في كتابها الهام “ينبغي أن نتكيَّف” تؤكد بربارة ستغلر Barbara Stiegler (أستاذة الفلسفة السياسية في جامعة بوردو)، أن التحوُّل الكبير في مسار الليبرالية حصل سنة 1938، وتدعم تأكيدها ببراهين صلبة يقدمها تاريخ الفكر والوقائع على السواء.
ولا تنسى أن تعود، بغية دعم وجهة نظرها، إلى المحاضرات التي ألقاها ميشيل فوكو في نهاية سبعينيات القرن الماضي حول الليبرالية الجديدة في علاقتها مع نشأة سلطة جديدة على الحياة، أطلق عليها فوكو اسم السلطة الحيوية (le biopouvoir)؛ لكن بربارة تأخذ على فوكو، بعد أن تقر بفضله في اكتشافه هذا، إهماله التأثير الكبير للمصادر الأمريكية في الفكر السياسي الليبرالي، وهي مصادر استلهمت البيولوجية التطورية؛ لكن بعد أن أعادت تأويلها بطريقة أبعدتها عن أصلها الداروني لتقترب بها من الداروينية الاجتماعية التي لا تكف عن انتقادها على المستوى النظري.
ما الذي حصل سنة 1938؟ في أعقاب أزمة الكساد الكبير سنة 1929، عقدت ندوة في باريس لمناقشة أزمة الرأسمالية في ضوء أعمال وليتر ليبمان (السياسي والكاتب الأكثر تأثيراً في تاريخ أمريكا)، وكان الهدف منها التفكير في كيفية إنقاذ الليبرالية من أزمتها، أو بعبارة أخرى إنقاذ الليبرالية من الليبرالية نفسها، والانتقال إلى ليبرالية جديدة. وخرج المؤتمرون بتصورات استلهمت في خطوطها الكبرى أفكار ليبمان التي ترى أن البشر متأخرون كثيراً، بالقياس إلى ظروفهم المُستجدّة التي أفرزتها الثورة الصناعية والعولمة الناتجة عنها؛ إذ لم يحصل، في تاريخ الحياة والكائنات الحية، أن وجد الجنس البشري نفسه في حالة من “عدم التكيُّف” بمثل ما هو حاصل اليوم؛ وهذا ناتج، وَفق تفسير ليبمان، عن كون أدمغتنا، التي تشكَّلت على مدى تاريخ طويل، غير مؤهَّلة للتكيُّف إلا مع عالم مستقرٍ في المكان والزمان (بدءاً من القبيلة ووصولاً إلى المدينة الإغريقية). لكن الواقع الجديد الذي أفرزته الثورة الصناعية، وضع الجنس البشريَّ أمام تحدٍّ غير مسبوق يُحتّمُ عليه التَغيُّر والتطوّر والتكيّف مع البيئة الجديدة. وكان سؤال ليبمان المركزي، الذي هيمن على جميع أعماله، بصورة خاصة “المدينة الحرة” و”المجتمع الصالح”، هو التالي: كيف نُعيد تَكييفَ الجنس البشريّ مع بيئةٍ غير مُستقرّةٍ ومُتغيّرةٍ باستمرار ومفتوحة تماماً، في حين أنَّ تاريخه التطوريّ بأكملهِ قد كيّفه مع بيئات مستقرةٍ ومنغلقةٍ نسبيّاً؟
كيف يُمكننا التوفيق بين حاجة البشر الحيويّة وميلهم الطبيعيّ إلى الاستقرار والانغلاق، تبعاً لتكوين الدماغ وعاداته، وبين تسارع التدفقات وهدم الحدود الذي فرضه واقع العولمة؟ بأيِّ وتيرةٍ يَتعيّنُ علينا إصلاح الجنس البشري كي نتمكَّن من التوفيق بين تاريخه التطوريّ البطيء وبين المتطلبات الجديدة التي أفرزتها “الثورة الصناعية الكبرى”؟ لم يَتردَّد ليبمان في الإجابة عن هذه الأسئلة بالقول بوجوب تغييرِ الجنسِ البشريّ عِوضَ التفكيرِ في تَغيير بيئته وظروفه. وبما أن الجنس البشريّ غير مُهيِّئٍ ولا يملك الأهلية للقيام بالتغيّر والتكيّف بمفرده؛ فإنه يقتضي إعداد سياسة عامة تفضي في النهاية إلى ابتكار نوعٍ إنسانيٍّ جديد، يستجيب دائماً لأغراض وضرورات التكيف. واستناداً إلى هذه الرؤية نادى الليبراليون الجُدد بضرورة إشراك الدولة وتفعيل دورها بغية تحقيق هذا الهدف المتمثل بالانتقال إلى ليبرالية جديدة والقطيعة النهائيّة مع الليبرالية الكلاسيكية التي كانت تدعو إلى تقليص دور الدولة وتَدخُّلها إلى الحدود الدنيا، وأن تكتفي بدور التنظيم والمراقبة وترك السوق يفرز وحده قوانينه الخاصّة. لكن أزمة الكساد الكبير فرضت منطقاً آخر دفع الليبراليين الجُدد إلى رفض هذه النزعة الطبيعيّة، والمناداة بضرورة الاحتكام إلى الدولة وحيلها (من قبيل: القانون والتعليم والرعاية الاجتماعية… إلخ) في بناء السوق المفترض، وفقاً لقواعد عادلة وليس وفقاً لقواعد زائفة تُبقي على الأقوى وتُطيح بالأضعف. وفي هذا الضوء دعا الليبراليون الجدد إلى محاربة الليبرالية المتطرفة وتصوراتها، المتعلقة بحرية السوق؛ لكونها المسؤولة عن هذا الوضع الجديد من عدم التكيف الذي أفرز بدوره جميع الأمراض، الاجتماعية والسياسية التي عرفها العصر الحديث (الفاشية، النازية، العنصرية…). كما دعوا، في الوقت نفسه، إلى إعادة التفكير في العمل السياسي باعتباره تدخلاً مفتعلاً ومستمراً وشاملاً في الجنس البشريّ بغية إعادة تكييفه مع متطلبات بيئته الجديدة (بيئة العولمة). ومن هنا نشأت فكرة الاستعانة بخبراء ومختصين في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة تكون مهمتهم المساعدة في التغلب على تأخر الجنس البشريّ في تطوره وتكيُّفه. بيد أن دفع الناس إلى “التَكيُّف” يقتضي الاتفاق، الذي يُعدُّ مبدأً لا غنى عنه في الديمقراطيات الحديثة؛ وهذا الاتفاق لا يمكن تحقيقه دائماً لأن الشعب، وفق التصور الليبراليّ الجديد، غير عقلانيّ ولا يَعرف كيف يُفكر وماذا يُريد؛ ولهذا ينبغي الاعتماد على الدولة وأجهزتها، (بصورة خاصة الصحافة، التليفزيون، السينما وشبكات التواصل الاجتماعي في أيامنا) في صناعة الاتفاق الجماهيري وقيادته في الاتجاه المُراد.
الأمر الذي أفضى، في النهاية، الى تحوُّلِ العملية الديمقراطية إلى تَقنيةٍ سياسيّةٍ مهمتها “صناعة الاتفاق” الذي تُقيمه الدّولة بعون نخبة تعرف ما تريد لكونها تعرف وجهة الحياة والمسار الذي ينبغي أن يسلكه التطور. لكن، أين تكمن خطورة الليبرالية الجديدة وطروحاتها؟ يتمثَّل الخطر الأوَّل، وفق نقاد الليبرالية الجديدة، في هدم مبدأ أساس من مبادئ الديمقراطية استناداً إلى تصور جديد للديمقراطية ذاتها قائم على “التوافق المصطنع” الذي ينظر إلى الشعب على أنه كتلة سكانية غير مستنيرة، ينبغي إعادة تشكيلها وتوجيهها وقيادتها بذريعة أن تصوراتها ترتبط بحالة مجتمع ثابت (دُول الركود) ولا تتناسب مع الوضع الراهن الذي أفرزه “التدفق” الذي أفضى بدوره الى استحالة الحكم بإرادة أكبر عدد ممكن من الناس؛ وذلك لأن البشر أسرى تصورات متخلّفة لا تتناسب مع جريان الزمن وتغيره الدائم. ومن هنا وجوب الخروج من فكرة حكم الشعب والانتقال إلى حكم الخبراء الذين يعون حقيقة السيولة وحتميتها ويدركون عجز أي تصور ثابت عن السيطرة على المجتمع دون أن يفضي، في النهاية، إلى شلِّ حركته وإعاقة تقدمه.
ومن خلال المناداة بحكم الخبراء أو النخبة تكون الليبرالية الجديدة قد انتقلت، في الواقع، إلى صيغة جديدة من الديمقراطية لا تقوم على حكم الشعب لنفسه بنفسه، كما كان يحلم مفكرو الأنوار، بل على حكم النخبة “المستنيرة” التي ترى أن الشعب قاصر ينبغي قيادته دائماً صوب غايات مُعدَّة مسبقاً. وهكذا أُقصي الشعب عن المشاركة في المداولة وصنع القرار بعد أن تم اختزاله إلى ممثليه المنتخبين الذين يقررون نيابة عنه ودون العودة إليه (وهو ما يعرف اليوم بأزمة الديمقراطيات التمثيليّة).يتمثل الخطر الثاني في كون “العقيدة” الليبراليّة الجديدة تُعيد التفكير في السياسة والمجتمع استناداً إلى مفاهيم وتصورات قادمة من الحقل البيولوجي؛ وهي تصورات قادت في ما مضى إلى نشوء النازية والتصورات المتصلة بالتفوق العرقي وغيرها من التصورات العنصرية الأخرى، كما قادت اليوم إلى إلغاء السياسة الديمقراطية وإبدالها بنوع من الحَتميَّة التطوريَّة ذات اتجاه واحد لا يأخذ بعين الاعتبار ذكاء النوع الإنساني وقدرته على استعادة السيطرة على بيئته وتغييرها بما يَخدم أهدافه. يخطئ مَن يحاول فهم هذه “العقيدة”، التي هيمنت ولا تزال، منذ سنة 1938، على الفضاء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الغرب، عبر إرجاعها إلى تسارع الابتكارات التكنولوجية أو إلى المُحتوى الثوري للرأسمالية الذي تحدث عنه ماركس في البيان؛ ذلك أن التكنولوجيا والرأسمالية لا يقدمان، في الواقع، أي خطابٍ حولَ الجنس البشريّ وتَطوره؛ ولم يحدث أن رأينا هذا القَدْر من الاستياء والرثاء الدائم من تأخر الجنس البشري إلا مع هذه “العقيدة” التي حولت السياسة إلى نوعٍ من الأرثوذكسية التي لا يكف ممثلوها عن تَعليمنا الطريق القويم، وما يجب أن نفعل في ميادين المعرفة والعمل والحياة. ولا نجانب الصواب حين نصفها بالعقيدة؛ فهي عقيدة لأنها تقترح درب الخلاص للبشرية جمعاء وتلزم الجميع باتباعه، وهي عقيدة لأنها تَعرِفُ مسبقاً معنى الحياة ووجهتها والهدفَ النهائيَّ للتاريخ ومسار التطور حتى قبل حدوثه. وهي، علاوة على ذلك، أشبه بنظام كنسيٍّ له لاهوته الخاص ورجال دينه وأتباعه ونظام التحريم الخاص به الذي يرسم الحدودَ ويفرض المعايير ويُقرِّر منطق الصواب والخطأ والخير والشر ويعاقب مَن يخالفه أو يكافئ مَن يؤيده.
ومع أن التصورات الداروينية للمجتمع ترى هذا الأخير على أنه كيان يتطوَّر وفقاً لقوانين مستقلة عن إرادة الفاعلين؛ فإن الليبرالية الجديدة تلجأ إلى نموذج زائفٍ من الدارونية عندما تؤكد اتجاهَ التطوُّر الاجتماعي المتمثل في: إنتاج ومراكمة المزيد من الثروات، والمزيد من التخصصات، والمزيد من تقسيم العمل، والمزيد من العولمة، والمزيد من التكامل بين جميع الأنشطة البشرية في مجال التنمية… كما أنها تقع في تناقض آخر عندما تُقرُّ بالتطورِ والتغيُّر وتُصرُّ، في الوقت عينه، على أن هذه القاعدة لا تنطبق على السوق والمنافسة اللذين يحافظان بشكلٍ صارمٍ على ثباتهما وعدم قابليتهما التعديلَ أثناء التطوُّر نفسه، وكأن التطوُّر والتغيير لا ينطبقانِ على العقيدة التي تنادي بهما. لم يقل دارون إطلاقاً بوجهة معينة يسلكها التطور؛ لأن الحياة خَلَّاقة وتبتكرُ في مجراها مساراتٍ وتحولاتٍ لا يمكن توقُّعها أو التنبؤ بها، وإن كلَّ نوعٍ يَمتلك من الذكاء ما يتيح له القدرة على التكيُّف تبعاً للبيئة التي يَجدُ نفسه فيها.
وهو بذلك يُقرُّ، خلافاً لمنطق الليبرالية، بفكرة تنوع نماذج التكيُّف (أي التنوع الثقافي) تبعاً لتنوع البيئات، ولم يقل إطلاقاً بوجوب أن يتأقلمَ الجنس البشريّ مع بيئةٍ واحدةٍ مصطنعةٍ هي البيئة التي تريدنا العولمة أن نتكيَّف معها. إن الليبرالية، في سرديتها عن معنى الحياة ووجهتها وغايتها، قد بلغت اليوم حدها الأقصى بمواجهتها الأزمة البيئية وغيرها من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أفرزتها الثورة الصناعية الثانية، وهذا ما يجعل اللحظةَ السياسيةَ التي نعيشها اليوم شديدة الخصوصية؛ إذ غالباً ما تَلجأ الليبراليّة، في أوضاعٍ كهذه، إلى العنف كحلٍ دائمٍ لأزماتها؛ وهي أزمات أفضت في ما مضى إلى قيام الحرب العالمية الثانية؛ ولا نعلم ما ينتظرنا اليوم بفعل أزمتها الراهنة وسعيها الدائم لتغيير الأنظمة والقوانين والكيانات المناوئة لها؛ بغية الحفاظ على رؤيتها للعالم والإنسان على السواء.
ولا أظن أن بوسعنا أن نَفصل ما حصلَ ويحصلُ اليومَ في عالمنا العربي عن أزمات الليبرالية الجديدة التي تحاول نقلها إلى فضاءات أوسع تتجاوز دولَ المركز صوب بؤر مقاومةٍ هامشيّةٍ تمثل تَحدٍّ أمام سياسات الدمج وتوحيد السوق.. وأجد أن العربَ مدعوون اليوم إلى إعادة التفكير في مشكلاتهم وتصوراتهم السابقة عن الدولة ومهامها وعن فكرة الهُوية الوطنية والثقافة واستراتيجيات المقاومة وغيرها من القضايا في ضوء هذا الفهم لمنطق الليبرالية وميلها العام للهدم والتوحيد، أعني هدم الثقافات المحلية والهويات الخاصة وتوحيد المتناقضات داخل ثقافة كونية واحدة هي ثقافة السوق الذي تحوَّلَ اليوم إلى هوية كونية على الجميع أن يجد داخلها مكانه ودوره. ولهذا تريد الليبرالية الجديدة تغيير كل شيء لكي لا يتغير أيّ شيء؛ أعني لكي لا تتغير هي بالذات.