Skip to content Skip to footer

ورقة بحثية بعنوان “ضد ثقافة إعادة إنتاج الرواية التوراتية اللاهوتية الأوروبية” | فاضل الربيعي

قدَّمَ فاضل الربيعي، المفكر والمؤرخ العراقي، رئيس مجلس أمناء مركز “مجتمع” للدراسات الثقافية والتاريخية، ورقة بحثية خلال حلقة نقاش “نقد السردية التوراتية” في عمان- الأردن، نظَّمها مركز “مجتمع” للدراسات الثقافية والتاريخية، حملت عنوان (ضد ثقافة “إعادة إنتاج الرواية التوراتية اللاهوتية الأوروبية”).


 

وننشر نص الورقة البحثية فيما يلي:

منذ وقت طويل راجت سرديات لاهوتية توراتية، أنتجها علماء آثار وكتاب تاريخ وباحثون ومنقبون أوربيون، كان الغرض منها مطابقة جغرافية التوراة مع جغرافيّة فلسطين. لقد عملوا دون كلل على تزوير جغرافيّة فلسطين وفرض رؤية لاهوتية سقيمة، سرعان ما دخلت مناهج التعليم في العالم العربي مع موجات الغزو والاحتلال ما بين الحربين العالميتين.

تزوير مريع بشأن أرض فلسطين

ثمَّ -ويا للعجب- راحت النخب الثقافية العربية المسلمة، وحتى المتشدّدة منها، تروج لمنطلقات وأفكار هذه السرديات، حتى بات هناك ما يشبه الإيمان أن أرض فلسطين كانت هي “أرض الميعاد الإسرائيلي”. وكان أمرًا مألوفاً منذ وقت طويل وحتى اليوم أن يسمع المسلم من خطباء الجوامع في الوطن العربي -ويا للغرابة-: “أن الله وعد بني إسرائيل بأرض فلسطين”. كل هذا التزوير المريع قد لا تبدو له أيّة قيمة مع تزوير آخر موازٍ، قامت به أجيال من كتّاب التاريخ العرب، يقوم فيما يقوم على إعادة إنتاج الرواية التوراتية اللاهوتية الأوربية، وتقديمها بوصفها سردية تاريخيّة صحيحة. في هذا السياق راجت منذ نحو 200 عام فقط من الآن، أكذوبة هيمنت على عقول الملايين من البشر، تقول: “إن الفلسطينيين هم (كنعانيون) قدماء، عاشوا في أرض إسرائيل القديمة بفلسطين.” وحتى اليوم لا تزال هذه الفكرة الزائفة تحظى بزبائن مفلسين، ليس لديهم سوى “هوى التاريخ القديم”، لكن لديهم مع ذلك، وبشكل استثنائيّ ومثير، نوع ٌمن استعدادٍ فطريّ- خالٍ من أيّ معرفة حقيقية أو وعيٍّ بالتاريخ القديم وبالثقافة القديمة- للخضوع “لعبودية السرد التوراتي”، أي للإيمان بهذه الأكذوبة. وغالباً ما نجد مثقفين أو كتّاب تاريخ تقليديين يحشرون أنوفهم في النقاش حول ” مصطلح كنعان”، أو في مسائل شائكة تتشابك مع هذا المصطلح؛ بل ويواصلون الترويج لأكذوبة أن “الفلسطينيين” كنعانيّون، وهم يروّجون مجاناً وبشكل اعتباطي لمزاعم لاهوتية، وفقط لأنهم سمعوا أو علموا بـأن هناك رأياً لمستشرق أوروبي من “عبيد السرد التوراتي”، يزعم أن الفلسطينيين تسللّوا من جزيرة كريت اليونانية، وأنهم “كنعانيون”. ولدى هؤلاء الزبائن استعداد غريزيّ مماثل للاشتباك الكلامي والثرثرة الفارغة، وحتى افتعال أيّ شجار” ثقافي” دفاعاّ عن” قداسة هذا اللقب” المزيف ” كنعاني”. 

هل من صلة للفلسطينيين بالشعب الكنعاني القديم؟

من المنظور التاريخي الحقيقي -لا المُتلاعب به- ليس ثمة أي صلة للفلسطينيين بالشعب الكنعاني القديم الذي عاش في اليمن، وهو شعب عظيم ساهم مع قبائل (مَعِينٍ) في الجوف بتأسيس مملكتين جنوبيتين هما، مملكة “أوسان”، ومملكة ” قتبان” في وادي بيحان . إن تاريخ الفلسطينيين حتى العام 1164، ومع بزوغ عصر الحملات الحربية للفرنجة على الشرق العربي أو ما يعُرف بـ”الحروب الصليبية “يجهل كلياً هذا المصطلح ولا يعرفه. هذا لقبٌ أطلق حديثاً على الفلسطينيين مع بدايات الاستيطان الأوروبي ولا أصل له في التاريخ. 

ليس هناك أيَّة رواية عربية إسلامية سابقة على هذا العصر، تزعم أن الفلسطينيين كانوا يُعرفون باسم”الكنعانيين”. كما لا توجد رواية توراتية أو من الأناجيل المسيحية الأربعة تقول ذلك. 

خرافة أنشأها علماء الآثار

والحال هذه، يجب أن يتخلىّ الفلسطينيون عن اعتبار أنفسهم “كنعانيين”؛ فهذه خرافة أنشأها علماء الآثار، وهم في غالبيتهم من خريجي معاهد اللاهوت اليهودي في أوروبا، أو تلقوا تدريباً سريعاً في أعمال التنقيب. وهؤلاء كما بينّت الوقائع والسير الذاتية المنشورة عنهم، كانوا مهووسين بقصص التوراة؛ ولذا أطلقوا على كل “لقيّة” أو ” أثر أركيولوجي” مصطلح ” كنعاني”، حتى أنهم نسبوا، ودون أي دليل علمي، بعض “اللقى” الأثرية في مصر وبلاد الشام والعراق ولبنان إلى ما يُزعم أنها “حضارة كنعان”، وزعموا أنها كانت سائدة في المنطقة. هذه خرافة لا أساس علميّاً لها؛ لأن المنطقة العربية لا تعرف مثل هذه الحضارة، ولأن هذا اللقب التوراتي (كنعاني) الذي أُضفي على الفلسطينيين -وحيث باتوا، ويا للخيبة يفتخرون به دون وعي- هو “لقب احتقاريّ” فرضته الرواية اللاهوتية التوراتية الاستشراقية. تتجلىّ عبودية السرد التوراتي، أعني السرد الذي سيطر على عقول ملايين البشر في العالم العربي، بل العالم بأسره ـ في هذا الجانب من الوظيفة المُصمّمة للهيمنة. وهي في أنصع صورها فكرة خيالية تؤكد استعباد البشر فعلياً وتكبيل عقولهم بأصفاد فولاذية من سرديّات وقصص دينيّ، و”حكايات” أسطورية لا أساس تاريخياً لها. بكلامٍ موازٍ، وقع ملايين البشر تحت هيمنة هذا السرد اللاهوتي غير القابل للتصديق. هذا ما يمكن استخلاصه في خاتمة المطاف من كل الهراء اللاهوتي حول الكنعانيين. إن السردية العبودية التي تتحدث عن “أرض كنعان” وبأفضل ما تتجلىّ، كفكرة “عبودية ” في وجود هذا المصطلح؛ بينما نعلم من تاريخ اليمن القديم أن قبائل معين الجوف (معين مصرن) كانت ” كنعانية”، وكانت تكتب وتنطق بلسان/ شفة كنعانية (وفي اللغة العبرية شفة كنعان – لشن كنعان أي لسان كنعان). 

مفهوم مصطلح “عبودية السرد”

لقد أصبح لدينا “عبيد” في كل أرجاء العالم لسردية توراتية-لاهوتية، تتحدث عن وجود “شعب كنعاني في فلسطين”. لكن، ماذا يعني مصطلح “عبودية السرد” الذي أقوم بصياغته هنا كمفهوم فلسفي/تاريخي؟ 

يعني هذا المصطلح أن أيّ أمّةٍ في التاريخ البشري قديماً وحديثاً، يمكن أن تصبح أمّة عبيد “، حين تتقبّل سردية العدو الذي يحتل أرضها، أو توافق عن طيب خاطر ودون أي مقاومة على فكرة أن تاريخها ليس تاريخها، وأن هناك تاريخاً آخر لها، ولكنها لا تريد أن تدرك حقيقة أن هذا التاريخ الآخر هو التاريخ الذي كتبه العدّو وصاغها بهواه، ثم تجد نفسها وهي تُرددّ دون وعي، كل ما أنشأه العدّو من أساطير وأكاذيب عن هويتها القديمة. على هذا النحو يصبح السرد مصدر ” عبودية”. كل عبودية في التاريخ البشري هي في الأصل عبودية ” سرد” قبل أن تصبح عبودية ” الأرض”. عندما يُقنع السيّد الإقطاعي عبده، أنه ” عبد ” وهذا الأخير يستسلم لفكرة أنه ” عبد” وأن عليه واجب الإذعان لسردية سيّده، فسوف يجد نفسه سجين ” فكرة” السيّد المُستولي على الأرض. 

لن يتمكن العبد من تحرير نفسه، أيّ من سجنه السرديّ إلا إذا كسر أغلال وقيود هذه السردية، وأن يصرخ بقوة أنه ليس عبداً للحكاية. 

الرواية الأوروبية اللاهوتية

ومع ذلك، يواصل البعض من الفلسطينيين المعاصرين الزعم “أنهم كنعانيون”.

لقد ساهم “الاستشراق العربي”، أعني الرواية التاريخية العربية المعاصرة والتي استمدّت أو أعادت إنتاج السردية التوراتية -ثم بنت معارفها على أساس الرواية الأوروبية اللاهوتية- في تكريس السردية الاوروبية؛ وبحيث بات الفلسطينيون يُرّددون دون أي فحصٍ متأنٍ أو نقد للمصطلح، أنهم ” شعب كنعاني”. وبطبيعة الحال مرة أخرى، فهذه سردية كاذبة جملة وتفصيلاً؛ إذْ لا توجد حتى في التاريخ العربي-الإسلامي القديم كله-أيّ رواية متماسكة تُفيد بوجود مصطلح ” كنعاني/ فلسطيني”، أو العكس. هناك أكذوبة أطلقها المستعمرون الأوربيون وصدّقها الضحايا. هذه هي كل قصة مصطلح ” كنعاني”. وبهذا المعنى فقط، يجب أن نرى في الرواية السائدة عن وجود “شعب كنعاني” في فلسطين، مجرد سردية زائفة عن سكان ومواطني الشرق العربي، وأن من أنشأوا هذه السردية كانوا شركاء للجنرالات والعصابات المتوحشة التي اجتاحت أرض فلسطين واستعبدت الشعب. بهذا المعنى فقط، أدعو إلى مواجهة أيّ محاولة لإعادة إنتاج هذه السردية الكاذبة ورفض مصطلح ” كنعاني” كتوصيف أو لقب للفلسطينيين. لقد استكمل اللاهوتيون عملية الاستيلاء على الأرض، بإنشاء سردية لاهوتية-دينية مزيفة وسقيمة، موظفة لأجل الاستيلاء على الذاكرة و”العقل الجمعي” للفلسطينيين. وبهذا المعنى أيضاً، سوف يتكشّف لنا الاستشراق العربي السائد في الروايات والأبحاث التاريخية، بوصفه هو نفسه “الاستشراق اللاهوتي الأوروبي” العتيق، وقد أعاد استنساخ نفسه من جديد؛ ولكن هذه المرة في صورة سردية تاريخية عربية معاصرة شديدة الجاذبية والإغراء. إن السردية التاريخية العربية المعاصرة التي تعيد إنتاج سردية الاستشراق/ اللاهوتي، هي الوجه الآخر لسردية “صندوق آثار فلسطين” اللندني، أعني السردية الكاذبة والزائفة التي روّج لها المهووسون بقصص التوراة من يهود بريطانيا. وعندما يزعم مؤرخ عربي معاصر مثلاً، أن الفلسطينيين هم “كنعانيون” فهو لا يقوم فعلياً سوى بإعادة استنساخ السردية التوراتية-اللاّهوتية الإنجليزية وحسب؛ بل ويقوم عملياً بالترويج لرواية “صندوق آثار فلسطين” اللندني. وكيف يمكن تخيّل إنسان ما وقد أصبح “عبداً ذليلاً” لسردية مُضللة هيمنت على عقله ووجدانه وثقافته وحتى حياته اليومية. مثل هذا التصوّر قد يبدو للوهلة الأولى تصوّراً خياليّاً لا أساس له؛ لأنه ما من إنسان في الواقع، يمكن أن يتقبّل العيش كعبدٍ ذليل لسردية زائفة. ومع ذلك؛ ينبغي الاعتراف أن هناك سردية توراتية حوّلت ملايين البشر بالفعل إلى “عبيد أذلاء”. العبودية الحقيقية لا تتحققّ حين يستولي الغرباء على الأرض؛ بل حين يتمكن هؤلاء الغرباء من إقناع السكان أنهم يملكون تاريخاً آخر غير تاريخهم. هكذا يصبح السكان عبيداً في منظومة عبودية طويلة وقاسية داخل سرد مزيف لتاريخهم، وفقط حين يصدقون رواية “المُهيمن على الأرض”، أي حين يُمكّنون مالك “السردية المُهْيمنة” من السيطرة على عقولهم وذاكرتهم، أو ينسون هويتهم القديمة والحقيقية. 

لن يصبح السيّد الذي استولى على الأرض، سيّداً حقيقياً إلا حين يصبح سيداً على الذاكرة، أي حين تُهْيمن “سرديته” على العقل، وتصبح هي التاريخ. عندما يقول لك الآخر الذي جاء بسردية مغايرة، أنك “غريب” وأنك لا تعرف تاريخك الحقيقي، وأنك في الواقع “مُتسلل” جئت من البحر؛ ثم تصدق هذه السردية وتؤمن بها، حقاً، وأنك “غريب” و” مُتسلل” بالفعل؛ ففي هذه الحالة سوف تصبح عبداً للسرد. ما حدث للهنود الحمر في أمريكا الشمالية، ثُمّ للفلسطينيين؛ هو الأمر المفجع نفسه، كلاهما؛ أيّ شعب أمريكا الشمالية و”الفلسطينيون” تعرضًا إلى نوع من “عبودية السرد” حين هيمنت رواية الـمـُستعمِر على ذاكرة “الشعب المـُستَعمَر”.

الكنعانيون اليمنيون وفلسطينيو جنوب بلاد الشام

خذوا مثلا الهنود الحمر في أمريكا؛ لقد اعتقدوا طوال 500 عام من احتلال أرضهم من قبل الأوروبيين المستعمرين، أنهم “مجرد شعب هندي أحمر” لا تاريخ قديماً له. كل ذلك لأن السردية التي كتبها اللاهوتيون التوراتيون الأوروبيون عنهم وعن تاريخهم القديم رسخت في ذاكرتهم، وباتوا على قناعة بها، وبأنهم بالفعل بلا تاريخ قديم. أو خذوا مثلاً اعتقاد الفلسطينيين أنهم” كنعانيون” قدماء عاشوا مع بني إسرائيل في فلسطين القديمة بحسب ما تقول السردية الصهيونية المهيمنة. وبكل تأكيد لا يوجد أي دليل أركيولوجي، مهما كان بسيطاً، يمكن أن يؤكد أو يشير إلى أي علاقة بين “الكنعانيين اليمنيين” جنوب غرب الجزيرة العربية وبين الفلسطينيين جنوب بلاد الشام. كل هذا يعني أننا أصبحنا- تحت ضغط التأويل الاستشراقي للرواية التوراتية- أمام “عبودية السرد” وجهاً لوجه، أي عبودية التاريخ الزائف، وعبودية الذاكرة البديلة، لا ” عبودية الأرض” وحسب.

لكل هذا سوف أثير الملاحظات التمهيدية التالية:

أولاً:

إن الصراع ضد الرواية الاستشراقية التوراتية-اللاّهوتية الأوروبية-البريطانية الأصل، ونظيرتها الرواية العربية التقليدية-المدرسيّة السائدة، لن يُحقق أي تقدم ولا قيد أنملة من دون إلحاق الهزيمة، وقبل أي هدف آخر، “بالاستشراق العربي” الذي قدّم خدماتٍ مجانيةٍ للفكر الاستعماري حين واصل دون توقف إعادة إنتاج السردية ذاتها دون حياء. بكلام آخر: ساهم “الاستشراق العربي” منذ نحو 100 عام تقريباً وحتى اليوم في الترويج لروايات “صندوق آثار فلسطين اللندني” لتثبيت أسس رواية تنتمي للعصر الاستعماري؛ وهو ساهم في تزييف “هويتنا” ووعينا لأنفسنا. على هذا النحو صرنا نصدّق ما يقوله لنا علماء الآثار وكل أطقم المنقبيّن في أراضي الشرق الأوسط، وهم يزعمون أن كل”اللقى” أو بعضها هي “كنعانية”. وهكذا نشأ ما يمكن أن نسميه بالخداع الأركيولوجي. لماذا؟ سوف نجيب عن هذا السؤال بالسؤال المضاد: هل من المنطقي تخيّل وجود “حضارة كنعانية” تمتد من مصر حتى بلاد الشام والعراق؟ منْ هم الكنعانيون؟ أين لوحاتهم الرخامية العملاقة؟ أين نقودهم وسجلات ملوكهم وسنوات حكمهم؟ هل يعرف أي شخص في العالم كله اسم ملك كنعاني بعينه حكم في فلسطين؟ متى حكم؟ وما سنوات حكمه؟ وهل يمكن الحصول على قائمة بأسماء ملوك كنعان في فلسطين ومصر وبلاد الشام؟ أين هذه القائمة؟ لا يوجد أي جواب. أنا أتحدى الجميع: هاتوا قائمة بأسماء ملوك كنعان فلسطين وسنوات حكمهم؟ هذا خداع أركيولوجي كانت وظيفته الكبرى تسهيل السبيل أمام هيمنة السرد، أي: تمهيد الطريق أمام “عبودية السرد”.

ثانياً:

إن الحقيقة التاريخية التي أدافع عنها تقول بوضوح شديد وقاطع ما يلي:

لا وجود “للكنعانيين ” في فلسطين القديمة قط. هناك كنعانيون، نعم، وهناك لغة/لهجة كنعانية نعم، لكن لا يوجد عرق غير عربي يُدعى كنعان عاش في فلسطين. الكنعانيون عاشوا في مملكتي “أوسان” وقتبان” في جنوب اليمن، أما وجودهم المزعوم في فلسطين، فهو “أكذوبة” أطلقها اللاهوتيون الأوروبيون وصدّقها العرب الذين أصبحوا منذ أكثر من مئة عام -على الأقل- ضحايا استعباد سرديٍّ جديد، أي: ضحايا سردية كاذبة هيمنت على عقولهم، وأنا أتحدث هنا عن”استعباد سردي” غير مألوف يتمكن فيه “السيد” من فرض عقله وذاكرته على عبده، وبحيث تصبح مسألة الاستيلاء على الأرض مسألة ثانوية وعرضية؛ لأن الاستعباد الأخطر وقع على الذاكرة لا الأرض وحدها. في الواقع لا وجود لهذه الجماعة البشرية التي تُدعى “الكنعانيين” في القطاع الجنوبي من بلاد الشام، ولا وجود لهم كذلك داخل جغرافية المنطقة الممتدة من مصر حتى بلاد الشام والعراق. 

مزاعم رائجة عن وجود “شعب كنعاني” قديم في فلسطين

إن كل المزاعم الرائجة في كتب التاريخ الرسمي عن وجود “شعب كنعاني ” قديم في فلسطين، لا تعدو أن تكون أكثر من تلفيق استشراقي-لاهوتي محض، جرى توظيفه في سياق نشاطٍ كولونياليّ مُنظمّ إلى أبعد الحدود المتصوّرة؛ لأجل محو الذاكرة الحقيقية لشعوب المنطقة، وإحلال ذاكرة بديلة، وتماماً كما حدث مع الهنود الحمر في القارة الأمريكية، إبان استيلاء المستوطنين الأوروبيين –”المهووسين” دوماً بقصص التوراة- على أراضي قبائل عريقة، تنتمي إلى حضارة قديمة هي حضارة المايا والأزتك. لقد جرى الاستيلاء على أراضي ما يُزعم أنهم هنود حمر بالتلازم مع ترويج سردية زائفة تقول: إنهم ينتمون إلى عرقٍ لا علاقة له بالقارة الأمريكية، وأنهم “هنودٌ حمر” وحسب؛ أي أنهم “متسللون” دخلوا أرضاً ليست أرضهم، وأنهم بدائيون متخلفون لا علاقة لهم بالأرض والحضارة، تماماً كما قيل: إن الفلسطينيين تسللوا عبر البحر من “جزيرة كريت اليونانية “، وأنهم دخلوا أرض فلسطين ليزاحموا “بني إسرائيل” الذين كانوا يحلمون بأرض ميعادهم. هذا عينه ما حدث في فلسطين حين استولى المستوطنون الأوروبيون أنفسهم -وهذه المرة بصفتهم يهوداً- على أرضها وطرد شعبها؛ ولينشئوا سردية جديدة للسكان على غرار سردية “الهنود الحمر”، تزعم أنهم ليسوا من”العرق العربي”؛ بل هم “كنعانيون” غرباء تسللوا من البحر. وهذه أكذوبة لا أساس لها.

ثالثاً: 

لأجل ذلك، لن نتمكن من دحر وهزيمة هذه السردية إلا بتهشيم كل أساس يقوم عليه نشاط “المستشرقين العرب”؛ هؤلاء الذين يُعيدون– كل يوم في مؤلفاتهم التاريخية- إنتاج هذه الترّهات دون أي حياء علميّ، ويشكلون فعلياً أطقماً من “الاستشراقيين العرب”، أيّ: فيلقاً، ولنقل” كتيبة” محاربة في الجبهات الأمامية بأسلحة المستعمرين. إن نقد السردية الاستشراقية الأوربية لن يكتمل دون نقد وتهشيم السردية الاستشراقية العربية، أي تحطيم “الاستشراق العربي” الذي هو، بكلمة موجزة: نشاط فكري وثقافي يقوم، وبأوجه متعددّة، بالاستعانة بإغراء المصطلح أو جاذبية التواري خلف “القداسة الدينية “. اليوم نشاهد كتاباً وباحثين عرباً يرددّون دون أي دليل علمي أن “القدس هي أورشليم”، وأن أسوار القدس هي أسوار أورشليم القديمة، وأن حائط البراق هو “حائط المبكى”. كل هذا كذب وتضليل ولا يوجد أيّ نص في التوراة يؤكد هذه المزاعم. وفقط من أجل إعادة إنتاج السردية اللاهوتية الأوروبية دون توقف، يواصل هؤلاء “إنتاج الترّهات” الجديدة. لقد حافظ “الاستشراق العربي” السائد، وبصرامة أكاديمية مُتجهمة في غالب الأحيان، على الحق المطلق في فرض رؤية الاستشراق التوراتي على عقول ملايين البشر. وعندما نقول: إننا ضدّ “الاستشراق العربي” فنحن نعني أننا ضدّ الثقافة التي تعيد سرد الرواية التوراتية دون أي تبصرّ أو نقد.

رابعاً:

كانت خرافة وجود “شعب كنعاني” في فلسطين وسائر المنطقة الممتدة من مصر حتى الشام وتخوم العراق، في الأصل، سردية واحدة من سلسلة سرديات دينية زائفة، هدفت إلى خلق “هويات” متعارضة، منفصلة ومتصارعة: آرامية، وفينيقية، وكنعانية، وأمازيغية. إلخ، وهي بكل يقين هوّيات لا أساس لها إلاّ في مُختلقات المخيّلة التوراتية. 

فكرة زائفة عن “حضارة كنعانية” في فلسطين

وبطبيعة الحال؛ فليس في حوزة أصحاب هذه المخيّلة أي سند تاريخي يؤيد أو يؤكد قيام “حضارة كنعانية ” في هذا الجزء من العالم. المثير للدهشة أننا لا نجد في كل التراث العربي القديم وحتى الأوروبي أيّ تلميح، في جملة أو فكرة، أنه يوجد “شعب كنعاني فلسطيني” أو “شعب أمازيغي مغاربي قديم” أو “شعب فينيقي لبناني/سوري” قديم تؤكد وجوده وثائق ومكتشفات أركيولوجية. هذه أكاذيب فرضها المستعمرون بقوة عبودية السرد التوراتي التي قاموا بتصنيعها. إن الفكرة الزائفة والقابلة للسجال عن “حضارة كنعانية”، و”شعب كنعاني” في فلسطين، تفتقر في الواقع إلى أي سندٍ تاريخيّ/ أركيولوجيّ حقيقيّ، يؤيد أو يدعم وجود هذه الحضارة أو يؤكد وجود هذا الشعب في فلسطين. ومع ذلك، لا يكفّ الاستشراق العربي، أيّ كل كتّاب التاريخ التقليدي والمدرسي، وعمليّاً كل الذين يعتمدون في أعمالهم ودراساتهم على النتائج التي توصلت إليها مؤلفات المؤرخين، وعلماء الآثار -من التيار التوراتي-عن اجترار المقولة التالية: إن شعب فلسطين، أي شعب القطاع الجنوبي من بلاد الشام القديمة، هم ” كنعانيون” وحسب، أي لا جدال ولا نقاش. هذه “بدهية” يجب تقبّلها. ولأجل ذلك، يتعيّن علينا اليوم أن ننقل الصراع خطوة إثر أخرى من دائرة الصراع ضد الرواية الاستشراقية الأوروبية إلى دارة الصراع ضد الرواية الاستشراقية العربية، أي ضد “الاستشراق العربي”، وإلحاق الهزيمة بالرواية السائدة التي يرّوج لها كتّاب التاريخ العرب؛ فهؤلاء يساهمون عملياً بقصد أو غير قصد بإحياء رواية ميتة اختنقت بتناقضاتها ولم يعد بوسعها البقاء على قيد الحياة. 

خامساً:

سوف أكرر القول مراراً وتكراراً -ومن لديه رأيٌ مغايرٌ فليقدّم أدلته-: هناك “شعب كنعاني” قديم، نعم، ولكنه لا يعرف فلسطين ولم يعش في أرضها. إنه شعب مملكتي “أوسان” و” قتبان” في اليمن، وهم قبائل “معِينية/ كنعانية” عاشت في وادي “بيحان” وفي أجزاء من مملكة ” معين مصرن” في الجوف وسط وشرق اليمن، وورد اسمها في السجلات الآشورية سوية مع اسمي شعب سبأ وشعب حمير، تماماً كما ورد في التوراة. لقد شاعت هذه الخرافة وانتشرت ورسخت إلى الحدّ الذي بات يصعب فيه إجراء نقاش هادئ وعلمي حولها، لا مع الهواة أو قرّاء الكتب التاريخية-المهووسين غالباً باستعراض أسماء علماء الآثار الأجانب، حتى وإنْ كان بعض هؤلاء لا تساوي أهميته قرشاً أبيض؛ بل أكثر من ذلك أن أي نقاش جديّ حول هذه الخرافة، غالباً ما يصطدم بالتمنّع عن خوض النقاش حتى من جانب الأكاديميين الذين سوف يرددّون، دون أن يرّف لهم جفن: “هذا ما قرأناه وهذا ما تعلمناه”. بكلام موجز آخر، فقد رسخت خرافة وجود “شعب كنعاني” بفلسطين في عقول ملايين البشر، ومن دون أن يجرؤ أحد على طرح السؤال البسيط التالي: منْ هم الكنعانيون؟ هل هناك شعب حقيقي له حضارة عُرفت بهذا الاسم في فلسطين؟ في الواقع لفق اللاّهوتيون في علم الآثار، منظومة مصطلحات موظفة لتبرير وتسويق فكرة زائفة عن حضارة قديمة أسسّها شعب مجهول يدعى الشعب الكنعاني في فلسطين، وتمّ الترويج بسخاء لمصطلحات مثل (كنعاني، حضارة كنعانية، شعب كنعان، أرض كنعان، لغة كنعانية الخ). 

إشكالية خرافة كنعان

ما من باحث أو دارس أو هاوٍ، إلا وردد “خرافة كنعان” هذه. وقد يكون أمراً محزناً حقاً، أن نرى غالبية عظمى من الفلسطينيين (وجماعات أخرى في الشرق الأوسط) تتباهى بفخر واعتزاز، أنها من أصول كنعانية، أي كجماعة بشرية تنظر إلى نفسها من منظار هوية مُخترعة، وأنها كانت ومنذ الأزل، جماعة أثنية As an ethnic group، متميزة ولا صلة لها بشعوب المنطقة، ولكن دون أن يكون بوسعها تقديم تعريف لمعنى كنعاني. 

وهكذا طوّر الاستشراقيون الأوروبيون المهووسون بقصص التوراة نظرية جذابة لحل مشكلة “تناقضات” النص التوراتي كما قرأوه، فوجدوا في”اختراع” شعب كنعان في فلسطين -وكان يزاحم بني إسرائيل ويعيق عودتهم إلى “أرض ميعادهم” الإلهي- حلاً مثالياً. حققّ هذا الحل الشكليّ الاستشراقي من زاوية ما معضلة أخلاقية وتاريخية، كانت تواجه الاستعمار الاستيطاني الأوروبي، وتتعلق بكيفيّة محو ذاكرة شعوب المنطقة كلها، واختلاق فكرة تزعم أنهم ليسوا قبائل عربية، وأنهم بكل يقين مُتلاعب بهم، فلم يكونوا جزءًا من سكان المنطقة التي قامت فيها الحضارة الآشورية، أي أنهم ليسوا أحفاد قدماء لمواطني ورعايا الإمبراطورية الآشورية-السورية التي كانت تهيمن على العالم القديم للشرق العربي كله؛ بل هم “إثنية متميزة” أخرى لا صلة لها بشعوب المنطقة، وبهذا المعنى فهم عرقٌ صافٍ قائم بذاته ” كنعانيون” كما تصورتهم التوراة. أي أن الفلسطينيين “عرق” غير عربي، منفصل، لا صلة له ببلاد الشام وقبائلها. إنهم “عرقٌ كنعاني” صافٍ ونقيّ ومُقدس، وهكذا نشأت أسطورة أن البطولة الفلسطينية هي خلاصة بطولة شعب كنعان التاريخي القديم في فلسطين، وهكذا أيضاَ تحول المُدنَّس إلى مُقدس. كانت أوروبا الاقطاعية المؤسِّس الحقيقي لفكرة وجود شعب سامي “مُدنس” جامد، ووسخ، وأنه يستحق الاحتقار، لكنه الآن أضحى فجأة مُقدّساً من أجل تمرير خدعة “الهوية الزائفة” للفلسطينيين. وبطبيعة الحال، فمنْ يتبنى السردية الزائفة عن “فلسطين بوصفها أرض كنعان”، سوف ينتهي به المطاف إلى النتيجة التالية: سوف تحّل”إمبراطورية كنعان” محل الإمبراطورية الآشورية ما دامت تمتد على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط والخليج كله. وهذا هو المأزق، لأن التاريخ لا يعرف مثل هذه الإمبراطورية. وبحسب الرواية اللاهوتية التوراتية الاستشراقية؛ فقد تمكن بنو إسرائيل الذين كانوا يحلمون بالاستيلاء على أرض كنعان من العودة إلى “أرضهم”، وهم تمكنوا من الهيمنة على كل أرضها. بيد أن القبول بهذه النتيجة سوف يعني أن بني إسرائيل استولوا على بلاد الشام كلها حتى الفرات العراقي حين عبر داوود ضفته؟ وهذا كلام فارغ لا أساس له في التاريخ المكتوب. هذا التصوّر التوراتي السائد والقائل: “إن أرض كنعان هي أرض فلسطين”، سوف يتسببّ بسلسلة مشكلات غير قابلة للحل، ويمكنه أن يؤدي إلى نسف الرواية التوراتية نفسها، ذلك أنه يتسبّب فيما يمكن تسميته بالتعارض بين “السياق المنطقي” والتاريخ المكتوب؛ فإذا ما كانت هناك “حضارة كنعانية” تمتد من مصر حتى كل بلاد الشام وصولاً إلى العراق، فهذا يعني أن علينا أن نعيد النظر جذرياً في التاريخ الذي نعرفه، وبحيث نقوم بشطب الإمبراطورية الآشورية لنضع محلها “إمبراطورية كنعانية”. وهذا عمل غير علميّ بكل تأكيد. وإذا ما سلمنّا، أو تقبلنّا التعريف الشائع في المؤلفات التاريخية عن “أرض كنعان” الأسطورية هذه، فسوف يكون علينا حل التناقضات التي يعجّ بها هذا التعريف.

اختراع “حضارة كنعانية” زائفة

استند اللّاهوتيون من التيار التوراتي التقليدي في علم الآثار، منذ مطالع القرن الماضي- وهم ينكبّون على هندسة مصطلح “كنعاني”، بحيث يستوعب فكرة أن الفلسطينيين “عرقٌ غريب وعنصر طارئ “- إلى نصوص مُتفرّقة من التوراة فقط، ولم يستندوا بطبيعة الحال إلى أي نتائج أركيولوجية حصيفة. في الواقع أخفق التيار التوراتي في علم الآثار وطوال 200 عام تقريباً من التنقيب في تقديم أي دلائل أركيولوجية نظيفة، تؤكد مزاعمه عن الفلسطينيين “كعنصر طارئ”، وأنه “كنعاني” غريب عن المنطقة. في الواقع كان الغرض الوظيفي من تلفيق مصطلح “كنعاني” وإطلاقه على الفلسطينيين، حلّ مشكلة تعيين وتعريف “حدود كنعان” الغامضة والواردة في نصوص مُتفرّقة من التوراة، بأقل ما يمكن من التورط مع التوصيف الدينيّ المعقد. وبالفعل، فالتوصيف التوراتي بطبيعته المزدوجة الدينية الجغرافية لـ”أرض كنعان”، يتضمن وصفاً لا يمكن مطابقته مع أي جغرافيّة في بلاد الشام ولا مصر؛ إذ لا وجود للمواضع التي تمتد منها هذه الأرض ابتداء من جغرافية فلسطين. كل هذا الجهد المُنْهك كان موظفاً، ودون أي غرض آخر، لأجل رسم حدودٍ يمكن السجال حول دقتها، ولكن، شرط أن يتقبّلها الوسط الأكاديمي بوصفها هي”أرض كنعان التوراتية” التي تبدأ من فلسطين وتبلغ مصر. 

كانت هذه هي الخطوة الأولى والضرورية لاختراع “حضارة كنعانية” زائفة، وبحيث يسمح تخيّلها على هذا النحو ببناء تصوّرات ذات طابع شديد التعقيد في تفاصيله عن وجود “شعب فلسطيني كنعاني، مُتسلل من جزيرة كريت” اليونانية، ليزاحم بني إسرائيل في”أرض ميعادهم”. في الواقع لم تكن هناك أي دلائل أركيولوجية تؤيد هذه الحدود الخيالية لكنعان، كما أن نتائج البحث الأثري لم تقدّم أي سند مهما كان بسيطاً، يمكن استخدامه لدعم هذه المزاعم. لا شيء من ذلك كله. ولم تكن في حوزة اللاهوتيين في واقع الأمر، فضلاً عن كل هذا، سوى نصوص دينية من التوراة ورد فيها تعبير “أرض كنعان، شعب/لسان كنعان الخ”. وفي سائر هذه النصوص لا وجود لأسماء البلدان التي أصبحت تشكل مساحة هذه الأرض الخيالية، فلا وجود لاسم سورية أو لبنان أو الأردن أو فلسطين أو العراق (آشور، بابل الخ).كما أن النقوش البابلية- الآشورية ومنذ 950 ق.م لا تسجل اسم كنعان في فلسطين أو في بلاد الشام القديمة قط، وهي تجهله تماماً؛ وعلى العكس من ذلك يرد في السجلات الآشورية اسم “كنعان” و”كنعانيون” ضمن جغرافية اليمن، وهم اصطدموا بالآشوريين سوية مع قبائل حمير وسبأ .كان “اختراع شعب كنعان” في فلسطين، حاجة مُلحّة أشد تعقيداّ مما يمكن تخيّله لصناعة هوّيات تاريخية جديدة لسكان الشرق الأوسط. ولكن الأمر الشيّق بالنسبة للّاهوتيين تبدّى لهم أثناء عملهم المُضْني لتصنيع هوّيات بديلة، أنهم وبفضل هذا العمل المُتقن، واستناداً إلى مواد توراتية، سوف يتمكنون من إنشاء مادة جذابة وجديدة يمكن نسبتها لعلم الآثار، وبحيث يصبح الحديث عن “شعب كنعان” لا مجرد توصيفٍ توراتيٍّ لجماعةٍ قبليةٍ قديمةٍ؛ بل حقيقة أركيولوجية لا مناص من تقبّلها والإيمان بها بما أنها صادرة عن علماء آثار. ومن الجليّ، أن وعي اللاهوتيين لوظائف علم الآثار في هذا النطاق، كان شديد التباين مع وعي علماء الآثار من المتخصصّين والمحترفين، وذلك لسببٍ عميق المعنى والمضمون، فعلماء الآثار كانوا يقومون بأعمال تنقيب “مهنية” خاصة ونظيفة ونزيهة؛ بينما كان اللاهوتيون مجرد “طلاب” متدّينين في معاهد تدريب على أعمال التنقيب؛ وهم تلقوا بالفعل “دورات سريعة” في معاهد لاهوتية وجرى الزّج بهم ضمن أطقم التنقيب، وكانوا يقومون، بالضد من عمل العلماء، بتطبيق تصوراتهم التوراتية على كل ما كانوا يعثرون عليه خلال عمليات التنقيب. هذا التعارض بين عالم الآثار واللاهوتي، حقيقيٌ إلى النهاية حين يتصل الأمر بطبيعة البحث الأركيولوجي، وهكذا برز تناقض صارخ ومن وقت مُبكرّ بين علماء آثار ومُنقبين توراتيين. 

ومع ذلك مضى هؤلاء دون أدنى اهتمام أو حرج أمام نتائج زملائهم(أساتذتهم) في الميدان، قدماً في التلفيق اللاهوتي وراحوا يطبقون في كتاباتهم رواية التوراة على جغرافيّة فلسطين. سأقوم هنا بتفكيك الصور التوراتية التي استند إليها هؤلاء اللاهوتيون في فرق التنقيب، لكن قبل ذلك، دعونا ندقق في أصل الاسم “كنعان” من أجل إعادة بناء الصورة الواقعية الحقيقيّة لهذا الشعب القديم الذي لا علاقة له بفلسطين.

التوراة وحدود أرض كنعان

لا يكاد يوجد -في نصوص التوراة- وصفٌ عميقٌ وتفصيليّ لحدود “أرض كنعان” أفضل من الوصف الذي سجله سفر التكوين، فهو يُعيّن على أكمل وجه نوع وطبيعة الأرض المقصودة بشكل مكثف ودقيق. ولو أننا تخيّلنا هذا الوصف في صورة “هرم” أي في هيئة شكل هندسي (مثلث) فسوف نلاحظ، أن الجزء الأعلى منه يرسم صورة كنعان أبًا أعلى لجماعة بشرية، وهو في الآنِ ذاته حفيد أصغر لأب أعلى أسطوري، يُدعى نوح، ومن أب أعلى آخر من سلالته يُدعى “حام”. وهذا يعني أن “كنعان” اسم لسلالة بشرية من أحفاد نوح ثم سام، وهي جماعة ورثت الأرض بعد الطوفان. وبذلك يصبح كنعان الأسطوري بطلاً دينيّاً ينتمي لعصر مثيولوجي نعرفه باسم “عصر الطوفان”، لكنه فجأة ولسبب عرضي طارئ، أصبح منبوذاً وملعوناً ومطرودا بسببٍ خطيئة لم يرتكبها؛ بل ارتكبها والده حام حين رأى “عورة” أبيه نوح. هذا الطرد/النبذ لحفيدٍ لم يرتكب الخطيئة، هو صورة رمزية شديدة التكثيف، مُختزلة عن صورةٍ أقدم لطردٍ مماثلٍ، حين نبذ الرّب ابنه آدم لأنه اقترف “الخطيئة”، وكان الغرض المثيولوجي من هذا الطرد الرمزي، تصوير مشاعر متناقضة لجماعات بشرية اصطدمت بعضها ببعض، وكان عليها أن تقدّم تفسيراً، أو تأويلاً دينياً من نوعٍ ما لأسباب وجودها خارج الجنة السماوية، وكذلك لبواعث تفجرّ مشاعر الكراهية والنبذ في ما بينها؛ ولذا وجد سارد النص التوراتي أن تفسير هذه الظروف ممكن من خلال إعادة “تمثيل الخطيئة”، وهذه المرة، بدلاً من أن يرى آدم شجرة المعرفة سيرى كنعان “قضيب الأب”، وهكذا سوف تتساوى وتتماثل في الدلالات الرمزية صورة القضيب الذكوري مع الشجرة، وهما شكلياً في صورة جذع مليء بالأوراق (أو كثيف الشعر). ولذا أصبح كنعان منبوذاً بسبب خطيئة والده المباشر “حام”. لقد رأى “شجرته” رمزياً، ومثيولوجيا رأى “قضيبه غير المختون”، وهذا مصدر مركزي آخر لتفجر التناقضات بين الأفراد، فثمة فرد بين أعضاء هذه الجماعة من الأخوة المباشرين، ارتكب خطيئة رؤية “شجرة المعرفة”، أي “قضيب الأب/الرّب”.

نخلصُ من كل هذا أن “كنعان” ولد “منبوذاً” ومطروداً بسبب الخطيئة التي ارتكبها والده. فما هي هذه الخطيئة؟ ببساطة شديدة، شاهد حام ابن نوح “عورة” أبيه، أي:”قضيبه”، ولاحظ أنه غير مختون؛ ولذا أخبر إخوته أن والدهم رجلٌ “قُلفْ”، وبذا يكون قد عرف السرّ الصاعق؛ ولذا كان على الأب الأعلى أن يعاقب الابن وأحفاده ويقوم بطردهم؛ لأنهم اكتشفوا السرّ الذي ما كان عليهم معرفته. وهذه تماماً صورة مكثفة عن قصة طرد الله لآدم حين اقترب من شجرة المعرفة. كل هذا الاضطراب العائلي حدث داخل السفينة في لحظة الطوفان، ثم خلال الاستقرار، ولكن الطرد حدث فقط حين وصلوا البريّة، وذلك قام الأب بطرد الابن الخطّاء من الجنة الأرضية كما فعل الرّب، وهذه المرة بدلاً من الطرد السماوي حدث طرد أرضيّ. لقد طرد نوح حفيده من الأرض، وهذا استطراد في طرد سماوي قديم حين طرد الرّب ابنه آدم من الجنة السماوية. 

الطوفان و”سفينة الخلاص”

هذه الصورة الرمزية المُدهشة مُصممّة لرؤية جماعة بشرية تهرب من الموت بسبب الطوفان وتصعد إلى “سفينة الخلاص”، ثم سرعان ما ستواجه صداماً عائلياً، اشتباكاً من نوعٍ ما في الأرض، حين تستقر ويهدأ الطوفان، وعلى خلفية الخطأ الفادح الذي ارتكبه أحد الآباء، وهذا تذكير دينيّ بالخطيئة البشرية الأولى، ثم وقع حادث جديد سوف يمزّق العائلة الخلاصيّة التي نجت من الطوفان حين ضاجع نوح ابنتيه الكبرى والصغرى. إن تخيّل سفينة نوح كسفينة تنقل الآباء والأبناء والأحفاد، مُصممّ بدوره، بالنسبة لنا، لأجل أن نرى فيها صورة “سفينة الآباء الكبار” الذين لا يجوز الاقتراب من”محرمّاتهم”، أي لا يجوز رؤية أيّ جانبٍ مُعيب وشائن في مجتمع الآباء والأجداد، وأن الأحفاد يُحْرمون من الاقتراب من “مجمّعهم” داخل السفينة وفي الأرض بعد الاستقرار، وهذا أمر يمكن رؤيته من المنظور الرمزي كتأكيد على قدسيّة الآباء الكبار. كان العقاب العائلي-الدينيّ الذي تسببّ في هذا الطرد هو رؤية “القضيب المقدس”، فالأب الأصغر/الإله الابن، تعرّف أو اكتشف “شجرة المعرفة وشاهد بأمّ عينيه قضيب والده، وهذا أمر لا يمكن التسامح معه بالنسبة للأب الأعلى، وهكذا قام الله “رب الأسرة” حين استقرّ في الأرض ووقعت الواقعة داخل خيمته، بإنزال العقاب بحق جزء من الأسرة التي تضم الأبناء والأحفاد. وهكذا جرى طرد الابن مع أولاده. وهكذا أيضاً قام الجد الأعلى بطرد أولاده وأحفاده بعد أن افتضح أمر قضيبه غير المختون. كان هذا بالنسبة للرّب نوعاً من هتكٍ للسر الإلهي الذي لا يجوز التعرّف عليه، وهو سبب جوهري يسمح أو يفرض القطيعة بين الأب الأعلى والأبناء، فلا ينبغي للابن أو الأحفاد أن يعرفوا سرّ الأب الأعلى، السرّ الذي يُخفيه الرّب عن نفسه للبشر، فهو أب أعلى غير مختون. لقد تبدّى الرّب في السفينة بعد أن استقرت في الشاطئ، وأقام الناجون في الأرض -وفي أعين بعض أبنائه وأحفاده- في صورة “كائن” أعلى غير مختون. لنلاحظ أن الرواية الإسلامية تُشدد على أن قابيل وهابيل ولدا لآدم في الجنة، وفي روايات أخرى، أن ثالث الأخوين كان يُدعى شيت، وأنهم جميعاً طردوا من الجنّة، أي أنهم طُردوا كأسرة بشرية. إن فكرة طرد كنعان كقبيلة نجسة/مُدنسة سوف تتبدّى لنا كتصوّرٍ يهوديٍّ سقيم، قام بتأسيس صوره الأولى يهود الجنوب الحميري، الذين كانوا يكنّون كراهية غير محدودة لقبائل كنعان في وادي بيحان. كانت هذه الصورة التحقيريّة لشعب كتعان، هي الأساس الصُلب الذي بنى عليه الاستشراقيون اللاهوتيون المعاصرون فكرة تأسيس “هويّات مُصنّعة” لشعوب الشرق التي ظلوا يحتقرونها طوال عصر الإقطاع الأوروبي، حين رأوا فيها “سامية نجسة” و”جامدة” وأن لغاتهم “غير قابلة للنموّ”. حين ابتكر اللاهوتيون الاستشراقيون فكرة “الهويّات الزائفة” لشعوب الشرق العربي برمتّه، وهي مُستمدّة بكل تفاصيلها من السرد التوراتي الديني لقصة سام وحام في سفينة الخلاص، فقد حددّوا وظيفتها المباشرة سلفاً: استبدال ذاكرة شعوب الشرق العربي بذاكرة أخرى، تمهيداً لتثبيت أسس السيطرة والاستيلاء على أراضيها؛ وبالتالي خداعها وإيهامها بأنها كانت تُعرف ذات يوم بهذه الهويّة. إن النص العبريّ من التوراة لا يقول قط بوجود شعب كنعاني في فلسطين، وهي تطلق مصطلح (شفة كنعان/لشن كنعن: أي لسان كنعانלֹשֵֵָּׁנֵ כְּנַעַן) على جماعة قبلية، يوم كان بنو إسرائيل جماعة بدوية حالمة بالاستقرار في المكان الخصب نفسه الذي يقيم فيه هؤلاء. وهذا هو مغزى الصراع بين الطرفين كما صوّرته التوراة. وفي السجلات الآشورية/الآسورية يرد اسم الكنعانيين هكذا: the Irkanateans أي: جبل الكنعانيين. وسوف انشر في الصفحات التالية نص النقش الذي يتحدث عن مواجهات حربية عنيفة ضد الأوسانيين/الكنعانيين.

مصطلح ” كنعان” في الأصل التوراتي

بهذا المعنى فقط؛ فإن مصطلح ” كنعان” في الأصل التوراتي الذي استخدمه الاستشراقيون اللاهوتيون، هو لقب أطلقته جماعة بدوية مهاجرة ومُرتحلة على جماعة أخرى من السكان الأصليين كانت تستقرّ في أرضها الخصبة، وذلك لأجل الانتقاص من منزلتها بهدف تبرير الاستيلاء على أرضها. وإذا ما قمنا بمقاربة استثنائية بين الجماعة الإسرائيلية القديمة المهاجرة، والجماعة الأوربية الجديدة المهاجرة صوب فلسطين في مطالع القرن التاسع عشر (يهود أوربا) فسوف يتشكلّ أمامنا الإطار التوراتي/اللاهوتي نفسه: 

هاهنا أيضاً “جماعة مهاجرة” تتطلع للاستيلاء على أرضٍ خصبة لجماعة أخرى. 

وكما أن الجماعة المهاجرة القديمة في التوراة أطلقت مصطلح “كنعاني أي نجس/قذر، غير مختون” على أصحاب الأرض الخصبة؛ فإن الجماعة الجديدة المهاجرة من أوروبا صوب فلسطين، سوف تطلق عليهم المصطلح نفسه وتقول للفلسطينيين: نحن عبرانيون/إسرائيليون وأنتم “كنعانيون”، نحن منْ يجلب الحضارة لكم، وأنتم مجرد نجاسة/قذارة، حثالة. وهذا هو حرفياً معنى اللقب الدينيّ “كنعاني” بمعنى نجس، حثالة. تماما كما قصده إبراهيم النبيّ حين أوصى أولاده وأحفاده أن لا يتزّوجوا من الكنعانيين. وهذا تماماً ما قصدته قصة سفر التكوين حين سردت حكاية “عورة الأب” التي اتُّهم “كنعان” بها. اليوم انبثقت مشكلة جديدة أمام هذه الجماعة الأوروبية الكولونيالية المهاجرة من أوروبا صوب فلسطين، واستولت على أرض الآخر، ويمكن تلخيص جوهرها بلسان حالهم على النحو التالي: إذا كانت فلسطين القديمة هي “أرض كنعان”، وبنو إسرائيل استولوا عليها بالقوة، وهي كانت أرض ميعادهم؛ بحسب العهد الذي أبرمه إبراهيم مع الرّب، وكنا نعيش معهم ووسطهم، فمنْ نحن؟ هل نحن “كنعانيون” أيضاً؟ هكذا، وببساطة أصبح المصطلح الاحتقاري الذي أطلقه المهاجر الأوروبي اليهودي على الفلسطينيين أصحاب الأرض الخصبة، مصطلحا ينطبق عليه هو نفسه، فهو نجاسة/قذارة ما دام يعتبر “أرض كنعان” هي أرضه القديمة الموعودة بوعد إلهي. أي أنه “كنعاني” أيضاً؟ وهذه مشكلة حقيقية، فالمستعمر الذي أطلق لقباً تحقيريّاً على صاحب الأرض الأصلية، وجد نفسه وقد أصبح طبقاً لهذا المصطلح، شخصاً نجساً قذراً هو الآخر؛ لأنه يعتبر نفسه “كنعانياً”. إن التوراة تلخص ببلاغة مذهلة هذا الجانب من المشكلة، فقد فرض إبراهيم النبيّ على ذريته أن يعاملوا (الكنعانيين) بوصفهم “نجاسة”، وأن لا يتصاهروا معهم. في الواقع، لا يريد الإسرائيلي المعاصر، سواء أكان علمانياً أم مُتّديناً، الاعتراف بأنه يعيش “مشكلة هويّة”، وأنه حائر وضائع في دروب الرواية التاريخية التوراتية المتناقضة، ولا يعرف منْ يكون بالضبط؟ هل يهودي فرنسي (أم العكس). أيّ هل هو يهودي أولاً وهولندي ثانياً (أم العكس)؟ كلام آخر، لا يستطيع الإسرائيلي المعاصر تقديم تعريف صحيح عن نفسه يُعيد ترتيب تصنيفه عرقياً ودينياً، وأيهما هو: هل هو اليهودي أولاً ثم الفرنسي ثانياً (/الهولندي/الألماني/البلجيكي) الخ، أم هو الفرنسي أولاً ثم اليهودي ثانياً (الهولندي ثم اليهودي/البلجيكي) الخ. وإذا ما تبنىّ فكرة كونه من عرق آخر، ففي هذه الحالة لن يعود له الحق في التشبّث بمطالب الرواية الدينية التي تتحدث عن جماعة تدعى “بني إسرائيل”؛ لأن هؤلاء ليسوا قبيلة فرنسية أو بلجيكية أو هولندية؛ بل جماعة قبلية يمنية عربية قديمة، ورد اسمها سوية مع قبائل سبأ وحضرموت والشلف ويافع والضالع. كما أن اعتناق الدين، أي دين لا يعطي الفرد أي حق في ميراث دينيّ لجماعة من عرق آخر اعتنق دينها. هذا الوضع يشبه تماماً، مطالبة ماليزي مسلم بإرث قريش في مكة، لمجرد أنه أصبح مسلماً. (وقد شرحت هذا الجانب في مؤلفي السابق فلسطين المتخيّلة. 2007، بالتفصيل، ويمكن العودة للمزيد حول هذه النقطة). 

أوروبي يهودي أم من بني إسرائيل؟

لكل هذا، إذا ما استطاع اليهودي المعاصر، أي: الإسرائيلي من عرق أوروبي، أن يقدّم تعريفاً دقيقاً لنفسه، يفصلُ فيه بين كونه أوروبياً يهودياً، لكنه ليس من بني إسرائيل -لأن هذه قبيلة عربية قديمة- أي أنه يهودي من عرق آخر لا صلة له ببني إسرائيل، فسوف يكون في هذه الحالة مثله مثل المسلم الماليزي أو الصيني، ويتمكن من تعريف هويته ببساطة، فهو مسلم/صيني أو مسلم/ماليزي، والعكس، لكنه ليس من قريش، وبذلك سوف يمتنع تلقائيا عن تعريف نفسه كيهودي من بني إسرائيل؛ بل كأوروبي معتنق للديانة اليهودية، وأنه لا ينتمي ” عرقياً ” لشعب إسرائيل القديمة؛ لأن هذا شعب عربي/يمني. دون ذلك، فالإسرائيلي المعاصر سيظل في قلب أزمة معرفيّة عميقة، خلقها مصطلح احتقاري انقلب عليه. في الواقع يعيش الإسرائيلي المعاصر تحت رحمة اللاهوتيين في إسرائيل الذين حوّلوا الدين إلى تاريخ، بحيث بات أي سؤال محرج ومثير من جانبه عن صحّة النص التوراتي اشتباكاً مع الدين بوصفه هو التاريخ؛ ولذلك يتجنبّ طرح سؤال الهويّة. وإذا ما أخدنا بنظر الاعتبار هذه الحقيقة المسكوت عنها في المجتمع الإسرائيلي بوصفه مجتمعاً استشراقياً، أي: مجتمعاً لفقتّه الرواية الدينية من كل الأعراق والأجناس، فسوف يتكشّف لنا بجلاء جوهر المشكلة. إن الأفراد في هذا المجتمع هم أعضاء في “مجتمع استشراقي” تمّ اختراعه بفضل تحويل الدين إلى تاريخ. تماماً كما تمّ اختراع (أرض كنعان). إن هيمنة السرد اللاهوتي للتاريخ، هي التي جعلت من هذا الفرد، سواء أكان علمانياً أم متدّيناً، عبداً لرواية أسطورية لا أصل لها. وهذا هو جوهر إشكاليّة الهوية عند الفرد الإسرائيلي. وبفضل هذه الهيمنة أيضاً، تحوّل الدين نهائياً إلى تاريخ مقدّس، فمنْ يشكّك في هذا التاريخ يشكّك تلقائياً في الدين، ومَنْ يشتبك مع نصوص التاريخ، سيبدو وكأنه شخص مُختل عقليّاً يشتبك مع نصوص الدين. وهذا حقيقي حتى في الحالة الفلسطينية، فهناك مَنْ يقوم بتحويل الدين إلى تاريخ، بحيث يصبح كل شخص مُشكّك بالتاريخ الإسلامي شخصاً مشكّكاً بالدين. ومع ذلك، لا يكفّ الإسرائيلي المعاصر عن التساؤل على الأقل مع نفسه: هل حقًّا عاش أسلافنا هنا في هذه الأرض التي تُدعى فلسطين، وقبل ألفي عام -كما تقوله السردية اللاهوتية-؟ وماذا كان اسم هذه الأرض؟ هل صحيح أنها كانت تعرف باسم أرض (كنعان)؟ لكن أين هي الحفريات التي تؤكد وجودها هنا؟ طبقاً لهذا الوضع، يعيش الإسرائيلي المعاصر نوعاً من (تيه يهودي جديد) في دروب التاريخ، باحثاً دون جدوى عن جواب لسؤاله غير المُعلن بعد: منْ نكون؟ منْ نحن؟ أين عشنا؟ إذا كنا نسعى في الماضي السحيق للاستيلاء على أرض كنعان لأن فيها (شعب نجاسة/قذارة) فهل كنا نعيش معهم؟ ولماذا تقبّلنا العيش مع جماعة تتناقض معتقداتها مع معتقداتنا؟ وفي هذه الحالة، حين استولينا على أرضهم، هل توقفنا عن كوننا(كنعانيين)، أي أننا لم نعد نجاسة مثلهم؟ وهل كان سليمان ملكاً على الفلسطينيين والإسرائيليين معاً؟ بكلام آخر: هل كان داود أو سليمان ملكان من ملوكنا، وكانا يحكمان سويّة مع الفلسطينيين في أرض كنعان؟ إن التاريخ المكتوب لا يعرف مثل هذه الواقعة. إن الفلسطينيين المعاصرين والقدماء كذلك، لا يعرفون بكل يقين أن سليمان كان ملكاً في فلسطين بكل تأكيد. 

إذا لم نكن “كنعانيين” فمَن نكون؟

في إطار التأويل المُضلل لمصطلح كنعان، شاعت الرواية التوراتية. وداخل هذا الإطار نفسه، سوف يبدو الفلسطيني، وكأنه يعيش هو الآخر داخل التيه اليهودي الجديد الذي يعيشه الإسرائيلي. وهذا حقيقي تماماً، فالفلسطيني يبدو حائراً وهو يتساءل هو الآخر: إذا لم نكن (كنعانيين) فمنْ نكون؟ منْ نحن؟ هل حقاً كنا ندعى شعب كنعان؟  من نحن؟ ما أسماء قبائلنا القديمة؟ وهكذا فقد انتقلت المعضلة من طرف قام بغزو الأرض إلى الطرف الآخر/الضحية. 

ومع ذلك كله، لا يكاد الفلسطيني يتوقف عن ترديد ترّهات اللاهوتيين؛ بأنه “كنعاني” عاش مثل الإسرائيلي في (أرض كنعان). لكن، أين هي حدود كنعان؟ ومنْ هم الكنعانيون؟ المعضلة التي يجب أن يواجهها الفلسطيني بشجاعة تكمن هنا: إنه ليس ضحية عمل عنيف تمثل في اغتصاب أرضه وتشريده وتحطيمه وحسب، بل ضحية سردية لاهوتية مُضلّلة استولت على ذاكرته، نهبتها ثم استبدلت بها ذاكرةً أخرى، وتزعم أنه ينتسب إلى شعب وهميّ لا وجود له، يدعى كنعان. لقد استولى الآخر على عقله قبل أن يستولي على أرضه. هذه هي الحقيقة في الصراع الراهن. وبهذا المعنى فقط، سوف يصبح الفلسطيني المعاصر، مثله مثل الإسرائيلي المعاصر، شخصاً تمسّك بوهم كونه الكنعانيَّ القديم، وهما معاً، الضحية والجلاد، يعيشان داخل كابوس الهوية، أي في قلب التيه الجديد. 

وهذا هو برأيي جوهر المأزق الذي يعيشه الفلسطيني، ربما من حيث لا يدرك بعمقٍ كافٍ، أنه يعيش (أزمة هوية) شبيهة بمشكلة عدوه. بكلام موازٍ، سوف تبرز هذه المشكلة فقط، حين يردّد الفلسطيني رواية الآخر الإسرائيلي عنه القائلة: إنه كنعاني، أي من عرق لا وجود له في التاريخ الفلسطيني؛ لذلك، ولأجل أن يتمكن الفلسطيني من تحرير نفسه وأرضه، عليه قبل كل شيء أن يتحرّر من رواية الآخر، أي أن يتحرّر من هيمنة السرديّة اللاهوتية التي زيفت وعيه، وأن يرفض بقوة وصفه بـالكنعاني؛ لأن هذا الوصف لا أصل له، وهو في جوهره مصطلح احتقاري. إن النقوش البابلية الآشورية، ومنذ 950 ق.م لا تسجل اسم كنعان كشعب أو حضارة كبيرة قط، وهي تجهله تماماً، لكن هذه النقوش تسجل الاسم كنعان/كنعانيون كقبيلة في وقت متأخر من هذا التاريخ، وذلك حين اصطدم (شلمانصر) الثالث بالإسرائيليين والكنعانيين وقبيلة خولان وقبائل أوسان والعمونيين وقبائل جندب في اليمن. وفي النقش التالي يسجل الإمبراطور الآشوري اسم هذه الجماعة هكذا (جبل الكنعانيين/عرّ الكنعانيين). وكلمة (عرّ Ir) تعني (عر/جبل) بلهجات اليمن (مثل عرّ عدن، عر خولان الخ.). إن نص شلمانصر الثالث، ينهي كل وأيّ نقاش حول شعب وهمي يدعى شعب كتعان في فلسطين، فهم هنا قبيلة من القبائل التي تصدّت للغزو الآشوري لليمن، وكانوا يقاتلون، كتفاً لكتف، الأوسانيين (قبائل مملكة أوسان) والعمونيين (القتبانيين)، ومعهم أخاب الإسرائيلي. هنا جزء من النقش (نص النقش شلمانصر الثالث في الملحق رقم 3):

نقش الكنعانيين

 في سجلات شلمانصر الثالث 858-823 ق.م

SHALMANESER III

 223 offered sacrifices before the god Adad of Halman. From Halman I departed. To the cities of Irhuleni, the Hamathite, I drew near. The cities of Adennu, Barga, Argan&, his royal cities, I captured. His spoil, his property, the goods of his palaces, I brought out. I set fire to his

palaces. From Argansl I departed. To Karkar I drew near. 611.,.Karkar, his royal city, I destroyed, I devastated, I burned with fire. 1,200 chariots, 1,200 cavalry, 20,000 soldiers, of Hadad-ezer, of Aram (? Damascus); 

700 chariots, 700 cavalry, 10,000* soldiers of Irhuleni of Hamath, 2,000 chariots, 10,000 soldiers of Ahab, the Israelite, 500 soldiers of the

Gueans, 1,000 soldiers of the Musreans, 10 chariots, 10,000 soldiers of the Irkanateans, 200 soldiers of Matinuba’il, the Arvadite, 200 soldiers of the Usanateans, 30 chariots, [ ],ooo soldiers of Adunu-ba’il, the Shianean, 1,000 camels of Gindibu’, the Arabian, [ ],ooo soldiers [of] Ba’sa, son of Ruhubi, the Ammonite,—these twelve kings he brought to

الترجمة:

هو الذي قدم التضحيات للإله أداد (… في) .حلمان .ومن حلمان غادرت إلى “عرّ خولان”/جبل خولان Irhuleni و”الخمس” Hamathite، (ثم) اقتربت من مدن “عدينو/عدين” Adennu، و”برقو/برقه” BargaوArgan& و”عرجانو/عرجان،”  مدنه الملكية، أنا أسرتُه. غنمتُ ممتلكاته وكل ما في قصوره، أخرجته (منها). أشعلت النار في قصوره. ومن عرجان غادرت إلى “قرقر”  واقتربت. لقد دمرت، أنا دمرت، أنا أحرقتُ بالنار. 1200 مركوباً و 1200 من الفرسان المسلحين و 20000 جندي من “هدد عزر من أرام” ، و700 مركبة و700 من الفرسان المسلحين و 10000 جندي من جبل “خولاني/خولان ” و”من حمة”   و 2000 مركوباً و10 آلاف جندي من “أخآب”   والإسرائيليين  و500 جندي من “القنص/قانص”  و1000 ومن “قبائل مسر”  ( المسريين) و10 عربات و 10 آلاف جندي من جبل (عر)   الكنعانيين the Irkanateans و200 جندي من” إيل  متنية”  .

 ومن “أرفد”  Arvadite ،  200 جندي من “الأوسانيين” Usanateans، و30مركوب، وجنود “با- إيلو- إيل عدينو/عدين”Adunu-ba’il و”الشنانين”(مفرد شنان ) Shianean ،و1000 الإبل من “جندبو/جندب” Gindibu العربي، والجنود[من]”با عشة” Ba’sa و”بن رحب”  و”العمونيين” اثني عشر ملوكًا أحضرهم لدعمه. ولتقديم المعركة والقتال جاءوا ضدي. لكن الثقة في الجبروت السامي الذي أعطاه آشور، السيّد، وفي أسلحة الجبارة التي قدمها نيرجال  الذي يمشي أمامي، (أنا)، صارعتهم. من قرقر.

14، من محاربيهم قتلوا بالسيف. مثل أداد، أمطرت عليهم الدمار.

تحليل النقش

يكشف لنا هذا النقش الرائع دون مراء، أن خرافة وجود “شعب كنعان” كشعب يمتلك حضارة كبرى، تمتد من تخوم مصر لتشمل كل سورية التاريخية حتى غرب الفرات العراقي، هي تلفيق توراتي سقيم ومُزعج قام به لاهوتيُّو علم الآثار، فالنقش يقول صراحة أنهم قبيلة من بين القبائل اليمنية التي قاتلت الآشوريين في جنوب اليمن، سوية مع قبائل خولانو (قبائل خولان ومملكتي أوسان وقتبان). تسميّ التوراة مملكة قتبان باسم “العمونيين” وهذا لقب دينيّ عُرف به هؤلاء لأن الإله (عمّ) كان إله القتبانيين. ولأن سجلات شلمانصر الثالث توثق اسم “الكنعانيين” سوية مع اسم قبائل خولان والأوسانيين (قبائل مملكة أوسان اليمنية المعروفة) والعمونيين (القتبانيين)وقبائل العُدْيَن وملكها (هدد بن عزر ملك الإرميين في مغرب دمشقي-ما يُدعى دمشق)؛ فهذا دليل قاطع على أن مسرح المعارك كان في اليمن وليس في فلسطين. ومن غير المنطقي تخيّل أن ملك الآراميين هدد بن عزر الذي يزعم أنه ملك “دمشق” العاصمة السورية، دخل في تحالف مع مملكتي أوسان وقتبان وقبائل خولان وقبائل جبل الكنعانيين، وهم جماعات تعيش في اليمن كما تقول سجلات الآشوريين. هذه بكل تأكيد ديموغرافيّة يمنيّة (جغرافيًا وسكانيًّا)،  وليست فلسطينية. كانت مملكة “أوسان” الصغيرة، ولكن القوية، قد توسعت في أراضي الشمال السبئي، بينما توسعت مملكة “قتبان” في أراضي الجنوب الحميري، واستولت على كامل وادي “بيحان” وصولاً إلى عدن. لقد شكل هذا التوسع خلال أعوام 1000-850 ق.م أكبر تحدٍ وجودي بالنسبة للسبئيين في الشمال والحميريين في الجنوب؛ ولذا عقدا عام 650 ق.م حلفاً وثيقاً “لتفكيك” هاتين المملكتين وتوزيع أراضيهما على قبائل الشمال والجنوب من أجل تأسيس”الدولة الموّحدة: سبأ وحمير”. لقد عرقلت المملكتان الجنوبيتان في يافع والضالع، لوقت طويل، ربما أكثر من 300 عام متواصلة، أيَّ إمكانية لقيام وحدة الشمال والجنوب، وكانتا بأطماعهما التوسعيّة قد نشطتا سوية في قضم كل أراضي الشمال، حتى إن “قاضي قتبان” فرض على تجار سوق شمير أن لا يقوموا بأي نشاط تجاريّ، إلا لمصلحته. وهذا ما يفسرّ لنا السبب الحقيقي لتسجيل التوراة لوقائع الصراع المستمر والمتواصل مع الكنعانيين. مثل هذا الصراع لا يعرفه تاريخ فلسطين؛ بينما تخبرنا النقوش المسندية أن عناصر الصراع تكمن في روح الهيمنة التي فرضتها مملكة قتبان. ولذا، يجب أن ينظر القارئ إلى “حدود كنعان” في نصوص التوراة، بوصفها تسجيلاً أميناً لحقبةٍ من التمددّ داخل أراضي الشمال اليمني وليس في فلسطين، كما أن هذا الأمر يمكن أن يفسر لنا سبب قيام المكرب إيل وتر بن ذمر (أي الذماري) بن سمه علي بإبرام حلف عسكري مع قبائل الجنوب الحميري، وبحيث شرعا سوية في تحطيم مملكة “أوسان”، ثم تفكيك “مملكة قتبان”، وجرى بموجب هذا التحالف تقاسم أراضيهما، وهكذا تمكّن التحالف السبئي/الحميري من تأسيس المملكة الموحّدة. إن تحليلاً موضوعيًا ونزيهًا لهذا النقش (الجزء المنشور هنا من السجل الآشوري) يجب أن يلاحظ ما يلي:

أولاً:

من غير المنطقيّ تخيّل كل هذا الحشد من قبائل وملوك اليمن كان لأجل مواجهة العاهل الآشوري في مسرح فلسطيني: الكنعانيون، وملك دمشقي (آرام دمشق) هدد بن عزر، وأخاب الإسرائيلي (أخاب في التوراة من ملوك إسرائيل) وقبيلة خولان، وقبائل مملكة أوسان، وقبائل مملكة قتبان (قبائل العمونيين)، فضلاً عن ملوك صغار من محافظة (المحويت) اليوم من بينهم ملك قبائل جندب. ومهما كان الخيال سقيماً فلا يمكن تخيّل كل هذا الحشد، وقد خاض معاركه فوق أرض فلسطين. 

وإذا ما كان الفلسطينيون ” كنعانيين”، فهل لعاقل أن يتصوّر أن الفلسطينيين ذهبوا للقتال سويّة مع هدد بن عزر (ملك دمشق آرام) فقط لنجدة مملكتي أوسان وقتبان؟

ثانياً: وحتى يصبح الامر منطقيّاً ومقبولاً من وجهة نظر تاريخيّة، يتعيّن وضع الكنعانيين ضمن تاريخ وجغرافيّة اليمن، لأن هؤلاء خاضوا معاركهم انطلاقاً من وادي بيحان (من شبوة حتى لحج وعدن) ضد الآشوريين، وهم كانوا حلفاء مملكتي أوسان وقتبان وقبائل خولان.

ثالثاً: إن وجود اسم هدد بن عزر هنا ملكًا لآرام (آرام دمشقي) ضمن التحالف، ينسف أيّ أساس للمزاعم القائلة إنه استولى دمشق العاصمة السورية. هذا تزييف مريع للتاريخ. 

وهاكم نقشاً آخر يسجل اسم قبائل كنعان من شلمانصر الثالث:

نقش 2 كنعان في حملات شلمانصر الثالث

(السجلات القديمة)

ANCIENT RECORDS OF ASSYRIA senger to Shalmaneser, (to ask) for his aid. Shalmaneser, the powerful, the ferocious, whose ally is the god Urta, marched forth (lit., took the road), gave the order to advance upon Akkad. I drew near to the city of Zaban. Sacrifices I offered before Adad, my lord. From Zaban I departed. To the city of Me-turnat I drew near. (That) city I stormed, I captured, I slew its inhabitants, I carried off its spoil. From Me-turnat I departed. To the city of Gannanate I drew near. Mardukbel-us&te, the wretched king, who did not know what he was about (lit., his own way), came out against me, offering battle and combat. I defeated him, I slew his people, I shut him up in his city, I carried off the grain of his fields, I cut down his orchards, I turned aside (lit., dammed) his river. Year g. Against Babylonia (Col. IV, I. 5—Col. VI, L 8) 623. On a second campaign, in the eponymy of Belbunaia, on the twentieth day of Nisanu, I departed from Nineveh, crossed the Upper and Lower Zab, (and) drew near to the city of Lahiru. (That) city I stormed, I captured, its people I slew, its spoil I carried off. From Lahiru I departed, to Gannan&te I drew near. Marduk-bel-usate got away, like a fox, through a hole (in the wall, and) turned his face toward the mountains (in) lasubi. (There) he made the city of Arman his stronghold. I captured Gannanate, I slew its inhabitants, I carried away its spoil. I climbed the mountain in pursuit of him. I shut him up in Arman. I stormed that city, I captured (it), I slew its inhabitants, I carried off its spoil. Marduk-bel-usate I cut down with the sword, and (of) the camp-followers1 who were with him, not one escaped.

ترجمة نقش كنعان رقم 2 سجلات قديمة

طلب شلمنصر، القوي والمقتدر من حليفه الإله أورتا،  أن يسير إلى الأمام سالكاً الطرق، ولذا أمر جنوده بالتقدم نحو مدينة “عقد  Akkad”. اقتربتُ من مدينة “زبن / of Zaban”. فقدمت الأضاحي لإلهي ومولاي، أداد مولاي. 

ومن “زبن” رحلت. اقتربت من مدينة “مطرنت/مطرة “. city of Me-turnat 

المدينة التي سبق لي وأن اقتحمتها فاستولت عليها، وقتلت سكانها ثم حملت غنائم من “مطرة” وغادرت. (ثم) اقتربت من مدن/عرّ-جبل “الكنعانيين Gannanate”؛ كان Mardukbel مردوخ بعل الملك البائس الذي لم يكن يعرف ما يدور حوله، (والمُنشغل بأموره الخاصة) قد خرج ضدي عارضًا المعركة والقتال. لقد هزمته، قتلت شعبه وضيّقت عليه الخناق في مدينته، ثم حملت حبوب حقوله وقطعت بساتينه وسرت حتى اجتزت الوادي. (العام ز. ضد بابل/كولون 4، 1، كولونيل 6، ل 8/ 62): وفي حملة ثانية زحفت نحو of Belbunaia (بعل أون/ عون ). في العشرين من شهر نيسان/إبريل غادرت نبوة  وعبرت صوبة ، (و) اقترب من مدينة “حرو /الحرّة the city of Lahiru”. (تلك) المدينة التي اقتحمتها، استولت عليها، قتلت شعبها، حملت غنائمها. 

ومن “حرو” غادرت إلى Gannan (كنعان). كان مردوخ بعل الأوساني (أوسات Marduk-bel-usat) مثل الثعلب قد عبر حفرة في الحصن، متجهاً صوب الجبال في “صوبة lasubi”. (هناك) اتخذ من مدينة “عرمان ” معقلًا له. استوليت على كنعان وقتلت سكانها وحملت غنائمها. لقد تسلقت الجبل بحثًا عنه، ثم زحفت نحو “عرمان”. 

اقتحمت تلك المدينة واستولت عليها وقتلت سكانها ثم حملت غنائمها. مردوخ بعل الأوساني قتلته بالسيف. لم ينجُ أحد من أتباعه في المعسكر ممّن كانوا معه. 

تحليل النصّ

سوف أقوم بتحليل نص النقش لأجل تعميق النقاش حول مسألة “شعب كنعان”، وأيضاً من أجل رسم صورة أكثر تاريخية وأقل ميثيولوجية عن الحملة الآشورية على اليمن التي قادها شلمانصر الثالث. 

قاد الإمبراطور السوري-الآشوري جيوشه في قلب اليمن، واستولى على مناطق كثيرة، وقام بقتل فرسان الملوك الذين تصدّوا له، ومن بين هذه المدن كما يقول النصّ: مدينة “عقد Akkad” ومدينة “الزبن  of Zaban” ومدينة “مطرة/بني مطر”، ثم دخل (مدن الكنعانيين Gannanate) فواجهه (Marduk bel- مردوخ بعل الأوساني). بعد ذلك اصطدم بملك محلي يُدعى (Belbunaia/ بعل أونة/ عون). وبعد ذلك وفي حملة أخرى في شهر نيسان اصطدم شلمانصر، بملك محلي آخر يًدعى ملك (حرو the city of Lahiru)، ثم عاد أدراجه نحو أرض كنعان (غادرت إلى Gannan). هناك اكتشف أن الملك الأوساني (بعل مردوخ أوسات usate) قد تمكن من الهرب نحو جبال “مخلاف جبل صوبة mountains (in) lasubi. ” وهناك اتخذ من مدينة “عرمان city of Arman” معقلاً له. 

هذا ما يمكن استخلاصه من نص السجل الآشوري حول هذه الحملة.

لنلاحظ ما يلي:

أولاً: 

أن شلمانصّر يتحدث عن جماعة “أوسانية/ من مملكة أوسان” كان ملكها يُدعى “مردوخ بعل أوْست/أوسان” وكان يقود “الكنعانيين” الذين تصّدوا لغزو الآشوريين. وبطبيعة الحال لا وجود لأوسان في فلسطين؛ فهذه مملكة معروفة تاريخياً في اليمن، وكانت قوية حتى العام 650 ق.م. كل هذا يؤكد لنا بشكل قاطع أن الكنعانيين عاشوا في وادي بيحان كحلفاء لمملكة أوسان.

ثانياً:

إن النص يتحدث عن سردٍ جغرافيّ متناسق، ويتسم بأنه تسلسل سرديّ صلب ومُتقن، للمدن والأماكن التي استولى عليها الإمبراطور الآشوري، بدءاً من “مدينة عقد”. وبكل يقين فلا وجود لهذه المدينة في أي جغرافية أخرى خارج اليمن، فهي إحدى أهم المدن القديمة في “مخلاف العود” بمحافظة إب القديمة، كان هذا المخلاف/المملكة القبلية الصغيرة يُدعى قديما “مخلاف صوبة”، وهذا ما شرحته بتفاصيل كثيرة في مؤلفاتي. هذا المخلاف/المملكة في محافظة أب القديمة، هرب نحوه الملك الأوساني بعل مردوخ لأنه مكان حصين، يستطيع أن يجعل منه مكاناً للمقاومة. 

هذه أحداث لا يمكن تصوّر أنها وقعت في فلسطين، فلا وجود لملك أوساني، ولا كنعانيين، ولا “مخلاف صوبة” ولا “عرمان” في فلسطين.

ثالثاً:

إن اسم “الكنعانيين” في هذه السجلات، متلازم مع اسم ملكهم الأوساني، بعل مردوخ (وهذا لقب ديني مُستعار من حضارة آشور وتحت ضغطها الثقافي/ الروحي، أي تحت ضغط تأثيرها الدينيّ حين تمكنت من احتلال اليمن القديم خلال حملات متكررّة). لكل ذلك، سوف أكرّر: لا وجود للكنعانيين في فلسطين. الكنعانيون هم “الأوسانيون” أي: كل قبائل أوسان وحلفائها في اليمن.

رابعاً: 

نلاحظ في هذا النقش أن الآشوريين سجلوا اسم “الكنعانيين” في صورة Gannanate، وبدلاً من حرفي ka استخدم مدّون النصّ حرف G وهذا أمر يمكن تفسيره ببساطة باختلاف طرائق نطق القبائل للاسم، وهم منْ كان يعطي للأشوريين طريقة نطق الاسم خلال المعارك. إن حرف (G) ينطق في صورة (ج) المصرية (كاف ka). بكلام آخر هذا شكل قديم من أشكال تصويت اسم الكنعانيين في صورة ” كنع”. لكل هذا، أنفي نفياً قاطعاً أن تكون هناك أي علاقة قرابة بين الفلسطينيين والكنعانيين. هذه “قرابة استشراقية” لاهوتية اخترعها علماء الآثار من التيار التوراتي، ثم سار على خُطاهم كتّاب التاريخ من الغرب الأوروبيون “الاستشراقيين العرب”. 

إن النقش الآشوري واضح ولا يحتمل أي سجال عقيم. لكن السؤال الجوهري الذي يخصّ توصيف التوراة للكنعانيين يظل شاخصاً: لماذا نعتت التوراة بلسان إبراهيم الكنعانيين بأنهم “نجاسة” لأنهم غير مختونين؟

لكل ذلك يجب أن أختم بما يلي: مهمتنا اليوم تكمن في نقد ثقافة “إعادة إنتاج الرواية اللاهوتية الاستشراقية” التي تهيمن على مناهج التعليم والبحث التاريخي.

عندما أنتجت الأرضُ خليتها الحيَّةَ الأولى، لم تكن تدرك أن بعض هذه الخلايا ستشكل الإنسانَ العاقلَ، وأنه بعد مرور مليون و800 ألف عام ستتمكن هذه الخلايا من الانتشار السرطاني في كامل جسد الأرض على حساب بقية كائناتها الحية.

وأن هذا الكائن الهجين سيكون سبباً في تغيير طبيعة الكوكب قبل تدميره وموت كائناته الجميلة، ذلك أن كل ما يلد ويولد يحمل بذرة فنائه بداخله؛ بما فيه كوكب الأرض الذي خرجنا من طحالبه. يقول شكسبير في إحدى سونيتاته: “فضيُّ الينابيع لها وحل، وفي أكمام الزهر يغذي نفسَهُ الدُّودُ الكريه”؛ إذ كل شيء يحمل نقيضه بداخله، سوى الله الذي لم يلد أو يولد.

فالعقل البشري الذي ينوس بين الهمجية والتحضر، ضغط على زر العداد التنازلي لفناء الحياة فوق هذا الكوكب الجميل منذ لحظة اكتشافه أسرارَ الذرة؛ إذ راحت الهمجية تتنامى طرداً مع تقدم التكنولوجيا العسكرية، بينما الحضارة الإنسانية تتراجع أمامها، حيث يأكل الإنسانُ لحمَ أخيه بالشوكة والسكين على أنغام سيمفونية شهرزاد لريمسكي كورساكوف، بعدما كان أسلافه ينهشون كبده طازجاً قبل أن يبرد جسد الضحية على وقع قرع الطبول…

فعلى الرغم من التحضر الذي شهدته الإنسانية؛ فإن الهمجية لم تتغير وإنما القدرة على التدمير الشامل هي ما تغيَّر، ففي نهاية كتابها “أزمة الثقافة” تبدي الفيلسوفة حنة أرندت، شكَّها في “صوابية مسار البشرية نحو اكتساح الفضاء”، وفي أن “التقدُّمَ العلميَّ الذي أحرزته الشعوب المتحضرة، سوف يفضي إلى تدمير البعد الإنساني المأمول منه”، ذلك أن الثقافة الإنسانية المعاصرة تتراجع لصالح الهمجية العلمية، إن صح التعبير، حيث تحولت الحروب، بفضل التقدم العلمي، من استخدام السيف والرمح إلى السلاح النووي والبيولوجي والسيبراني الذي لا يعطي للمحارب فرصة أن يموت كبطل تبكيه النساء وتنظم فيه الأشعار وتمجده القصص والروايات، فمن يذكر اليوم آلاف الجنود العراقيين الذين حولهم السلاح الأمريكي إلى رماد في معركة مطار بغداد قبل عشرين عاماً؟ لم يتوفر لهؤلاء المقاتلين أن يدفنوا في قبر يزوره أقاربهم صبيحة العيد..

فهمجية التقدم العلمي سوف تمحو الوجود الإنساني، وقد لا يتوفر لنا وقت لشرح التفاصيل فيما لو تدحرجت الحرب الروسية مع الناتو في هذه اللحظة إلى رعب نووي يعيدنا إلى الوحل الذي خرجنا منه كعلق بائس لنمكث في طيننا مليون عام أخرى قبل أن تتشكل خلية جديدة وتثمر كائنات مختلفة، تعمر العالمَ مجدداً وتبني متاحف للعلوم الطبيعية تضع فيها هياكل بشرية ويشرح فيها الأدلاء للزوار أسبابَ انقراض البشر.

كان البشر همجاً رعاعاً يقلدون الحيوانات البرية والبحرية، اللاحمة والعاشبة؛ فلم تكن لهم برمجة أو سمة مميزة كما لبقية فصائل الثدييات، وكانوا أقرب في تكوينهم التشريحي إلى الخنازير منهم إلى القرود، وكانت الأنثى مشاعاً للذكور؛ هذا إذا لم يئدوها غبّ ولادتها. ويمكننا رصد تطور المجموعات البشرية في سلم التحضر حسب المكانة التي كانت تحوزها الإناث في المجموعة؛ حيث بدأ الذكور ينتبهون إلى أهمية حماية ورعاية إناثهم اللواتي أسهمن في أنسنة الوحش الذي يسكنهم كما في أسطورة جلجامش وأنكيدو، عندما يرسل جلجامش، ملك مدينة الورقاء، امرأة لاصطياد أنكيدو، الرجل البري (الهمجي) الذي يخرب المصائد ويفك الحيوانات من شباك الصيادين.

وبالطبع فإن جمال المرأة وسحرها وعذوبة كلماتها أسرت قلب أنكيدو فنام معها أربعة أيام بلياليها، وفي اليوم الرابع روضته المرأة وتأنسن أنكيدو، فنام الوحش بداخله، وجاءت به المرأة إلى المدينة كي يتحضر..

إذن؛ فالمرأة هي مصدر الأنسنة والمدنية، والرجال مصدر الحروب والهمجية، ويمكننا اليوم أن نفاضل في رقي الأمم حسب مكانة المرأة فيها، ويمكننا القول مع ابن عربي: “كل ما لا يؤنثُ لايعوَّلُ عليه”….

الفكرة الإبراهيمية عن حياة ما بعد الموت جعلت غالبية المتدينين لا يعبؤون بخراب العالم ما دام هناك مكان آخر خارج كوكب الأرض سيستضيفهم بعد موتهم ككائنات خالدة، في النعيم أو الجحيم. فالملاحظ أن غالبية المنخرطين في مجموعات دينية لا يأبهون لتغير المناخ، ولا بثقب الأوزون أو التلوث وانقراض بعض الكائنات الحية، ولا يناهضون انتشار السلاح النووي.. ونحن لم نسمع واعظاً أو خطيبا ًيحضُّ على حماية (دار الفناء) من الفناء ما دامت (دار البقاء) بانتظار أتباعه.

ففعلياً كل مُتشدِّد لديه وطن افتراضي متخيل يحجب عنه الإخلاص الكامل لوطنه الحقيقي ودستور دولته في ما يخالف مذهبه الذي ينتمي غالباً إلى امتداداته خارج حدود الوطن! وهذا لا يساعد كثيراً على الأنسنة والمواطنة والحفاظ على مصادر الحياة الأرضية، بالتالي فإنه لا يساعد على الحد من الأفعال الهمجية التي تدمر الكوكب، هذا إذا لم يفاقمه؛ حيث نرى اليوم كيف أن عتاة المسيحيين الصهاينة يحضون على سباق التسلح والعسكرة بانتظار تحقق أسطورة (هرمجدون) التوراتية؛ حيث يفترض أن تجتمع الجيوش في منطقة بين النيل والفرات، ويظهر الماشيح ليقودهم في مواجهة ضد المسيح الدجال وجيشه الذي يتحالف مع يأجوج ومأجوج (الصيني)؛ في سيناريو يحاكي نهاية العالم، بينما عتاة المتدينين المسلمين ينتظرون ظهور الشمس من مغربها والدابة التي تكلم الناس وعودة المهدي يؤازره النبي عيسى؛ ليقودوهم في مواجهة الأعور الدجال في معركة البشر الأخيرة؛ حيث ينفخ الرب في الصور ثلاث نفخات بالتمام والكمال، فتقوم القيامة وتكون النهاية، ويعود المؤمنون إلى مملكة السماء، وطنهم الذي أخرجهم إبليس منه! لهذا لم تكن الثقافات الإبراهيمية يوماً مصدرَ سلام بين الأمم، ولا بين الرجل والمرأة؛ إذ كل المقاتلين المنتمين إلى أديانهم كانوا يقتبسون ما يناسبهم من نصوص الكتب المقدسة لتبرير همجيتهم في الحروب، منذ قيام الأوروبيين بإبادة الهنود الحمر، مروراً بإبادة الفلسطينيين على يد اليهود الإسرائيليين، وصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية الذي قتل كل شيء حتى أتباعه السلفيين!

الكم الأكبر من الأفعال الهمجية يأتي غالباً من الأحقاد التاريخية المتوارثة بين البشر؛ ففي بلدان الخوف المتوضعة شرقي المتوسط التي مر عليها كل أنواع الغزاة والثقافات والأديان والأيديولوجيات التي غرست قدراً كبيراً من بذار الفرقة والكراهية في أرضها: كراهية إثنية وقبلية وعشائرية ودينية ومذهبية وطبقية ومناطقية وسياسية وحزبية ومهنية وجنسانية..

كلهم اليوم بحاجة إلى تبريد أحقادهم في جسد الآخر المختلف، لهذا لم تكتمل دولة المواطنة في هذه البلدان، وتعرضت خلال العقود الأربعة الأخيرة إلى ثلاث حروب أهلية: في لبنان والعراق وسوريا؛ حيث عجز حكامها عن تفكيك عصبياتها، فعمدوا إلى إدارتها واستثمارها على مبدأ ميكيافيللي والسياسات الاستعمارية التي كانت تعمل على مبدأ “فرق تسد”، إلى أن جاء مَن أيقظ هذه الأحقاد وموَّلها ونظَّمها وسلَّحها ودعَّمها لوجستياً وإعلامياً واستخبارياً وفقهياً، فمكنوا الهمجي من أن يقتل جاره ويسبي امرأته ويغنم ماله ويدخل الجنة بعدما يطوب ثائراً، إلى أن تشكل لدينا أكبر تجمع همجي وبربري في التاريخ الحديث كتتويج ونتاج لهذه الأحقاد المتوارثة!

أخيراً عزيزي القارئ: هل تظن أن الهمجية التي نتحدث عنها تخصّ الآخر من دونك؟ انظر إلى أوهامك وظنونك وسلوكك تجاه الآخر الذي لا يشبهك؛ لكي تعرف نسبة الهمجية عندك.. فيا أيها السيد في أُسرتك والمحسوب على تعداد سكان مدينتك، اجعل من نفسك رجلاً مسالماً منفتحاً وغير عدائي، واعلم أن كمية العنف في العالم سوف تنقص، وأنك غدوت شريكاً حقيقياً في صنع سلام العالم.