مقدمة
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتورة..
نور: نور حريري.
باسم: نور حريري.
نور: إن شاء الله دكتورة قريبًا.
باسم: نسمّيكِ، نور، دكتورة؟
نور: نور، لا لا، نور مباشرة.
باسم: نور، لم تناليها بعد، الدكتوراه.
نور: لا لا.
باسم: أهلًا. إن شاء الله تنالينها.
نور: إن شاء الله، شكرًا.
باسم: عن قريب.
نور: شكرًا دكتور.
باسم: أهلًا بكِ. منذ زمن نفتش عنك.
نور: والله أنا سعيدة جدًا بوجودي معكم كمتابعةٍ للمنصّة الجميلة والمميّزة جدًا؛ فسعادتي مضاعفة عن أيّ أحدٍ آخر.
هل يمكن تعريف الفلسفة بدقة؟
باسم: تسلمي. أنتِ دراستكِ كلّها تدور حول الفلسفة. أتعلمين، أنا دائمًا أتمنى أن أجد تعريفًا دقيقًا للفلسفة أفهم الفلسفة من خلاله. أتمنى أن يكون هذا (…).
نور: صعب، صعب جدًا السؤال. يعني المشكلة بالتعريف مباشرةً تأخذنا إلى فكرة الفلسفات الوضعيّة التي تريد أن تضع تعريفًا واحدًا وثابتًا للفلسفة، لكن أستطيع أن أقدّم رؤية، رؤية خاصّة بي أو خاصة بقراءاتي للفلسفة. يعني هي نمطٌ من الحياة -دعنا نقول- نمطُ أن تعيش الحياة بطريقةٍ تأمُّلية فكرية باستمرار. تأمُّلية لا تعني أنها تستثني الحسّ، لكن هي أيضًا تشمل الحسّ والعقل، لكن ليست بالطريقة المباشرة؛ لا أن تعيش الحياة بالطريقة المباشرة، بل أن تسائل أيضًا العالم الرمزيّ، العالم الخياليّ، يعني لا أن تعيش الواقع على أنّه واقعٌ فقط. هناك بُعدٌ آخر يعتمل في النفس، هذا هو البُعد الفلسفيّ. لكن أن يُحدَّد مجال الفلسفة، أعتقد هذه مشكلة. يمكن أن يُحدَّد المجال كمجال بحث، نقول: فلانٌ يبحث في الفلسفة الوضعية، الفلسفة القارية. لكن -وهذه عظمة الفلسفة، أعتقد- أنها قادرةٌ أن تسائل كلّ شيء، وأن تصل إلى كل شيء.
لا أعرف إن كانت إجابتي مفيدة، ربما زادت الحيرة.
باسم: زادتني حيرةً لأكون معك صريحًا. أنتِ درستِ الفلسفة أين؟ في أي جامعة؟
نور: أنا درست الفلسفة في فرانكفورت أم ماين، يعني في جامعة فرانكفورت في جامعة جوته، والآن مؤخرًا انتقلت إلى جامعة في النمسا، جامعة إنسبروك. يعني إن شاء الله خلال أشهرٍ ننتهي من الدكتوراه.
باسم: توجد فكرة محددة في هذا المجال أنتِ تدرسينها مثلا؟
نور: حاليًا أكتب الدكتوراه، أكتب الأطروحة، فأعمل على البحث الأساسيّ. والذي إذا أردت أن أعبّر عنه، أنا أحكي عن الترجمة بين الذوات المختلفة، الترجمة بين الذاتية الغربية وأخرى غير غربية، أبحث في مصطلح ومفهوم فلسفة الترجمة، لكن طوال سنوات الدراسة طبعًا تنقّلت بين مجالاتٍ كثيرة داخل الفلسفة. حتى يكون هناك بعض الإلمام.
هل يستطيع كل إنسان أن يكون فيلسوفًا؟
باسم: قبل أن ندخل في المجال الذي أنتِ مهتمّة به. هل يستطيع كل إنسان أن يكون فيلسوفًا؟
نور: نعم، ولا. كل شخصٍ يستطيع أن يسأل طبعًا، كل شخصٍ يحقّ له أن يمارس الفلسفة، لكن في النهاية يجب ضبط الفكر بطريقةٍ معيّنة، وهذا يقتضي قليلًا من العِلميّة، قليلًا من الفلسفة، ضوابط معيّنة. وبالتالي، كل شخصٍ يستطيع، لكن ليس بطريقةٍ حرّة. أنا لا أعتقد أنّ الفلسفة هي تفكيرٌ حرّ؛ هناك أيضًا محدّدات بالفلسفة تساعد على ضبط التفكير؛ لأنّه إذا أطلقنا العقل تمامًا على كل شيء، يعني لا نستطيع أن نتتبّع حركة العقل، يمكن أن نقع في اللاعلميّة، يمكن أن نقع في التطرّف، يمكن أن نقع في الأساطير. فالضوابط التي تمّ إيجادها عبر العصور مهمّة لضبط حركة الفكر. فنعم، كل شخصٍ يستطيع، لكن ليس بحريةٍ مطلقة، دعنا نقول.
هل الفلسفة منفصلة عن العلم؟
باسم: يعني إذا وضعنا ضوابط للعقل الفلسفيّ، ألا يُخرجنا ذلك من العقل الفلسفيّ؟ يعني أنا أفهم أنّ الفلسفة تعتمد على طرح الأسئلة الشموليّة أو على النظرات الشموليّة للأشياء، فإذا بدأنا نضع ضوابط للعقل، فبالتالي لم نعد نتحدث فلسفة. أم لا؟
نور: لا أعتقد أنّ الفلسفة منفصلةٌ تمامًا عن العلم، ولا أعتقد أنها علميّة. يعني ضوابط العلم هي ضوابط الفلسفة، وهذا ضروريٌّ جدًا اليوم؛ بمعنى أن يكون هناك نوعٌ من التزاوج، نوعٌ من التواصل بين الفلسفة والعلم. لا أعتقد أننا نستطيع اليوم أن نتحدّث عن الفلسفة كما لو أنّه لا علم موجود اليوم.
فلا، أنا أعتقد أنها تسأل الأسئلة الكبرى، لكن محدّداتها مختلفة، تختلف عن محدّدات العلم، وإلّا، يعني صحيحٌ كما حضرتك ذكرتَ، أسئلة كبرى هناك، أسئلة كبرى ليست أسئلةً صغرى كالعلم، أكيد أوافقك طبعًا بهذه النقطة. لكن أيضًا الأسئلة الكبرى، يعني يجب أن نتكئ على بعض الأشياء، نتكئ على بعض النتائج، نتكئ على بعض الفلسفات، حتّى نتحرّك داخل الفلسفة بقليلٍ من الدقّة، وإلّا أنا لا أرى، ربما يعني هذا نوع الفلسفة الذي أنتمي له، لا أرى أنّ إطلاق الفكر تمامًا على كل شيء، الحرية المطلقة، وهذه يعني الحرية المطلقة سواء بالحياة أو بالتفكير يساعد. قليلٌ من الضوابط اللغوية أحيانًا، قليلٌ من الضوابط الفكريّة، بالعكس، يساعد على حركةٍ أكثر حرية داخل الفلسفة.
باسم: طيب، لماذا لا تكون هناك حريةٌ مطلقة؟ يعني ما معنى هذا؟ خُلقنا لنفكّر بحريةٍ مطلقة.
نور: صحيح، صحيح، لكن..
باسم: لماذا من الممنوع أن نفكّر بحريةٍ مطلقة؟
نور: ليس ممنوعًا، لا أرى أنّ الموضوع ممنوع، لكن العقل بطبيعته يعني يستطيع أن يشطح، وهنا يتدخل التحليل النفسيّ وعلم النفس. العقل دائمًا مضبوط، يضبطه الدين، تضبطه الأخلاق، يضبطه المجتمع. الفلسفة لها نوعٌ آخر من الضوابط، حتّى الشخص إن شطح يمكن أن يأخذك إلى الأساطير، يمكن أن يأخذك إلى الخيال، يمكن أن يأخذك إلى نظريّات المؤامرة.
باسم: صحيح، أتفق معك.
نور: يعني قليل من الضبط.
باسم: لديّ حساسيّة تجاه استخدام أو الإطلاق في استخدام لفظة “العقل”؛ لأنّي مرات لا أجد تعريفًا حقيقيًا لما هو العقل.
نور: صحيح.
باسم: يمكن أن أستبدله مثلًا بالوعي؛ يعني وعي الفرد يقودني إلى الكثير من طرح الأسئلة. فإذا أنا عندي وعيٌ وقادني لأطرح أسئلة، يمكن أن يسمّيها الناس وجوديّة ـ وهي الأسئلة كلّها وجوديّة، لها علاقة بالوجود في المفهوم العامّ ـ فبالتالي لمَاذا أحدّ من الوعي وأقول له: اسأل هنا ولا تسأل هنا، أو لا تُطلق العنان للأسئلة؟
نور: لا، أنا لا أقول ذلك.
كيف نفرّق بين الضوابط التي تنظّم التفكير وتلك التي تكبّله؟
باسم: ما المعيارية؟ أكيد أنا أتفق معكِ أن الوعي البشري أو السلوك البشري به شطط، حتى نمنع هذا الشطط حتّى بطريقة الوعي، لا بدّ أن يكون هناك ضوابط. والضوابط التي هي، في رأيي، بضعة ضوابط: ليسوا الناس إنما الحياة؛ عندما نسلك سلوكًا فيه شططٌ كثير، أكيد الفطرة السليمة الموجودة في داخلنا تُميّز أنّ هذا صحٌّ وهذا غلط. فبالتالي هناك ضوابط حقيقيّة. لكن من يحدّد هذه الضوابط؟ ومن يحدّد درجة الوعي التي يصحّ لي من خلالها أن أبدأ في طرح أسئلة كبيرة؟
نور: بالتأكيد، أصلًا كلمة أو مفهوم “الوعي” يختلف عن مفهوم “العقل”، وأصلًا العقل يعني يُضفي شيئًا من الثبات على الطبيعة الإنسانية، ونحن نرفض ذلك. وأنا أيضًا أقرب إلى كلمة “وعي”؛ لأنّه فيه التبدّل والتغيّر والصيرورة والحركة وما إلى ذلك، وهذا يساعدنا طبعًا أصلًا على التّمثّل بشيءٍ من التقدميّة في الحياة.
لكن أنا حين أقول يعني ضوابط، وحضرتك ذكرت أو سألت سؤالًا مهمًا جدًا: يعني أيّ نوع من الضوابط؟ أنا لا أفرض ضوابط على حركة الفكر، بل يتحرّك. لكن لدينا إرثٌ طويل اليوم من الفلسفة، ولدينا الأهمّ من الفلسفة -برأيي اليوم هو التاريخ، المعرفة التاريخيّة هي التي تضبط حركة الفكر الفلسفية، وهنا علاقة الفلسفة بالتاريخ أراها علاقةً وطيدةً وعلاقةً وثيقةً من الداخل.
ما الذي يحدّد لنا؟ لا شيء يحدّد لنا في النهاية، نحن لا نتحدّث عن صحٍّ وخطأ في النهاية، لكن نتحدّث على سبيل المثال، عندما نريد أن نفكّر، وعلى سبيل المثال، ندرس ظاهرةً حتّى نحدّد الكلام ولا نظل نتحدّث بالعموميات. ما الذي سيُثبت لي أنّ نظريّتي في النهاية الفلسفيّة هي صحيحة؟ لا يوجد من يحدّد الصحّ والخطأ بالمعنى المعياريّ المطلق، أنا ضدّ هذا النوع من المعياريّة. لكن حين أضع نظريّتي في حيّزٍ ما، موقعٍ جغرافيٍّ معيّن، ومن ثمّ حيّزٍ تاريخيٍّ معيّن، أقول: من هذا الزمن إلى هذا الزمن.
باسم: أو حيّز ثقافي أيضًا.
نور: تمامًا، ثقافيّ، دينيّ، سياسيّ، اقتصاديّ، أضع هذه الحدود. هذه الحدود لا تقيّد حركة الفكر، وإنما تقيّد النتيجة التي سأخرج بها في النهاية. هذا النوع من التاريخية العلمية النقدية ـ وأنا هنا أحبّ أن أتذكّر مقولة أحبّها للعروي: ما نحتاج إليه اليوم أكثر من الفتوحات التكنولوجية والعلمية هو نوع من الفتوحات النقدية التاريخية الفلسفية، هذا النوع النقدي التاريخي الفلسفي.. النقد والتاريخ، هو الذي يضبط نوع الضوابط المتعلّقة بالفلسفة، لا العلم. وأنا أقول: لا، لا يجوز أن تسأل هذا السؤال، ليس هذا النوع من الضوابط. اسأل ما تشاء بالنهاية، هذا رأيي.
باسم: أنا ما زلت على موقفي، أقول لكِ، ليس اختلافًا معكِ، لكن أنا أرى أنّ الفيلسوف يجب أن يكون فوق …
نور: فوق التاريخ؟
باسم: فوق ضوابط التاريخ.
نور: للسؤال ربما نعم، لكن لوضع نظرية…
باسم: هل الفلسفة هي أكثر من طرح أسئلة عامّة ذات أجوبة شموليّة، ذات أجوبة أنا أسمّيها تحبك، أو إجابتها يكون فيها نوعٌ من الحبكة في أوجه الحياة التي نعيشها نحن. عندما نتساءل، نتساءل عن أشياء تبدو مجهولة لنا..
نور: صحيح.
باسم: فنسأل لكي نكتشف أجوبة.
نور: صحيح.
باسم: هذا مفهومي للفلسفة: هي طرح سؤالٍ عن جانبٍ من الحياة أو جوانب من الحياة التي تبدو غامضة لنا كبشر، فنحاول البحث فيها أو في استشرافها.
نور: صحيح دكتور، أوافقك. أيضًا، من المعرفة التاريخيّة نعرف أنّ الأسئلة الكبرى الشموليّة تؤدّي إلى نتائج، والأسئلة الصغرى تؤدّي إلى نتائج مختلفة. أحيانًا ننظر من فوق، نعمل (zoom out)، أكيد أنا معك، وهذا ما يُسمّى بالتعميم، والبعض يسمّيه بالميتافيزيقا، يجعلنا نلاحظ بعض الأمور التي من الصعب جدًا ملاحظتها من تحت، لكن هذا سيؤدّي إلى نتائج مختلفة، وهذا يحقّ. ماذا نفعل هنا؟ نقول إننا نفعل ذلك، أقول إنني أسأل سؤالًا كبيرًا شموليًا، حين أنا أقول بوضوح، وأقول للكاتب أو للقارئ: أنا أفعل كذا، يحقّ له أن يفعل ما يشاء. والشخص الآخر الذي يريد أن يسأل أسئلة أدقّ… لأنك حين تنظر من فوق، أنت ترى فقط العلاقات الخارجية الكبرى بين الأشياء، تقول إنّ هذا تحرّك من ألف إلى باء، إذن هذه هي الحركة. لكن حين تنظر من تحت، تجد أنّ الحركة من ألف إلى باء هناك ألف وباء وحركة طويلة.
باسم: وفيه جزئيات أخرى.
نور: وفيه جزئيات تجعلك تكتشف بُعدًا آخر، بُعدًا فلسفيًا أو نتيجة أخرى…
باسم: لكن دراسة الجزئيات هذه دراسة علم التجربة، يقوم بها أهل التجربة.
نور: لا أعتقد أنها فقط علميّة، هناك أيضًا فلسفة على هذا النحو. وحسب المجال الذي يحدّده الفيلسوف، أنا مع هذا ومع ذلك، ولكن دائمًا مع أن يكشف الفيلسوف كيف يتحرّك وأين يتحرّك، لا أن يخلط؛ لأنّ الخلط أعتقد أنّه… الأسوأ من الخلط بالنسبة لي هو أن يُخفي طريقة حركته داخل الفلسفة.
هل يمكن للرياضيات أن تُنتج حقيقة فلسفية؟
باسم: هناك من يربط ما بين الفلسفة والعلوم الرياضيّة. هل هذا الربط صحيحٌ دقيقٌ، فيه اعتباط؟ أم أنّه فعلًا العقل الرياضيّ -تجاوزًا- أو الوعي الرياضيّ هو فلسفيٌّ بحدّ ذاته؟
نور: نعم، ولا، حسب نوع الرياضيات. يعني مثلًا في الفلسفات الوضعيّة التي انتشرت في القرن التاسع عشر كان نوعٌ من الرياضيات منتشرًا وسائدًا، ودخل في الفلسفة، خرج كثيرٌ من الفلسفات في ذلك الوقت، فلسفاتٌ وضعيّة كانت قادرة على الإجابة عن بعض الأسئلة، لكنها لم تكن قادرة في رأيي على الإحاطة بالفلسفة. وأنا لست من الذين يتّبعون ذلك النوع من الرياضيات.
نوعٌ آخر أو أنواعٌ أخرى، وأنا أحبّ أن أسمّيها الآن على سبيل المثال الهندسة؛ الهندسة التي تختلف عن الحساب والجبر. الهندسة رافقت الفلسفة الإغريقيّة، ورافقت حتّى التقليد الغربيّ الفلسفيّ الذي أُدخِل فيه أيضًا التقليد المسيحيّ، الجانب المسيحيّ، وعُجِن من جديد. فالهندسة تحكم الفكر الغربيّ كثيرًا، يعني في كثيرٍ من المنطلقات والمقدّمات.
فهذا يعني، هنا أريد أن أقول كلمة ربما توضّح ماذا أقول: الرياضيات أحيانًا تكون عبارة عن معادلات، وأحيانًا تكون نتاجًا ثقافيًا. حين تكون نتاجًا ثقافيًا -كما أتحدّث هنا عن الهندسة التي دخلت في التقليد الغربيّ- هي تؤدّي إلى حقائق وليس إلى حقيقة مطلقة. وإذن حين نقرأ على سبيل المثال بعض الفلسفات الغربيّة التي تعتمد في داخلها على منطقٍ هندسيّ، نقرأ النتائج بناءً على هذا المنطق، ولا نقول إنّ هذا يُعمَّم ببساطة؛ لأنّ هناك أشكالًا مختلفة من المنطق الرياضيّ. وكما أقول، أنا أعتمد فكرة أنّ الرياضيات هي نتاجٌ ثقافيٌّ بشريٌّ تاريخيٌّ لا يصلح لكل زمان ومكان.
نجد على سبيل المثال في مناطق أخرى، عربية أو غير غربية، نوعًا آخر من المنطق، نوعًا آخر من الرياضيات يحكم طريقة التفكير. هذا ليس للقول طبعًا إنّ العلم خصوصيٌّ وليس عالميًا وكونيًا؛ جميعنا يستطيع أن يقرأ العلم ويقرأ الرياضيات.
هل الفلسفة عالميّة النظرة أم مجزّأة؟
باسم: المشكلة أنّ عالميّة العلم نتيجةُ عالميّة التساؤل الأصليّ، عالميّة التساؤل الفلسفيّ الأصليّ. والذي اكتشف العلوم، القواعد –دعيني أقول لك- الذي اكتشف مثلًا أسس القواعد العلميّة الرياضيّة الحقيقيّة، اكتشفها من الواقع. نتيجة التساؤل: هل واحد زائد واحد يساوي اثنين؟ وإذا يساوي اثنين، طيب لمَاذا؟ كيف أثبِت أن واحدًا زائد واحدٍ يساوي اثنين؟ أرى في الواقع، أضع جزءًا مع جزء ويصير جزءين، يعني أرى عينًا. وأنا في رأيي هذه نتيجةٌ فلسفيّة، أنّ الإنسان تساءل في البداية. هذا يقودني أن أسأل: هل هناك فلاسفة عالميّون؟ يعني هل الفلسفة عالميّة النظرة أم مجزّأة وفق المكان الذي يعيش فيه ناطق السؤال؟
نور: تبدأ خصوصيّة ويمكن أن تكون عالميّة. أنا مع أنّ هناك مفاهيم كونيّة ويجب أن نتمسّك بها؛ لأننا إذا تخلّينا عنها نتخلّى عن كل شيء إنسانيّ. وأنا لا أنطلق هنا من منطلقٍ أخلاقيّ وأقول ذلك، هذا حتّى يعني كرؤيةٍ علميّة تاريخيّة، أرى أن هناك مفاهيم كونيّة، أكيد طبعًا مفاهيم عالميّة وكونيّة، لكنها، أنا أفضّل الفلاسفة الذين يخرجون من منطلقاتٍ خاصّة، من أشياء خصوصيّة، من قضايا خاصّة، ثم يصلون بها إلى العالميّة.
باسم: استقراء.
نور: الاستقراء جانبٌ. أنا أقصد يعني أنّك أنت ممكن أن تقصد ظاهرةً موجودة في مجتمعك الخاصّ، في مدينتك، في المكان، في المحلّ الذي أنت موجود فيه، لكن تدريجيًا هذه الفكرة يمكن، يمكن إذا كانت بالقوّة، إذا كانت تحمل شحنةً عالية من الفلسفة والمنطق، يمكن أن تكون عالميّة.
باسم: الأمر بديهيٌّ أن يكون الفيلسوف أو صاحب السؤال يعيش في بقعةٍ جغرافيّة محدّدة ضمن مجموعةٍ بشريّة محدّدة، هذا بديهيٌّ. الآن الذي يبدو أنه ليس بديهيًا أنّ تساؤله، أنه أكيدٌ أنّ الفلسفة نتيجة استقراءٍ أو نتيجة حلمٍ شموليّ في الكون، وبالتالي يستنتج أفكارًا تُعالج ظواهر عامّة. يعني حقيقيّ، أنا متّفق معكِ أنّه وكأنّه فيه شكلان للتساؤل الفلسفيّ: وهو الشكل الاستقرائي، الذي أني أرى بعض الأشياء تحدث أمامي وبالتالي يمكن أن أستنتج نظريّة عامّة شاملة؛ أو أنا مجرّد أن يكون عندي أنا أيضًا عندي نظرة شموليّة للإنسان وللخلق، التي هي التساؤلات التي ظلّ الإنسان منذ أن وُجد في الخلق وهو يسألها: من أنا؟ إلى أين ذاهبون؟ وهذه التساؤلات مكرّرة.
يعني مواضيع الفلسفة هي، أنا في رأيي، مواضيع متشابهة، تختلف طريقة التساؤلات فيها، وتختلف الفترات الزمنيّة أو حتّى الحِقبات الثقافيّة التي أثيرت فيها هذه الأسئلة، والأجوبة تأتي تباعًا نتيجة التطوّر المعرفي عند الناس. يعني مثلًا في زمانٍ لو كان الإنسان يسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟ ربما كان السؤال عامًا وضبابيًا، الآن يمكننا أن نحدّد، اعتمادًا على ثقافتنا وعلى ثقافة البيئة التي أُثير فيها التساؤل، أن تُعطيك أجوبةً فيها أكثر وضوحًا، لم تعد تكون ضبابية. وبالتالي، السؤال الفلسفيّ، أنا في رأيي، واحد، إنما قد تتعدّد الإجابات أو شكل الإجابة عليه وفقًا لمستويات المعرفية التي عليها البشرية.
نور: صحيح دكتور. الذي يمكن أن أضيفه هنا، لكن ما يُحرّض السؤالٍ بين هنا وهناك يمكن أن يكون شيئًا مختلفًا، وما يؤدّي… الطريق أحيانًا يمكن أن يكون مختلفًا. يعني بلا شكّ هناك عوامل ثقافيّة تحدّد طريقة التفكير، تحدّد نوع السؤال الذي سيتمّ طرحه، وتحدّد ربما الطريق الذي سيسلكه الشخص في الإجابة. لكن أنا في النهاية أوافقك بفكرة أنّ الإجابة يجب أن تحمل ما هو عالميّ، ويشمل جميع الناس مع الحفاظ على شيءٍ من الخصوصية. يعني أنا لستُ ضدّ فكرة أنّ هناك ثقافاتٍ على سبيل المثال عبر التاريخ راكمت شيئًا، من الخصوصيّة الفكرية، من الخصوصيّة الثقافية، وهذه الخصوصيّة جعلتها تطرح أسئلةً معيّنة وتتحرّك بطريقةٍ معيّنة، ما يُسمّى بالفلسفة بالذات. هذه ذاتيّة كذا، وهذه ذاتيّة كذا، دون أن أُلغي صفة الإنسانية أو صفة ما هو جامعٌ للناس جميعًا. بالنتيجة ربما، يعني بالنهاية، وهذه الفكرة ربما أنا أنطلق إلى العالميّ دائمًا من الخاصّ، فلا أجد اختلافًا بين هذا وذاك إلّا بالطريق ربما.
باسم: هذا يقودني إلى تساؤلٍ عن تجربتكِ أنتِ في التعايش مع بعض الفلسفات الأوروبيّة، كونكِ تدرسين في أوروبا، بدأتِ في ألمانيا، وتُعالجين مواضيع الفلسفة الأوروبيّة ضمن الدراسات المحدّدة، وواضحٌ أيضًا أنّ هناك تأثّرًا كثيرًا من المجتمعات غير الأوروبيّة من نظرة الفلسفة الأوروبيّة تجاهها. وبالتالي تمّ تطبيق نتائج هذه الفلسفات أو نتائج الدراسات المعرفيّة لهذه الفلسفات على الشعوب الأخرى التي هي أيضًا خارج نطاق التجربة المجتمعية التي أُطلِقت فيها أسئلة الفلسفة الأوروبيّة. ما رأيك أنتِ؟
نور: صحيحٌ، مثلما حضرتك ذكرتَ، تجربتي كانت في جامعاتٍ غربيّة، وتأثّرتُ كثيرًا بالأفكار التي طُرحت هناك، دون التقليل طبعًا من عظمة كثيرٍ من الأفكار. لكن أيضًا أصابني كثيرٌ من التشكيك، مع الوقت بدأتُ أشكّك، وبالتأكيد النظرة الغربيّة وحدها غير كافية.
باسم: تقصدين النظرة الفلسفيّة الأوروبيّة؟
نور: الفلسفيّة الأوروبيّة طبعًا؛ لأنني كنت بعيدةً كلّ البعد عن الفلسفات الخارجة من المنطقة، فلنقل: العربية الإسلاميّة. وبذلتُ جهدًا كبيرًا لأتمكّن من إقامة العلاقات بين هذه الفلسفات وهذه، حتّى يتكشّف نوع العلاقات الحقيقيّة، ماذا يحدث بين هذه الفلسفات وهذه. هذا عالمٌ غير موجود في الجامعات الغربيّة، يعني يحتاج بذلَ جهدٍ ربما من الباحث حتّى يتمكّن من الإلمام بأكثر من فلسفةٍ واحدة، ويتمكّن ربما من الخروج برؤيةٍ نقديّة، ليس فقط رؤية فلسفيّة، رؤيةً نقديّة وتاريخيّة لنوع الفلسفات التي تُقدَّم هناك.
باسم: يُفهم وكأنّ الفلسفة الأوروبيّة عندها هذه الأنا في أنها لا ترى أنّ ما يُنتَج فلسفيًا في أوروبا يمكن تطبيقه على كلّ المجتمعات البشريّة مثلًا؟
نور: لا أعرف ماذا تقصد بهذه النقطة.
باسم: أنه، أنت قلتِ إنّ الموضوعات الفلسفيّة لشعوبٍ أخرى خارج أوروبا ليست حاضرة في الذهن الفلسفيّ الأوروبيّ.
نور: ليست الموضوعات، الموضوعات حاضرة، لكنّ الفلسفات ليست حاضرة. يعني هناك فلسفاتٌ عربيةٌ خرجت من هذه المنطقة، هذه الفلسفات غير حاضرة. أمّا إذا قصدتَ الموضوعات، تُناقَش كثيرٌ من الموضوعات، يعني خصوصًا مع ظهور تيّار ما بعد الاستعمار، دخل في كلّ الجامعات الغربيّة، وأصبح يناقش بكثب، أصبحت تُناقَش موضوعات ما بعد الاستعمار وموضوعات العالم العربيّ والأفريقيّ والآسيويّ بشكلٍ عامّ، يعني تُناقَش هذه الموضوعات، لكنها تُناقَش دائمًا طبعًا من منظورٍ واحدٍ أو منظورين.
هل تدرس الفلسفة الإسلامية في أوروبا؟
باسم: في الجامعات الأوروبيّة مثلًا، المكان الذي تدرسين فيه، هل تمّت مناقشة مثلًا مواضيع مثلًا الفلسفة الإسلاميّة -إن جاز التعبير إنّ هناك فلسفةً إسلاميّة- أو المنتوج الفلسفيّ في الثقافات الأخرى مثلًا؟ تُناقَش هذه المواضيع مثلًا؟
نور: وجدتها بالدراسات الإسلاميّة، لا بالفلسفة، لا بقسم الفلسفة.
باسم: آه، دراسات.
نور: وحتى أحكي، أنا أحكي عن تجربتي، وعلى اطّلاعي على بعض الجامعات والمناهج فيها. لا أستطيع أن أعمّم لأنني لم أطّلع على كلّ الجامعات، هناك بعض الجامعات التي تختصّ في هذا المجال. أمّا في قسم الفلسفة فقَلَّما تجد مادّة متعلّقة بالفلسفة العربيّة أو الفلسفة الإسلاميّة. يعني أنا أتحفّظ على هذه المصطلحات لأنها مصطلحاتٌ إشكاليّة، لكن أستخدمها الآن جزافًا يعني…
باسم: نعم، صحيح، أتفق معك. لا يوجد؟
نور: لم أر. أنا ما رأيت.
هل التاريخ يضبط الفلسفة؟
باسم: أنتِ ذكرتِ وجود علاقة ما بين الفلسفة والتاريخ، لفتني هذا.
نور: صحيح.
باسم: عندما تربطين الفلسفة بالتاريخ، هل بالتاريخ مثلًا بفلسفة التاريخ، الرؤية العامّة، أم بأحداثٍ تاريخيّة محدّدة؟ يعني هل تعتبرين وقوع أحداث تاريخيّة محدّدة في بقعةٍ جغرافيّة ما ستقودنا مثلًا إلى فهم فلسفي مختلف مثلًا، أو العكس؟
نور: أكيد، أكيد.
باسم: أريد أن أفهم هذا الربط.
نور: طبعًا أنا حين أتحدّث عن التاريخ، يعني هذه رؤية قد ينقدها البعض. هناك بعض التيّارات ترى أنّه لا، التاريخ لا يجب أن يدخل. لكن أن أتمسّك بالتاريخ لأنّه هو طريقتُنا الوحيدة داخل الفلسفة لنضبط الفلسفة. نحن لن نتحوّل إلى علم، فالطريقة الوحيدة لضبط الفلسفة هي بالنقد والتاريخ، وهذه وجهة نظرٍ شخصيّة وغير شخصيّة بنفس الوقت. لكن ماذا؟ يعني ممكن أعطي مثالًا لنتحدّث عن المعرفة التاريخيّة وعلاقتها بالفلسفة. أفضل مثالٍ عندنا هو مثال الاستشراق؛ الاستشراق هو معرفةٌ تاريخيّة. ولكن أيضًا في داخلها معرفةٌ فلسفيّة. من يقرأ الاستشراق من الخارج ربما يوافق وربما يرفض، وربما يقول: هنا صحيح، وربما يقول: هنا خطأ. ما المحدِّد بالنهاية؟ أن نقرأ التاريخ، فنكتشف على سبيل المثال أنّ الاستشراق معرفةٌ تاريخيّة، لكنها غير كاملة، لماذا؟ لأنها تُطلق الأحكام، لأنها حين تبحث فيما تبحث فيه، تبحث من موقعٍ معيّن، هنا يصبح الموضوع إشكاليًّا. لكن في الوقت نفسه المعرفة التاريخيّة تضبط الاستشراق بطريقةٍ أخرى، فتقول: لا، لا يوجد شيءٌ يُسمّى “استشراق”، هذه كلمةٌ مفرطةٌ في العموميّة. نقول: هناك استشراقٌ مثلًا كلاسيكيّ، وهناك استشراقٌ متأخّر. نجد أنّ الاستشراق الكلاسيكيّ أو ما يُسمّى بالاستشراق المبكّر في القرن الثامن عشر لم يكن مُجرمًا وسيّئًا كما يقول البعض، وإنما بالاستشراق الحديث، الاستشراق في القرن التاسع عشر، حيث اخُتلط بمفاهيم الإمبرياليّة والاستعمار (…).
باسم: وهو الذي بَرَّر حركة الاستعمار، يعني تقصدين؟
نور: نعم، رُبط أكثر بالاستعمار. أمّا بالاستشراق الكلاسيكيّ نستطيع أن نقرأ هذه المعرفة التي قُدّمت من خلال الاستشراق قراءةً نقديّة بطريقةٍ أخرى. نقول على سبيل المثال: إنّ هناك مستشرقين ألمان كانوا أكثر قدرةً على قراءة الواقع الخاصّ بنا من المستشرقين الفرنسيّين. هنا دخلت المعرفة التاريخيّة، لماذا؟ هناك مسبّباتٌ. أيضًا، نستطيع أن نقرأ هذه الظاهرة، بمعنى نستطيع أن نحكم عليها بطريقتين. ماذا فعل المستشرقون في ذلك الوقت تحديدًا في القرن الثامن عشر؟ كانت عندهم رغبة في قراءة الشرق، وفي الوصول إلى ما يحبّون أن يسمّوه بـ “الأصل الرمزيّ” الذي يعتقدون على سبيل المثال بأنّه أصل الحضارة الغربيّة، وأنهم ورثةُ هذا الإرث. ففي الاستشراق الكلاسيكيّ نرى وجهة نظرٍ مختلفة عن الاستشراق المتأخّر، وفي الاستشراق الكلاسيكيّ نستطيع أن نرى نوعًا من التفاعل بين الشرق والغرب.
باسم: الاستشراق الأوّل كان هدفه الحصول على..
نور: كان التعرّف والاكتشاف، كانت رغبة في اكتشاف الآخر طبعًا. في الاستشراق المتأخّر دخلت هنا نوايا أخرى، دخلت أجندات.
باسم: كانت نوايا لأجل الاستعمار.
نور: صحيحٌ، صحيحٌ. وحتّى مع التطرّف وبعض الصور النمطيّة التي كانت موجودة في الاستشراق الكلاسيكيّ، نستطيع أن نرى أيضًا هناك بعض اللقطات المهمّة جدًا، نستطيع أن نكتشف أن هنا هذه النقطة تساعدنا على سبيل المثال على الكشف عن هذه الظاهرة بطريقةٍ مختلفة. بينما في الاستشراق المتأخّر الموضوع يختلف تمامًا.
هذا التاريخ ما الذي يساعدني أن أحدّد الأوّل عن الثاني؟ ولماذا؟ نكتشف على سبيل المثال أنّ الاستشراق الكلاسيكيّ كان استشراقًا رومانسيًا، في الاستشراق المتأخّر كان استشراقًا وضعيًّا. قُرئ الإسلام على سبيل المثال في الاستشراق الكلاسيكيّ قراءةٌ معيّنة كانت تهدف إلى التعرّف إلى الآخر، قُرئ القرآن، قُرئ الآخر المختلف، وحصل نوعٌ من التفاعل. لكن في الاستشراق المتأخّر تحوّلت القراءة إلى نوعٍ من العدائيّة لأسبابٍ سياسيّة، ضغوطات الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ.
باسم: هذا تفريقٌ جميلٌ. التفريق ما بين نوعيّ الاستشراق الموجودة الذين تحدّثتِ عنهما، ما علاقة ذلك بالفلسفة؟
نور: علاقة ذلك بالفلسفة على سبيل المثال، إذا أردتُ أن أخرج الآن بنظريّة تتعلّق بتلك المرحلة أو تتعلّق بـ… دعنا بتلك المرحلة، لا أستطيع أن أعمّم. حضرتك ذكرتَ سؤالًا: ما علاقة الفلسفة بالتاريخ؟ أنا ذكرتُ هذا المثال. إذا أردتُ أن أتحدّث… سأعطي مثالًا: هيغل كانت له وجهة نظر في الإسلام، وكانت وجهة نظر جيّدة. يأتي شخصٌ الآن يقول: الاستشراق كذا وكذا وكذا. لا أستطيع هنا…
باسم: أن توافقي.
نور: أن أوافق، لا، لحظة، نريد أن نميّز، نريد هنا فيه رؤية معيّنة، هنا فيه تاريخيّة معيّنة. فلا أستطيع أن أتبنّى فلسفية هيغل وأن أفهم ماذا يقول في هذه الفلسفة إن لم أفهم ما المصادر التي كانت عنده، وهذا نوعٌ من التاريخ.
باسم: مئة بالمئة صحّ.
نور: ما الوقت الذي كان يعيش فيه؟ وعلى ما اطّلع؟ إذا كنتُ أريد أن أتعاطى مع الفلسفة الهيغليّة يجب أن أفهم تاريخ تلك المرحلة، ويجب أن أحدّد، لا أن أقول على سبيل المثال: شأنه شأن جميع المستشرقين وكلامهم.
ما علاقة رؤية هيغل بالفلسفة الإسلامية؟
باسم: لماذا اعتبرتِ أنّ رؤية هيغل للإسلام هي جزءٌ من الفلسفة؟ هي جزء من المعرفة.
نور: هو فيلسوف.
باسم: هو فيلسوف، لكن معرفته بالإسلام ما علاقتها بالفلسفة؟ هي محاولة للتعرّف على هذا الجزء من الثقافة أو من الدين، ما علاقته بالفلسفة؟
نور: لأنّه معرفته فلسفيّة. السؤال الذي طرحه سؤالٌ فلسفيٌّ، نوع النتيجة التي خرج بها سؤالٌ فلسفيٌّ كانت، لم تكن سؤالًا دينيًا…
باسم: ما هي النتيجة التي خرج بها؟
نور: يعني الصورة الشائعة مرّةً أخرى حتّى نوضّح للمستمعين أو للمشاهدين أنّ هيغل خرج بصورٍ نمطيّة عن هذه المنطقة، هذا صحيحٌ، لكنه قال على سبيل المثال… طبعًا هناك نظريّة خاصّة بهيغل هي نظريّة روح العالم والتاريخ، طبعًا هذه النظريّة بكلّ تأكيد فيها شططٌ وفيها شطحٌ ونستطيع أن نتحدّث فيها كثيرًا فيما بعد، لكن نأخذ جزئيّة معيّنة، تقول: الإسلام دخل في روح العالم، على عكس جميع المستشرقين.
باسم: هذا ما يقوله هيغل؟
نور: طبعًا، دخل في روح العالم. طيب ماذا يعني “دخل في روح العالم”؟ دخل في حركة التاريخ، لأنّه دخل في المختلف، في علاقته في المختلف تواصل، كان هناك نوع من الـ… يقول إنّ ما يدخل في الروح يجب أن يُفارق الذات، يعني وهو يقصد بذلك طبعًا أنّه خرج من العالم العربيّ وتمدّد تدريجيًّا، هذا بالنسبة له هو شيءٌ من التقدميّة، وهو شيءٌ من.. فيه حركة روحيّة تاريخيّة.
أقول وأشدّد مرّةً أخرى، أنا لستُ من الذين يتحدّثون كثيرًا بهذا النوع من الروح التاريخيّ الذي يقول به هيغل، لكن نتوقّف عند هذه الفكرة ونرى أنّ فيها شيئًا مميّزًا. أكثر من ذلك يعني، هو يعتبر أنّ عظمة الإسلام في ذلك الوقت هي بسبب أنّه دعا إلى التوحيد بطريقةٍ مختلفة، إلى المُفارِق والمتعالي. هنا لا أستطيع أن أقول إنّه مستشرقٌ ببساطة.
باسم: فكرةٌ كثيرًا مهمّة، أوّل مرّة أعرف أنّ هيغل قال ذلك. لكن يعني خطر لي بذهني سؤالٌ: هل أوروبا فتحت أبوابها –دعنا نسميها- للهجرات الإسلاميّة أو الهجرة المسلمة بالنسبة للمسلمين العرب أو المسلمين غير العرب، هل تعتقدين أنّ جزءًا من هذه الرؤية، من هذه الفلسفة، أنّه طالما أنّ الإسلام دخل في روح الثقافة العالميّة وبالتالي إذن استقبال المسلمين يعني جزءٌ من هذه الأريحيّة تجاه هذا الفهم؟
نور: تقصد اليوم؟ الهجرة اليوم؟ لا، لا أعتقد..
باسم: هي الهجرة ليست اليوم.
نور: تقصد تاريخيًا.
باسم: تاريخيًا، أوروبا كانت مفتوحةً دائمًا للهجرة.
نور: لا، بصراحة لا أجد رابطًا واضحًا بين واقع الهجرة إلى أوروبا وما قاله هؤلاء المستشرقين. يعني ليس عندي رابط واضح، ليس عندي اطلاع جيد…
لماذا تستوعب أوروبا اللاجئين المسلمين؟
باسم: سأعيد السؤال، هل أوروبا عندما تستقبل المسلمين -بغضّ النظر لجوء سياسي، لجوء اقتصادي، هروب، إلى آخره، أو حتّى استقبال أيدٍ عاملة، بكلّ المكوّنات أو بكلّ الأسباب الثلاثة هذه- هل تستقبلهم نتيجة أنّ هذا الفهم في الذهنيّة ، في ذهن صانع القرار السياسيّ في أوروبا، أم أنّه لا؟، لأنّ أوروبا بحاجةٍ إلى هذه الأيدي العاملة أدخلتهم، أو لأنّه هناك موقف أخلاقيٍّ إنسانيّ أو قانونٍ دوليٍّ يُحتّم على هذه الدول أن تستقبل هذه المجموعة من الناس الذين يشعرون بالظلم مثلًا في أوطانهم؟
نور: هذا وهذا أعتقد. أكيد هناك أسباب سياسيّة بكلّ تأكيد، وأكيد هناك عدد أو جانب كبير، عدد كبير من الناس الذين كان عندهم نوعٌ من الوعي بسبب تطوّر بعض الفلسفات ووصولها إلى العالميّة التي تحدّثنا عنها، أصبح لديهم القدرة طبعًا على التعامل مع من هو غريبٌ عنهم وكأنّه منهم.
باسم: لأنّه سبب سؤالي، قبل أيّام رأيتُ مقابلةً مع بوريس جونسون، وكان رئيس وزراء بريطانيا السابق، هو سياسيٌّ معروفٌ في بريطانيا، واستغربتُ عندما قال إنّه الآن وقت الاندماج، يعني أنّ المجتمعات الأوروبيّة باللاجئين يعني تتمثّل فيما بينها وتصبح قالبًا واحدًا، وأنّه وقت تعويم أو تعميم الثقافة المشتركة. وهذه تُعتبر وكأنّه صدى لرؤية هيغل.
نور: بصراحة لا أعرف، لا أعتقد أنّ السياسيّين مطّلعون بشكلٍ جيّد على الفلسفات، ودائمًا هناك أسباب معيّنة لما يقولون بشكلٍ عامّ. لكن بالنسبة للتعميم وكذا، هنا ندخل في مشكلات الثقافة وما يستلزم وجود المهاجرين أو ما يستلزم أحيانًا إبعادهم تمامًا عن المشهد السياسيّ والثقافيّ. فهنا دخلنا في ضغوطات الواقع الاجتماعيّ وابتعدنا عن الفلسفة. يعني الفلسفة للأسف بالنهاية يعني الرابط بين الفلسفة والواقع ليس، رابطًا مباشرًا، خصوصًا عندما نتحدّث عن شخصيّاتٍ مثل هيغل يعني متوفّى منذ زمنٍ طويل. يبقى أثر الفلسفة في بعض السياسات طبعًا، أثرٌ، لكن اليوم يختفي.
باسم: الذي أثار السؤال، كما قلتُ لكِ، ما قاله هيغل كان بالنسبة لي معرفةً جديدة، أنّ هيغل…
نور: هيغل شأنه شأن كثيرين…
باسم: يعني حاولتُ أن أرى، ربما هل هذه الفلسفة تسرّبت إلى العقل السياسيّ الأوروبيّ وبدأت تستقبل جموع المسلمين مثلًا، الذين هاجروا لعدّة أسباب. من هذه، يعني من هذه الروح، أم لأسباب موضوعيّة خاصّة تتعلّق بالاقتصاد، تتعلّق بالأيدي العاملة، تتعلّق بـحقوق الإنسان.
نور: أنا ميالة إلى هذا الجانب أكثر، بصراحة. أمّا على مستوى الناس، فهناك بالتأكيد من تسرّبت إليه هذه الأفكار، لكن بشكلٍ غير مباشر بسبب تراكم الأفكار والحركة الثقافيّة والفلسفيّة الموجودة هناك. لكن هذا يأخذنا طبعًا بشكلٍ مباشر لمشكلات الثقافة التي نعيشها اليوم هنا وهناك؛ المشكلات أعمق بكثير من أن تُلصق بالفلسفة بشكلٍ مباشر للأسف.
هل يمكن الفصل بين الثقافة والفلسفة؟
باسم: يعني هل تفصلين بين الثقافة والفلسفة؟
نور: أجل، طبعًا أفصل بينهما.
باسم: معقول؟
نور: الثقافة تشمل الفلسفة، وتشمل السياسة والاقتصاد والتاريخ وكلّ المحدّدات التي تلعب دورًا في تحديد ما يعيشه المجتمع..
باسم: طالما الثقافة تشمل الفلسفة، فمعنى ذلك أنها أحد محدّدات الفلسفة؟
نور: حسب المرحلة. يعني هل تشمل اليوم في مجتمعاتنا الثقافةُ الفلسفةَ؟ لا تشملها بالتأكيد.
باسم: في الثقافة العربيّة، لأنه…
نور: لا تشملها إطلاقًا.
باسم: يعني الفصل ما بين الثقافة والفلسفة، يعني يبدو لي أنّ الفصل تعسّفيّ.
نور: لا أفصل بينهما تمامًا. لكن أقول: حين أتحدّث عن الثقافة، أنا لا أتحدّث عن الفلسفة. يعني حين أقول عن واقع الثقافة هنا اليوم، وأريد أن أتناول هذا الواقع لديه مشكلات كثيرة، لا أعتقد أنّ الفلسفة تلعب دورًا أساسيًا به، إلّا إذا كانت واضحة.
باسم: يعني لو كانت هناك فلسفة، تعتقدين أنّه من الممكن أن يتغيّر الواقع؟
نور: إذا كانت هناك حركة ثقافيّة حقيقيّة بالمنطقة. أقول: ممكن أن تغيّر، الفلسفة تلعب دورًا.
باسم: إذن، هناك رابطٌ بين الطرفين.
نور: لكن اليوم، أنا أقول: اليوم ليس هناك رابطٌ، ولا أستطيع أن أجعل هذا الرابطَ رابطًا ثابتًا. يعني أعتقد هناك مراحل حتّى في الغرب، يعني المرحلة، يمكن حتّى نعود إلى القرن الثامن عشر، هو القرن أهم قرن كان هناك نوعٌ من التوازي بين الثقافة والفلسفة.
هل المثقف العربي يقود أم يظل تابعًا للسياسة والتقليد؟
باسم: دعينا ننتقل قليلًا لنتحدّث، هل يمكن أن تكون هناك ثقافةٌ واضحةٌ عند العرب في المجتمعات العربيّة؟ بالشكل الذي نحبّ أن يكون بهذا الوضوح، يجب أن يكون هناك فلاسفة أو أسئلة فلسفيّة سُئلت لتوجّه هذا المسار الثقافيّ الذي نريده؟
نور: نعم بالطبع. إجباري طبعًا، وخصوصًا لمجتمعاتنا.
باسم: فإذن نحن نحتاج لأسئلةٍ فلسفيّة…
نور: بكلّ تأكيد.
باسم: لتعيد ضبط مسارنا الثقافيّ.
نور: لتلعب دورًا أساسيًا في هذا الضبط، لكن لا تستطيع طبعًا هذه الفلسفة أن تفعل ذلك وحدها. يعني بكلّ تأكيد.
باسم: من أين نأتي بفلاسفة؟
نور: بحركةٍ ثقافيّة حقيقيّة في مجتمعاتنا، بمراكز بحثيّة وثقافيّة حقيقيّة لا تستهلك وتريد الاستهلاك وتبحث عن الكمّيّات وإنتاج الكتب في كلّ عام، وكم كتابًا طبعنا، وكم كذا. لا، تكون عندها أسئلة حقيقيّة تنطلق منها، وتعي فكرة أنّ الاستهلاك لا يؤدّي إلى إنتاج، وأنّ الإنتاج الثقافيّ والعمل الثقافيّ شيءٌ، والاستهلاك طبع المطبوعات وإعادة التدوير والنقل والاستنساخ والنسخ من الغرب، نسخ ولصق. هذه عقلية لا تؤدّي إلى شيءٍ.
باسم: هذه فكرةٌ أعجبتني جدًا يا عزيزتي، فعلًا الفكرة أعجبتني جدًا.
نور: هذا مجرّد المراكز.
باسم: ما يُنتَج عند العرب هو مجرّد، كلام على ورق.
نور: للأسف حتّى لدى المثقّفين يعني، أنا أرى أنّ هناك مسؤوليّة تقع على عاتق طبعًا المؤسّسات، لكن هناك مسؤوليّة أيضًا تقع على عاتق المثقّف. يعني أنا أرى أنّ المثقّف اليوم في جزءٍ منه استهلاك، يعني يسعى إلى عالم الكتب الأكثر مبيعًا (Bestsellers)، وحتّى حين يتعاطى مع أمورٍ في غاية الدقّة وفي غاية الأهميّة، يعيش عالم الاستهلاك. ومن جهةٍ أخرى نجد ما أحبّ أن أسمّيه عادةً بـ “المثقّف الميثولوجيّ”، المثقّف الأسطوريّ الذي يعني بدلًا من أن يكشف، يُعمّي، ويرجع إلى الوراء بدلًا من أن يدفع بنا إلى الأمام.
باسم: بدل من أن يقود يعود.
نور: نعم، يرجع بنا إلى الوراء دائمًا وبأشكالٍ مختلفة.
باسم: ما السبب في رأيك؟
نور: السياسة اليوم التي نعيشها، والمرحلة التي عشناها بشكلٍ عامّ آخر على قرون طويلة يعني، لكن المرحلة الأخيرة كانت حسّاسةً جدًا. خرجنا من سنواتٍ طويلة، من قرونٍ طويلة في التبعيّة للدولة العثمانيّة، فيما بعد دخلنا بالاستعمار، وفيما بعد دخلنا بالاستبداد، وفيما بعد (…) دائمًا الثقافة تلعب دورًا ضدّ، أنا أريد أن أناهض المستعمر، أناهض المستبدّ، العلمانيّ، الإسلاميّ، سَمِّ ما تشاء. تركّز دائمًا على النقد. طيّب، حسنًا، النقد مهمٌّ جدًا وضروريٌّ، لكن نحن نحتاج إلى محتوًى إيجابيّ، ليس فقط محتوًى سلبيًّا، للهويّة الخاصّة بنا، للهويّة الثقافيّة. طبعًا هناك أسباب كثيرة، يقولون دائمًا باستمرار: لا، هناك ما هو أهمّ، دعونا ننقد الآن هذه الجهة وتلك الجهة. فماذا يحصل بالنتيجة؟ المثقّف يبقى سياسيًّا، ولا حركة ثقافيّة.
باسم: أو يدور في…
نور: فلك السياسة.
باسم: في فلك السياسة.
نور: تمامًا، تمامًا، تمامًا، باستمرار، دائمًا هناك مسبّبات ومسبّبات، وفي النهاية نبقى نحن كهويّة، هويّة تابعة دائمًا للآخر؛ إمّا لنقد الآخر، أو متعلّقة بالآخر. يعني من الاستعمار الذي كان تابعًا للآخر، إلى هويّة تابعة لنقد الاستعمار، يعني دائمًا. فهذه الهويّة العربيّة الثقافيّة لم تُشحن إلّا بمحتوًى سلبيّ. لحركةٍ ثقافيّة حقيقيّة، نريد محتوًى إيجابيًا. المحتوى الإيجابيّ طبعًا كانت لدينا فرصٌ كثيرة عبر التاريخ الحديث، لكنّ السياسات أيضًا لم تكن جيّدة جدًا، لأننا استنسخنا المؤسّسة الحداثيّة الغربيّة، أخذناها كما هي وأسقطناها إسقاطًا مباشرًا. ماذا حدث؟ وُلِدت ردّة فعلٍ من تيّاراتٍ دينيّة معيّنة، وجدتها أنها لا تُمثّلها، أنها بعيدةٌ عنها إلى آخره، فعدنا إلى الوراء.
هل يمكن للمجتمعات العربية أن تبني ثقافة جامعة دون فقد هويتها؟
باسم: هذا تشخيصٌ جميلٌ للواقع الثقافيّ، قليلًا الفلسفة العربيّة، غياب الفلسفة أدى لغياب الثقافة، والعكس يبدو صحيحًا. إنّه حتّى يكون عندكِ فلاسفة أو سؤالٌ فلسفيّ في المجتمعات، أو حتّى تكون المجتمعات قادرةً على طرح أسئلة الفلسفة، يجب أن يكون عندها مستوى ثقافيٌّ محدّد، فيه من الحرّية الفكريّة أو الوعي السياسيّ، يعني الوعي المجتمعيّ، واضح، لا يوجد عندنا. وهذا تشخيصٌ أنا أتّفق معكِ فيه، والكثير سيتّفق مع هذا التشخيص. الظروف التي مرّت بها المجتمعات العربيّة بشكلٍ عامّ. لكن إنّ المجتمعات العربيّة أيضًا تُوغل في الانفلات من العقد الثقافيّ آخرها نتيجة التجزئة القُطريّة، نتيجة أنّه “أنا أولًا وفلانٌ أولًا”، و”نحن أو أنا ليس لنا علاقة بالآخر”. بالتالي يعني التفكّك في الهويّة والتجزئة الهويّاتيّة التي صارت في المجتمعات العربيّة قادت، في رأيي، إلى أن تغيب الثقافة العامّة وتغيب الثقافة الجامعة.
نور: بكلّ تأكيد دكتور.
باسم: هل من الضروري أن تكون هناك ثقافة جامعة مثلًا، يعني حتّى نُنجز مثلًا، أو يعني المجتمعات الأخرى؟
نور: حسب ماذا نقصد بـ”جامعة”؛ إذا كانت “جامعة” بمعنى أنّ لها معنى واحدًا يُفرض على جميع الناس، بكلّ تأكيد لا. لكن هنا، يعني،.. نستفيد من التجربة الغربيّة الحداثيّة بطريقةٍ معيّنة، بأن نترجمها لا أن ننقلها نقلًا مباشرًا وتطبيقًا مباشرًا، أن نترجم هذه التجربة كما فعلوا هم أنفسهم. على فكرة هناك قراءة شائعة جدًا للتجربة الغربيّة، تجربة الحداثة الغربيّة، أنّهم مع ظهور المؤسّسة الغربيّة الحداثيّة، مثلًا فكرة أنّ النظام أصبح علمانيًا وتخلّى عن الدين وفصل الدين عن الدولة، وكلمات عبارات من هذا النوع المفرطة في التعميم؛ في حين نجد أنّ عملية التحديد في الغرب كانت عملية ترجمة، بمعنى: المؤسّسة قرأت المعاني الكبرى التي كانت سائدة في المجتمع: السلطة، الأصل، النسب، الله، الدين، الحيّز الخاص، الحيّز العام، الفرد، المجتمع، وأعادت ترجمة هذه المعاني في أشكالٍ قانونيّة وثقافيّة معيّنة. فترجمت، لم تُلغِ الدين أو تُقصِه تمامًا، ولم تضع العلم مكان الدين، فترجمت. لم يشعر المجتمع الحديث بالاغتراب عن ماضيه ما قبل الحداثيّ. هذه عملية ترجمة.
أنا لذلك أنا مهتمّة بفلسفة الترجمة، وأجد أننا لمجتمعاتنا إذا أردنا أيضًا أن نخرج بتجربة لا تُلغي الحداثة والحديث ولا تعود بنا إلى الوراء، يجب أن نتخلّى عن ثنائيّات: دين وعلمانيّة، علمانيّة ودين، ونخبة ومجتمع، وندخل في التفاصيل. نحتاج إلى تجربة.
ما هو مفهوم الترجمة بين الثقافات؟
باسم: دعينا ندخل بتفاصيل صلب دراستكِ المتعلّقة بالفلسفة والترجمة حقيقة، الفكرة كثيرًا أعجبتني، عندما تتحدّثين عن ترجمة الرؤى الفلسفيّة إلى قانون، يعني نضعها ضمن قوانين مثلًا تضمن حرّية الناس وحرّية… دعيني أفهم جيدًا أكثر عن ذلك.
نور: هذا جزءٌ مما أعمل عليه، ليس الفكرة الأساسيّة…
باسم: جزءٌ من دراستكِ أنتِ.
نور: ليس جزءًا من دراستي، إنما جزءٌ من البحث الذي أعمل عليه هو مفهوم الترجمة بين الثقافات، ومفهوم الترجمة داخل الثقافة الواحدة، وماذا يعني أن نترجم ولا أقصد طبعًا هنا الترجمة اللغويّة، ترجمة الكتب من لغةٍ إلى أخرى، لكن ما تحدّثتُ عنه هو أننا ننسى دائمًا أنّ الحديث هو إعادة ترجمة للقديم دائمًا، وليس إلغاءً للقديم. التجربة الحداثيّة الغربيّة هنا كنتُ أتحدّث، وهذا يعني أننا نحن نستطيع أن نقرأ ما لدينا من معانٍ، ما لدينا من مفاهيم، ما لدينا من أشياء أساسيّة ثابتة في هذا المجتمع، دارجة في الثقافة أو هي جزءٌ من الدين أو أيًّا كان، لا أن نلغيها ونقصيها ونضع قطيعةً بينها وبين الجديد، بل أن نترجمها بلغةٍ جديدة، هكذا تتحوّل الثقافة السائدة إلى قانون. يعني القانون يجب أن لا يُجري قطيعةً مع الثقافيّ السائد، كلّما أجرى قطيعةً سيخرج الثقافيّ من جديد، كلّما أجرى قطيعةً مع أيّ شيء على فكرة، أيّ مكوّن موجود في المجتمع، والثقافة تحديدًا، والدين أساسيّ، سيخرج من جديد. ولا يسير الحال بالقمع والكبت.
باسم: يعني لا تستطيع أن تغطّي الشيء.
نور: كلّما… سيخرج من جديد. هل نبقى على القديم ونتقبّله كما هو بمشكلاته؟ يمكن أن يكون هناك مشكلاتٌ كثيرة بالقديم. لا، الترجمة. هذه رؤيتي للترجمة. وعلى فكرة أريد أن أعبّر عن الترجمة بطريقةٍ أخرى؛ الدولة هي الواسطة للترجمة، هنا تحدث الترجمة، المؤسّسات، لماذا؟ لأنّ الدولة هي التي تتوسّط علاقتي مع الواقع، الدولة هي التي تعبّر عنّي لكي أعيش هذا الواقع. لذلك دائمًا الدولة تلعب دور الوساطة الرمزيّة، الجهاز الرمزيّ. وهذا الجهاز الرمزيّ يجب أن يستوعب المواطنين أو الرعايا أو الذين يعيشون في ظلّه. هذا دور المؤسّسة السياسيّة كواسطة. لكن أيضًا المثقّف يلعب هذا الدور، هو الذي يترجم بين ثقافةٍ وأخرى، هو الذي يفهم أنّ الاختلاف بين ثقافةٍ وأخرى يمكن أن يكون في جزءٍ كبير منه اختلافًا بالمعنى المعرفيّ، عقباتٍ معرفيّة.
أحيانًا أكبر الخلافات تحتاج إلى ترجمة بين طائفةٍ وأخرى، دينٍ وآخر، ثقافةٍ وأخرى، بقدر ما نراها مستعصية هذه العقبات وهذه المشكلات، أحيانًا تحتاج إلى ترجمة لأنها مفعمةٌ ومليئةٌ بالأساطير وبالرموز وبالخرافات التي تجعل كلّ طائفةٍ أو كلّ شريحةٍ من كلّ جماعةٍ منغلقةً على ذاتها.
باسم: يعني في رأيكِ أنّ الترجمة بالمفهوم الذي قدّمتهِ، وأعتبره مفهومًا جميلًا جدًا حقيقة غائبٌ عن المجتمعات العربيّة؟
نور: كليًّا غائبٌ. بكلّ المعاني وكلّ المستويات.
باسم: سبب غيابه من؟
نور: ليست لدينا حركةٌ ثقافيّة.
باسم: جهل السلطات؟ جهل المثقّفين؟
نور: مع بعض.
باسم: جهل المجتمع نفسه؟ أم أنّه هناك غيابٌ لفهم حقوق الناس؟ الناس لا تعرف حقوقها.
نور: لا أتحدّث عن الناس، أتحدّث دائمًا عن الثقافة في مكان والسياسة في مكان، وهنا اللاعب الحقيقيّ. أمّا الناس العاديّون فهم…
باسم: الناس أهل الثقافة.
نور: أهل ثقافة. ولكن دائمًا يُعوَّل، دائمًا دائمًا عبر التاريخ، على المثقّف الذي ينتج ثقافة. المثقّف الذي ينتج ثقافة بعيدٌ كلّ البعد، هو يلعب لعبة الجماعة عادةً، ويخوض في الحروب الثقافيّة شأنه شأن أيّ شخصٍ آخر، لا يمارس دوره الثقافيّ الحقيقيّ.
الدور الثقافيّ أنا بالنسبة لي، الإصلاح الثقافيّ أو العمل الثقافيّ يجب أن يكون إصلاحًا نفسيًا. إن لم يتحوّل العمل الثقافيّ إلى عملٍ نفسيّ، مصلحٍ نفسيّ ـ لأنّ المشكلات الثقافيّة هي نفسيّة، إذن هو ليس بعملٍ ثقافيّ. وهنا أتذكّر كلمة “عمل ثقافيّ” في حدّ ذاتها، هي جاءت من التحليل النفسيّ، وهي تعني كلمتين: الأولى، وضع اليد على المشكلة، على العقدة؛ والثانية، حلّ، تفكيك هذه العقدة بإزالة الوهم أو الخرافة أو ما يغطّيها من الخارج. كلّ مثقّف يجب أن يؤدّي هذا الدور برأيي. كله في مجاله.
باسم: يعني نعود لنعمل تحت نفس العنوان العريض: “نقد السرديّات الثقافيّة”.
نور: نقد السرديّات الثقافيّة، نقدٌ سأقول حقيقيّ، لأنّ الكلمة ليست مناسبة، يعني ماذا يعني “حقيقيّ”؟ نقدٌ فعّال. أنا بالنسبة إليّ كيف أحدّد النقد الفعّال عن غير الفعّال عن اللافعّال؟
باسم: من نتيجته.
نور: تمامًا، من النتيجة، وأيضًا من قدرته على قراءة الذات. يعني إذا أردنا نرجع لمشكلات الثقافة، أنا لا أجد لدينا ثقافةً اليوم تقرأ ما نحن أو من نحن.
باسم: يعني فعلًا أنا أتساءل حقيقة.
نور: ليس هناك.
ما سبب غياب الترجمة لدينا؟
باسم: سؤالي، أُعيد نفس السؤال مرّةً ثانية: هل لأن القائمين على إدارة المجتمعات، بدون تسميات، هم يجهلون الواقع؟ أم يتغاضون عنه؟ أم ليس عندهم الآليّات للقيام بالترجمة التي أنتِ تطالبين بها؟
نور: الواقع. طبعًا هناك ضغوطات واقعيّة كثيرة، ضغوطات اجتماعيّة كثيرة، يعني تجعل الشخص دائمًا غير قادرٍ على إنتاج هذا النوع ربما من الثقافة. لكن بالنسبة لي الأساس هو أنّه الانشغال -كما قلتُ في السابق- هو الانشغال بالآخر، انشغالنا بالآخر دائمًا، وهذا الانشغال غير دقيق، وحتّى على فكرة غير مُجدٍ، لأنّه انشغالنا حتّى بالآخر ليس انشغالًا بمعنى نقرأ الآخر ثمّ ننقده، نحن ننقد بدون حتّى قراءة.
أنا أرى حتّى المجتمع الغربيّ، وكنا نتحدّث منذ قليل عن الاستشراق، أريد أن أضيف فكرة تُساهم في فهم فكرة مشروع الترجمة أو مشروع فلسفة الترجمة. الاستشراق، أو التنوير، التنوير الأوروبيّ، التنوير الأوروبيّ كما يُعرَف عادةً أنّه بدأ من خلال الثورات العلميّة، وهذا الكلام الذي بدأ في القرن السابع عشر، لكنّ التنوير هو لحظتان وليس لحظةً واحدة. اللحظة الأولى: ليست “نور”، أنت لا تخرج إلى النور مباشرةً، أنت تُدخل رأسك في المُظلِم وتغرق في الظلام وتدخل في اللاوعي، تغرق في ذاتك، الظلام هو في اللاوعي، ثمّ تخرج إلى النور. اللحظة الأولى مُغيَّبة، دائمًا ما يتمّ التركيز على النور والعقلانيّة، وهذا الكلام الكبير، يعني عقلانيّة غربيّة. طيّب، أين اللحظة الأولى؟ أين غابت؟ اللحظة الأولى نعود هنا إلى الاستشراق الكلاسيكيّ والاستشراق المتأخّر.
بعد القرن السابع عشر، حيث بدأت الثورات العلميّة التي نعرفها طبعًا بالتأكيد. الاستشراق الكلاسيكيّ المبكّر، حيث بدأ الرحّالة والكتّاب والفلاسفة يذهبون إلى الآخر، إلى الهند والصين وإلى بلادنا العربيّة، ويقرأون الآخر. كانت هذه اللحظة -أنا أسمّيها أو ربما يعني آخذها من لا أعرف من أيّ فيلسوف أو أيّ كاتب- كانت لحظة ظلام، دخول في الظلام، نبحث في الآخر ثمّ نقرأ أنفسنا: من نحن؟ نقرأ… فأنا أسمّي القرن الثامن عشر هو القرن الظلاميّ، اللحظة الظلاميّة لعصر التنوير. قرأوا أنفسهم، ذهبوا وسافروا، قرأوا الآخر، قرأوا كلّ الأديان، وقرأوا الشعوب وتعرّفوا وكتبوا كثيرًا، ثمّ في القرن التاسع عشر بدأنا نرى ما يُسمّى وما يُصطلح على تسميته طبعًا يعني…
باسم: عصر التنوير.
نور: بـ “التنوير” نحن في حاجة إلى ما يُشبه ذلك، وعلى فكرة عندنا في تاريخنا ما يُشبه ذلك في لحظة معينة.
هل نحن بحاجة إلى حركة استغراب على طريقة حركة الاستشراق الأوروبيّ؟
باسم: هل نحن بحاجة إلى حركة استغراب على طريقة حركة الاستشراق الأوروبيّ؟
نور: لا، لا أحبّ الكلمة حقيقةً، “استغراب” و”استشراق”، لأنّ الشرق والغرب هنا ليسا جغرافيا، هما حركةٌ ذاتيّة داخليّة. وسأعطي مثالًا آخر: فترة الحضارة الإسلاميّة الذهبيّة حصل ما يُشبه ذلك، لا يُسمّى بالاستشراق، يُسمّى أكثر، أو أنا أحبّ أن أسمّيه بـ “التشريق”. الإسلام عاد وقرأ وذهب واحتكّ وأنتج.
باسم: تقصدين المسلمين.
نور: نعم، صحيح. وأنتج ثقافةً رفيعة، ثقافةً رفيعة وكاملة، ما نفتقده اليوم تمامًا، لأننا لا نقرأ الآخر. قراءة الآخر هي نفسها قراءة الذات.
باسم: وبالتالي نتيجة هذه القراءة استوعبت كلّ الجديد في الثقافة.
نور: تماما. وفي الغرب أيضًا، هذا ما أقوله: أنّ لحظة الظلام ولحظة النور، وهذا مع بعضه أنا أسمّيه بالعمل الثقافيّ. نحتاج نحن إلى هذا الخوض في الظلام، إلى أن نُدخل رؤوسنا في الأماكن المظلمة. لتفسير هذه الفكرة، يعني لشرح هذه الفكرة، لماذا نقرأ الآخر؟ لأنّ قراءة الآخر…
باسم: تمكنك من التعايش معه.
نور: صحيحٌ مئة بالمئة، لكنها أيضًا هي الطريقة الوحيدة للدخول فيما يُسمّى بلعبة الوعي. أنت حين تقرأ الآخر يبدأ الوعي بالاعتمال، أنت تقارن، ولماذا هذا حدث ولماذا هذا وتتبيّن العلاقات، تنكشف العلاقات الداخليّة بين ثقافةٍ وأخرى، صدامٍ وآخر، تاريخٍ وآخر، تتكشّف. هنا، يبدأ الوعي بالاشتغال، قبل ذلك لا يمكن.
باسم: يعني أنت وكأنّكِ تنطقين بالآية التي تقول: “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” (سورة الحجرات، الآية 13).
نور: صحيح، صحيح.
باسم: أنّ الخلق، أنّ الهدف هو التعارف بين الخلق.
نور: بالتأكيد، لا وعي إلّا بالاختلاف والتعارف.
باسم: يعني كان هناك حثّ دينيّ قرآنيّ على الناس أن تتعارف فيما بينها.
نور: صحيح.
باسم: لكسب المعارف والتعرّف على الآخرين تمهيدًا للتعايش.
نور: بالتأكيد، وتمهيدًا أيضًا لانقلابٍ فكري ثقافي في المنطقة التي نعيشها، ضروري أن نقرأ الآخر لأنّه فقط من خلال الآخر نفهم ذاتنا. يعني هي بالعكس، ليست أن نقرأ ذاتنا حتّى… هي بالعكس تمامًا الحركة. وعلى فكرة، ممكن نضيف: قراءة الآخر تساعدنا على فهم كيف تمتزج الثقافة من الداخل، وكيف تتمظهر في الخارج كحروب. نفهم العالم الخارجيّ الذي نشاهده كلّ يوم في التلفزيون، نرى كيف؟ نرى حروبًا، نفهم اللعبة كيف تُلعب من الداخل. هذا يسمح لنا بأن نقرأ ذواتنا، بأن نخرج بثقافةٍ حقيقيّة نقديّة تجعلنا لا ننتج وحسب كلامًا، نستهلك عفوا وحسب، بل ننتج بالمعنى الحقيقيّ.
باسم: وننتقل إلى نور الثقافة.
نور: ننتقل إلى نور الثقافة.
باسم: نور الحريري، الكاتبة والباحثة السوريّة الألمانيّة.
نور: شكرًا لك دكتور باسم.
باسم: شكرًا لكِ، أنا استمتعتُ بالحوار معكِ. إن شاء الله نلقاكِ بعد أن تُنهي الدكتوراه.
نور: إن شاء الله.
باسم: ونسمّيكِ الدكتورة نور الحريري.
نور: شكرًا جزيلًا، شكرًا جزيلًا، شكرًا لك. كنتُ سعيدةً جدًا بالاستضافة، وسعيدةً بأسئلتك.
باسم: شكرًا لكِ عزيزتي. شكرًا لكِ. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقةٍ جديدة من برنامج مجتمع. إلى اللقاء.