه، أفهم كيف هو عمل، ولكن أنا اليوم أستعمل عقلي، أستعمل العلم والمعرفة أين وصلت اليوم، أجلب الخبراء معي، ليس لوحدي، لأن أنا لا أعرف كل شيء، فعندي احترامٌ لباقي الخبراء، ونجلس مع بعض ونناقش نقاشًا بناءً، نقاشًا حضاريًا، ما يمكن أن يكون تفسير هذه الآية، أو كيف أن هذه الآية تناقض أم لا تناقض نظرية التطور.

فهذا الذي أنا دائمًا أقترحه في أي تفسير. فأي آياتٍ، أنا بهذه الطريقة والأسلوب، الآيات كلها التي الناس تقترحها عليّ وتقول لي: “هذه إثباتٌ أن نظرية التطور خطأ”، أنا أقدر أن أفسرها…

باسم: بطريقةٍ مختلفة.

رنا: بطريقةٍ مختلفة وأحكي لك أبسط واحدة. إنه… هي المشكلة أين؟ عند خلق الإنسان، للصراحة هنا المشكلة الكبيرة. لأنه إذا أحكي عن التطور لطلابي، كلهم: “آه، طيب، مؤمنون كل الكائنات الحية إلا الإنسان”. قلت لهم: “يعني ما هذا التناقض؟ أن رب العالمين الخالق يذهب ويجعل الإنسان غير؟”. قلت لهم: “هذه أتت أول شيء من الكبر لدى الإنسان، الذي الله سبحانه وتعالى نبهنا أنه لا يجوز أن نكون متكبرين. لماذا نحن غير عن باقي الخلق؟”. وهذا فكرٌ يهودي مسيحي، أنه أنا أحسن.

باسم: صح، صح، صح.

رنا: أنا أريد أن أهيمن، لا أنت جزء، أنت خليفةٌ بمعنى المسؤولية، انتبه. لكن الآية التي أكثر شيء يتمسكون بها: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” (السجدة: 7). “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ”، هم يأخذون كلمة “أَحْسَنَ” ويفسرونها أنه “أفضل”، مع أن “أحسن” في اللغة لها تفسيرات، وهذا جمال اللغة العربية. “أحسن” يعني الأكثر تلاؤمًا…

باسم: الأكثر دقة.

رنا: تلاؤمًا.

باسم: ملاءمة، صح صح.

رنا: (Evolution) تطور، أن الكائنات تتطور لتكون أكثر ملاءمة للبيئة. تغيرت البيئة، إذن يتطور شيءٌ ليكون أكثر تلاؤمًا. فما يوجد أفضل وأسوأ وأحسن، إنما أكثر تلاؤمًا. فأنا، البكتيريا مثلًا، أكثر تلاؤمًا. بكتيريا معينة تعيش بدرجة حرارة 80. هل أنا كإنسانٍ أقدر أن أعيش بدرجة حرارة 80؟ لا. فالله سبحانه وتعالى أحسن خلق البكتيريا لتعيش بالـ 80، وأنا الله أحسن خلقي لأعيش بظروفٍ أخرى. وكل كائنٍ حي، الله أحسن كل شيءٍ خلقه. أنا بالنسبة لي هذا إثباتٌ على نظرية التطور.

 

هل يمكن استخدام العلم لمراجعة التفسيرات الدينية القديمة؟

باسم: سؤالٌ هنا. هل يمكن استخدام هذا العلم مثلًا، ليس فقط هذا، العلوم، كل العلوم، لكن طالما نتحدث عن العلم البيولوجيا، علم الأحياء، هل يمكن استخدامه كأداةٍ من أدوات نقض سرديات التفسيرات مثلًا، الدينية بشكلٍ عام، أو التفسير القديم للنصوص؟

رنا: انظر، أنا شخصيًا…

باسم: خاصةً بالقضايا التي تتعلق به.

رنا: أريد أن أقول لك. أنا شخصيًا لا أنظر إلى الوراء. أنا دائمًا أنظر إلى المستقبل، وأحكم ما هي المادة التي لديّ وما هو التفسير الآن. إذا جاء أحدٌ وأحضر لي استشهاداتٍ من الماضي، أقول له: “جزاه الله خيرًا”. أنا لن أفوت لأناقش الذي جاء قبل 800 سنة وفسّر. هو اجتهد وله أجره، وأنا اليوم في يومٍ جديد.

باسم: صح أنا متفق معك، لكن المشكلة أن الثقافة السائدة عند عموم العرب والمسلمين بشكلٍ عام هي الثقافة التي نتحدث عنها، والتي نحن مطلوبٌ منا أن نخضعها للمراجعة على الأقل.

رنا: نعم. لأنه هي مثلما يقولون، يمكن أن أذهب إلى ذلك ونخضع… نعم، العلم الجديد بالتفسير الجديد، ونقارن إن هذا كان تفسيرًا لأنه كان علمه المعرفي بهذا القدر، والعلم المعرفي اليوم هكذا، فإذن التفسير يمكن أن يختلف. ودائمًا يجب أن يكون معي -كما القرآن قال لي- عالم لغةٍ عربية، عالم تاريخ، عالم فقه، وليس أنا فقط، أنا عالمةٌ بعلم الأحياء، أنا لست عالمة لغة ولا قرآن ولا أدعي هذا الشيء. هذا كثيرًا مهم، رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه. إنما أنا أقول: يجب أن يجلس كل هؤلاء مع بعض ونخرج بشيء. لكي تثق الناس، ونكون نحن نطبق القرآن وإرشادات القرآن، أنه يجب أن يأتي الخبراء ويتحدثوا مع بعض ويخرجوا…

كلمة أخرى في القرآن أيضًا أستعملها عندما يسألني: “أين الإثبات؟”. لماذا المسلمون ليس لديهم مشكلة مع الآيات القرآنية التي تتحدث عن خلق السماوات والأرض، ونظرية الانفجار الكبير؟

باسم: الـ (Big Bang).

رنا: نعم الـ (Big Bang). الانفجار الكبير يقول لك إنه كانت هناك بداية، وأخذت بلايين السنين لتخرج الكرة الأرضية والمجموعة الشمسية والمجرات. والآية في القرآن ماذا تقول؟ “الذي خلق السماوات والأرض”، “خلق الشمس والقمر”. كلمة “خلق”، لا مشكلة لديه أن كلمة “الخلق” تتضمن بلايين السنين. في نفس القرآن، رب العالمين يقول: “خلقنا الإنسان” و”خلقنا الكائنات”. لماذا هذا الخلق يجب فجأة “كن فيكون” وفعله هكذا مثلما قلت، وأنه نفخ فيه؟ طيب ماذا صار؟ نفس كلمة الخلق هنا وهنا. لماذا لا بأس بالكائنات…

باسم: لماذا الخلق فهمها بهذه الطريقة؟

رنا: مفهومة ومسموحٌ أن أضع العامل الزمني الطويل. مع أن هناك آيات تثبت أن يومًا عند الله كألف سنة مما تعدون. يعني أصلًا نحن لا توجد لدينا مشكلة مع الزمن في القرآن مثل المسيحية، لديهم مشكلة الزمن والمحدودية. نحن الزمن مفتوح، بالتالي لماذا لا أقول إن الخلق أخذ ملايين السنين؟

باسم: والخلق، أنا يبدو لي أيضًا هنا أنه أُسيء فهم هذه اللفظة. وأنا هنا يعني أقتبس من المرحوم الدكتور محمد شحرور، الذي يعتبر أن الخلق هو (design) التصميم.

رنا: مثلًا.

باسم: الخلق ليس الخلق من العدم. والخلق كان موجودًا، وهنا ينطبق مع ما حكيته أنتِ، أن تم توليف هذا الخلق ليكون موائمًا للطبيعة.

رنا: رائع، هذه لفتةٌ رائعة.

باسم: هذا التصميم، يعني هذا هو النموذج الذي تم خلقه ليكون فعلًا موائمًا للظروف البيئية المحيطة به.

رنا: تمام. وعندما أنت تقول، إذا هذا التفسير آخذه “نموذج”، هذا رائع. لأن هذا يرجعني إلى أصل الأشياء التي هي (DNA) (الحمض النووي). يعني المادة الوراثية هي نموذج التصميم، الذي هو إثباتٌ على نظرية التطور؛ أن كل الكائنات الحية، كلنا أساسنا حمض نووي، كلها حمض نووي. الفرق بيني وبينك وبين البكتيريا والنبتة والفطر والضفدع والخميرة وكل الكائنات التي عاشت بالماضي، أن الحمض النووي…

باسم: التوليفات الموجودة.

رنا: تختلف بيننا. فهذا يدل على أنه يوجد تصميمٌ أصلي للخلق، الذي هو الحمض النووي، وبعد ذلك الله سبحانه وتعالى ضمن القوانين تركها تتطور وتتغير ملاءمةً للبيئة. الله! أنا يعني بالنسبة لي، عندما أقرأ القرآن وأرى هذه الأشياء، هنا تصيبني النشوة، أن الله سبحانه وتعالى أعطانا هذا العقل ونتفكر ونرى عظمة رب العالمين ببساطة الأشياء.

 

كيف أثر الفهم الخاطئ للتطور على تقدم العرب علميًا؟

باسم: سؤالي هنا، ما مدى تأثير هذا الفهم التراثي الذي ساد في المجموع، يعني عند العامة، دعنا نقول، وهو أيضًا سائد حتى عند العلماء، ما يسمى بعلماء رجال الدين، أو المؤثرين في صياغة الثقافة والعقل العربي؟ ما مدى تأثير هذه الثقافة على منع العرب من التقدم في هذه العلوم؟

رنا: الصراحة، السبب أصلًا أني أثير هذا الأمر وأقبل أن أتحدث فيه، يعني كتطور واختلاف الآراء، ليس لأني أنا أريد شهرة أو لأني أحب أن أثير… لأن كثيرًا من الناس يدخلون هذا المجال ويحبون أن يثيروا الجدل ويكسبوا أشياء. أنا كثيرًا يعني لا أدخل إلا إذا أنا أتيت لأحكي ببساطة وعن رأيي أنا في الموضوع. السبب الذي يجعلني أكتب وأحكي بالموضوع هو أني باعتقادي الإسلام والقرآن هما يساندان، ويوجد فيهما إثباتات أن نظرية التطور التي نعرفها اليوم لا يوجد فيها أي تناقض مع الإيمان بالله سبحانه وتعالى والخلق من رب العالمين.

أثير النظر في هذا الأمر لأن السؤال: “طيب، لماذا نحن اليوم رافضوها؟”. لأننا ضُحك علينا، أخذنا فكرًا غربيًا مسيحيًا يهوديًا ضد داروين وضد، بمعنى، العلم والتطور، وتبنيناه وأخذناه وعزوناه للإسلام، وهذا الذي أرجعنا إلى الوراء. فأنا أثيره وأقول: إذا التطور الذي نناقشه ونعمل قصة وحكاية عليه، وكل الإنسانية، عرب ومسلمين وغيرهم، كلهم يستعملون نتائج التطور، أنت أخذت (vaccine) (اللقاح) وأنا أخذت اللقاح للإنفلونزا، لـ (polio) (شلل الأطفال)، للكوفيد، طيب هذا مبنيٌ على ماذا؟ مبنيٌ على نظرية التطور.

الأدوية التي تأخذها، antibiotics (المضادات الحيوية( للمرض، كلها مبنية على ماذا؟ على نظرية التطور. لا، بل أكثر، البندورة التي تأكلها، الحمراء المطيبة، الفريز، الفراولة التي تأكلها، البطيخ بدون بذر الذي تأكله، هذا كله مبنيٌ على نظرية التطور. فأنت تصدق أو لا تصدق، أنت تستخدم نتائج التطور. طيب، أنا لماذا أثيره؟ لأنه إذا ضحكوا علينا بالتطور، وهو بهذا الشيء الذي نؤمن أو لا نؤمن، نحن نستخدمه، فبماذا أيضًا ضُحك علينا؟ بماذا أيضًا؟ دعنا نفكر، ضُحك علينا، ما هي المرأة بمفهوم الإسلام والقرآن؟ وتبنينا الأفكار الغربية وعزيناها للإسلام. تبنينا كيف نعلّم، التعليم، pedagogy، علم التربية. أخذنا النظرية الغربية التي هي جاءت لتخرج أفرادًا يسمعون الكلمة، الذي هو كان هدف ثورة الاقتصاد، أخرج الناس ليشتغلوا بالمصنع. ونحن في الإسلام، حضارتنا، كان العلم: “لا، اجلس في دائرة وناقش وفكر”. أخذناها وعزيناها للدين ولطريقتنا في التفكير.

فأنا أثير التطور لألفت النظر: ما الشيء الآخر الذي نحن أخذناه، تبنيناه، والمشكلة أننا عزيناه للإسلام، فصار عليه سياجٌ، لا أقدر أن أناقشه لأنه صار أن هذا هو الدين.

 

هل يقتصر تأثير سوء فهم التطور على العلم فقط؟

باسم: إلى هذه الدرجة تأثير الفهم المعاكس أو الفهم الصحيح، هذان الفهمان لنظرية التطور، مؤثرٌ في المجتمعات مثلًا؟

رنا: أنا باعتقادي إذا حللنا بعمق، نعم. أنا أعطيتك أمثلة، كيف نظرتنا للمرأة في الإسلام اليوم؟ كيف نظرتنا للمرأة من مفهومٍ إسلامي؟ أنه هي المرأة التي تسكت ولا تناقش ولا تحكي. هذا فكرٌ فيكتوري بريطاني أتى إلينا في نفس الوقت، في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وتبنيناه، وصار هي مثال المرأة المسلمة التي ترضي رب العالمين. كانت المرأة هي التي تناقش وتحكي بالسياسة وتكون قائدة في المجتمع، نعرفها في كل سيرتنا العربية الإسلامية. طيب، أين ذهبت مثلًا؟

نفس الشيء، قلنا التعليم، علم التربية. نحن الآن نضعهم في المدرسة ونلحق الغرب، ما يقوله الغرب نحن نلحق به، وخسرنا الهوية وخسرنا… طيب، تأنوا قليلًا، دعونا ننظر في وثائقنا القديمة، كيف كنا ندرس. لا نقول نأخذ القديم كما هو، لكن نتعلم منه، نعتبره مصدرًا كما هم يعتبرون تاريخهم مصدرًا. أنا أريد أن أعتبر تاريخي مصدرًا، أنظر إليه، أتعلم منه. لأنه الآن ما أراه، الآن يرجعون كلياتهم: “يجب أن نعمل حلقة دراسية، لا يجوز أن نجلس في الصف”. طيب، نحن هكذا كنا نعمل زمان، وهكذا كنا ندرس.

باسم: حلقات الدرس كانت حلقات.

رنا: كانت حلقات نقاش. والآن يقولون لك: “آه، العلم الجديد اليوم يجب أن نكون حلقاتٍ نقاشية، لا يجوز أن يكون المعلم واحدًا والباقي… يجب أن يكون هناك نقاش ونتعلم من بعض. ليس الناس جالسين في الصف. كان العلم، كان يأتي طالب العلم ويلتزم مع العالم ويجلس معه ويناقشه وينقده. يعني هذا كان عندنا موجود.

بل أعطيك أيضًا، نظرتنا للصحة النفسية. الغرب، المنظور، أنا عندما أحكي “الغرب”، الذي هو أساسه أو إطاره المسيحية اليهودية، ولو أنهم الآن يقولون: “ليس لدينا دين ونحن علمانيون”، لكن الأساس مسيحي يهودي. نظرتهم للشخص الذي عنده مشاكل نفسية، صحة نفسية، أنه هذا إنسانٌ يعني جاهل، راكبه جن، ليس طبيعيًا، لا توجد رحمة، ينبذونه. هذا هكذا، وجديدًا اكتشفوه، من 200 سنة. أي… من 50 سنة، ألم يكونوا يعملون (eugenics) تحسين النسل ويقتلون الناس الضعفاء قليلًا في أمريكا في الستينات؟ هذا ليس من زمان. ونحن كان عندنا مستشفى للصحة النفسية في بغداد قبل 1200 سنة، الله!

يعني نحن كنا محترمين الإنسان وعقل الإنسان وصحة الإنسان. لو نرجع إلى وثائقنا أنه هذا لا يجوز أن يذهب لوحده إلى بيته عندما يخرج، يجب أن نتأكد أن عائلته… هذا مكتوب في البارمستانات للمستشفى، الإنسان، الصحة النفسية. واليوم يكتشفونه، يعزونه إليهم أنهم هم اكتشفوا هذا الشيء. ونحن نلحق وراءهم ونقول: “آه، العلم آتٍ من عندهم”.

فيجب أن نكون أوعى. من أجل هذا، أنا أثير هذا. من أجل أن كل واحدٍ يفكر، فأضايقه بالتطور قليلًا، من أجل أن يصير يفكر بأشياء أخرى.

 

لماذا يجب إعادة التفكير في جذور مواقفنا الفكرية؟

باسم: يعني إلى هذه الدرجة أنتِ تستخدمين نظرية… سوء الفهم حول نظرية التطور لإثارة العقل العربي مثلًا، أو العقل العربي الإسلامي؟

رنا: العربي والإسلامي، أنه يفكر في الجذور: لماذا حصل ذلك؟ لكي أبحث عن مواضيع أخرى ومجالات أخرى حصل فيها هذا. أقول لك أيضًا شيئًا. نحن نتحدث عن العربي الإسلامي. طبعًا، العرب 500 مليون أو 400 مليون، يعني يزيد عددهم. المسلمون 2 بليون (ملياران)، سيصبحون اثنين بليون. إذا قلنا إن الكرة الأرضية فيها 8 مليارات، نحن ربع الكون، ربع الكرة الأرضية.

يهمني المسلمون أيضًا، ليس فقط العرب. لماذا؟ لأنه ما زال نحن كعرب لدينا لسان العرب. لو أنا لم يعجبني ما حكى واحد، أنا أقدر أن أمسك القرآن وسأقرأه، لأنه عندي ملكة اللغة، مع أن هذه مهددة الآن.

باسم: الآخرون ليسوا عندهم للأسف.

رنا: الآخرون المسلمون، يوجد عندهم (Great Keeper) الذي هو رجل الدين، فيقولون له: “الدين قال هكذا”. فأنا باكستانية أو هندية أو من السنغال، مسلمة مؤمنة، ثقتي في إمامي، وإمامي علمه آتٍ مما تعلم. فهو الوحيد الذي يقدر أن يقرأ القرآن. فبالتالي أنا كمسلمة ما عندي القدرة أن أذهب… يعني مع أن الدين بالنسبة للإسلام، الجميل في الإسلام أنه لا يوجد أحد بينك وبين ربك، أنت والله فقط، لا يوجد أحد.

باسم: العلاقة المباشرة.

رنا: لكن إذا لم تكن عندي المقدرة أن أقرأ القرآن باللغة الأصلية، يُضحك عليّ. طبعًا، أنا لا أتهم، وأنا لا أتهم الأئمة. يعني كل إمامٍ يكون قد اجتهد وحاول ويعتقد أنه هو يعمل الصح. نحن نحسن الظن.

باسم: لا وهناك منهم أساؤوا بقصد.

رنا: أكيد، أكيد. لكن أعني بشكلٍ عام، يعني ليس كل إمام هو آتٍ… إنما يكون هناك فهمٌ خاطئ، فهمٌ ليس في مكانه. ولكن المسؤولية كبيرة. ولذلك أنا أخاف على الأمة الإسلامية، لأنه ليس لديهم اللغة العربية. نحن لدينا اللغة العربية، وهذه شيء عظيم.

باسم: حتى اللغة العربية عند العرب أيضًا فيها… تحتاج إلى عناية.

رنا: تذهب، هذا الشيء يحزن، اللغة العامية التي تصير.

 

كيف تورث الصدمات والحروب عبر الأجيال جينيًا؟

باسم: أريد أن أسأل سؤالًا قبل أن ننهي. هذا العلم الذي أنتِ متخصصةٌ فيه، كيف يمكن الاستفادة المجتمعية منه مثلًا؟ تخصصتِ أنتِ بعلمٍ متخصصة فيه وتدرسين الجينات، تدرسين مثلًا مكونات الخلايا، وأكيد توصلتِ لكثيرٍ من الاستنتاجات. على مستوى الثقافة الشعبية أو الثقافة العامة، كيف ممكن أن أستفيد أنا لأطور نفسي أو أطور الناس ذواتهم؟

رنا: أنا مثلًا ببحثي، مجال بحثي أشتغل بما يسمى (epigenetics) التي هي ما فوق الجينية. نحن نرى أنك أنت مثلًا، موجود اليوم في الكرة الأرضية، أو أي إنسان هو نتيجة شيئين: ما ورثته من أمك وأبيك كجينات، والبيئة حولك، وكيف أنت تتعامل مع هذه البيئة، وكيف البيئة تؤثر على علم الأحياء الخاص بك. علم الأحياء يعني سلوكك البيولوجي، المواد التي تفرزها في جسمك، وعلى مستوى الحمض النووي (DNA)، أي جينات ممكن أن تنطفئ وتُغلق نتيجة تعرضك للبيئة.

باسم: الآن، أنا أستطيع أن أورّث مثلًا أولادي أو أحفادي سلوكي الخاص؟

رنا: هنا نحن قادمون على هذه. استبقت الأمر. فأنت كشخص، ما ورثته من أمك وأبيك، وما غيرته البيئة فيك، هذا نسميه علم ما فوق الجينات، تمام؟ وهذا علمٌ جديد، لأنه كان الناس يفكرون: “خلاص، ما أرثه من أمي وأبي، وهذه الجينات موجودة ولا تتغير”. لا، هي لا تغير التسلسل، إنما تنطفئ وتُغلق أشياء حسب البيئة التي أنت تتعرض لها.

الآن، الأسئلة التي تثار بهذا العلم ثلاثة أسئلة. أولًا، لتعرض ما للبيئة، أي جينات تنطفئ وتُغلق؟ وأنا أقول لك، أنا مثلًا أدرس من البيئة أشياء كثيرة: ماذا تأكل، ماذا تشرب، ماذا تمشي. أنا أدرس آثار الحروب والصدمات، لأني أريد شيئًا عظيمًا لكي أقدر أن أرى آثاره. فالسؤال هنا، أنه عندما أنا أتعرض لحرب، لصدمات، لشيءٍ يعني عنيف، أي جينات تنطفئ وتُغلق فيه؟ فهذا السؤال الأول.

السؤال الثاني، هل أقدر أن أمرر هذه التغيرات لأحفادي، أولادي وأحفادي؟ هذا السؤال الثاني. السؤال الثالث، هل أقدر أن أُرجع التأثيرات التي صارت وأُرجعها؟

باسم: تعالجيها.

رنا: أعالجها. فهذه الثلاثة أسئلة التي نسألها، وهذا مجال بحثي أنا منذ آخر عشر سنين. فبالنسبة للسؤال الأول، كثيرٌ من العلماء يعملون فيه، أنه أنا اليوم موجودة، تعرضت لحرب، أقدر أن أفحص الجينات، أيها انطفأ وأيها أُغلق. فهذا موجود. السؤال الثاني الذي ما أحد جاوبه لحد ما نحن جاوبنا، الذي هو: هل هذه التغيرات أورثها لأولادي وأحفادي؟ الآن، نحن نعرف بالعلم، في الفئران وفي الديدان والكائنات الحية الأخرى، أثبتنا أنها تمر من الجيل الأول للثاني للثالث حتى للرابع. ولكن نحن لا نقدر أن نعمل هذه التجارب بالإنسان، لأنه أخلاقيًا لا يجوز أن أضعكم في حرب وعنف، ومجموعة ثانية لا، وأنتظر لأربعة أجيال. يعني لا يجوز، لا يصير.

ونحن… إنما لأني أنا من منطقة بلاد الشام، وللأسف عندنا كثيرٌ من الحروب وتاريخ عنف، خاصةً في هذه الفترة، يعني هذا القرن العشرين والواحد والعشرين، أنا انتبهت أني أنا أستطيع أن أجيب هذا السؤال وأنا الوحيدة. لماذا؟ والدتي سورية، أمي أصلها من مدينة حماة. نحن نعرف أنه صارت هناك مجزرة في مدينة حماة عام 1982، وأنا أذكر، كنت يعني مراهقة وقتها، كثيرٌ من الناس من أقربائنا أتوا وسكنوا عندنا في البيت في الأردن هروبًا من تلك المجزرة. فأنا كعالمة، فجأة تذكرت كل هذا الماضي عندما بدأ علم ما فوق الجينات يظهر وأثير هذا السؤال الذي لم يُجب عنه. فقلت أنا أقدر أن أرجع للنساء اللاتي كن حوامل في سنة 82 وآخذ منهن عينات حمض نووي وأنظر إليهن، إلى بناتهن، وإلى أحفادهن، وأقارنهن بعائلاتٍ من نفس المدينة لم يكنَّ موجوداتٍ وقت المجزرة، كن في الخارج، وآخذهن هنا وبناتهن وأحفادهن. وآخذ مجموعة ثالثة كن أيضًا لسن موجوداتٍ بالمجزرة، لكن بناتهن تعرضن للعنف في 2011 عندما صارت ما يسمى… ما الاسم؟

باسم: الثورة السورية.

رنا: الثورة السورية، نعم، عندما صارت الثورة السورية، وأحفادهم. الله، أنا عندي يعني التصميم البحثي لأقدر أن أجيب فيه السؤال. فقعدنا عشر سنوات نجمع عينات. كان عندنا كثيرٌ من حدود، ما وصف العائلة، ما تعرضت له، ومن البنت، ومن الحفيدة. حتى الأحفاد، أخذنا حفيدتين لكي تكونا مجموعات ضابطة لأنفسهن. فقعدنا عشر سنوات، جمعنا من عائلاتٍ سورية في الأردن، في الإمارات، من السعودية، من تركيا، من أمريكا، الذين ينطبق عليهم. وطبعًا، ما أحد يعمل البحث (research) وحده. دعوت الناس ليساعدوني، لأني أنا عالمة أحياء (biologist)، من علم الإنسان (anthropology) ليقيموا الصدمة (trauma)، الأزمات التي تعرضوا لها، لكي نقيم كم.

وكذلك لأنه لا توجد لدينا مصادر في الجامعة الهاشمية حيث أنا في الأردن، تكنولوجيا، لكي نعمل التحليل فوق الجينات (epigenome). فعندي كانت زميلة في جامعة فلوريدا، فمع بعض حللنا الحمض النووي ونشرناها في مجلة “التقارير العلمية” (Scientific Reports) في “نيتشر” (Nature) في شهر فبراير، وتواكبت مع ذكرى المجزرة، 42 سنة، في شهر فبراير 2025. وكان نظام الأسد قد وقع في شهر ديسمبر 2024. فلما ظهرت النتيجة، قدر الناس أن يحكوا ويحتفلوا بالنتيجة، لأنه قبل ذلك كان كله على السكوت. كانوا يثقون بي لأني أنا أمي سورية، “حسنًا، نعطيكِ العينات، نحكي لكِ ما صار معنا، لكن كله على السكوت”.

باسم: ما النتيجة التي كانت؟

رنا: ما النتيجة؟ أول نتيجة أنه اكتشفنا، مثل بقية العلماء، فقط 21 موقعًا بالجينوم تغيرت، جينات انطفأت وأُغلقت نتيجة التعرض المباشر للعنف، من الأنثى التي كانت حاملًا. لكن هذا مباشرةً. فهذا أول مرة نسجل هذه المواقع الـ 21، ولكن هذا ليس أول شيء في العالم. ثاني نتيجة، التي هي كانت كما يقولون، خارقة (groundbreaking)، أنه لأول مرة في التاريخ استطعنا أن نظهر أن أحفاد النساء اللاتي كن حوامل وتعرضن للعنف في عام 1982 وقت المجزرة، أحفادهن ورثوا 14 موقعًا في الجينوم تغيرت الجينات انطفأت وأُغلقت…

باسم: يعني الأحفاد، ليس الأولاد.

رنا: الذين لا هم ولا أمهاتهم تعرضوا للعنف، تمام؟ فهذه أول مرة، وهذا إثباتٌ حقيقي أنك تقدر أن تورث، لأنه معروفٌ أنه من جيلٍ إلى جيل ينمحي كل علم ما فوق الجينات (epigenetics)، كله ينمحي، وكأنه أقل من 1% الذي يمر من جيلٍ إلى جيل، لأنه ليس معقولًا أن نرث كل شيء. فظهر أنه تبعًا للعنف، عندما تتعرض للعنف، توجد نسبةٌ تمر، تذهب للأحفاد. الآن، ما معنى هذا؟

باسم: أريد أن أسأل نفس السؤال، كيف يؤثر سلوكيًا على الناس؟

رنا: نعم. الآن، نحن أولًا هذه المواقع الـ 14 التي اكتشفناها، ذهبنا لنرى في قواعد البيانات (databases) أنه هل هذه جزءٌ من قواعد بيانات لها علاقة بالأمراض؟ أمراض القلب، السكري، السرطان، المناعة، النفسية؟ لم نجدهم في أي واحدٍ من هذه (Mechanisms) الآليات.

باسم: يعني لم تقد إلى أمراض؟

رنا: هذه ليس لها علاقة بها.

باسم: ليس لديه خلل بيولوجي في الجسم.

 رنا: الآن، نحن لم نذهب ونسأل الناس: “عندكم خلل أم لا؟”، هذا ما فعلناه. نحن فقط أخذنا الجينات. لكن لو أنه يوجد، من المفروض أن تكون هذه الجينات جزءًا من هذه الآليات. لم تكن.

فأنا عندما صارت هكذا النتيجة، جلست أفكر: “طيب، ما يمكن أن يكون معناه؟”. وهنا الفرق بين أن يكون العالم من نفس… عربي إسلامي من نفس المجتمع، وبين أن يكون عالمًا غربيًا…

باسم: خارج السياق.

رنا: الغربي قال لك: “حسنًا، 14، لا أعرف ما قصتها”، وتركها. ولماذا؟ لأن المنظومة الغربية، الإطار، أنه أنت عانيت من ظلمٍ وعنفٍ وحرب، أكيد أنت صرت ضحية، وأولادك ضحية، وأحفادك ضحية، وأنت كلك ضحية، بالتالي أنت ضعيفٌ وبحاجةٍ للإنقاذ. هذا هو الإطار الغربي في النظرة للناس المعرضين للحرب، لأن معظم المعرضين للحرب من هم؟ الذين أتوا من الاستعمار أو الحروب التي أصلها غربي. انظر ماذا صار بالعراق، فلسطين، كله.

فأنا قلت: “انتظر قليلًا”. أنا أنظر من ناحية التطور (Evolution). كبشر، نحن موجودون على الأقل بشكلنا اليوم منذ 200 ألف سنة.

باسم: 200 ألف.

رنا: 200 ألف، يعني كإنسان عاقل (Homo sapiens)، كشكلنا نحن. لنا أجداد، أنواعٌ مختلفة. لكن كـ(Homo sapiens).. نحن…

باسم: الصيغة التي نحن عليها.

رنا: الذي نحن عليه.. طيب 200 ألف سنة. يعني ما عمرنا تقاتلنا؟ ما عمرنا تعرضنا لعنف؟ طبعًا تعرضنا وتقاتلنا، يعني هذا طبيعي، يعني هذا طبيعي. طيب، لماذا فجأةً في القرن العشرين والواحد والعشرين الفكر العلمي الغربي يقول إننا كلنا ضحايا؟ وقديمًا لم تكن هناك كلمة “ضحية”، وهم لا يتحدثون عن أنفسهم كضحايا.

باسم: أوروبا كانت من 100 سنة.

رنا: كانوا يقتلون بعضهم. طيب، أنتم لستم ضحايا، طيب لماذا نحن ضحايا؟ بالنسبة لي، هذه تكملة الفكر الاستعماري. أول شيء استعمرتك وقتلتك، والآن أريد أن أستعمرك بطريقةٍ ثقافية؛ أني أنا أريد أن أدخل كل (international NGOs) (المنظمات الدولية غير الحكومية) لآتي وأنقذك وأعمل لك برامج لأنك أنت ضحية، وأنت ضعيف، وأنت ليس عندك ثقة بنفسك، ولا عندك هوية، ولا عندك كرامة أنك أنت تعمل الأشياء لوحدك.

ومن أجل هذا، تجد، أحكي مثال الأردن، كل المنظمات الدولية غير الحكومية لكي ينقذوا اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين والسوريين واليمنيين ببرامجهم الغربية المصنوعة والمصممة من الغرب بفكرٍ غربي. وهذا ماذا يفعل؟ يجعل الإنسان العربي أو أي لاجئ أو ضحية حرب، حتى في أفريقيا، أنه: “آه والله، أنا لا أقدر، أنا بحاجةٍ لأحدٍ ينقذني”. طبعًا هذا يخرب الصحة النفسية أصلًا. فبالتالي أنا قلت…

باسم: يجعلك متواكلًا على الآخرين.

رنا: وهذا يجعل أولئك دائمًا يظلون يتحكمون فينا ويجعلوننا كما نحن، ويستغلوننا ويستغلون مصادرنا، ولا يكون عندنا السيادة. ليس لدينا سيادة لأننا ضعفاء، نحن ضحايا، ليست لدي سيادة.

هذا تحليلي. فأنا قلت، هم… الـ 14 جينًا هذه التي لا نعرف ما وظيفتها، ولو أن وظيفتها لها علاقة بشيءٍ سلبي لظهرت، لم تظهر. فأنا أريد أن أفرض، أنا أريد أن أفترض فرضية، كما أصلًا كل العلماء الغرب هنا يفترضون فرضيات وبعد ذلك يأتون ببيانات (data) ليثبتوها. فأنا أريد أن أفترض فرضية، وتعالوا إما أن تجدوا شيئًا ينقضها أو شيئًا يثبتها. فأنا افترضت، من ناحية أن أحياء التطور، فأنا معتمدةٌ على العلم، لست معتمدة على أفكار وآراء من رأسي. واعتمدت ليس فقط على تطور الإنسان، اعتمدت على تطور كائناتٍ حية أخرى، الذي هو الأخطبوط. الحيوان الأخطبوط يشبهنا كثيرًا…

باسم: يا سلام!

رنا: وهذا الذي يقول لك التناغم…

باسم: بالسلوك أم بالتركيب الجيني؟

رنا: الأخطبوط مثلنا، أولًا: أنه ذكيٌ جدًا، ذكيٌ جدًا الأخطبوط. اثنان: عنده علاقاتٌ اجتماعية عظيمة مثلنا. والحقيقة نحن متطورون وموجودون اليوم بالكرة الأرضية ليس لأننا أذكى الحيوانات، لأننا اجتماعيون جدًا. فنحن دائمًا نتعاون، لسنا أفرادًا، نحن اجتماعيون. هذا السبب أننا موجودون اليوم بالكرة الأرضية، ليس العقل. هذا مثبتٌ علميًا. الأخطبوط مثلنا، كثيرٌ اجتماعي، لذلك هو ناجحٌ جدًا في بيئته. ثالث شيء: أن بيئته مختلفةٌ جدًا مثلنا. نحن نعيش في بيئاتٍ مختلفة، وهذا جزءٌ من شطارتنا كإنسان، نقدر أن نتأقلم. وهو الأخطبوط يقدر أن يتأقلم، بيئاته مختلفةٌ جدًا. اكتشفوا جديدًا أن الأخطبوط عنده شيءٌ شبيه بأنه يطفئ ويشغل جينات مثلنا، بطريقةٍ مختلفة لكن المبدأ نفسه، وبطريقةٍ كبيرة جدًا مثلنا. معناه إذن، لأن أقدر أن أتعامل مع بيئةٍ مختلفة وأقدر أن أعيش ببيئةٍ مختلفة، فأنا بحاجةٍ لهذا الإطفاء والتشغيل، وأورثه لأولادي لكي يكون لديهم القدرة على التأقلم والقدرة على المرونة. فأنا اقترحت إطارًا وكتبت ورقتين علميتين لكي أثبتها رأسًا، أنه بالتطور، القدرات التي تطورنا فيها والصفات التي تطورنا فيها، أنه إذا جيلٌ تعرض لحرب وعنف، يورّث للأجيال القادمة القدرة، ليس أنه ضحية وضعيف، لكن القدرة على المرونة والتأقلم لكي أقدر أن أواجه البيئة الجديدة.

 

هل توريث الصدمات يعني الضعف أم هو آلية للتكيف؟

باسم: يعني آلية التكيف ضمن ظروفٍ غير طبيعية.

رنا: نعم.

باسم: هي آلية…

 رنا: حماية.

باسم: ذاتية الإنتاج؟ دعنا نسمِّها.

رنا: نعم، هذا ما افترضناه.

باسم: حسنًا، هل الإنسان يعي ذلك، أم أن الجسم نفسه…؟

رنا: طبعًا لا، الإنسان لا يعي ذلك. هذا كله جينات، نعم. أنه… انظر هنا، أنا حفيدة لاجئين، وكثيرٌ منا، كلنا هنا، ما شاء الله، لسنا قاعدين. لا يعني أن الكل يريدوا أن يكونوا أبطالًا. لا تنسَ، يوجد اختلافٌ في المجتمع. يوجد ناسٌ سيكونون ضحايا، يوجد ناسٌ ستكون عندهم أمراض، طبعًا. ولكن ليس الكل. وليس أيضًا الكل أبطالًا ويقدرون، لأنه أيضًا هذه مسؤوليةٌ وحمل. لا، لكن كأي مجتمع، يوجد اختلاف، سيكون هناك ناسٌ أبطال، وسيكون هناك ناسٌ ضحايا. لكن الأكثرية في المنتصف، أنه أنا أتأقلم. وهذه… هي كلها في الأخير أُطرٌ فكرية يفرضونها علينا. كيف أنت تتربى؟ إما تتربى “أنا ضحية”، أو تتربى “لا، أنا أقدر”. يعني أتعامل، مراتٍ أحتاج، مراتٍ لا. لكن المهم أنه أنا أستطيع.

لماذا؟ هذا يقودني إلى ثلاثة أشياء، لماذا الإنسان اليوم موجودٌ في الكرة الأرضية وناجح؟ أولًا: قلنا الفضول، وأنه يبقى ليسأل، يسأل ويفكر. اثنان: حكيناها، أنه أنا اجتماعي، أنا بحاجةٍ للاجتماع، بحاجةٍ للناس، بحاجةٍ للعائلة. ثلاثة: أنه أنا يكون عندي هدفٌ وسبب أعمل لأجله. أنا أسميه القصدية (agency)، أنه أنا أستيقظ الصبح لأربي الأولاد، لأضع الأكل. فلما يعاملونني كضحية، يأخذون مني كل هذا، أنه أنتِ لا تقدرين أن تفعلي ذلك، لا لا تقدرين أن تسوي. فهذا كله يجعلني…

باسم: يرجعكِ لحالةٍ سلبية.

رنا: تذهبني، وتذهب الكرامة.

باسم: ويزيل فعاليتك كإنسانة في المجتمع.

رنا: وهذا… لماذا أنا موجودةٌ اليوم أصلًا؟ فأنتم تحرمونني هذا الشيء بهذه الطريقة. وهذا أيضًا، يعني دعوني إذا استطردنا قليلًا، هذا يسمونه بالإنجليزية، لأنهم دائمًا يضعون الأشياء ويخافون أن يقتربوا من الدين والتديّن، يسمونها (meaning making). صناعة المعنى، أنه نحن كـ…

باسم: تعطي معنى للحياة.

رنا: أنه نحن (species) نوعٍ حيوي اليوم ناجحون لأننا نعمل شيئًا اسمه “معنى للحياة”، الذي هو الدين. أنه أنا أؤمن، أنه يوجد شيءٌ أكبر، وأنه أنا جزءٌ من منظومة، وأنا جزءٌ من شيءٍ أكبر. ومن أجل هذا، ترى أهل غزة صامدين، لأنهم يشعرون أنهم شيءٌ أكبر، يوجد لديهم قضية. ليسوا هؤلاء مساكين ضحايا عندهم أمراض نفسية. يعني، لأن الغرب ينظر: “هذا كيف عايش؟ هذا أكيد عندهم أمراض نفسية”. لا، هؤلاء عندهم صناعة معنى، لكن لا يريدون أن يسموه دينًا وإيمانًا. طيب، لماذا؟ ماذا أسميه؟ وأدرسه أنا كعالمة. طيب، أنا أقول لهم: “طيب، أنتم ادرسوا هذه الظواهر، الدين، وكيف يساعدنا الإيمان”. قالوا: “لا”. “طيب، لماذا لا تدرسون؟ هو أنت عالم، توجد ظاهرة أريد أن تدرسها”. قال: “لا، أخاف”. “لماذا؟”. قال: “والله أنا تاريخي مع الدين المسيحي كان ليس جيدًا”. “طيب، أنت تاريخك ليس جيدًا، طيب أنا تاريخي كان ممتازًا”. فلا يصح أن تفرض أنك تلغي ظاهرة لمجرد أنك أنت عندك مشكلة.

باسم: تعيش في بيئة مختلفة، صح.

رنا: فاليوم، من طرحي أنا، انتبهت أن كل العلم الغربي عندما يأتي وينظر إلى الصدمة (trauma) والعنف، دائمًا ينظر إلينا بشكلٍ سلبي.

باسم: بعين الشفقة.

رنا: دائمًا، أو سلبي. يعني الأمراض. ما أحد يدرس الأشياء، أنه كيف أنا أتأقلم. يعني يظهر عندنا كل المؤشرات الحيوية (biomarkers) للأشياء السلبية. إذا أنت متوتر، أقول لك أي هرمون. إذا أنت متضايق أقول لك أي هرمون. طيب، إذا أنت سعيد، أنا لا أعرف أي هرمون، لأنه ما أحد درسه. طيب، إذا أنت متأقلم، كيف؟ طيب، إذا أنت عندك صمود، كيف؟ كيف إيمانك؟ لا يوجد، قليلٌ جدًا المؤشرات الحيوية لهذه الأشياء.

وبالتأكيد، بالمرة لا توجد جينات. فنحن اليوم، الآن البحث الجديد الذي بدأناه، لندرس ما هي المؤشرات البيولوجية التي هي تبين الآثار الإيجابية، أو أريد أن أسميها إيجابية، لكن ليس إيجابيًا، سلبيًا، أيضًا هذا الغرب، أبيض أسود. لا، لا توجد ثنائيات. في الطبيعة نحن طيف.

باسم: يوجد طيف، يوجد طيف.

رنا: فأنا أريد أن أنظر ما الطيف الموجود وما هي (markers).. يعني بالعربية..

باسم: العلامات.

رنا: العلامات، للتأقلم، المرونة.

 

هل يمكن صياغة مجتمع بصفات سلوكية محددة؟

باسم: أنتِ عندكِ خارطةٌ جينية للناس مثلًا؟

رنا: آه، آه، هذا موجود. لكن نريد أن نستكشف، نريد أن نعمل لها تطابقًا مع السلوك التكيفي.

باسم: دعينا نسميها التالي: نتيجة هذا البحث الدقيق في حركة الجينات والحمض النووي (DNA) الموجودة في الإنسان، يمكن لعالم الأبحاث أن يصيغ مثلًا شخصيةً مجتمعية أو مجتمعًا بشكلٍ عام، ويحدد شكل الشخصية الذي يريد أن يكون هذا المجتمع عليه؟

رنا: يعني نظريًا، نعم. ولكن عمليًا، هذه تحتاج يعني سنين، سنين كثيرة. لأنه ما زال… ما عملنا تواؤمًا.

باسم: حاليًا، حاليًا.

رنا: بين الجين والسلوك هذا، لأن السلوك عبارةٌ عن أشياء معقدة.

باسم: ولكن حاليًا، مع استخدام التكنولوجيا الجديدة، يمكن السيطرة على مجتمعاتٍ تعد بالمليارات.

رنا: نعم، نعم، نعم.

باسم: هل يمكن بنفس النظرية هذه مثلًا، أنه أنا ممكن الآن أضبط سكان مدينة مثلًا فيها عشرين مليونًا، وآخذ صورةً تقريبًا لكل شخصٍ فيهم مرةً في اليوم، ممكن؟ وهذا يصير…

رنا: طبعًا.

باسم: بهذا العلم، هل يمكن أنا فعلًا أن أحدد وأقول: “أننا نريد جيلًا بعد خمسين سنة تكون فيه هذه الصفات الوراثية المميزة مثلًا”؟

رنا: الآن، أقول لك نظريًا، نعم. ولكن لحد الآن نحن ما قدرنا… لا تنسَ، ما حكيته فرضية. الإطار الذي فرضته جديد. ما زلنا لا نعرف سلوكيًا ما، السلوك مثلًا المرن الإيجابي، ما قدرنا نعرف أي جين بالضبط الذي يعطيه. يعني ما زال ليس عندي الاقتران مئة بالمئة. هذا ما زلنا… الأربعة عشر التي اكتشفناه أننا لم نجده فيها شيئًا سلبيا. ما زلنا لا نعرف ما هي وظيفته.

باسم: طيب، دعينا نسأل سؤالًا آخر. قد لا نستطيع أن نتدخل في الجينات مثلًا، كما حكيتِ، نظريًا ممكن، لكن لنفرض أنه قد لا نستطيع. لكن هل يمكن أن نصوغ مستوىً معرفيًا ثقافيًا ما، ومن خلال فرض هذا المستوى من الثقافة على الناس سلوكيًا ومعرفيًا، أن نصوغ مثلًا مجتمعًا ذا سلوكٍ محدد؟

رنا: بتغييراتٍ جينية. أيضًا ممكن. وهذا السؤال الثالث الذي قلت لك عنه، أنه هل ممكن أنا أن أضع نظامًا معرفيًا، تدخلًا، برنامجًا، أعكس تغييراتٍ فوق جينية إذا كانت سلبية، وأعملها إيجابية وكذا؟

باسم: هذا الذي يصير مثلًا في الصين، خذي مثلًا.

رنا: نعم. وهذا السؤال جاوبناه بمرحلتين. أخذنا مبادرة، برنامج غربي فرضوه على لاجئين مراهقين سوريين وأردنيين كمقارنة، من قبل مجلسٍ عالمي اسمه “فيلق الرحمة” (Mercy Corps). وهي ثمانية أسابيع يعطونهم برنامج رياضة وكمبيوتر، أو يتعلموا مهنة. فأخذنا، عملنا دراسة، فحصنا الحمض النووي (DNA) الخاص بهم، أي جينات، قبل وبعد، ثلاثة شهور، لسنة. ونظرنا إلى شيء يسمونه “الساعة فوق الجينية”. هذه الساعة فوق الجينية…

باسم: تشبه الساعة البيولوجية هنا؟

رنا: هي نفس الساعة البيولوجية. ولكن إذا صار هناك تعرضٌ لعنفٍ أو صار شيء سلبي، يصير لها تسارع. فنحن، الفرضية لدينا أنه هؤلاء اللاجئون الشباب السوريون المراهقون بالتأكيد صار عندهم تسارع، لأنهم تعرضوا للعنف وكذا. والفرضية أن هذا البرنامج يرجعها إلى الوراء، يعني يخفف تسارعها، وأن تظل مستدامة. أخذنا العينات ووجدنا، نعم، أن المعرضين للعنف ساعتهم البيولوجية متسارعة. بعد شهرين، وجدنا أن الساعة البيولوجية للأطفال الذين اشتركوا بالبرنامج أوقفت تسارعها مقارنةً بالأطفال الذين لم يعملوا في البرنامج، هؤلاء ظلوا في تسارع. فصار هناك حماية، حلو؟ لكن بعد سنة رجع الكل يتسارع، فكان التأثير ليس مستدامًا.

الآن، فرضيتنا أنه لم يكن مستدامًا لأن هذا برنامجٌ غربي. وعندما ذهبنا ونظرنا إلى السلوك، وجدنا أنه هو، نعم، يخفف من التوتر، لأننا ذهبنا ورأينا السلوك، توترهم خف، ولكن الشعور بالمقاومة لم يزد أبدًا.​

باسم: فصار فيه طمس..

رنا: عندما رأينا، طيب، لماذا المرونة لم تزد؟ المقاومة. وجدنا السبب أن البرنامج المصمم في الغرب مصممٌ ليزيد المقاومة كفرد. طيب، نحن مجتمعاتنا، أنت تزيد المقاومة مع العائلة، مع المجتمع، عندما تذهب إلى الجامعة، تصلي، عندما تنزل مع الحارة، يعني العائلة (family)… فنحن الآن بصدد دراسة، نحن “نحب القراءة” كبرنامج تدخل، لأن هذا يستمر ثلاثة شهور، الأطفال يتم القراءة لهم، أثبتنا لحد الآن أن سلوكهم كله يرجع طبيعيًا ومستدامًا، الطبيعي، بعد سنة.

يعني أحضرنا أطفالًا سوريين مثلًا، أخرجنا شيئًا يسمونه “وعيهم العاطفي”، فتريهم وجوهًا من سعيدٍ إلى حزين، وتقول لهم: “كيف تعرف الحزين والسعيد؟”. فالأطفال الذين كانوا قد مروا بالعنف والحرب، يرون السعيد حزينًا. بعد ثلاثة شهور نقرأ لهم مرةً بالأسبوع قصصًا مع أحدٍ يقرأ لهم، رجعوا يعرفون السعيد سعيدًا، رجعوا طبيعيين، ومستدام، تمام؟ فقلنا: تمام، إذا أنا قدرت أن أغير سلوكهم. الآن، أريد أن أرى بالحمض النووي (DNA).

باسم: هذا السؤال كنت سأسألكِ إياه أنا…

رنا: أخذنا العينات، وننتظر الآن التحليل.

 

كيف يمكن تحصين الأطفال فكريًا من خلال القراءة؟

باسم: لكن أريد أن أسألكِ سؤالًا، هل هذا التأثير المعرفي هو تأثيرٌ عقلي سلوكي، أم أيضًا نتيجة أنه تغير الجين نفسه، تغير جيني؟

رنا: الفرضية أنه غيرنا. وإن شاء الله، أقول لك، جمعنا العينات وإن شاء الله يعني خلال سنة ستظهر النتائج، ونبين فرضيتنا أنه نعم، يعكس، ويعكس بطريقةٍ مستدامة، لأنه برنامجٌ من نفس الناس، اللاجئين، ليس هو برنامجًا غربيًا.

باسم: طيب، هذا يمكنكم أن تكونوا فعلًا أداة إرشادٍ حقيقية لواضعي المناهج التربوية في المجتمعات العربية والإسلامية بشكلٍ عام حتى، أن تصوغوا مناهج فعلًا تقود لخلق شخصية طفل وشخصية مجتمعات..

رنا: مئة بالمئة.

باسم: يعني فيها المميزات المطلوبة أن تكون شخصياتٍ صالحة.

رنا: نعم، حقيقةً. يعني أنا أحاول، لأني أشعر أن العلم مسؤولية. كمسلمة، العلم مسؤولية، ورب العالمين سيحاسبني. أنه أنا أعطي الذي تعلمته للمجتمع الذي حولي.

فأنا أعمل على عدة مجالات، أولًا الصغار، لأني دائمُا أؤمن أن الصغير أسهل تغير رأيه، وتساعده أن يفكر من الكبير. لذلك برنامج “نحن نحب القراءة” الذي هو هدفه أن نجعل الأولاد والبنات يقعون في حب القراءة، ولما يقع الطفل في حب القراءة، يربي بعقله حب العلم والاستكشاف والفكر النقدي، وبالتالي لا يُضحك عليه، لأنه يقول له: “أعطني لأقرأ، دعني أرى، أريد أن أرى بعيني”. ليس فقط يعتمد على ما سمع أو ما رأى على وسائل التواصل الاجتماعي (social media)، لأنه تربى على حب الكتاب وحب البحث…

باسم: يعني أنتِ تزودين، تزودين الطفل بمسؤوليته تجاه عقله ذاته ونفسه.

رنا: منذ صغره.

باسم: أنه هو مسؤولٌ عما يكون في نفسه.

رنا: نعم. لأننا نحن تعودنا في مجتمعاتنا، وحتى الآن صار عالميًا، أن القراءة مملة، القراءة هم، القراءة مرتبطة بالمدرسة وبالعقاب، أو بالدين وبالفرض. ليس أنه شيءٌ أنا أستمتع به ويكون نابعًا من شيءٍ داخلي. فنحن هدفنا أن الولد، الطفل، يعني، يحب أن يقرأ، يحب أن يقرأ أينما ذهب وأينما أتى، يمسك شيئًا ويقرأه. فمن أجل هذا، أسست هذا البرنامج، والآن البرنامج بدأ في الأردن، والآن في 78 دولة في العالم.

باسم: ما هذه الكتب؟

رنا: بعد ذلك، إضافةً لذلك، فالآن نحن نعزز حب القراءة، نريد أن نضيف محتوى لغةٍ عربية للأطفال لكي يقرأوا شيئًا ممتعًا. فبدأنا نؤلف قصصًا للأطفال، محتوى ممتعًا، أولًا لكي يقعوا في حب القراءة. اثنان، تكون فيه رسائل ضمنية لزيادة الوعي. بدأنا بمواضيع عامة مثل البيئة، التأثر الاجتماعي، التنمر، دور الأم والأب في البيت، أن الأب يساعد في المطبخ والأم ممكن أن تعمل شيئًا آخر. لكن بعد ذلك أكثر على العلوم والنساء العالمات، وأكثر على التطور. فنحن الحقيقة…

باسم: أدخلتِ التطور.

رنا: نعم. فهذه القصة أنا ألفتها اسمها “العثة المتبلة” باللغة العربية، وعملنا نسخة بالإنجليزية. وهي قصة ثلاثة أجيالٍ من النساء: الجدة والأم والبنت. أنه عبر عشرات السنين يراقبن العثث التي في الحديقة، ويأخذن صورًا، ويرون كيف تتغير مع الوقت، ويربطونها. وتحاول الحفيدة، التي هي سلمى، أن تفسر: “طيب، لماذا هكذا تتغير ألوانها؟”. وتبدأ تضع فرضيات. فهي تتعلم طريقة البحث، تضع فرضية، تقول: “لا”، فرضية ثانية، فرضية ثالثة. وكلها فرضياتٌ مضحكة مسلية، أنه: “والله أتى أهل الفضاء وغيروا ألوانها”، “لبسوا فستانًا جديدًا مضحكًا”. بعد ذلك تقول: “لا”. وتستنتج أن السبب هو تغير المناخ. وبالتالي، هذه العثات التي تتغير ألوانها لأنها تُؤكل من قبل طيرٍ معين، “أبو الحناء”. فيتعلمون كلماتٍ عن الطبيعة وكلماتٍ عن الكائنات الحية التي عندهم. وبالأخير تستنتج الانتقاء الطبيعي، أنه هؤلاء ليس لأنهم أحسن أو أفضل، إنما الظاهرون يأكلهم الطير، والذين ليسوا ظاهرين لا يأكلهم الطير. وهذا ممكن أن يتغير من جيلٍ إلى جيل. فبالتطور، لا يوجد شيءٌ أفضل، إنما حسب تلاؤم البيئة.

باسم: هذه الكتب تعيد الصحة للفطرة عند الطفل.

رنا: نعم.

باسم: أو عملية تفعيلٍ لفطرة الطفل في التفاعل مع الواقع.

رنا: وهذا ما نريده اليوم بالمنظومة التعليمية، أنه يجب أن يكون الدافع الداخلي للطفل، أنه يحب أن يتعلم، ليس لأن المدرسة قالت له والمعلمة قالت له. وهذه نظرتنا المستقبلية لكل منظومة التعليم في العالم كله، وهذا ممكن أن نخرجه من مجتمعنا العربي الإسلامي ليحل مشكلتنا التعليمية في الأردن وفي العالم. نحن رسالةٌ للعالمين.

باسم: أعتبرها فكرة كثيرًا جميلة، أنه عالمة تستنبط طريقة لكيفية توصيل العلم للأطفال ووضعه بطريقة… بلغةٍ فعلًا ملائمة لفطرتهم وملائمة لعقلهم.

رنا: نعم، مئة بالمئة، الحمد لله.

باسم: وهذا يحتاج إلى مؤسسات، وليس إلى شخصٍ.

رنا: طبعًا. ونحن لدينا مؤسسة “نحن نحب القراءة”، التي من خلالها نبث هذه الكتب والبرنامج “نحن نحب القراءة”، لعل وعسى إن شاء الله يصل لكل بيت، لكل حارة، لكل طفل. لأني أنا أعتبرها جريمة، طفلٌ يكبر لا يحب أن يقرأ، لأنه من خلال القراءة يكتشف نفسه ويكتشف العالم الذي حوله، وتعطيه القدرات ألا يكون ضحيةً لآراء، لأفكار، كلها يمحصها.​

باسم: عملية تحصينٍ للطفل.​

رنا: منذ الصغر.

باسم: منذ الصغر.

رنا: وبالنسبة… هذا مجال. في مجال آخر، في تدريسي في الجامعة، يعني أنا دائمًا أجعل الطلاب يناقشون. نثير موضوع نظرية التطور وأستمع لهم جميعًا. فأنا أيضًا هنا أنه نحن في مرات، إذا أحدٌ يناقض فكرنا، نجعله عدوًا. وأنا هنا، لا، أنا أختلف. أنا أقول: أنا أحترم كل إنسان، وكل إنسانٍ له رأيه وله سببٌ فكر بهذه الطريقة، وأنا أحترم هذا الشيء. ممكن أنا أختلف معه، ولكن أنا أحترم، لأني أقول: هذا تربّى بطريقة، تعرض لأشياء، فهو يفكر بهذه الطريقة. فأنا أحب أن أستمع، أتعلم. “طيب، أنت احكِ لي ما رأيك، لماذا أنت مثلًا ترفض نظرية التطور؟”. فأجعله، أستمع له، وهذا مهمٌ جدًا، لأن هذا جزءٌ من الاحترام، أن نستمع لبعضنا البعض. بعد ذلك أقول له: “أنا فقط رأيي هكذا”، وأعطي أساسات وشرحًا لماذا. فأقول له: إذا أنت أو أنتِ، شرحي، طريقتي في… يعني طريقتي في الإثبات لم تقنعك، أنا… لا بأس، يصير، نحن لا بأس أن نختلف بالرأي، لأنه لا بأس، ما صار شيء، نختلف بالرأي. ولكن إذا أنت منزعجٌ كثيرًا، لا تزعل مني أنا، ولا تضع طاقتك تحاربني، اذهب وابحث أكثر وأحضر إثباتات أكثر، وهكذا ربما نصل. أقول لهم لطلابي: طريقة ثالثة، يعني لا فكرك ولا فكري، ربما يوجد شيءٌ آخر.

باسم: سؤالي قبل أن ننهي، الأخير. هذه الطريقة في التعامل في التعليم مثلًا، في التعامل مع الطلاب، سواء صغارًا أم كبارًا، هل تختلف ما بين عالمٍ أو أستاذٍ يتعامل مع الأشياء بالتجريب في المختبرات، ومع أستاذ علوم إنسانية مثلًا؟ هل من… يعني، من الأكثر قدرةً على استخدام هذا الأسلوب العلمي في التعامل مع الطلاب؟ عالمٌ في المختبر طوّر كل قدراته العلمية من المختبر، أم إنسانٌ قرأ علمًا ما من العلوم الإنسانية التي لا تحتاج إلى تجارب مخبرية؟

رنا: الحقيقة، أظن، أنا أريد أن أقول ليس هذا هو السؤال. السؤال أنه هذه طبيعة إنسانية. يعني إذا أنت عالم، إذا أنت عالم، إن كنت عالم علوم بحتة أساسية أو عالم علوم اجتماعية (sociology) أو إنسانية، أنت عالمٌ تبحث وتسأل وتتفكر. إنما هي الشخصية. هل أنا مستعدٌ أن أتحمل أن الناس تنقدني؟ هل أنا منفتحٌ حقًا لأستمع وأتعلم، أم أنا في قوقعتي ولا أقبل أحدًا آخر؟

باسم: هذه لها علاقة بالثقافة المحيطة، ليس لها علاقة بأسلوب التعلم؟

رنا: أظن ذلك. لأنه أصلًا الذي يفكر بهذه الطريقة هو يكون عالمًا أحسن أصلًا.

باسم: الباحث الذي يناقش الأشياء بينه وبين نفسه مع واقعيتها يكون أقدر في التعامل مع الآخرين بهذا الأسلوب من شخصٍ آخر مجرد يقرأ كتبًا وبالتالي يستنتج استنتاجاته الخاصة.

رنا: مئة بالمئة، ولكن حتى في العلماء، يكون هو كثيرًا ضيق الأفق، يوجد منهم. يعني يكون عالمًا وكل شيء، ولكن لا يرضى أن يتناقش بأي شيء. وهذا موجود. وأرجع هذا دلالةٌ أنه هو نفسه، هذه شخصيته هكذا، ليس منفتحًا أن يتعلم. طبعًا، ما الذي يكون الشخص هكذا؟ البيئة المحيطة. الذي يتربى في بيئةٍ منذ هو صغير أنه “لا بأس، لا تأخذها بشكلٍ شخصي”. وهذا يسمونه المخ المنفتح والمخ الذي… “أنا لا أقدر، وأنا هذا الوحيد، ولا توجد طريقةٌ أخرى، وأي واحدٍ يحكي لي شيئًا أعتبره تهديدًا شخصيًا”، من أن الواحد يكون مرتاحًا مع حاله و”لا بأس، ودعني أتعلم منك”. فهي شخصيات، ولكن نقدر أن نطورها ونهذبها بحيث نستمع للآخرين ونتعلم من الآخرين، لأنه هكذا، ما أحد يقدر أن يكتشف العلم وحده. نحن بحاجةٍ لبعضنا البعض، بحاجةٍ للاختلاف حتى نقدر أن نتطور مع بعض.

لأنه إذا لم نحضر الاختلاف على الظاهر، يذهب بعد ذلك تحت ويتخلخل ويتعفن. يجب أن نحضره ونناقشه ونتعلم أن نحترم بعضنا البعض ونمشي مع بعض للهدف الأسمى وهو..

باسم: إصلاح الأرض.

رنا: إصلاح الأرض.

باسم: تحسين حياتنا.

رنا: هي مئة بالمئة.

باسم: دكتورة رنا الدجاني، الباحثة والعالمة الأردنية ذات الأصول الفلسطينية في علم الأحياء (biology)، شكرًا لكِ، أنا استمتعت بالحوار معك حقيقةً.

رنا: شكرًا لك.

رنا: إن شاء الله نلقاك في حلقةٍ جديدة من برنامج “مجتمع”.

رنا: إن شاء الله.

باسم: شكرًا، وإلى اللقاء في حلقةٍ جديدة من برنامج “مجتمع”. إلى اللقاء.